انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمّة»

أُزيل ٥٥٬٩٣٣ بايت ،  ٦ يوليو ٢٠٢٤
استبدال الصفحة ب'{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = الأمّة| المداخل ذات الصلة = الأمّة في القرآن - الأمّة في الحديث - الأمّة في الفقه المقارن - الأمّة عند أهل السنة }} ==الاُمّة لغةً== «الاُمّة» لفظٌ استُعمل في معانٍ عديدة : كالجماعة <ref>الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۶۴ «...'
(أنشأ الصفحة ب'{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = الأمّة| المداخل ذات الصلة = الأمّة في القرآن - الأمّة في الحديث - الأمّة في الفقه المقارن - الأمّة عند أهل السنة }} ==التعريف== ===المعنى اللغوي=== يتماهى مفهوم «الأمّة» في معاجم اللغة بالجماعة البشرية والأ...')
 
(استبدال الصفحة ب'{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = الأمّة| المداخل ذات الصلة = الأمّة في القرآن - الأمّة في الحديث - الأمّة في الفقه المقارن - الأمّة عند أهل السنة }} ==الاُمّة لغةً== «الاُمّة» لفظٌ استُعمل في معانٍ عديدة : كالجماعة <ref>الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۶۴ «...')
وسم: استبدل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل  = الأمّة| المداخل ذات الصلة = [[الأمّة في القرآن]] - [[الأمّة في الحديث]] - [[الأمّة في الفقه المقارن]] - [[الأمّة عند أهل السنة]] }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل  = الأمّة| المداخل ذات الصلة = [[الأمّة في القرآن]] - [[الأمّة في الحديث]] - [[الأمّة في الفقه المقارن]] - [[الأمّة عند أهل السنة]] }}
==الاُمّة لغةً==
«الاُمّة» لفظٌ استُعمل في معانٍ عديدة : كالجماعة <ref>الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۶۴ «أمم» ، مفردات ألفاظ القرآن : ص ۸۶ .</ref> ، والخَلق <ref>مجمع البحرين : ج ۱ ص ۷۶ .</ref> ، والدِّين <ref>مجمع البحرين : ج ۱ ص ۷۵ .</ref> ، والطريقة <ref>الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۶۴ .</ref>، والجيل <ref>ترتيب كتاب العين : ص ۵۴ ، النهاية في غريب الحديث : ج ۱ ص ۶۸ .</ref> ، والجنس <ref>الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۶۴ ، مجمع البحرين : ج ۱ ص ۷۵ .</ref> ، والأتباع <ref>ترتيب كتاب العين : ص ۵۴ .</ref> ، والزمان ۸ ، والقامة. ۹


==التعريف==
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في بيان أصلها : اِعلَم أنَّ كُلَّ شَيءٍ يُضَمُّ إلَيهِ سائِرُ ما يَليهِ ، فَإِنَّ العَرَبَ تُسَمّي ذلِكَ الشَّيءَ اُمّا . ۱۰
===المعنى اللغوي===
يتماهى مفهوم «الأمّة» في معاجم [[اللغة]] بالجماعة البشرية والأقوام والناس، ويتقاطع مع مفاهيم [[الملة]] والقوم والشعب. ويعرف إبن منظور مفردة الأمّة بأنها القرن من [[الناس]]، أما [[أمة]] كل [[نبي]] فهم من أرسل إليهم من [[كافر]] ومؤمن، وأمة [[محمد]] كل من أرسل إليه ممن آمن به أو [[كفر]]<ref>ابن منظور، لسان العرب، ج١٢، بيروت، دار صادر، لا.ت.، ص ٢٦.</ref>.
ويعاضده في ذلك [[الراغب الأصفهاني]]، حيث صنف الأمّة «بأنها كل جماعة يجمعها أمر ما، إن [[دين]] واحد أو زمان واحد أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر تسخيرا أو إختيارا، وجمعها أمم»<ref>الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاط القرآن، ط١، بيروت، طليعة النور، ١٤٢٦ه، ص٨٦.</ref>.


ولكن القواميس تذكر معان أخرى لهذا المفهوم، حيث يذكر صاحب لسان [[العرب]] مرادفات له، كالرجل الذي لا نظير له والحين والملك.. ويذكر إبن الأنباري في كتابه الزاهر في معاني كلمات الناس أن الأمّة في [[كلام]] العرب تنقسم إلى ثمانية أقسام، منها الجماعة والزمان والدين<ref>السيد، رضوان، الأمّة والجماعة والسلطة، ط١، بيروت، دار إقرأ، ١٩٨٤، ص٤٣ ٤٤.</ref>
وقد استلهمَ ابن فارس من تعريف الخليل قائلاً : أمَّا الهَمزَةُ وَالميمُ فَأَصلٌ واحِدٌ ، يَتَفَرَّعُ مِنهُ أربَعَةُ أبوابٍ ، وهِيَ : الأَصلُ ، وَالمَرجِعُ ، وَالجَماعَةُ ، وَالدّينُ . وهذِهِ الأَربَعَةُ مُتَقارِبَةٌ ، وبَعدَ ذلِكَ اُصول ثَلاثَةٌ ، وهِيَ :
 
والسبب الأساس في تنوع معاني هذه المفردة إستعمالها قرآنيا في عدة موارد بمعان مختلفة، مما يشق على اللغوي أن يجمعها في معنى واحد ليعتبر [[الباقي]] مصداقا لها، ما يلزمه بأن يفترض أن لها معان كثيرة تختلف بحسب إستعمالها في [[الخطاب]] والنص، وبحسب مقصد المستعمل لها.
 
===المعنى الاصطلاحي===
يتبادر من إطلاق كلمة «الأمّة» الجماعة البشرية المتجانسة، حيث يكون التجانس إما زمانيا أو مكانيا أو فكريا ودينيا.
 
وتعرف موسوعة [[السياسة]] الأمّة، بأنها مجموعة بشرية، تكون تآلفها وتجانسها القومي عبر مراحل تاريخية تحققت خلالها لغة مشتركة، مما يؤدي إلى [[إحساس]] بشخصية قومية وتطلعات ومصالح قومية [[موحدة]] ومستقلة<ref>الكيالي، عبدالوهاب، موسوعة السياسة، ط٣، ج٢٣، المؤسسة العربية، بيروت، ١٩٩٠، ص٣٠٥.</ref>. ولكن يبدو أن هذا التحديد موغل في التقييد، حيث يجمع عددا كبيرا من المحددات ليطلق على قوم بأنهم أمة، الأمر الذي يخالف [[إرادة]] عدد كبير من المستعملين لهذا المفهوم. هذا الإشكال على التعريف المذكور تتجنبه الموسوعة العربية العالمية التي تعرف الأمّة بأنها «مجموعة بشرية [[كبيرة]] توحدها عوامل مشتركة مثل [[الدين]] واللغة والتاريخ والتراث والثقافة المشتركة، وكثيرا ما يشعر [[الناس]] بولاء كبير لأمتهم ويعتزون بمميزاتها [[القومية]]»<ref>مؤسسة أعمال الموسوعة، الموسوعة العربية العالمية، ط٢، الرياض، ١٩٩٠، ص٦٩٣.</ref>.
 
هذه التعريفات وغيرها، بقدر ما تعطي وضوحا عن هذا المصطلح، بقدر ما تولد إبهاما وغموضا، خاصة فيما لو قارنا بين نتاج هذه التعريفات وبين الصيرورة التاريخية لهذا المصطلح. فالدائرة الواسعة التي رسمتها هذه المعاجم لهذا المصطلح من حيث الشمول والانطباق، يعارضها تضييق وتحديد يمكن أن ينبه إليهما الباحث في الاجتماع السياسي [[الإسلامي]] والعربي بجلاء ووضوح.
 
هذا ما سيتضح فيما لو استطعنا أن نجعل البحث أكثر إيغالا في فهم المصطلح المذكور، وكيف استعملته [[العرب]] بمعنى محدد، وكيف تم نقله نقلا تعينيا حيث تتسع دائرته ويصبح أكثر انطباقا على مصاديق مختلفة.
 
فلهذا المفرد تاريخ عريق في [[اللغة العربية]] وفي المجال الثقافي والسياسي الإسلامي، حيث يرى «ماسينيون» أن المصطلح إستعمل في [[الإسلام]] بمعنى «الجماعة من الناس التي أرسل [[الله]] لها نبيا وآمنت به فارتبطت بعقد مع الله من خلاله»<ref>السيد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر، ط١، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٩٩٧، ص٥٥.</ref>. لكن لو تحرينا بدقة عن تاريخ المصطلح فلن نجد هذا المعنى الواسع، بل سنلحظ أن مصطلح [[الأمّة]] كان يشير بوضوح وتأن إلى خصوص المسلمين وديارهم، وهذا ما سيظهر عندما سنستعرض استعمالاته المختلفة. ولكن بدأ هذا المدلول يتسع شيئا فشيئا، فبعد أن كان مختصا بالمسلمين توسع ليشمل أقواما أخرين يصنفون بحسب الدين، ثم بعد ذلك يخلع ثوبه الديني لينطبق على شعوب مختلفة باعتبارات متنوعة. لذلك يمكن لنا أن نخلص إلى أن المفهوم المذكور استعمل جديا بمداليل ثلاثة انطلاقا من أحاديث [[الرسول]]{{صل}} وأصحابه ووصولا إلى القرن التاسع عشر وهذه المداليل هي:
 
==[[الدولة]] [[الإسلامية]] أو أراضي [[الخلافة]]==
حيث تكون السطوة السياسيّة للمسلمين، فكلُّ دارٍ يسيطرُ المُسلِمون على حكمها وينفذون إلى إدارتها بحيث تكون خاضعةََ لهم، وتحت رغبتهم وفي ظلِّ سطوتهم هي أرضُ الأُمَّة، وحيث نجد في هذا المدلول مُقَّّوِمان أساسيّان هما البعدُ المكانيُّ والسلطة السياسيّة. فتكون [[الدولة]] تعبيراً عن الأُمَّة، فتتعدَّد داخلها الإنتماءات الفرعيّة إلا أنّ جامعةً سياسيّةً واحدة تربطُ بين المنتمين لها، هذه الجامعة قد تقبل لأسباب إقتصاديّة أو أمنيّة تعدُّداً في الإنتماءات الأوليّة للجماعات المكوِّنة للأُمَّة، دون أن يعني ذلك تعارُضاً مع المبادىء الدينيَّة التي قامت الدولة على أساسها وبين ضرورات [[المصلحة]] الشرعيّة التي رضيت أن يكونَ بين مواطني الدولة الإسلاميِّة آخرون لا يؤمنون بالدين [[الإسلامي]]. في هذا [[المجتمع]]، تسودُ العلاقات التعاضُديّة وعلاقات المنفعة والمصلحة المشتركة، على ما يحمل هذان المفهومان من تناقض وتوافق في وعاء الأُمَّة الإسلاميِّة<ref>حبيب، كمال، الاقلّيات والسياسة في الخبرة الإسلامِّية، ط١، القاهرة، مكتبة مدبولي، ٢٠٠٢، ص٩٦.</ref> .
 
وقد استُعمِلَ هذا المعنى بشكلٍ كبيرٍ في مستهلّ بناء الدولة الإسلاميِّة بعد هجرة [[الرسول]]{{صل}} إلى المدينة المنوّرة، حيث وردَ نصُّ [[خطاب]] للنبي{{صل}}: {{نص حديث|إِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفِ أَمَةً مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، لِلْيَهُودِ دِينِهِمْ وَ لِلْمُسْلِمِينَ دِينِهِمْ ، مَوَالِيهِمْ وانفسهم ، إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ......}}<ref>اليوسفي، محمّد هادي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ط١، ج٢، قُم، مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٠ه، ص٦٢.</ref>.
 
حيث يظهرُ من هذا النّص أنَّ المقوِّمَ لمصطلحِ الأُمَّة هو الرابطُ السياسيُ حيث تكون [[السلطة]] بيد المُسلِمين. ويُرادف هذا [[النص]] تعبيرٌ آخر، كان متداولاً بين المُسلِمين، هو [[دار الإسلام]]، وهي البلاد التي يحكمها المُسلِمون، حيث يقولُ الفقيهُ الشافعيُّ الرافعي: ليس من شرط دار الإسلام أن يكونَ فيها [[مسلمون]]، بل يكفي كونها في يد [[الإمام]]. فالمعيار الأساس فيها ليس [[ديانة]] المحكومين بل الحاكمين. وكذا دار [[الهجرة]]، وهي المناطق التي هاجر إليها المُسلِمون، هذان الداران يُعبِّران عن معنى الأُمَّة بقسمهِ السياسي حيثُ يخضعُ الجميعُ لأحكامِ [[الإسلام]]، ويُنفَقُ على المُسلِمين من [[بيت المال]] وتجري أحكامُ القَصاص والحدود والدِّيات وفق [[الشريعة]]. يذكرُ ذلك رسولُ الخليفةِ الأوَّل إلى اليمامة بأنّه: «أيُّّما شيخٍ ضَعُفَ عن [[العمل]] أو أصابته آفةٌ من الآفات، أو كان غنيّاً فافتقرَ، وصار أهلُ دينِهِ يتصَّدقون عليه، طُرِحت جزيته وعيلَ من بين مالِ السلمين وعياله ما أقامَ بدار الهجرة ودار الإسلام»<ref>دغيم، سميح، موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية والسياسيَّة، ط١، بيروت، مكتبة لبنان، ٢٠٠٠، ص٤٥٩.</ref>. فالداران المذكورتان هما أرضان يحكمُها المُسلِمون بخلاف [[دار الحرب]] التي يفصلُ السيفُ بينها وبين أراضي المُسلِمين، وبالتغاير عن [[دار العهد]] التي يحكمها غير المُسلِمين ولكن أنشأَ المُسلِمون فيما بينهم وبينها صلحاً وعهداً، وبالتمايزِ عن دار الرِدَّةِ التي انقلبت إلى غيرِ حُكمِ المُسلِمين بعد أن كانت ضمن حوزتهم.
 
==خصوصُ أهل [[العقيدة]] المشتركة==
هنا يكون المُقوِّم الأساسُ هو رابطُ [[الدين]]، فكلُّ أهلِ شرعة هم أُمَّة مشتركة حتّى لو فُقِدَ عنصرُ اللغةِ أو المكان أو [[الزمان]] أو [[السلطة]] السياسيّة، فالمعتقدون بدينٍ واحد هم أهلُ أُمَّةٍ واحدةٍ حتّى لو أبعدتهُم المسافات أو باعد بينهم الزمان، أو فرَّقت بينهم [[اللغة]]. هنا تكون الأُمَّة تعبيراً عن انتماءٍ عقيدِّي وتفتقر إلى الأُطر المؤسَّسيِّة التي تُعَّبر عن هذا الانتماء من خلال [[الدولة]]، هذا [[المجتمع]] المُكوَّن من ذوي عقيدةٍ مشتركةٍ يُمَّيزُه تضامنٌ عضوِّيٌ وإئتلافٌ وثيق، حيث يتمَّيزون بوحدة [[الفعل]] العبادي وأحاديّة النظرة المستقبليّة وفرادة الطرح العالمي. وكلّما كان الدين أشدُّ ولوجاً في نفسيِّة المتدينيّن كان الترابطُ أوثقاً فيما بينهم، وأينما شعروا بأنّهم أقليّة زاد تماسُكم العضويُّ المشترك.
 
هذا التعبير وُجِد مع قيامِ [[الإسلام]] في فترة ما قبل [[الهجرة]]، حيث واجهَ المُسلِمون مشكلة الأقليم الذي يُمثِّل الوعاء الجغرافيّ لحركتهم، ويعبّرون فيه عن إرادتهم السياسيّة التي تسعى إلى تحويل الدّين [[الإسلامي]] إلى ممارسة حركيّة في أرضِ الواقع أي تحويل المبادِئ إلى ممارسة<ref>حبيب، كمال، الأقليات والسياسة في الخبرة الإسلامِّية، م.س، ص٩٣.</ref>.
 
ويُعبِّر [[الإمام علي]] {{ع}} عن هذا المعنى بقوله {{نص حديث|فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اِمْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ اَلْأُلْفَةِ اَلَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ اَلْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ أَعْرَاباً وَ بَعْدَ اَلْمُوَالاَةِ أَحْزَاباً. مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ وَ لاَ تَعْرِفُونَ مِنَ اَلْإِيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ}}<ref>الإمام علي، نهج البلاغة، ط١، ج٢، قُم، دار الذخائر، ١٤١٢، ص١٥٥.</ref>، وفي نصٍّ آخر {{نص حديث|وَ لَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا فَيَتَّخِذُوا مَالَ اَللَّهِ دُوَلاً وَ عِبَادَهُ خَوَلاً }}<ref>م.ن.، ج٣، ص١٢٠.</ref> .
 
لقد عبَّر [[الإمام علي]] {{ع}} عن أكثر معاني مفردة الأُمَّة إستعمَالاً وأقواها دلالةً، خاصّةً أنَّ النصَ القُرآنيَ قد أوجدَ هذا المعنى بشكل رئيس  سيأتي بيانه  كشكلٍ من أشكال تضامن أهل [[العقيدة]] وتماسكِهم في معنى واحد هو الأُمَّة.
 
ولو تتبّعنا نصوصَ التاريخِ الإسلامّي مع الأدباء والشعراء والفلاسفة وأهل [[الفقه]] والكلام والنُخَب والرموز لوجدنا أنّ هذا المعنى متّحدٌ مع المفهوم إلى حدّ الإلتصاق. ويستقرىء» [[حسين المرصيفي]]« استعمَالات كلمة الأُمَّة، فيلحظ هذا المعنى قسماً من ثلاثة أقسام، يقول في [[رسالة]] الكَلِم الثمان: «أما الأُمَّة بحسب الدّين فهم قوم اتَّبعوا نبيّاً والتزموا شريعته، ووقفوا عند حدودها فلم يتعَّدَوها ولم يخرج بهم تفرّق المذاهب، الذي هو من [[ضرورة]] اختلاف الأفهام وتفاوت الآراء إلى عداوةٍ تؤثِّر في مصالح دنياهم وتبعثُهم على [[القتال]] «فإذا كانوا كذلك لم يكونوا أُمَّةَ دينٍ وكان الدينُ بينهم إسماً ليس له مُسَّمى»<ref>المرصيفي، حسين، رسالة الكَلِم الثمان، تح. خالد زيّان، ط١، بيروت، دار الطليعة، ١٩٨٢، ص٤١.</ref>. هذا [[الاستقراء]] الذي قام به المرصيفي يدُّلُ على نظرةٍ عميقةٍ إلى المفهوم لسبرِ أغواره واللحوق بمضامينه بعد أن كثرت إستعمَالاته وتنوعّت، ما ولّد التباساً في كثير من متعلّقاته. ويعتبرُ المرصيفي أنَّ إستعمَاله في معنى الدّين أساسّي، لكّنه لم يحدِّده بالدين [[الإسلامي]] بل بمطلق أي [[دين]] أو عقيدة أو [[شريعة]].
 
يمكن أن نستخلص من إنطباق هذا المفهوم على ما نحن فيه، أن الأُمَّة مجموعة من [[الناس]] تحمل رسالة حضاريّة إلهيّة، وتعيش طبقاً لمبادئ هذه [[الرسالة]]، وتظلّ تحمل سِمَة الأُمَّة ما دامت تحمل هذه [[الصفات]]، والعنصر الأساسيّ فيها هو عنصر الرسالة التي تحاول الجماعة تقديمها إلى الآخرين لإتِّباعِها، كما لا يشُتَرط في [[العنصر]] البشريّ  المكوِّن للأُمَّة الروابط الدمويّة أو الجغرافيّة ولا الكمّ العددي، فقد يكون هذا العنصر فرداً أو فئة أو جماعة ما دامت تحمل رسالة ويوحِّدها فقهٌ شامل لهذه الرسالة.<ref>الكيلاني، ماجد، الأُمَّة المُسلِمة، ط١، بيروت، العصر الحديث، ١٩٩٢، ص١٤.</ref>
 
لكن لو تتَّبعنا أكثرَ النصوص، فسنجد أنّ إستعمَال الدال في المدلول المذكور ليس مُطَّرداً، إنّما قد استُعمِلَ للدلالة عن الدّين في خصوص الدّين [[الإسلامي]]، حيث أنّه [[دين]] أقام دولة وأنشأ حضارة وثقافة موحّدة بين [[أقوام]] متشّعبين وأفرادٍ متنوعين وألسنٍ مختلفة. فقلّما نجد استعمَالاً لهذا المفرد لتوصيف ديانات أُخَر، فلم يكن يُقال أُمَّة [[النصارى]] ولا أُمَّة [[اليهود]] ولا أُمَّة [[الصابئة]]، إلاّ نادراً، مثل استعمَال ابن خلدون للمصطلح مرَّة واحدة على بني إسرائيل ولكن يعود ذلك لالتباس المفهوم عنده.
 
لذلك يمكن الاستنتاج أنّ الأُمَّة بمعنى [[الدين]] استُعمِلَ في [[الإسلام]] خاصّة، يَدُّلُ على ذلك أنّ القدماء كانوا يعتمدون على [[إطلاق]] هذا المصطلح لبداهة انطباقه على الإسلام، فنادراً ما نجدُ استعمَالاَ مقيّداً لهذا [[النص]]، لكن عندما تداعت الدُوَل على المُسلِمين وعانوا من اهتراءٍ في حضارتهم أصبح يُقيَّد بكلمة الإسلاميِّة، فأصبح المصطلح [[المطلق]] مقيّداً بطريقة تعدُّد الدال والمدلول. وإذا ما رجعنا إلى النصوص القديمة فقد كان استعمَاله كما ذكرنا، ولكن قد يُستعمل في معانٍ أُخَر بعد أن يقيَّد، فيُقال أُمَّة اليونان مثلاً، وهذا الاستعمَال في فترة متأخّرة نسبيّاً.
 
هذا الأمر يقودنا للإشارة إلى مفردة أخرى استُعمِلَها المُسلِمون والعرب [[الدلالة]] على أصل الديانات الأخرى، وهي المِلَّة<ref>السيّد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر، م.س، ص٥٧.</ref>.
 
والمِلَّة في القُرآن هي الدّينُ وشعائرُه، فمِلَّة [[إبراهيم]] عنَت دين إبراهيم. وأتباع كلِّ دين بمقتضى هذا يشكِّلون مِلَّة بحد ذاتها: مِلَّة النصارى، مِلَّة اليهود، مِلَّة المُسلِمين. وقد استُعمِلَ هذا المصطلح قديماً للدلالة على أتباع الديانات الأخرى، وفي الحديث لا يتوارث أهل ملّتين، أي أهل ديانتين. وهي في [[اللغة]] [[الشريعة]] والدين<ref>لسان العرب، م.س.، ج١١، ص٦٣١.</ref>.
 
ولأنَّ المصطلحَ استُعمِلَ قديماً للدلالة على أتباع الديانات الأخرى، فإن كُتَّّاب القرن التاسع عشر من المُسلِمين كانوا يميلون لاستعمَاله للدلالة على [[الدولة]] والأُمَم والشعوب غير المُسلِمة أكثر من استعمَالهم لمفرد الأُمَّة الذي ارتبط في أزمانهم بدرجة أو بأخرى بالأُمَّة الإسلاميِّة<ref>السيد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر، م.س، ص٥٧.</ref>.
 
لكن بمقاربة بعض النصوص نجدُ تصنيفاً آخر، أكثرَ قِدَماً، فابن خلدون الذي التبس عنده مفهوم الأُمَّة يستعمل مفردة المِلَّة في أتباع الديانات سواء كانت إسلاميِّة أم غيرها، فيقول «المِلَّة الإسلاميِّة لمّا كان [[الجهاد]] فيها مشروعاً لعموم [[الدعوة]] وحمل الكافة على [[دين الإسلام]] طوعاً أو كرهاً اتَّحدَت فيها الخلافةُ والملك...»<ref>إبن خلدون، عبد الرحمن، تاريخ إبن خلدون، ط١، ج٤، بيروت، دار إحياء التراث، ٢٠٠١، ص٢٣٠.</ref> حيث يَستعملُ كلمة المِلَّة للدلالة على [[الديانة]] الإسلاميِّة. وكذا الفارابي حيث يعتبر أنّ المِلَّة والدّين يكادا يكونان اسمين مترادفين وكذلك [[الشريعة]] والسنّة فإنّ هذين إنّما يدُّلان ويقعان عند الأكثر على الأفعال المقدّرة من المِلَّة<ref>دغيم، سميح، موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية، م.س.، ص٩٩٢.</ref>.
 
ويعتبر «الدكتور [[ناصيف نصّار]]» أنّ الإزدواجيّة في مفهوم الأُمَّة وضرورة [[اعتبار]] جوانب أُخرى غير الدّين أو [[المذهب]] في [[تكوين]] الجماعات البشريّة وفي تمييزها بعضها عن بعض حمل بعض المؤرّخين والفلاسفة في المائة الثانية من تاريخ [[الخلافة]] العباسيّة كالمسعوديّ والفارابي على فكِّ الازدواجية أي استعمَال لفظة المُسلِمة أو لفظة [[الشيعة]] للدلالة على المعنى الدّيني وعلى استعمَال لفظة الأُمَّة بالمعنى الاجتماعيّ التاريخيّ<ref>نصّار، ناصيف، مفهوم الأُمَّة بين الدين والتاريخ، ط١، بيروت، دار الطليعة، ١٩٨٠، ص٢٩.</ref> .
 
لكن رغم استعمَالات بعض المؤرّخين فيما ذكره «الدكتور نصّار»، فإنّه يظهر في نصوص المُسلِمين وخلفيَّاتهم الفكريّة توجُّهاً لاستعمَالِ كلمة الأُمَّة في خصوصِ المُسلِمين، سواء كانوا أهلَ ديانةٍ واحدةٍ أم أهلَ حُكم واحد، واستعمَال مفردة المِلَّة في ديانات غير المُسلِمين كونها أكثر دلالةً. نعم، يظهر استعمَال لفظة المِلَّة عند الحديث عن الدِّين الإسلاميّ كشريعة وفقه ورسالة، ولا يُطلق على المُسلِمين كجماعةٍ وشعبٍ وسلطةٍ ودولةٍ. ومن المعروف أنّ العثمانيين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر استخدموا مفرد (ملّت) للدلالة على طوائف رعاياهم المختلفة والتي تمتّعت في نطاق [[نظام]] الملل باستقلال ذاتيّ نسبيّ، لكنَّ هذا المصطلحَ خرجَ من الاستعمَال السياسِّي تماماً في الربع الأوّل من القرن العشرين.
 
==خصوص أهل اللِسان==
فاللِسان هو المقوِّم الأساس لجماعة [[الناس]]، ومن خلالهِ يتَّصفون بمصطلح الأُمَّة، حيث يُستعمَل [[الخطاب]] ذو [[الطبيعة]] الواحدة ويُتبادل [[الكلام]] ما يؤدّي إلى تقصير المسافات وتقليل حجم الفروقات وتشكيل ثقافةٍ شبه موحدّة تشتمل على التقاليد والعادات. هذا ما يدفعُ نحوَ إحساسٍ بحجم الإتّحاد والاشتراك بين الأفراد، قوامُهُ [[اللغة]] الواحدة.
 
سابقاً كانت اللغة تُسَّمى باسم قومها، فالفُرُس يُجيدون الفارسيَّة والفرنسيِّون يُجيدون الفرنسيّة وكذلك [[العرب]]، ما يجعل للّغة وقعٌ خاصٌ على [[القلوب]] تجتذب أنظارَ من يتكلَّم بها. وعند العرب يظهر موقع اللُّغة بوضُوحٍ وجلاء، خاصّة في فترات [[الإسلام]] الأولى حيث كان الشعرُ [[العربي]] مادَّةً أساسيّة يتلقّفون وراءها ويتبارون فيها، ثم بعد بعثةِ [[الرسول]]{{صل}} زادت هذه الأهميّة مع تنزُّلِ [[الخطاب]] الإلهيّ عربيّاً ما جعل الاهتمام بها أساساَ ليس عند الشعراء والأدباء وحسب بل عندَ الفقهاءِ والحكماءِ والأفرادِ المُكَلَّفين أيضاً.
 
وظلّت [[الخلافة]] في أراضي العرب متنقّلة من المدينة إلى الكوفة إلى الشام وبغداد مع وحدةِ أراضي المُسلِمين، ولم يظهر خِصامٌ بين الإسلام ذي الخطاب العربيّ وبين الإسلام في [[الأقوام]] غير العربيّة. لكن شهدت فترة ما بعد الخلافة الراشدة وخاصّة مع دخول كثيرٍ من الأقوام غير العرب إلى الإسلام تصنيفات على أساس اللُّغة ما بين العرب والعجم والترك وغيرهم. لكنّ هذه التقسيمات لم تُبعِد مفردة الأُمَّة عن مدلولها [[الإسلامي]]  العربي وغير العربي  .
 
وبعد تحوُّلِ [[القيادة]] إلى مركز جديد غير عربي في إسطنبول، وخاصّة مع معاناة [[السلطنة]] العثمانيّة، واهتراء الرجل المريض، وإتِّباع سياسةٍ جائرةٍ بحقِّ العرب، وسطوع [[الحركة]] القومّية في أوروبا كضرورةٍ لتوحيد الشعوب ذوي اللُّغة والأصُول المشتركة، ووفود مفكِّرين متأثِّرين بالإشعاع الغربي، أصبح الحديثُ واضحاً عند العرب عن أُمَّةٍ واحدةٍ تجمعُهم لغةُ الكتاب المقدّس وتاريخ الإسلام المشترَك.
 
وقد أفردَ «المرصيفي» حديثاً عن هذا المعنى في تصنيفهِ لاستعمَالات كلمة الأُمَّة، حيث يقول: «أمّا الأُمَّة بحسبِ اللِسَان فهي أسبقُ إستحقاقاً لهذا الإسم وهو بِها أَلبَق، فإنّ جامعتها من ذاتها، وهي أدخل في [[الغرض]] من الاجتماع. إذ بوحدة [[النطق]] يتم الإئتناس ولا تكون [[نفرة]] ووحشة، بخلاف أهل الألسنة المختلفة، فإنَّهم في أوّلِ الأمر يكونون بمنزلة الحيوانات العجم، بينهم نفرةٌ ووحشةٌ، حتّى يتعلَّمَ فريقٌ لسانَ فريقٍ، وذلك بعد عسر وزمن طويل، وحينئذٍ يكونون أُمَّةً بحسب اللسان»<ref>المرصيفي، حسين، رسالة الكَلِم الثمان، م.س.، ص٤١.</ref>. ويُستَشَّفُ من النَّصِ المزبور أنَّ «المرصيفي» (١٨٩٠م) كان من طليعةِ المنادين بالوحدة على أساس اللسان، لأنَّ الأُمَّة الواحدةَ تفترضُ تلاحُماً بين أعضائها وتلاصُقاً بين أفرادها، وهذا الأمر يصعبُ على مختلفي اللُّغة إلى حدِّ توصيفهم بأنَّهم كالحيوانات من حيث عدم [[القدرة]] على التفاهم والحوار.
 
إضافة ل «المرصيفي» وفي الفترة المُتعاقبة بعده، نجد إلحاحاً على مصطلح الأُمَّة العربيّة، خاصّة بعد تنامي الأسباب السالفة. يلفتُ نظرَ الباحث في هذه الفترة نصوص [[جمال الدّين الأفغاني]]، حيث يُشدِّدُ على هذا الإستعمَال فيقول «إنَّه لا سبيل إلى تمييزِ أُمَّةٍ عن أخرى إلا بلغتها... والأُمَّة العربيَّة هي «عرب» قبل كلِّ [[دين]] ومذهب، وهذا الأمرُ من الوضوح والظهور للعيان بما لا يحتاج معه إلى دليلٍ أو [[برهان]]»<ref>دغيم، سميح، مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، م.س.، ص١٤٢.</ref>. هنا يكون معيار الأُمَّة هو اللُّغة، لكنَّه في نصٍّ أخرَ يُضيفُ إلى اللُّغة البلد والدّين والسلطان. حيث يقول إنَّ «الأُمَّة المختلفة من أفراد يختلفون في المشارب، وتربُطُهم روابط الاجتماع والجنس، وتلحمُهم وحدةُ اللغةِ والأصل والموطن، ويطيعون شريعةً واحدةً لا تُفَرِّق بين الكبير والصغير، وتحكمهم سياسة واحدة، هذه الأُمَّة تكون رمزاً لسعادة الفردِ الواحِد»<ref>م.ن.، ج٢، ص١٤٣.</ref>. لكن يعود جمال الدِّين لينسف [[العنصر]] المشترك بين التعريفين السابقين للأُمَّة وهو اللُّغة ويوسِّع دائرة استعمال المفردة لتجمع المُسلِمين بل الشرقيين في جامعةٍ أُمَميّة واحدة، حيث يذكرُ «أنَّ الأُمَّة الخاضعةَ للأجانب لا يمكنها العروج إلى مدارجِ [[الكمال]] إلا بهمَّةٍ عالية.. من دون ملاحظة الاختلاف في الجنسيّة، لأنَّهم بتقاربِ أخلاقهم وتلاؤمِ عاداتهم وتوافقِ أفكارهم صاروا كأنَّهم جنس واحد وإن اختلفت لغاتهم.. فيجب على كلِّ شرقّيٍ دفعاً لهذه النازلة وصيانة لأمته عن ذُلِّ العبودية أن يسعى جمعاً لكلمة..».<ref>م.ن، ج٢، ص١٤٣.</ref>
 
ويمكن تلمُّس «الأُمَّة» العربيَّة كأُمَّةٍ مشتركةٍ في فترة مخاض إنثلام العملاق العثمانيّ وإنسيال العنصر العربيّ عنه، مع [[جرجي زيدان]] الذي يؤكِّد في [[فلسفة]] الإجتماع على «الحثِّ على تأييدِ اللُّغة العربية لأنَّها قِوامُ الأُمَّة العربيّة أو العنصر العربيّ ولا [[بقاء]] للأُمَّة إلا بلغتها»<ref>م.ن.، ج٢، ص١٤٨.</ref>. ويعتبر أنَّ على مصر واجب إنهاض هذه اللُّغة لأنَّها محورُ [[العالم]] العربيّ.
 
أمّا [[نجيب العازوري]] الذي أسّس حزب «جامعة الوطن العربيّ» [[سنة]] ١٩٠٤ والذي أنبت [[فكرة]] الهلال الخصيب حيث يرتبط الهلال العربيّ بالشطر الأفريقيّ، فكان من طلائع المصّنفين والمنّظرين للأُمَّةِ العربيّة، التي يعتبرها على اختلاف الأديَان والمشارب والمذاهب أُمَّةً واحدةً، حيث يُشدِّدُ في مُصَّنَفه يقظة الأُمَّة العربيّة أنَّه لا يوجد بين دجلة وبرزخ السويس من البحر المتوسِّط حتَّى بحر عمان سوى أُمَّة واحدة <ref>العازوري، نجيب، يقظة الأُمَّة العربية، تر. أحمد بو ملحم، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، لا ت، ص ٣٧.</ref> هي الأُمَّة العربيّة، التي تَتحدَّثُ بلغةٍ واحدة، وتمتلكُ تقاليد تاريخيّة واحدة وتُدَّرس [[الأدب]] ذاته، وكلُّ فردٍ من هذه الكتلة العنصريَّة يفتخرُ بالانتماء إلى الوطن [[العربي]].
 
وبعد تفرّقِ [[العرب]] إلى أوطان متعدِّدة، ظلَّت أنظارُ المفكِّرين تحومُ حول هذا المفهوم، وتحلُم به وتتألَّم لفقده لتكون اللُّغة هي الجامعة بين الأوطان والمُؤسِّسة للوحدة السياسيّة، هذا ما يظهر مع [[عبدالحميد بن باديس]] الذي يقول «أمَّا المسألة العظيمة العظيمة فهي [[الوحدة]] السياسيّة للأُمَّة العربيّة من المحيط الهندي إلى الميحط الاطلنطيقي<ref>العازوري، نجيب، يقظة الأُمَّة العربية، م.س.، ج٢، ص١٤٩.</ref>» حيث نجدُ أنَّ فقدان الوحدة الإسلاميِّة ومن بعدها الوحدة العربيّة أثَّرَ ألماً وشوقاً لعودة العربيّة فقط إن أمكن، حيث بدأت تظهر ملامح تغيُّر مفهوم الأُمَّة من الدِّين إلى اللُّغة.
 
وفي نصف القرن العشرين الثاني تنامى التّيار العربيّ، وبرزَ مصطلحُ الأُمَّة مناسِباً للعرب، خاصّة مع تأسيس جامعة الدُوَل العربيَّة ١٩٤٦، والثورة القوميّة التي قام بها [[جمال عبد الناصر]]، حيث اجتاحت [[الفكر]] العربيّ لتطفو على السطح ولتُصبح هذه المفردة وثيقة التعبير عن الشعب الذي يتكلَّم العربيّة. لكن وبشكلٍ مساوقٍ لهذا التيّار الجارف، نما فكرٌ إسلاميّ ينأى بنفسه عن القوميّة مُعيداً للشعارات السالفة عن الأُمَّة التي تتكوَّن من مسلمين حتّى لو ضاقت بينهم السبل وأبعدتهم الأقطار.
 
يُمكنُ مقاربة ثنائية الأُمَّة / العربيّة والأُمَّة / الإسلاميِّة، من خلال تفحُّص نصوص متزامنة للدلالة على [[الخطاب]] المُتَّحدِ في الوقت والمختلفِ في الفكر.
 
فشيخُ الجماعات الإسلاميِّة [[حسن البنّا]] يستعمل الثنائيّة الدينيَّة. يقولُ في [[رسالة]] [[الجهاد]]: «إنّ الأُمَّة التي تُحسِن [[صناعة]] [[الموت]]، وتعرفُ كيفَ تموتَ الموتةَ الشريفة، يهبُ لها اللّهُ [[الحياة]] العزيزة في [[الدنيا]] والنعيم الخالد في [[الآخرة]]»<ref>مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البّنا، بيروت، مؤسسة الرسالة، لا ت، ص٦٠.</ref>. حيثُ يطلقُ بداهةً مُفردة الأُمَّة على مدلولها الدّيني. على النقيض منه يستعمل صاحب «كيف ينهض [[العرب]]؟» [[عمر الفاخوري]] المصطلح في ثنائيّة لغويّة، حيث يأسف لأنَّ «الأُمَّة العربيَّة نائمة نوماً عميقاً منذ ستة قرون، فهي لذلك متخدِّرة الأعصاب وإن أخذت تفتحُ عينيها، لكنّها تفتحُهما لتُغمِضَهُما بعد قليل»<ref>جهامي، جيرار، موسوعة مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، ط١، مكتبة لبنان، بيروت، ٢٠٠٢، ص٢٧٧.</ref>.
 
بعد أكثرِ من عشرةِ سنوات تبقى الثنائيَّة السالفة، تّتضح جليَّاً بين شهيدِ الجماعات الإسلاميِّة والمُنَظِّرِ لها [[سيِّد قطب]] الذي يُؤَّكد على الاستعمَال الدّيني للمصطلح حين يوَصِّف الأُمَّة الإسلاميِّة باعتبارها «جسداً واحداً يحُّسُ إحساساً واحداً، فما يُصيبُ عضواً منه يشتكي منه سائر الأعضاء»<ref>م.ن.، ص٢٧٥.</ref>.
 
وبين مُعاصرِهِ [[زكي الأرسوزي]] الذي يفخر ويمتدح الأُمَّة العربيّة التي لم تأفل منذ الإنسانيّة الأولى «فالأُمَّة العربيّة - برأيه- ينبوع الشعوب السامية كافّة، عالَمٌ بذاتها لم تأفل منذ [[ظهور]] [[الإنسان]] على مسرح [[التاريخ]]»<ref>جهامي، جيرار، موسوعة مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، م.س، ص٢٧٧.</ref>، ويعاضِدُهُ في ذلك «ساطع الحُصَري» الذي أفرَد مؤلّفات جمّة للدفاع عن الأُمَّة العربية<ref>الحُصَري، ساطع، العروبة أوّلاً، ط٢، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٥، ص١٦٨</ref>.
 
هذه الثنائية ظلّت تحكم الدُوَل العربيّة، بين التيارات الإسلاميِّة التي تُعطي لمفهوم الأُمَّة طابَعهُ السلفِّي الذي استخدمَه القُرآن وعبَّر عن ذهنيّة الأصحاب والتابعين ومن لَحِقَ بهم، وبين التيّاراتِ القوميَّةِ التي اتَّخذَت من خلفِّيتها مدلولاً جديداً للمصطلح، خاصَّة مع بروز مفكِّرين غير مسلمين، يهتَّمون بإبعاد المصطلح عن بُعده الدِّيني ليكونوا ضمن دائرة دلالته. وبين الأُطروحات والأُطروحات المضادّة أُوجِدَت صيَغ تعبيريّة تُبرِز التكامل بين العروبة والإسلام، صيَغ تُبعِد عن سطح [[الخطاب]] معنى التقابل والتعارُض فتؤكّد أنَّ «العرب مادَّة [[الإسلام]]» أو أنّ «الإسلام عربي<ref>الجابري، محمد عابد، مسألة الهويّة، ط٢، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٧٧، ص٢٢.</ref>» .وقد وقع أصحاب ثنائية الأُمَّة/ العروبة في إشكال [[التمييز]] بين القوميَّة وبين الأُمَّة، فكثيرٌ منهم جعلوا منهما مُصطَلحين مترادفَين، وقد حذّر «أرسوزي» من ذلك لأنَّ كلاً منهما يعني معنىً مختلفاً عن الآخر<ref>م.ن.، ص٢٨٦.</ref>، ونبَّهَ أيضاً [[عمر فروّخ]] من إستعمَال القوميّة دون الأُمَّة حيث يقول «إنَّهم يُكثرون [[الكلام]] على القوميَّةِ ويُهملون الكلام على الأُمَّة أو يجعلون الكلام عن الأُمَّة تابعاً للكلام على القوميّة... إنَّ القوميَّة موجودةٌ بالأُمَّة»<ref>م.ن.، ص٢٨٨.</ref>.
 
التحذير المذكور هو بسبب [[الاعتبار]] بأنَّ الأُمَّة مفهومٌ فيه من الإتِّحاد أكثر منه في القوميَّة، وهو يتضَّمن عوامل أخرى غير اللُّغة كالتاريخ المشترك وغيره من عوامل الارتباط.
 
==الأمّة على أساس الوطن==
هذا أضيقُ مدلولٍ لمصطلحِ الأُمَّة، حيث قُسِّمت الأُمَّة الإسلاميِّة إلى أُمَم تركيَّة وفارسيَّة وعربيَّة، وهذه بدورها قُسِّمت إلى أوطان، يُطلَق على كلِّ وطن أُمَّة.
 
لكن على رغمِ وجودِ مدلولٍ كهذا، لكنّهُ بقيَ في إطارِه الضيِّّق خاصّة القانوني منه، حيثُ يُعرِّف [[القانون]] الدولي الأُمَّة بأنَّها مجموعةٌ من [[الناس]] يمارِسون حُكماً ذاتياً داخلَ إقليمٍ محدَّد باعترافِ أُمَم أخرى من خلال تبادل السفراء فيما بينهم<ref>الموسوعة العربية العالمية، م.س، ج٢، ص٦٩٣.</ref>، حيث إنَّ منحة المُواطَنة أي الجنسيَّة هي التي تجعلُ من الفرد عضواً من الأُمَّة، فحقُّ الانتماء إلى الأُمَّة قد يكون أصيلاً، كما لو وُلد في بلدٍ معيّن، وقد يكون مُكتَسباً إذا مُنحَ حقُّ المُواطَنة بسبب ولادته أو زواجه أو طول مدَّة سكنه... وقد أشار إلى ذلك [[ساطع الحصري]] في مُصنَّّفه «آراء وأحاديث في القوميَّة العربيَّة» حيث يذكرُ بأنَّ مواطني الدُوَل العربيَّة مُنقسِمون من ناحية الآراء إلى ثلاث زُمَر، الفريقِ الثاني منهم يتمسَّك بالإقليميّة الناتجة عن تعدُّّد الدُوَل ويعتبر «أهالي كلِّ دولة من الدُوَل العربية أُمَّة قائمة بذاتها ومتمّيزة عن غيرها، فيقول بوجوب بقاءِ هذه الدُوَل منفصِلة بعضها عن بعض إنفصالاً تامّاً، في الحال وفي الإستقبال».
 
وقد برز إشعاع هذا المصطلح خاصّةً في فترة [[النضال]] للإستقلال الذي سعَت إليه الدُوَل العربيّة، حيثُ برزَت الكتابات عن الأُمَّة الجزائريّة والأُمَّة السوريّة والأُمَّة المصريّة. يقول «أنطوان [[سعادة]]  مُؤسِّس [[الحزب]] السوريّ القوميّ الاجتماعيّ»: «الأُمَّة السوريّة هي [[وحدة]] الشعب السوريّ المتولِّدة من تاريخٍ طويلٍ يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخيّ الجليّ»<ref>الحُصري، ساطع، آراء وأحاديث في القومية العربية، ط٢، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٥، ص٢١.</ref>. وقد عنى «سعادة» بالأُمَّة السوريّة سوريا الطبيعيَّة، أي بلاد الشام التي تضُّم سوريا ولبنان. ويُعطي هذا المعنى الضيّق لهذا المفهوم [[عبد الحميد بن باديس]] في حديثه عن الجزائر وفي معرض تشييد [[الحدود]] الثقافيّة مع فرنسا، فالأُمَّة الجزائرية الإسلاميِّة ليست هي فرنسا، ولا يُمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أُمَّةٌ بعيدةٌ عن فرنسا كلُّ البعد في لُغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن مُحدَّد معيّن هو الوطن الجزائريّ بحدوده الحاليّة المعروفة<ref>م.ن، ج٢، ص١٤٦.</ref>. وتبرز في هذا الإطار مِصر التي شهدت مخاض تطبيق المصطلح عليه بشكلٍ أسبق عن غيرها كونها تميَّّزت عن [[السلطنة]] العثمانيّة بوقتٍ مُبكر، يُمكن الاسترشاد إلى ذلك بنصوص المفكِّرين المصريين [[قاسم أمين]] و [[مصطفى لطفي المنفلوطي]] الذي يجعل مصر أُمَّة ضمن الأُمَّة الإسلاميِّة مُتجاهلاً الأُمَّة على أساس اللُّغة، فالأُمَّة المصريّة «أُمَّةٌ مسلمةٌ شرقيةٌ فيجب أن يبقى لها دينها ومشرقِّيتها ما جرى نيلُها في أرضها، وذهبت أهرامها في سمائها، حتى تُبدَّل [[الأرض]] غير الأرض والسماوات» <ref>م.ن، ج٢، ص١٥٠.</ref>.
 
نافلة ما ذكرنا، إنَّ تجزئة الوطن العربيّ واستعماره، ثمَّ نشوء [[الدولة]] الوطَنِّية المستقلِّة أدّى إلى [[اعتبار]] أفراد كلِّ دولة «شعباً» واعتبار أرضه «وطناً». كما أنَّ الضبابيّة التي اكتنفت مفهوم [[العرب]]، مكّنت الأمر الواقع الذي فرضه الإستعمار من إيجاد تعبيرات واقعيّة، وأدّت أيضاً إلى تبلور اتّجاهين، لكلِّ منهما موقف محدّد إنطلاقاً من هذا الأساس «الأمر الواقع».
 
الأوّل اعتبر الشعوب والأوطان العربيّة أمّة، والثاني اعتبر الشعب المعيّن والوطن المعيَّن أمّة<ref>كيلة، سلامة، العرب ومسألة الأُمَّة، ط١، بيروت، دار الفارابي، ١٩٨٩، ص٤٠.</ref>.
 
في هذا المعنى تتحّدُ [[السلطة]] السياسيّة بمفهوم الوطن، وتندمجُ مُفردات الوطن والأُمَّة والدولة في حدود جغرافيَّة محدَّدة، وإذا ما كان هذا الإتحادُ سهلاً حين تكون الأُمَّة مصطلحاً غيرَ ملتبسِ المدلول تنشط على كافّة أجزاءه [[وحدة]] سياسيّة جامعة، فإنَّ جمعَ هذه الدوال شاقٌ حين يكتنفَه غموضٌ وإبهام. فيسهلُ على الفرنسيِّ مثلاً قِرانُ هذه المفاهيم الثلاثة لكن يصعُبُ على المُسلِم ذلك، وإن كان مصطلح الأُمَّة يدلُ بأحد معانيه على هذا المعنى الضِّيق.
 
يشيرُ «فريد هاليداي» إلى هذه التحدِّيات لمفهوم الأُمَّة التي تختصُّ بالشرق الأوسط، حيثُ يذكرُ أنّ هناك دوائراً عند [[العرب]] منها القوميِّة والقطريِّة والوطَنِّية والإسلام، هذه التحدِّيات لا تقتصرُ على العرب بل تشملُ المُسلِمين، حيث يُعطي مثلاً على ذلك في كتابه «الأُمَّة الدّين في الشرق الأوسط»، فالتركي «له أربعُ هويَّات: عثماني وتركي بالمعنى الذي حدَّدهُ غوكالب ثمَّ أتاتورك من بعدِه، وتركي بالمعنى الذي يجمعُ أتراك [[الدنيا]] من الأدرياتيك إلى البامير، وطوراني بالمعنى القائم على [[الأرض]] الأسطورية القديمة الممَّتدة إلى أفغانستان، وأخيراً [[الإسلام]] أكان [[إسلام]] جمال الدّين أو حزب الرفاه»<ref>هاليداي، فريد، الأُمَّة والدين في الشرق الأوسط، ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠٠٠، ص٤٦.</ref>.
 
لكن رغم إستعمَال مفردة الأُمَّة في مصطلح [[الدولة]] لم يرسخ هذا المفهوم على المستوى الشعبيّ، وإذا ما ظهر وتجلّى في بعض المناطق والأمصار فهو يبقى خافتاً في أمصارٍ أخرى، فاستعمَالُه الخجولُ في مصر أكثر من تداوله النادر في لبنان.
 
وتعقيباً على ما بدأنا به، فالاستعمَال الأغلب له هو في المجال القانونيّ البحت، الذي تمَّ استيرادُه عن الخارج بمفاهيمه ومصطلحاته وتشريعاته. فنرى استعمَالاً جليّاً وإتِّحاداً واضحاً بين الأُمَّة والدولة في القوانين الدستوريّة، فالبرلمان هو تارة مجلس الشعب وأُخرى مجلس النواب  لكنَّ النائبَ هو مُمَثِّلُ الأُمَّة مع أنَّ الأُمَّة هنا هي الدولة والشعب هم المواطنون الذي يحملون الجنسيَّة  وثالثة مجلس الأُمَّة ليظهر جليّاً بأنه مجلس لأبناء الدولة ذات [[الحدود]] المُعتَرف بها في مجلس [[الأمن]] الدولي، فبدلاً من مجلس النواب لدولة الكويت يصبح مجلس الأُمَّة الكويتية فيتمخَّض عنه أنَّ الكويت أصبحت أُمَّة.
 
كما يظهر ذلك في الجوانب الدستوريَّة الأخرى فدستورُ الدولة دستورٌ للأُمَّة ومحكمتها محكمةُ الأُمَّة وكذا قضاتها ومدَّعُوها العامُّون وساستُها وأحزابُها...
 
وقد أثّر هذا الإستعمَال رفضاً عند بعض المفّكرين، خاصةً الإسلاميُّون الذين يُظلِّلون مفهوم الأُمَّة ببعده الدّيني إلى حدٍّ جعل [[عبدالله العلايلي]] يفترض صراعاً بين الأُمَّة والدولة ونزاعاً تاريخيّاً قديماً، فالأُمَّة والدولة كائنان مُتمايزان ينفصلان أحياناً ويندمجان أخرى، وما كانت [[الأحاديث]] الانقلابيّة الخطيرة في [[التاريخ]] إلاّ صراعاً بين هذين الكائنين رغبةً من الكائن الطبيعي (الأُمَّة) بالاندماج الإيجابي والكائن الصناعي ([[الدولة]]) بالاندماج السلبي<ref>دغيم، سميح، موسوعة مصطلحات الفكر العربي الإسلامي، م.سج٣، ص٢٨٥.</ref>.
 
يجبُ الإشارة  بعد استعراض إِستُعمِلات مفهوم الأُمَّة  إلى أنَّ هذا التقسيم الرباعيّ لمداليل هذا الدال ليست حصراً عليها. فإضافة إلى إستعمَاله في [[الأرض]] والدين واللغة والوطن نجد تعبيرات أخرى.
 
فالمسعودي  المؤرِّخ [[العربي]] والإسلامي  صاحب مروج الذهب، يُشير في إطار حديثه عن ملوك الطوائف عند [[الفرس]] إلى مجموعتين من المفاهيم للتمييز بين الأُمَم. الأولى تضُّم الشيَم الطبيعية والخُلُق الطبيعية واللسان، والثانية تضُّمُ البيئة أي المسكن والنسب والدولة أي [[الملك]] [[الواحد]].
 
أمّا إبن خلدون فيشوبُ هذا المفهوم عنده كثيرٌ من الاضطراب والإبهام في تطبيقه على الأُمَم التاريخيّة، فانعدام الصياغة النظريّة للمفهوم حملَ ابن خلدون إلى [[إطلاق]] اللفظ دون ضابط موضوعيّ [[موحد]]. فالأفرنج تارةً أُمَّة وطوراً أُمَم متعدِّدون، والتُرك كذلك في الغالب أُمَم وفي بعض المواضع أُمَّة واحدة...<ref>نصّار، ناصيف، مفهوم الأُمَّة بين الدين والتاريخ، م.س. ص٧٩.</ref>، وبنو إسرائيل أُمَّة لها تاريخ خاص ولمّا خرجت من صحراء سيناء «حاربتهم أُمَم الفلسطينيين والكلدانيين والأرمن وأردن وعمان ومأرب»<ref>إبن خلدون، عبد الرحمن، تاريخ إبن خلدون، ط٤، ج١، بيروت، دار إحياء التُراث، ص٢٣١.</ref>.
 
هذا الإلتباس يتبدَّد ولو ظاهِراً عند الفارابي، الذي يُعطي ضابطة وحدود لهذا المفهوم، فالأُمَّة «تتميَّز عن الأُمَّة بشيئين طبيعيين: بالخُلُق الطبيعيّة والشيَم الطبيعيّة وبشيء ثالث وضعي وله مدخل ما في الأشياء الطبيعيّة وهو اللسان، أعني [[اللغة]] التي تكون بها العبارة»<ref>دغيم، سميح، موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية، م.س، ص٧٠.</ref>.
 
أمّا «الكواكبيّ» فيُضيف إلى ما ذكرناه من تقسيم [[النسب]] ليكون مميّزاً للأُمَم عن بعضها إضافة لغيرة من المقوّمات، فالأُمَّة «هي مجموعة أفراد يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو [[دين]]»<ref>الكواكبي، عبدالرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ط٢، بيروت، د.ن.، ١٩٧٣، ص١١٥.</ref>.
 
ويظهر التلاطُم في مفهوم الأُمَّة عند «جمال الدّين الإفغانيّ»، فالأُمَّة هي الشعوبُ الجامعة للُغةٍ جامعةٍ تارة، وهي الشعوبُ المتفّقةُ على دين مشترك  كما ذكرنا سابقاً  تارة أخرى، وثالثة هي المؤلَّفة من أفراد يختلفون في المشارب، وتربطُهم روابط الاجتماع والجنس، وتلحمهم [[وحدة]] [[اللغة]] والأصل والموطن، ويطيعون [[شريعة]] واحدة لا تُفَرِّق بين الكبير والصغير، وتحكمهم سياسة واحدة وحكومة واحدة»<ref>الأفغاني، جمال الدين، سلسلة الأعمال المجهولة، لندن، رياض الريِّس، ١٩٨٧، ص١٤٣.</ref>.
 
أخيراً، إنَّ سوءَ الفهمِ أو التعثرَ فيه  إن أحسَّنا [[الظن]]  لمفردةِ الأُمَّة، أدَّى إلى عدم [[القدرة]] على الصياغة النظريَّة لمفاهيم النهضة والبعث والوحدة والتقدُّم وغيرها من المفاهيم التي تُشكِّل تخوم استمرار [[الجسم]] الحضاري وعتباته، ولو استطاع كثيرٌ من روَّادِ [[الفكر]] تحديد المصطلحات قبل الولوجِ إلى سَرد آرائهم ورؤاهم لأمكنم الورود إلى بيت [[القصد]] بمُكنَةٍ وثبات ولمنَحهم القدرة على رفع بناء أهدافِهم وغاياتهم وآمالهم تحت ظِلِّ أعمدة راسِخة وأُسُسٍ ثابتة.
 
والعرض الذي أسلفت [[الكلام]] عنه كان مثلاً ونظرة على تلك الأبنية المهترئةِ القواعد وأُنمُوذجاً لتلك الصروح المتصّدعةِ الأُسُس. وقد كان هذا [[العرض]] ضروريّاً لرصد هذا المفهوم كبداية نظريّة لمعرفة مقصد إنموذج بحثنا من هذا المفهوم ليتّمَ الحكمُ على طِبقه ووفق مؤدّاه.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل