الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
| سطر ١٨٩: | سطر ١٨٩: | ||
وهذه الآية عامة لكل من يحب أن تذيع وتشتهر الفاحشة والرذيلة في الذين آمنوا وإن كان ظاهر الآية يتحدث عن أم المؤمنين عائشة وصفوان وآل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، حينما قال بعض الناس من المؤمنين لبعضهم: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة، فإن هذه الآية تبين أن هذا له عذاب حد القذف في الدنيا، وعذابٌ في الآخرة وهو النار، وهذا خاصٌ بمن أحب إشاعة الفاحشة، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله تعالى يعلم براءة عائشة رضي الله عنها، وأنه خلقها طاهرة طيبة؛ حتى إن لم يعلم الجميع فإن الله تعالى وحده هو الذي يعلم <ref>انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/٥١٢.</ref>. | وهذه الآية عامة لكل من يحب أن تذيع وتشتهر الفاحشة والرذيلة في الذين آمنوا وإن كان ظاهر الآية يتحدث عن أم المؤمنين عائشة وصفوان وآل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، حينما قال بعض الناس من المؤمنين لبعضهم: أما بلغك كذا وكذا من خبر عائشة، فإن هذه الآية تبين أن هذا له عذاب حد القذف في الدنيا، وعذابٌ في الآخرة وهو النار، وهذا خاصٌ بمن أحب إشاعة الفاحشة، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله تعالى يعلم براءة عائشة رضي الله عنها، وأنه خلقها طاهرة طيبة؛ حتى إن لم يعلم الجميع فإن الله تعالى وحده هو الذي يعلم <ref>انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/٥١٢.</ref>. | ||
=العلم وصف للمخلوقات== | |||
إن الله تعالى قد وصف المخلوقات من الملائكة والرسل والمؤمنين والجن والشياطين بأنهم يعلمون؛ فمنهم يَعْلَمُ ويُعَلِّمُ سواء أكان هذا العلم خيرًا كما عند الملائكة والنبيين والمؤمنين، أو كان هذا العلم شرًا كعلم الشياطين، أو كان متوقفًا على ضابطٍ يحله أو يحرمه، كعلم الجن، ثم جاء في وصف المخلوقات من الحيوانات والطيور أنهم يسبحون ولا يعلم أحدٌ تسبيحهم إلا الله تعالى. | |||
وسيتم الحديث عنها من خلال النقاط الآتية: | |||
===الملائكة=== | |||
وقد برز ذلك واضحًا في آيات، منها: | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 23.</ref>. | |||
فإن هذه الآية الكريمة تبين عظيم تأدب الملائكة مع ربهم جل شأنه؛ حيث ينزهون الله تعالى عن أن يعلم الغيب أحدٌ سواه، وهذا جوابٌ عن قوله: {{ نص قرآني |أَنْبِئُونِي}} في الآية السابقة، فقد أجابوا بأنهم لا يعلمون إلا بما أعلمهم به، ولا يتعاطون بما لا علم لهم به كما يفعله بعض الجهال <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/٢٨٥.</ref>. | |||
وفي الآية دليلٌ على أنه يتوجب على من يسأل عن علمٍ لا يعلمه أن يقول: الله أعلم ولا أدري، اقتداءً بالملائكة <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/٢٨٥.</ref>، كما أنه يستفاد بأن الملائكة لما علمت عجزها عن الإنباء بأسماء الخلق كلهم من دواب، وطيور وغيرهم، عندها بدأت الملائكة جوابها لله تعالى بتنزيهه عن كل نقص، فهو الذي لا يعجزه شيء، ومن ثم فإن أي علمٍ أو قدرةٍ أو تقديرٍ وصلت الملائكة إليه، إنما هو مما علمهم الله تعالى وقدرهم له، ومما أعطاهم الله تعالى به من وجوه الاستطاعة. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ}}<ref> سورة الصافات، الآية 164.</ref>. | |||
وفي هذه الآية إخبارٌ عن الملائكة، بأنه ما منهم ملكٌ إلا له مكانٌ في السماوات مخصوص، يعبد الله تعالى فيه، وعلى هذا فإن المعلوم هنا يعني المخصوص؛ حيث يضاف إلى استعمالات العلم في القرآن الكريم هذا المعنى <ref>انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/٥٥٥.</ref>. | |||
وفي الآية دليلٌ على أن الملائكة لهم تخصصات في العمل، ومقامات في المرتبة، وهم جنود الله تعالى العظماء الذين هم أكثر الخلق -فيما نعلم- عبادةً لله تعالى، والتزامًا بأوامره، وانضباطًا بما يوضعون به من مكان، أو مهام. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}}<ref> سورة الإنفطار، الآية 12.</ref>. | |||
وفي هذه الآية تعجب من حال المكذبين بيوم الدين، فكيف يكذبون بيوم الدين، وهو يوم الحساب والجزاء؟! وملائكة الله تعالى موكلون بكم، يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا عليها يوم القيامة <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/٧٧.</ref>. | |||
وفي هذه الآيات دلالةٌ على وجوب الاستشعار بجنود الله تعالى مما يحمل ذلك المسلم على مزيد من الخوف من الله تعالى، فإذا كان على يقينٍ بأنه {{ نص قرآني |مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}}<ref> سورة ق، الآية 18.</ref>، فعندها يتقرب إلى الله تعالى، ويرتدع عن فعل المنكرات فضلًا عن القول بها، فلا يتفاجأ ذلك المسلم الذي يراقب الله تعالى في كل حركة من حركاته، وفي كل سكنة من سكناته حينما ينصب الميزان، ويوضع الكتاب، فيقول أولئك الموحدون الذين استحقوا دخول الجنة برحمةٍ من الله تعالى حال ندائهم لأصحاب النار: {{ نص قرآني |وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 44.</ref>. | |||
أما المجرمون فإن المفاجأة تتملكهم حين ينصب الميزان، ويوضع الكتاب؛ إذ إنهم كانوا لا يستشعرون جنود الله تعالى الملائكة الحافظين، وعندها يقول هؤلاء المجرمون: {{ نص قرآني |وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}}<ref> سورة الكهف، الآية 49.</ref>. | |||
ولا شك أن هذا الكتاب قد أحصى كل شيء بتقدير الله تعالى وعلمه؛ إذ إن الله تعالى سخر جنودًا لذلك، هم الملائكة الذين هم موكلون بذلك. | |||
===الرسل=== | |||
وقد ورد في القرآن الكريم نماذج من الأنبياء والمرسلين الذين آتاهم الله تعالى علمًا يكفيهم لتبليغ رسالة الله تعالى، ومن هؤلاء الأنبياء الذين ورد ذكرهم ما يأتي: | |||
#أبو البشر آدم صلى الله عليه وسلم: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 31.</ref>. حيث تفصل هذه الآية الكريمة ما أجمله قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 30.</ref>. في الآية السابقة حين أجاب الملائكة عن حكمة خلق آدم؛ فتبين هذه الآية أن الله تعالى علمه الأسماء كلها مما فيه معرفة للخلق من حيوان ودواب وكافة المخلوقات على الأرض، ثم عرضهم على الملائكة؛ ليظهر بذلك كمال فضل آدم عليه السلام، وقصور الملائكة عنه في العلم الذي أعطاه الله لهم، فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي في الآية السابقة بهذا الجواب التفصيلي في هذه الآية <ref>انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١/٥١١- ٥١٢.</ref>. | |||
#أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}}<ref> سورة مريم، الآية 43.</ref>. أي: إني قد آتاني الله تعالى من العلم -أي: من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت- ما لم يؤتك به فاقبل مني نصيحتي؛ حتى تبصر هدي الطريق المستوي، الذي لا تضل فيه إن لزمت، وهو الدين الذي لا اعوجاج فيه <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٢٠٣، ٢٠٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/١١١.</ref>. وفي هذه الآية دليلٌ على أن الداعية إذا كان عالما في مسائل الدين ينبغي أن ينبه الناس بهذه المسائل، ويحذرهم من مغبة الحيد عنها، واتباع الشيطان. | |||
#لوط عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 74.</ref>. حيث تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ فبينت أن الله تعالى آتى نبيه لوطًا عليه السلام القول الفصل والسداد في الحكم، والعلم النافع، ونجاه من القرية التي أهلها يعملون الأعمال الشاذة الخبيثة، وجاءت فاصلة الآية؛ لتبين أن قوم لوطٍ عليه السلام كانوا أهل سوء وخروج عن حد الإنسانية؛ فهم بهيميون في إتيانهم الذكران، وهي فاحشةٌ ما سبقهم بها أحدٌ من العالمين <ref>انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص٤٨١.</ref>. | |||
#يوسف عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية 22.</ref>. حيث إن النبي يوسف صلى الله عليه وسلم لما بلغ منتهى قوته وشبابه أعطاه الله تعالى فهمًا في الحكم وعلمًا نافعًا، وإن مثل هذا الجزاء الذي جوزي به النبي يوسف عليه السلام إنما هو لإحسانه، وفي هذا تسليةٌ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالله تعالى معه، يؤيده وينصره، ويعطيه من مدعمات انتشار الدعوة، والحفاظ عليها، ما يكفيه للاستمرار في ذلك <ref>انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير ص٢٣٧.</ref>. | |||
#داود عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 80.</ref>. حيث ألهمه الله تعالى بصناعة اللبوس الذي تعنيه العرب بأنه السلاح كله، درعًا كان، أو سيفًا، أو رمحًا، أو غير ذلك <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٤٨٠.</ref>. | |||
#موسى عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة القصص، الآية 14.</ref>. فإن هذه الآية الكريمة تبين أنه لما اشتد بدن النبي موسى صلى الله عليه وسلم وأعطاه الله تعالى من القوة، وتناهي مرحلة التكوين الشبابية، وتم خلقه، واستحكم في سنين معدودة -ذكر بعضهم أنها أربعون عامًا <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٥٣٥.</ref>- عندها آتاه الله تعالى حكمًا وعلمًا، أي: عقلًا وفهمًا في الدين، فعلم وحكم قبل أن يبعث نبيًّا. وتأتي الفاصل القرآنية؛ لتبين العلة من هذه المكرمة الربانية لموسى صلى الله عليه وسلم، وهي أن هذه الكرامة جزاء المحسنين الذين أحسنوا وأطاعوا <ref>انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/٣٥٩.</ref>. | |||
#محمد صلى الله عليه وسلم: فقد قال الله تعالى في حقه: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة النساء، الآية 13.</ref>. وردت هذه الآية في معرض الحديث القرآني عن قصة بني أبيرق، حيث تبين عظيم فضله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم رحمته به؛ إذ لولا فضل الله تعالى عليه ورحمته لهمت فرقةٌ من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، وإن كانوا أهل إيمان، أن يزلوك عن طريق الحق؛ وذلك لتلبسهم أمر الخائن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم أن هذا الخائن ادعي عليه ظلمًا، بل وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعذره، وأن يقوم بمعذرته في أصحابه. | |||
لكن الله تعالى يبين أن هؤلاء المختانين يأخذون أنفسهم في غير ما أباح الله تعالى لهم الأخذ بها فيه من سبله. | |||
ثم تبين الآية على وجه التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الناس لا يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى مثبته ومسدده في أموره، ومبينٌ له أمر من سعوا في إضلاله عن الحق في أمره، وأمرهم، ففاضح من ارتكب جريمة السرقة، وفاضحٌ من ستر هذا السارق. | |||
وتبين الآية أيضًا أن الله تعالى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، بما في ذلك من حلالٍ وحرام، وأمرٍ ونهيٍ وأحكام، ووعدٍ ووعيد، وأن الله تعالى علم نبيه ما لم يكن يعلم من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ، فكل ذلك من فضل الله تعالى العظيم عليه <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٩/٢٠٠.</ref>. | |||
===المؤمنون=== | |||
وقد ورد ذلك في آياتٍ، منها: | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 274.</ref>. | |||
إن هذه الآية خبرٌ عن قوم بني إسرائيل -كما بينت الآية السابقة- نالتهم ذلةٌ وغلبة عدوٍ، فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يؤمروا به، فلما أمروا نكص أكثرهم على أعقابهم، وصبر الأقل، وهذا كله مثالٌ للمؤمنين؛ ليحذروا المكروه منه، ويقتدوا الحسن <ref>انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١/٤٨٨.</ref>، وتأتي هذه الآية؛ لتفصل ما جرى بين نبيهم صلى الله عليه وسلم وبين قوم بني إسرائيل من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم، حيث قال لهم -بعد ما أوحي إليه- إن الله تعالى أوحى إلي أن يكون طالوت ملكًا عليكم، وتستأنف الآية؛ لتبين حقيقةً ألا وهي أنهم ردوا بقولهم: من أين يكون وكيف يكون ذلك؟ | |||
والحال أنه لا يستحق التملك علينا؛ لوجود من هو أحق منه؛ ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال، فلما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه، وبفقره، رد نبيهم عليهم بأن ذلك اصطفاء من الله تعالى، وزيادةٌ منه جل جلاله لطالوت بوفور العلم؛ ليتمكن من معرفة أمور السياسة، وزيادة في جسامة البدن؛ ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء، ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى في العلم والجسم بحظٍ وافر <ref>انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/٢٤٠.</ref>. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أن وفرة العلم منحةٌ من الله تعالى يمنحها من يشاء من عباده، ومن ثم فإن تقدير العلماء ليس مربوطًا بنسب ولا حسب. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 135.</ref>. | |||
فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن صفات المتقين، فتبين أن من صفاتهم إذا فعلوا فعلةً قبيحةً صغيرةً كانت أم كبيرةً ذكروا الله تعالى المنتقم الغيور خائفين من بطشه وانتقامه، فاستغفروا منه تعالى على الفور راجين منه العفو والستر لذنوبهم، التي صدرت عنهم، ثم إنهم بعد ذلك يعلمون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله تعالى، مما يجعلهم غير مصرين على الذنب، أو العودة إليه، ويعلمون قبح وخامة الإصرار. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أنه من التحصينات التي يتحصن بها المتقون من الذنوب هو علمهم بربهم من خلال فهم الدين. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }}<ref> سورة آل عمران، الآية 7.</ref> . | |||
حيث بينت هذه الآية الكريمة أن المحكم هو بمعنى الإحكام والإتقان والمنع عما لا ينبغي، بمعنى أنه ما لا يحتمل التأويل ولا النسخ ولا التخصيص ولا التدرج، ويكون معناه واضحًا وضوحًا قويًا، وأما المتشابه فقد اختلف فيه العلماء، وليس هذا هو مقام عرض الخلاف، بل يكفي القول: إن المتشابه هو ما استأثر الله تعالى بعلمه، فيكون المعنى: فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه طلبًا منهم لفتنة الناس في دينهم، والتلبيس عليهم، وإفساد ذات بينهم، ولتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة <ref>انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/٣٦١.</ref>. | |||
ثم يستأنف الرب تعالى مقررًا لحقيقةٍ، ألا وهي أنه ما يعلم المراد من المتشابه إلا الله تعالى، ثم تستأنف الآية مقررةً لحقيقةٍ أخرى، وهي أن الراسخين في العلم يقولون آمنا بالمتشابه رغم أننا لا نعلم كنهه؛ إذ إنه كلٌ من المحكم والمتشابه من عند ربنا، وفي هذه الآية دليلٌ على أن كل من يتصف بالعقل، وأنه صاحب لبٍ ينبغي أن يسلم بالمتشابه، ولا يقحم عقله بفهم مراده. | |||
=== الجن=== | |||
وقد برز ذلك واضحًا في آيات، منها: | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}}<ref> سورة سبأ، الآية 14.</ref>. | |||
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق ذكر قصة النبي سليمان صلى الله عليه وسلم، فتبين أنه لما جاء قضاء الله تعالى على هذا النبي صلى الله عليه وسلم بالموت، عندها لم يستدل الجن على موته إلا بعد أن أكلت الأرضة عصاه، فلما سقط على الأرض علمت الجن -بعد التباس الأمر عليهم- أنهم لو كانوا يعلمون الغيب -كما زعموا- لعلموا موته ساعة مجيئه، ولم يلبثوا بعده حولًا مسخرين إلى أن خر على الأرض، أي: ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين <ref>انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/٢٤٤.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}}<ref> سورة الصافات، الآية 158.</ref>. | |||
حيث بين الله تعالى أن من مفتريات الكافرين على الله تعالى أن جعلوا بينه سبحانه وبين العالم الخفي غير المنظور لهم -وهو عالم الملائكة والجن- نسبًا وقرابةً، حيث نسبوا إليه سبحانه الولد، والولد لا يكون إلا من زواج، ولا يكون زواجٌ إلا بين متناسبين متقاربين في الصورة والطبيعة، وهذا العالم الخفي يعلم أنه محضرٌ بين يدي الله تعالى، ومحاسبٌ على ما كان منه، فهم خلق الله، ولم يخرجوا على خلقه، فسبحان الله عما يصفه به هؤلاء المشركون <ref>انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٢/١٠٣٨.</ref>. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الجِنَّةَ من ملائكةٍ وجنٍ يعلمون علم اليقين أنهم سيحضرون بين يدي الله. | |||
===الشياطين=== | |||
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 102.</ref>. | |||
إن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن الكافرين من أهل الكتاب، وافتراءاتهم على الله تعالى فتبين أنهم نبذوا كتاب الله تعالى، واتبعوا ما تروي الشياطين من أمر النبي سليمان صلى الله عليه وسلم، وتبين هذه الآية الكريمة أن هاروت وماروت لا يعلمان من أحدٍ حتى يقولا له: إنما نحن مفتونون بأن نعلم السحر فلا تكفر. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أن العلم نوعان، منه ما هو حقٌ، ومنه ما هو باطلٌ، فتعليم السحر باطلٌ باتفاق <ref>انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/٢٧٧.</ref>، كما أن هاروت وماروت لا يضرون أحدًا إلا بإذن وأمر رباني، فمن شاء الله سلطهم عليه، ومن شاء منعهم منه، ويبين الله تعالى بلام قد الموطئة للقسم أنهم أي: الملكين بأن من اختار هذه الفتنة وهذا السحر ما له في الآخرة من نصيب، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أنه بئس ذلك الاختيار منهم؛ إذ إن ذلك يجلب لهم غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه الشديد، وهذا كله لو كانوا علماء أتقياء <ref>انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/١٦٦.</ref>. | |||
===الحيوانات والطيور=== | |||
إن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات والطيور وكل الخلق يسبحون بحمد ربهم طوعًا وكرهًا، كلٌ بالطريقة التي تتناسب مع طبيعة خلقه، والله تعالى هو وحده الذي يعلم هذه الصلاة وهذا التسبيح منهم. | |||
ومن الآيات التي بينت هذا الأمر ما يأتي: قوله تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة النور، الآية 41.</ref>. | |||
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ينزهه عن الشرك كل من في السماوات والأرض من المخلوقات، وخاصةً الطير الباسطات أجنحتها في الهواء باصطفاف؛ لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت، فلعل السامع يغلب على ظنه إذا ذكرت السماوات والأرض أن الطير خارجة عن جملة من فيهن، وما يدل على هذا قوله تعالى: {{ نص قرآني | كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}}<ref> سورة النور، الآية 41.</ref> أي: من الجملة التي ذكرها الله تعالى من السموات والأرض ومن فيهن، والطير باسطات أجنحتها في الهواء، قد علم الله صلاتهم وتسبيحهم <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١٩٩.</ref>. | |||
وإن هاتين الآيتين وغيرهما التي بينت أن جميع المخلوقات تنزه الله تعالى عن الشرك، إنما ذكرت الخلق المحصور في السماوات السبع والأرضين السبع، والطير الباسطات أجنحتها في الهواء، وهذا يدلل على أن القرآن الكريم يعطي الدلائل المحسوسة للناس أن هذه المخلوقات التي هي بين أيديكم ترونها، ولكن لا تفهمون طريقة تسبيحها لله تعالى، وفي هذه دليل عجزٍ لهم، فليس كل ما يرونه يستطيعون أن يصلوا إلى كل جوانب معرفته، فهم المخلوقون الذين علمهم الله تعالى؛ إذ لا معنى لذكر مخلوقاتٍ لا يستطيعون تصور شيء منها؛ ولذلك بينت آية الإسراء أن كل شيء يسبح بحمد ربه ولكن لا يفقه أحدٌ تسبيحهم، دون ذكر أنواع كل شيء من الخلق مما لا يستشعره الخلق، وهذا من بديع نظم القرآن الكريم <ref>انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣/٢٤٠.</ref>، كما أن الطيور والحيوانات تعلم كل التسابيح وتفقهها بما يرضي بذلك رب العالمين. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | ||