الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
| سطر ١٠٤: | سطر ١٠٤: | ||
وفي هذه الآية دلالة على أن خلق الله تعالى غير محصورٍ في أي عقل من العقول، ولا تصور من التصورات؛ إذ إن البشر مهما وصلوا من علم فإنهم لن يتعرفوا على أقل القليل من علم الله تعالى وخلقه. | وفي هذه الآية دلالة على أن خلق الله تعالى غير محصورٍ في أي عقل من العقول، ولا تصور من التصورات؛ إذ إن البشر مهما وصلوا من علم فإنهم لن يتعرفوا على أقل القليل من علم الله تعالى وخلقه. | ||
==العلم صفة الله تعالى== | |||
إن الله تعالى وصف نفسه في كتابه العزيز بأكثر من صفة دالة على علمه، منها: «عالم، والعليم، والعلام، وأعلم، وعلمناه، ويعلم، وغير ذلك»، كما أن علم الله تعالى لا يشابهه علم، ولا يتخيله عقل؛ إذ إنه مطلق محيط، ينفرد بكنهه رب العزة والجبروت، ومن ثم فإن المتدبر بآيات القرآن الكريم التي بينت علم الله تعالى المطلق ينبغي أن يسلم أمره إلى ربه، لا سيما بعد إذعانه بما لا طاقة له بإدراكه، مما هو مسندٌ إلى ربه من صفات العلم، وغير ذلك. | |||
وسيمثل هذا المبحث توضيحًا لكل ما سبق من خلال النقاط الآتية: | |||
===إسناد العلم إلى الله تعالى=== | |||
وردت آيات عديدة تبين كثيرًا من صفاته جل شأنه مما اختصت بالعلم، ومن هذه الآيات: | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني | قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}}<ref> سورة الجن، الآية 25-26.</ref>. | |||
وقد بينت الآية السابقة أن الله تعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين -المطالبين بالعذاب استخفافًا وعنادًا- ما أدري أقريبٌ ما وعدكم ربكم به من العذاب أم يجعل له ربي غايةً وأجلًا بعيدًا يعلمه هو ولا يعلمه غيره، وتأتي هذه الآية؛ لتقرر حقيقةً ألا وهي أن الله تعالى عالم الغيب وحده، ولا يطلع على غيبه أحدًا من عباده إلا من رضي ربنا سبحانه وتعالى من رسول أن يبلغ عنه، فإنه يطلعه مع الاحتياط الكافي؛ حتى لا يتسرب الخبر الغيبي إلى الناس <ref>انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٥/٤٥٤.</ref>. | |||
وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الله تعالى من أخص خصوصياته علم الغيب؛ إذ إن ذلك العلم لا يمكن أن يصل إليه مخلوق من المخلوقات مهما علت رتبته عند الله تعالى، إلا إذا ارتضى من رسول فإن من خلفه رصدًا من الملائكة، ثم يطلعه ضمن الوحي الذي يوحى إليه. | |||
وهذا خلاف لما يمكن أن يقال من بعض الصوفية: إن بعض الصالحين ممن يدعي أنه له مدد الولاية من الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيه الله تعالى الكرامة لأن يطلع على الغيب، ولا شك أن هذا باطل؛ إذ إن ظاهر الآية لا يحتمل ما ذهب إليه أصحاب هذا القول، ولا بوجهٍ من وجوه هذا المعنى، والله أعلم. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 30-32.</ref>. | |||
حيث إن هذه الآيات تأتي في سياق بيان قدرة الله تعالى المطلقة، فيقول الله عز وجل فيها: {{نص حديث| إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }}، فقالت الملائكة: يا ربنا أتجعل في هذه الأرض من يرتكب الفساد بأنواعه، ويقتل بسفك الدماء، والحال أننا نصلي لك، ونبرئك من السوء، ونعظمك ونعمل لك كل خيرٍ أردتنا له، ونطهر أنفسنا لك، وعندها جاءت الآية القرآنية؛ لترد على قول الملائكة بأن الله تعالى قطع كلامهم، بأنه علم أنه سينشأ من ذلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وأنه لا يقدر إلا الخير، وهو الذي لربما يغفل عنه المخلوقات، ولربما الملائكة فهو الأعلم بخلقه مما لا تعلمه الملائكة. | |||
ثم يعلمهم الله سبحانه تعالى درسًا عمليًا في الإذعان له جل جلاله ولأمره، فعلم هذا الخليفة الذي هو آدم عليه السلام أسماء الخلق كلهم دون أن تعلم الملائكة، ثم حشر الله تعالى الدواب كلها، والسباع والطير وما ذرأ في الأرض. | |||
ثم قال للملائكة: {{ نص قرآني |فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 31-32.</ref>. <ref>انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/٢٣٢.</ref> | |||
وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان المسلم ينبغي أن يترجم إسلامه باستسلامه لربه تعالى ولعلمه المطلق، فكلما ازداد العبد ايمانًا وتقوىً وطاعةً كلما ازداد إذعانًا وتسليمًا، فمهما علم فإنه ما أوتي من العلم إلا القليل، وفي ذلك يقول الله تعالى: {{ نص قرآني |وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية 85.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ }}<ref> سورة الأنبياء، الآية 80-81.</ref>. | |||
إن هذه الآية تأتي في سياق ذكر قصة النبي داود عليه السلام فتذكر أن الله تعالى علم ذلك النبي صناعة دروع الحديد؛ لتحفظ أنفسهم في المعارك عند قتال عدوهم، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتسأل سؤالًا غرضه الأمر، فيقول تعالى: {{نص قرآني| فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ }} أي: اشكروا رب هذه النعم ووحدوه، وتأتي الآية الثانية؛ لتبين أن الله تعالى أعطى لنبيه سليمان عليه السلام نعمة تسخير الريح، حيث كانت تشتد إذا أراد، وتلين إذا أراد، فتسير بأمر الله تعالى إلى الأرض التي بارك فيها بالماء والشجر والقدسية، وتأتي فاصلة الآية؛ لتبين أن الله تعالى كان بكل شيء من أمر سليمان عليه السلام وغيره عالمًا <ref>انظر: تفسير السمرقندي ٢/٤٣٥.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}}<ref> سورة المائدة، الآية 109.</ref>. | |||
فقد بينت الآيات الكريمة أن الله تعالى يجمع الرسل يوم القيامة على صعيدٍ واحدٍ، فيسألهم ماذا أجبتم من قبل الناس الذين أرسلتم إليهم، فتكون إجابتهم بكل أدبٍ ونسبٍ للعلم لله تعالى وحده: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلم به منا <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٤/١٢٣٥، ١٢٣٦.</ref>. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الله تعالى سيسأل الجميع رسلًا كانوا أو مرسلًا إليهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 6-7.</ref>. | |||
===علم الله المطلق المحيط=== | |||
وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها: | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}}<ref> سورة الجن، الآية 28.</ref>. | |||
وقد بينت الآيات السابقة أنه تعالى لا يظهر على غيبه أحدًا، وأنه يختص من ارتضى من الرسل، فيعطيهم من الغيبيات ما يكفيهم لهداية الناس، وإبلاغ شرع الله تعالى، وتأتي هذه الآية؛ لتبين علة إعطاء الرسل هذه المساحة من علم الغيب، وهي إبلاغ رسالات ربهم، فإذا بلغوا علم الله تعالى ذلك، وإن الله تعالى قد أحاط بما لدى هؤلاء الرسل من علم ما عندهم، وعلم عدد كل شيء فلم يخف عليه شيء <ref>انظر: الوجيز، الواحدي ص١١٤٣.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية 65.</ref>. أي: قل يا محمد لمن سألك عن الساعة متى هي: لا يعلم غيبها إلا الله تعالى. | |||
وقد أثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «من زعم أنه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {{نص حديث| لَا يَعْلَمُ }} الآية» <ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٨/٥٤٥٧.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 187.</ref>. | |||
عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار فنام قبل أن يطعم لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةٌ لك، فأصبح صائمًا، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {{ نص قرآني |أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}} ففرحوا بها فرحًا شديدًا <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام)، ٣/٢٨، رقم ١٩١٥، أسباب النزول، الواحدي ص٥٤.</ref>. | |||
وأما قوله تعالى: {{نص قرآني|عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ }} فإن ذلك يبين أن الله تعالى يعلم السر وما هو أخفى منه، وما يجول في النفس، وما يجتهد الإنسان أن يفعله بسبب أو بآخر فإن الله تعالى يعلمه، وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم من يختان نفسه بجماع امراته في الليل، أو في المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٣/٤٩٤.</ref>. | |||
=== المجالات التي ينفرد بها العلم الإلهي=== | |||
لقد بين القرآن الكريم كثيرًا من المجالات التي ينفرد بها العلم الإلهي، ولعل أوضح هذه الآيات قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية 34.</ref>. | |||
فإن هذه الغيبيات الخمسة اختص الله تعالى بعلمها، فلا يعلم أحدٌ غير الله تعالى عن علم الساعة ومتى تقوم، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 187.</ref>. | |||
فقيام الساعة مختصٌ بعلمه، وموقوف على إرادته <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤/٣٤٩.</ref>. | |||
ثم تبين هذه الآية اختصاصه جل جلاله بعلم نزول الغيث وتقديره؛ إذ إن الله سبحانه له طلاقة القدرة التي لا تخضع لقوانين الكون، بل يخضعها الله تعالى لتقديره وأمره، فقد تكون كل الظروف مهيأة لنزول الغيث، ولا يقدر الله تعالى ذلك، فلم تلبث أن تكون السماء صافية، وقد يحدث عكس ذلك، وعلى هذا فإن المؤمن يجب أن يوقن من قلبه ويعترف بلسانه ويعمل بجوارحه بمقتضى التسليم لعلم الله تعالى وتقديره. | |||
وتبين الآية الكريمة الغيبية الثالثة، والتي اختصها الله تعالى بعلمه، وهي علمه بما في الأرحام، وهذا لا يعني أن يعلم الله تعالى كون ما في الأرحام ذكرًا أو أنثى فحسب؛ إذ إن علم الأرحام أعم من ذلك، فلا يعلم أحدٌ من الخلق هل الجنين شقيٌ أو سعيد؟ وما هو عمله؟ ومتى رزقه؟ ومتى أجله؟ وهل سيولد حيًا أو ميتًا؟ حتى معرفة الجنين فقد يقدر الله تعالى خلاف ما يتوقعه أهل العلم، من خلال الأجهزة المتطورة، وما شابه. | |||
ويبين الله تعالى الغيبية الرابعة التي لربما لا ينتبه لها بعض الناس، وهي علم كسب الرزق، وكيف سيكون؟ فالله تعالى قد أقسم في القرآن الكريم أعظم قسم في حق الرزق، فقال تعالى: {{ نص قرآني | وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }}<ref> سورة الذاريات، الآية 22-23.</ref>. | |||
وعلى هذا فإن المسلم يجب أن يستيقن من قضية رزقه، وأنه آتٍ لا محالة -وفق ما يقدره الله- غير أن الكمية ومدى كفايتها، ومن أين ستكون؟ وهل ستجعله شقيًا أم سعيدًا؟ وهل سيكون في ذلك حرجٌ أم لا؟ وغير ذلك من علم الرزق إنما هو من اختصاص الذات الإلهية. | |||
ثم تبين الآية الغيبية الخامسة وهو علم موعد موت الإنسان، وبأي أرض سيموت؟ وهل سيموت على الطاعة أم المعصية؟ وهل سيخلف بعده عملًا صالحًا أم سيئًا؟ وهل سيترك لأولاده ما يتقوون به أم لا؟ وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالموت، فإنها كلها من اختصاص علم الله تعالى وتقديره. | |||
ثم تأتي الفاصلة القرآنية {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية 34.</ref> لتقرر أن الله تعالى متصفٌ بالعلم الذي لا يحده وصفٌ، وبالخبرة التي لا يحدها قدرٌ <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/١٥٩، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣/٣٧٩.</ref>. | |||
وقد وردت آية كريمة ذات صلة بموضوع اختصاص الذات الإلهية بعلم ما في النفس، وهي قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية 85.</ref>. | |||
عن عبد الله رضي الله عنه، قال: (إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرثٍ بالمدينة، وهو متكئٌ على عسيبٍ، فمر بنا ناسٌ من اليهود، فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفرٌ منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام فأمسك بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه. فأنزل الله عليه: {{ نص قرآني |وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب قول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، ١/٣٧، رقم ١٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح ٤/٢١٥٢، رقم ٢٧٩٤. وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٩٩.</ref>. | |||
والمعنى: ويسألك يا محمد صلى الله عليه وسلم قومك -بإيعازٍ من اليهود- عن حقيقة الروح، قل لهم: الروح من علم ربي، الذي استأثر به، وما أوتيتم من العلم إلا شيئًا قليلًا في جانب علم الله تعالى <ref>انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص٤٢٢.</ref>. | |||
===الآثار المترتبة على علم الله المطلق=== | |||
يترتب على علم الله تعالى المطلق آثارٌ، منها: | |||
#معرفة حسن تقدير الله تعالى لما ينفع العباد:وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ }}<ref> سورة الأنفال، الآية 22-23.</ref>. حيث تبين هذه الآية الكريمة أن شر الناس عند الله تعالى من يصم أذنيه عن الهدى، ويخرس لسانه التكلم بخير، ويكون ليس متعقلًا للإيمان وحقيقته، وقد وردت تلك الآية في بني عبد الدار، وغيرهم من الكفار، الذين لم يسلموا بعد، ثم تأتي الآتية؛ لتبين أنه جل جلاله لو علم فيهم صدقًا لأعطاهم الإيمان وأكرمهم به، ولو أكرمهم بالإسلام لأعرضوا عن الإيمان، بما سبق في علم الله تعالى فيهم <ref>انظر: تفسير السمرقندي ٢/١٤، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٥/١٦٧٧.</ref>. وفي هذه الآية دليلٌ على أن الدعوة تقتضي الإعراض والانشغال عمن طبع الله تعالى على قلبه؛ فلا يصغي ولا يتكلم بالحق، فهو لا يسمع آيات الله تعالى سماع تفهمٍ وتبصر، وإن سمعها فإنه يبحث في سماعه هذا عن ثغرةٍ ينال من خلالها من الإسلام. | |||
#الحذر من عقاب الله تعالى: وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 235.</ref>. فبعد أن بين الله تعالى في رأس هذه الآية رفع الحرج عن التعريض بخطبة النساء اللاتي في عدة وفاة أزواجهن دون تصريحٍ لهن، وذلك بالنهي عن المواعدة سرًا، وتحريم عقدة النكاح قبل انقضاء العدة، ثم عقب ذلك بما جاء في قوله تعالى: «واعلموا» علمًا يزول الشك من خلاله أن الله تعالى يعلم ما في أنفسكم فاحذروا أن تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم بينت فاصلة الآية الكريمة أنه لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلعٌ عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون <ref>انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص١٥٠.</ref>. وفي هذه الآية دليل أن الإنسان المؤمن يجب أن يستشعر علم الله تعالى المطلق؛ فيحذر من عقابه وغضبه، فلا يكتم في نفسه إلا كل خير، وفق شرع الله تعالى فضلًا عن القول والعمل. | |||
#الاعتقاد الجازم أن الشدائد المقدرة من الله تعالى خيرٌ للمسلمين: وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 216.</ref>. | |||
حيث يبين الله تعالى في هذه الآية فرضية الجهاد، فيأمر -بأسلوب الإلزام الذي يلحق تاركه إثم- المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله تعالى من الكفار، والحال أن هذا الفرض مكروه في الطباع النفسية، لكن عسى أن يكرهوا ما في الجهاد من مشقة، وهو خيرٌ كله، فالمؤمنون بالتزامهم الجهاد يغلبون ويغنمون ويؤجرون، ومن مات فهو شهيدٌ، وعسى أن يحبوا الدعة وترك القتال وهو شرٌ كله، في كون المؤمنين يغلبون ويذلون ويذهب أمرهم <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/٣٨- ٣٩.</ref>. وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن العاقل هو من يستسلم لعلم الله تعالى وتقديره؛ إذ إن علم الإنسان قاصرٌ مهما بلغ من تطور، وفي الآية دليلٌ على أن المسلم ينبغي أن يستشعر بالعجز والتسليم لعلمه تعالى من جهة، وأن يلتزم أمره جل جلاله مهما ظهرت في قشوره الهلكة؛ لأن باطن ذلك الرحمة والخير، ثم إن من رضي بعلم الله تعالى وبما قسمه له فهو من الراضين بقضاء الله تعالى، الذين يستحقون أن يبلغوا المنازل العليا في الجنة. | |||
#تحصين المجتمع المسلم من الفاحشة: وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة النور، الآية 19.</ref>. | |||
وهذه الآية عامة لكل من يحب أن تذيع وتشتهر الفاحشة والرذيلة في الذين آمنوا وإن كان ظاهر الآية يتحدث عن أم المؤمنين عائشة وصفوان وآل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، حينما قال بعض الناس من المؤمنين لبعضهم: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة، فإن هذه الآية تبين أن هذا له عذاب حد القذف في الدنيا، وعذابٌ في الآخرة وهو النار، وهذا خاصٌ بمن أحب إشاعة الفاحشة، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله تعالى يعلم براءة عائشة رضي الله عنها، وأنه خلقها طاهرة طيبة؛ حتى إن لم يعلم الجميع فإن الله تعالى وحده هو الذي يعلم <ref>انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/٥١٢.</ref>. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | ||