انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الظلم عند أهل السنة»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الظلم| عنوان المدخل  = الظلم| المداخل ذات الصلة = [[الظلم في القرآن]] - [[الظلم في الحديث]] - [[الظلم في الفقه المقارن]] - [[الظلم عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الظلم| عنوان المدخل  = الظلم| المداخل ذات الصلة = [[الظلم في القرآن]] - [[الظلم في الحديث]] - [[الظلم في الفقه المقارن]] - [[الظلم عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة  = }}
==التعريف==
==التعريف==
أصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، والجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، ثم كثر استعماله حتى سمي كل عسف ظلما<ref> لسان العرب، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة مادة: (ظلم) .</ref>.
أصل [[الظلم]] في [[اللغة]]: وضع الشيء في غير موضعه، والجور ومجاوزة [[الحد]] والميل عن [[القصد]]، ثم كثر استعماله حتى سمي كل عسف ظلما<ref> لسان العرب، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة مادة: (ظلم) .</ref>.


ولا يخرج في الاصطلاح عن معناه اللغوي<ref> فتح القدير ٥ / ٤٣٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 169.</ref>
ولا يخرج في الاصطلاح عن معناه اللغوي<ref> فتح القدير ٥ / ٤٣٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٦٩.</ref>


==الألفاظ ذات الصلة==
==الألفاظ ذات الصلة==
#البغي: من معاني البغي في اللغة: الظلم والفساد والاستطالة على الناس. . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي في الجملة عن المعنى اللغوي<ref>المصباح المنير، ولسان العرب مادة (بغى) والموسوعة الفقهية (بغاة) ٨ / ١٣٠.</ref>.
#البغي: من معاني البغي في اللغة: الظلم والفساد والاستطالة على [[الناس]]. . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي في الجملة عن المعنى اللغوي<ref>المصباح المنير، ولسان العرب مادة (بغى) والموسوعة الفقهية (بغاة) ٨ / ١٣٠.</ref>.
#الإكراه: لغة: من الكره - بالضم - بمعنى القهر، أو من الكره - بالفتح - بمعنى المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها: حملته عليه قهرا<ref>المصباح المنير.</ref>.
#[[الإكراه]]: لغة: من الكره - بالضم - بمعنى القهر، أو من الكره - بالفتح - بمعنى المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها: حملته عليه قهرا<ref>المصباح المنير.</ref>.
وعرفه الفقهاء: بأنه فعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره.
وعرفه [[الفقهاء]]: بأنه [[فعل]] يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره.


والصلة بين الظلم والإكراه: أن الإكراه يكون صورة من صور الظلم إذا كان بغير حق<ref>الفروق لأبي هلال العسكري ص ١٩٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 169.</ref>
والصلة بين الظلم والإكراه: أن الإكراه يكون صورة من صور الظلم إذا كان بغير [[حق]]<ref>الفروق لأبي هلال العسكري ص ١٩٢.</ref>.<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٦٩.</ref>


==الحكم التكليفي==
==[[الحكم التكليفي]]==
الظلم محرم، دل على حرمته الكتاب والسنة والإجماع.
الظلم محرم، دل على حرمته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فمنه قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}}<ref> سورة النساء، الآية 168 - 169.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية 113.</ref>.
أما الكتاب فمنه قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٨ - ١٦٩.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية ١١٣.</ref>.


وأما السنة فمنها: حديث أبي ذر ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله تعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا<ref>حديث: «قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . .» أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.</ref>. الحديث، وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه<ref>حديث: «من كانت له مظلمة لأخيه. . .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.</ref>. وأجمع الفقهاء على تحريم الظلم، قال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا<ref>فتح الباري ٥ / ١٠٠.</ref>.
وأما [[السنة]] فمنها: حديث أبي ذر ﵁ عن [[النبي]] صلى [[الله]] عليه وسلم فيما روي عن [[الله تعالى]] أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا<ref>حديث: «قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . .» أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.</ref>. الحديث، وعن أبي هريرة ﵁ قال قال [[رسول الله]] صلى الله عليه وسلم: من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له [[عمل]] [[صالح]] أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه<ref>حديث: «من كانت له مظلمة لأخيه. . .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.</ref>. وأجمع [[الفقهاء]] على تحريم [[الظلم]]، قال [[ابن الجوزي]]: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير [[حق]]، ومبارزة [[الرب]] بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على [[الانتصار]]، وإنما ينشأ الظلم عن [[ظلمة]] [[القلب]]؛ لأنه لو استنار بنور [[الهدى]] لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب [[التقوى]] اكتنفت ظلمات الظلم [[الظالم]]، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا<ref>فتح الباري ٥ / ١٠٠.</ref>.


==أثر الظلم في ترك الجمعة والجماعة==
==أثر الظلم في ترك [[الجمعة]] والجماعة==
ذهب الفقهاء إلى اعتبار الخوف من الظالم عذرا من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجمعة والجماعة؛ لأن الأمن من الظالم شرط فيهما، فكل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله، أو مال غيره ممن يلزمه الذب عنه، أو خاف على دينه كخوفه إلزام قتل رجل أو ضربه، أو أن يحبس بحق لا وفاء له عنده - لأن حبس المعسر ظلم - فكل من كان هذا حاله يعذر في تخلفه عن الجمعة والجماعة.
ذهب الفقهاء إلى [[اعتبار]] [[الخوف]] من الظالم عذرا من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجمعة والجماعة؛ لأن [[الأمن]] من الظالم شرط فيهما، فكل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله، أو مال غيره ممن يلزمه الذب عنه، أو خاف على دينه كخوفه [[إلزام]] [[قتل]] رجل أو ضربه، أو أن يحبس بحق لا وفاء له عنده - لأن حبس المعسر [[ظلم]] - فكل من كان هذا حاله يعذر في تخلفه عن الجمعة والجماعة.
ولا عذر لمن يطالب بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور للجمعة، وعليه توفية ذلك الحق، ولا عذر لمن وجب عليه حد لجناية ارتكبها<ref>حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٧٥، حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٨، الزرقاني شرح خليل ٢ / ٦٧، حاشية القليوبي وعميرة ١ / ٢٢٧، ٢٦٨، كشاف القناع ١ / ٤٩٥، ٤٩٦ و٢ / ٢٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 171.</ref>
ولا عذر لمن يطالب بحق هو [[ظالم]] في منعه، بل عليه الحضور للجمعة، وعليه توفية ذلك [[الحق]]، ولا عذر لمن وجب عليه حد لجناية ارتكبها<ref>حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٧٥، حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٨، الزرقاني شرح خليل ٢ / ٦٧، حاشية القليوبي وعميرة ١ / ٢٢٧، ٢٦٨، كشاف القناع ١ / ٤٩٥، ٤٩٦ و٢ / ٢٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧١.</ref>


==أخذ المال ظلما من الحاج==
==أخذ المال ظلما من الحاج==
اعتبر بعض الفقهاء أمن الطريق من شروط وجوب الحج، واعتبره آخرون شرطا للأداء، لا شرطا لنفس الوجوب.
اعتبر بعض الفقهاء أمن الطريق من شروط [[وجوب]] [[الحج]]، واعتبره آخرون شرطا للأداء، لا شرطا لنفس [[الوجوب]].


واختلفوا في وجوب دفع الرصدي بالمال، وأثر ذلك في تحقق شرط وجوب الحج وهو «أمن الطريق»، على اعتبار أن ترصد الحاج لأخذ ماله أو التعدي على نفسه وحمله على دفع رشوة أو مكس أو خفارة من الظلم المانع من تحقق هذا الشرط.
واختلفوا في وجوب دفع الرصدي بالمال، وأثر ذلك في تحقق شرط وجوب الحج وهو «أمن الطريق»، على اعتبار أن ترصد الحاج لأخذ ماله أو التعدي على نفسه وحمله على دفع رشوة أو مكس أو خفارة من الظلم [[المانع]] من تحقق هذا الشرط.


فذهب الحنفية في المعتمد، والمالكية في الأظهر، والشافعية في الوجه المعتمد، والحنابلة في مقابل الصحيح من المذهب: إلى عدم سقوط الوجوب إذا اندفع شر الرصدي بدفع الرشوة أو المكس أو الخفارة، وهذا من حيث الجملة، ولكل منهم تفصيل في مذهبه.
فذهب [[الحنفية]] في المعتمد، والمالكية في الأظهر، والشافعية في الوجه المعتمد، والحنابلة في مقابل الصحيح من [[المذهب]]: إلى عدم سقوط [[الوجوب]] إذا اندفع [[شر]] الرصدي بدفع الرشوة أو المكس أو الخفارة، وهذا من حيث الجملة، ولكل منهم تفصيل في مذهبه.


فذهب الحنفية إلى أنه لا يسقط وجوب أداء الحج إذا اندفع الشر بدفع الرشوة، فيتحقق بذلك شرط الأمن، والإثم على الآخذ لا على المعطي، لأن المعطي مضطر للدفع ضرورة الدفع عن نفسه أو ماله، كما أنه مضطر لإسقاط الفرض عن نفسه.
فذهب الحنفية إلى أنه لا يسقط [[وجوب]] أداء [[الحج]] إذا اندفع [[الشر]] بدفع الرشوة، فيتحقق بذلك شرط [[الأمن]]، والإثم على الآخذ لا على المعطي، لأن المعطي [[مضطر]] للدفع [[ضرورة]] الدفع عن نفسه أو ماله، كما أنه مضطر لإسقاط الفرض عن نفسه.


وعند المالكية: يستثنى من شرط أمن الطريق الظالم الذي يأخذ المكوس على الحجاج، فإن الحج لا يسقط وجوبه بأخذ المكس بشرطين:
وعند [[المالكية]]: يستثنى من شرط أمن الطريق [[الظالم]] الذي يأخذ المكوس على [[الحجاج]]، فإن الحج لا يسقط وجوبه بأخذ المكس بشرطين:  


الأول: أن لا ينكث، والثاني: أن يكون المكس قليلا لا يجحف.
الأول: أن لا ينكث، والثاني: أن يكون المكس قليلا لا يجحف.


ووجه جواز الدفع للمكاس: أن الرجل بإجماع الأمة يجوز له أن يمنع عرضه ممن يهتكه بماله، وقالوا: كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إياه ولو كان ظالما، كما لو قال الرجل لآخر: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إلا بجعل لوجب عليه أن يعطيه إياه.
ووجه [[جواز]] الدفع للمكاس: أن الرجل بإجماع [[الأمة]] يجوز له أن يمنع عرضه ممن يهتكه بماله، وقالوا: كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إياه ولو كان ظالما، كما لو قال الرجل لآخر: لا أمكنك من [[الوضوء]] والصلاة إلا بجعل لوجب عليه أن يعطيه إياه.


وحاصل مذهب المالكية: أن وجوب الحج يسقط بأخذ الظالم مالا من الحاج في صورتين:
وحاصل [[مذهب]] المالكية: أن وجوب الحج يسقط بأخذ الظالم مالا من الحاج في صورتين:  
# أن يأخذ قليلا غير مجحف، وكان ينكث.
# أن يأخذ قليلا غير مجحف، وكان ينكث.
#أن يأخذ كثيرا مجحفا، نكث أم لم ينكث.
#أن يأخذ كثيرا مجحفا، نكث أم لم ينكث.
وعند الشافعية أن وجوب الحج لا يسقط إذا كان من يدفع المال للرصدي هو الإمام أو نائبه، بخلاف الأجنبي، وذلك للمنة. كما يسقط الوجوب إذا تعين على الحاج أن يعطي مالا للرصدي ولو كان يسيرا، إذا لم يكن له طريق سوى طريق الرصدي، ويكره له إعطاء المال للرصدي، لأنه يحرضه على التعرض للناس، سواء أكان مسلما أم كافرا.
وعند [[الشافعية]] أن وجوب الحج لا يسقط إذا كان من يدفع المال للرصدي هو [[الإمام]] أو نائبه، بخلاف الأجنبي، وذلك للمنة. كما يسقط الوجوب إذا تعين على الحاج أن يعطي مالا للرصدي ولو كان يسيرا، إذا لم يكن له طريق سوى طريق الرصدي، ويكره له إعطاء المال للرصدي، لأنه يحرضه على التعرض للناس، سواء أكان مسلما أم كافرا.


ومحل الكراهة إذا كان قبل الإحرام، إذ لا حاجة لارتكاب الذل حينئذ، أما بعد الإحرام فلا يكره، لأنه أسهل من القتال أو التحلل.
ومحل [[الكراهة]] إذا كان قبل الإحرام، إذ لا حاجة لارتكاب الذل حينئذ، أما بعد الإحرام فلا يكره، لأنه أسهل من [[القتال]] أو التحلل.


وعند الحنابلة أن الحاج يلزمه السعي للحج وإن كان مضطرا لدفع الظالم عن نفسه بالرشوة أو المكس أو الخفارة، بشرط أن تكون يسيرة لا تجحف بماله؛ لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها، فلم يمنع وجوب الحج مع إمكان بذلها، كثمن الماء وعلف البهائم، وبشرط أن يأمن غدر المبذول له.
وعند [[الحنابلة]] أن الحاج يلزمه السعي للحج وإن كان مضطرا لدفع الظالم عن نفسه بالرشوة أو المكس أو الخفارة، بشرط أن تكون يسيرة لا تجحف بماله؛ لأنها غرامة يقف [[إمكان]] [[الحج]] على بذلها، فلم يمنع [[وجوب]] الحج مع إمكان بذلها، كثمن الماء وعلف البهائم، وبشرط أن يأمن غدر المبذول له.


ومذهب الحنابلة متفق مع مذهب المالكية في اشتراط عدم الإجحاف وعدم النكث والغدر.
ومذهب [[الحنابلة]] متفق مع [[مذهب]] [[المالكية]] في اشتراط عدم الإجحاف وعدم النكث والغدر.


وذهب الحنفية في قول آخر، والمالكية في مقابل الأظهر، والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أنه لا يجوز إعطاء الرصدي الظالم مالا، ويسقط وجوب الحج والسعي إليه إذا اضطر الحاج لدفع الرشوة لمنع الظلم عن ماله ونفسه، وذلك لفقده شرط الأمن، وحتى لا تكون الطاعة سببا للمعصية، ويأثم بالدفع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه بالإعطاء، ولأن ما يعطيه خسران لدفع الظلم، فما يؤخذ منه في ذلك بمنزلة ما زاد عن ثمن المثل وأجرته.
وذهب [[الحنفية]] في قول آخر، والمالكية في مقابل الأظهر، والحنابلة في الصحيح من [[المذهب]] إلى أنه لا يجوز إعطاء الرصدي [[الظالم]] مالا، ويسقط وجوب الحج والسعي إليه إذا اضطر الحاج لدفع الرشوة لمنع [[الظلم]] عن ماله ونفسه، وذلك لفقده شرط [[الأمن]]، وحتى لا تكون [[الطاعة]] سببا للمعصية، ويأثم بالدفع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه بالإعطاء، ولأن ما يعطيه خسران لدفع الظلم، فما يؤخذ منه في ذلك بمنزلة ما زاد عن ثمن [[المثل]] وأجرته.


ويستوي في ذلك كثير الرشوة ويسيرها<ref>حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٤، وبدائع الصنائع ٣ / ٢١٣، وفتح القدير ٢ / ٣٢٨، ومواهب الجليل ٢ / ٤٩٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٤٠ - ٢٤٢، وحاشية القليوبي وعميرة ٢ / ٨٨، والمغني ٣ / ٢١٨، والإنصاف ٣ / ٤٠٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٩٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 171.</ref>
ويستوي في ذلك كثير الرشوة ويسيرها<ref>حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٤، وبدائع الصنائع ٣ / ٢١٣، وفتح القدير ٢ / ٣٢٨، ومواهب الجليل ٢ / ٤٩٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٤٠ - ٢٤٢، وحاشية القليوبي وعميرة ٢ / ٨٨، والمغني ٣ / ٢١٨، والإنصاف ٣ / ٤٠٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٩٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧١.</ref>


==الظلم في القسم بين الزوجات==
==الظلم في القسم بين الزوجات==
ذهب الفقهاء إلى وجوب العدل بين الزوجات في المبيت. واختلفوا في لزوم القضاء إذا جار الزوج فلم يقسم لإحدى زوجاته، أو قسم إحداهن أكثر من الأخرى.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 172.</ref>
ذهب [[الفقهاء]] إلى وجوب [[العدل]] بين الزوجات في المبيت. واختلفوا في لزوم [[القضاء]] إذا جار الزوج فلم يقسم لإحدى زوجاته، أو قسم إحداهن أكثر من الأخرى.<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٢.</ref>


==أخذ الظالم الوديعة قهرا==
==أخذ الظالم [[الوديعة]] قهرا==
ذهب الفقهاء إلى أن الظالم إذا أخذ الوديعة قهرا من المودع فإنه لا يضمن.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 172.</ref>
ذهب الفقهاء إلى أن الظالم إذا أخذ الوديعة قهرا من المودع فإنه لا يضمن.<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٢.</ref>


==الامتناع عن دفع مال فرض ظلما==
==[[الامتناع]] عن دفع مال فرض ظلما==
لم نجد للحنفية نصا صريحا في المسألة، لكن يفهم من كلامهم أن الإمام إذا فرض على الناس مالا ظلما لا شبهة فيه لا يجب عليهم الدفع.
لم نجد للحنفية نصا صريحا في المسألة، لكن يفهم من كلامهم أن [[الإمام]] إذا فرض على [[الناس]] مالا ظلما لا [[شبهة]] فيه لا يجب عليهم الدفع.


قال الكمال بن الهمام: يجب على كل من أطاق أن يقاتل مع الإمام، إلا إن أبدى من يقاتلهم الإمام ما يجوز لهم القتال، كأن ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه ظلم، مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه<ref>فتح القدير ٤ / ٤١١.</ref>
قال [[الكمال]] بن الهمام: يجب على كل من أطاق أن يقاتل مع الإمام، إلا إن أبدى من يقاتلهم الإمام ما يجوز لهم [[القتال]]، كأن ظلمهم أو [[ظلم]] غيرهم ظلما لا شبهة فيه، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه [[ظلم]]، مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها وإلحاق [[الضرر]] بها لدفع [[ضرر]] أعم منه<ref>فتح القدير ٤ / ٤١١.</ref>


وعند المالكية: إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا عن إعطائه، فاستظهر البناني منهم أن تعريف ابن عرفة للبغي يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية، وإن حرم عليه قتالهم لأنه جائر.
وعند [[المالكية]]: إذا كلف [[الإمام]] أو نائبه [[الناس]] بمال ظلما فامتنعوا عن إعطائه، فاستظهر البناني منهم أن تعريف ابن عرفة للبغي يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية، وإن حرم عليه قتالهم لأنه جائر.


أما تعريف خليل للبغاة فيقتضي أنهم غير بغاة لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه<ref>الزرقاني شرح مختصر خليل مع حاشية البناني ٨ / ٦٠.</ref>.
أما تعريف خليل للبغاة فيقتضي أنهم غير بغاة لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه<ref>الزرقاني شرح مختصر خليل مع حاشية البناني ٨ / ٦٠.</ref>.


وذهب الشافعية إلى أن ما كلفهم به من مال ظلما لم يتوجه عليهم، فلا يعتبر امتناعهم عن دفعه بغيا، لكن يتوجه عليهم وجوب دفعه فيما إذا ترتب على عدمه ضرر أعظم مما طلبه، فإن الإمام إذا أكره أحدا من الرعية على حرام أو مكروه - مجمع عليه، أو عند المأمور فقط - فلا لوم على فاعله، وإن كانت مفسدة ما أكره عليه أقل امتنعت المخالفة. ويدل على وجوب الدفع في هذه الحالة حديث أبي داود: سيأتيكم ركيب مبغضون، فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم<ref>حديث: «سيأتيكم ركيب مبغضون. . .». أخرجه أبو داود (٢ / ٢٤٥) من حديث جابر بن عتيك، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (١ / ٣٦٦) تضعيف أحد رواته.</ref> فدل على وجوب الدفع، وعدم منازعتهم، وكف ألسنتنا عنهم<ref>حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب ٢ / ٣٩٨ ط. البابي الحلبي. الباب الحلبي.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 174.</ref>
وذهب [[الشافعية]] إلى أن ما كلفهم به من مال ظلما لم يتوجه عليهم، فلا يعتبر امتناعهم عن دفعه بغيا، لكن يتوجه عليهم [[وجوب]] دفعه فيما إذا ترتب على عدمه ضرر أعظم مما طلبه، فإن الإمام إذا أكره أحدا من الرعية على [[حرام]] أو [[مكروه]] - مجمع عليه، أو عند المأمور فقط - فلا لوم على فاعله، وإن كانت [[مفسدة]] ما أكره عليه أقل امتنعت المخالفة. ويدل على وجوب الدفع في هذه الحالة حديث أبي [[داود]]: سيأتيكم ركيب مبغضون، فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم<ref>حديث: «سيأتيكم ركيب مبغضون. . .». أخرجه أبو داود (٢ / ٢٤٥) من حديث جابر بن عتيك، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (١ / ٣٦٦) تضعيف أحد رواته.</ref> فدل على وجوب الدفع، وعدم منازعتهم، وكف ألسنتنا عنهم<ref>حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب ٢ / ٣٩٨ ط. البابي الحلبي. الباب الحلبي.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧٤.</ref>




==أثر القتل ظلما في شهادة المقتول==
==أثر [[القتل]] ظلما في [[شهادة]] المقتول==
ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثرا في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومن صور القتل ظلما: قتيل اللصوص والبغاة وقطاع الطرق، أو من قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو دمه أو دينه أو أهله أو المسلمين أو أهل الذمة، أو من قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلما.
ذهب [[الفقهاء]] إلى أن للظلم أثرا في [[الحكم]] على المقتول بأنه [[شهيد]]، ويقصد به غير شهيد المعركة مع [[الكفار]]، ومن صور القتل ظلما: قتيل اللصوص والبغاة وقطاع الطرق، أو من [[قتل]] مدافعا عن نفسه أو ماله أو دمه أو دينه أو أهله أو المسلمين أو أهل [[الذمة]]، أو من قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلما.


واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة، أو شهيد الآخرة فقط؟
واختلفوا في اعتباره شهيد [[الدنيا]] والآخرة، أو [[شهيد]] [[الآخرة]] فقط؟


فذهب جمهور الفقهاء: إلى أن من قتل ظلما يعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيغسل ويصلى عليه<ref>حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٨، ٦١١، مواهب الجليل ٢ / ٢٤٧، ٢٤٨، المدونة ١ / ١٨٤، كشاف القناع ٢ / ١٠٠، الإنصاف ٢ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣، مغني المحتاج ١ / ٣٥٠.</ref>.
فذهب جمهور [[الفقهاء]]: إلى أن من [[قتل]] ظلما يعتبر شهيد الآخرة فقط، له [[حكم]] شهيد المعركة مع [[الكفار]] في الآخرة من [[الثواب]]، وليس له حكمه في [[الدنيا]]، فيغسل ويصلى عليه<ref>حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٨، ٦١١، مواهب الجليل ٢ / ٢٤٧، ٢٤٨، المدونة ١ / ١٨٤، كشاف القناع ٢ / ١٠٠، الإنصاف ٢ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣، مغني المحتاج ١ / ٣٥٠.</ref>.


وذهب الحنابلة في المذهب: إلى أن من قتل ظلما فهو شهيد يلحق بشهيد المعركة في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، لقول سعيد بن زيد ﵁: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: يقول من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد<ref>حديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد. . .». أخرجه أبو داود (٥ / ١٢٨ - ١٢٩) والترمذي (٤ / ٣٠) من حديث سعيد بن زيد واللفظ للترمذي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.</ref> ولأنهم مقتولون بغير حق فأشبهوا من قتلهم الكفار<ref>كشاف القناع ٢ / ١٠٠، والإنصاف ١ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 174.</ref>
وذهب [[الحنابلة]] في [[المذهب]]: إلى أن من قتل ظلما فهو شهيد يلحق بشهيد المعركة في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، لقول سعيد بن زيد ﵁: سمعت [[النبي]] صلى [[الله]] عليه وسلم: يقول من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد<ref>حديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد. . .». أخرجه أبو داود (٥ / ١٢٨ - ١٢٩) والترمذي (٤ / ٣٠) من حديث سعيد بن زيد واللفظ للترمذي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.</ref> ولأنهم مقتولون بغير [[حق]] فأشبهوا من قتلهم الكفار<ref>كشاف القناع ٢ / ١٠٠، والإنصاف ١ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧٤.</ref>


==أثر القتل ظلما في إيجاب القصاص==
==أثر [[القتل]] ظلما في [[إيجاب]] [[القصاص]]==
اتفق الفقهاء على أن قتل المؤمن ظلما من الكبائر، واتفقوا على أن القتل العمد ظلما عدوانا موجب للقصاص، وخرج بقيد الظلم: القتل بحق أو بشبهة من غير تقصير.
اتفق الفقهاء على أن قتل [[المؤمن]] ظلما من الكبائر، واتفقوا على أن القتل العمد ظلما عدوانا موجب للقصاص، وخرج بقيد [[الظلم]]: القتل بحق أو بشبهة من غير تقصير.


واشترط الفقهاء لصحة القصاص أن يكون المقتول معصوما محقون الدم ليتحقق الظلم، لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية 33.</ref> أي بغير سبب يوجب القتل، ولأن القصاص إنما شرع حفظا للدماء المعصومة وزجرا عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، فلا يجب قصاص ولا دية ولا كفارة بقتل حربي، ولا مرتد قبل التوبة، ولا بقتل زان محصن، ولا محارب قاطع طريق تحتم قتله ولا تارك الصلاة بعد أمر الإمام له بها<ref>نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٥، حاشية الجمل ٥ / ٥٠٢، كشاف القناع ٥ / ٥٢١، تفسير القرطبي ١٠ / ٢٥٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٣٧، الخرشي على خليل ٨ / ٥، البحرالرائق ٨ / ٣٢٧، حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 175.</ref>
واشترط الفقهاء لصحة القصاص أن يكون المقتول معصوما محقون الدم ليتحقق الظلم، لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٣٣.</ref> أي بغير سبب يوجب القتل، ولأن القصاص إنما [[شرع]] حفظا للدماء المعصومة وزجرا عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، فلا يجب قصاص ولا دية ولا كفارة بقتل حربي، ولا [[مرتد]] قبل [[التوبة]]، ولا بقتل زان محصن، ولا محارب قاطع طريق تحتم قتله ولا تارك [[الصلاة]] بعد أمر [[الإمام]] له بها<ref>نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٥، حاشية الجمل ٥ / ٥٠٢، كشاف القناع ٥ / ٥٢١، تفسير القرطبي ١٠ / ٢٥٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٣٧، الخرشي على خليل ٨ / ٥، البحرالرائق ٨ / ٣٢٧، حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧٥.</ref>


==نسبة الظلم إلى الله سبحانه وأثرها في الردة==
==نسبة [[الظلم]] إلى [[الله]] سبحانه وأثرها في [[الردة]]==
اتفق الفقهاء على أن نسبة الظلم إلى الله ﷾ من موجبات الحكم بالردة فلو قال شخص لغيره: لا تترك الصلاة فإن الله تعالى يؤاخذك فقال: لو آخذني الله بها مع ما بي من المرض والشدة ظلمني، فإنه يكون مرتدا<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 175.</ref>.
اتفق [[الفقهاء]] على أن نسبة الظلم إلى الله ﷾ من موجبات [[الحكم]] بالردة فلو قال شخص لغيره: لا تترك [[الصلاة]] فإن [[الله تعالى]] يؤاخذك فقال: لو آخذني الله بها مع ما بي من المرض والشدة ظلمني، فإنه يكون مرتدا<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٥.</ref>.


==الغيبة للشكوى من الظلم:
==[[الغيبة]] للشكوى من الظلم:  
لا تباح الغيبة إلا عند الضرورة، ومن بينها التظلم عند الحاكم والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه ممن ظلمه، فيقول: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا.
لا تباح الغيبة إلا عند [[الضرورة]]، ومن بينها التظلم عند [[الحاكم]] والقاضي وغيرهما ممن له [[ولاية]] أو [[قدرة]] على إنصافه ممن ظلمه، فيقول: ظلمني فلان، أو [[فعل]] بي كذا.


وذلك لقوله تعالى: {{ نص قرآني |لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}}<ref> سورة النساء، الآية 148.</ref>.
وذلك لقوله تعالى: {{نص قرآني|لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}}<ref> سورة النساء، الآية ١٤٨.</ref>.


ومن بين الضرورات المبيحة للغيبة الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا وكذا فما طريق الخلاص؟ والأسلم أن يقول: ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو ابنه أو أحد من الناس كذا وكذا، ولكن التصريح مباح بهذا القدر؛ لأن المفتي قد يدرك مع تعيينه ما لا يدرك مع إبهامه<ref>حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٢، ٢٦٣، روضة الطالبين ٧ / ٢٣.</ref>، وقد جاء في الحديث المتفق عليه، أن هند بنت عتبة ﵂ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؛ فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف<ref>حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) ومسلم (٣ / ١٣٣٨) من حديث عائشة.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 176.</ref>
ومن بين الضرورات المبيحة للغيبة الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا وكذا فما طريق الخلاص؟ والأسلم أن يقول: ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو ابنه أو أحد من [[الناس]] كذا وكذا، ولكن التصريح [[مباح]] بهذا [[القدر]]؛ لأن المفتي قد يدرك مع تعيينه ما لا يدرك مع إبهامه<ref>حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٢، ٢٦٣، روضة الطالبين ٧ / ٢٣.</ref>، وقد جاء في الحديث المتفق عليه، أن هند بنت عتبة ﵂ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؛ فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف<ref>حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) ومسلم (٣ / ١٣٣٨) من حديث عائشة.</ref>.<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٦.</ref>


=الدعاء على الظالم:
=[[الدعاء]] على [[الظالم]]:  
١٥ - للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، ولا يجوز له الدعاء على من شتمه أو أخذ ماله بالكفر لأنه فوق ما يوجبه ألم الظلم، ولو كذب ظالم عليه فلا يجوز له أن يفتري عليه، بل يدعو الله فيمن يفتري عليه نظير افترائه عليه، وكذا إن أفسد عليه دينه فلا يفسد عليه دينه، بل يدعو الله عليه فيمن يفسد عليه دينه، هذا مقتضى التشبيه، والتورع عنه أفضل، قال الإمام أحمد: الدعاء قصاص ومن دعا على من ظلمه فما صبر يريد أنه انتصر لنفسه<ref>مطالب أولي النهى ٤ / ٩٨.</ref> لقوله صلى الله عليه وسلم: من دعا على من ظلمه فقد انتصر<ref>حديث: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٤) من حديث عائشة، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (٤ / ٢٣٤) تضعيف أحد رواته.</ref>.
١٥ - للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، ولا يجوز له الدعاء على من شتمه أو أخذ ماله بالكفر لأنه فوق ما يوجبه ألم الظلم، ولو [[كذب]] [[ظالم]] عليه فلا يجوز له أن يفتري عليه، بل يدعو الله فيمن يفتري عليه نظير افترائه عليه، وكذا إن أفسد عليه دينه فلا يفسد عليه دينه، بل يدعو [[الله]] عليه فيمن يفسد عليه دينه، هذا مقتضى [[التشبيه]]، والتورع عنه أفضل، قال [[الإمام أحمد]]: [[الدعاء]] قصاص ومن دعا على من ظلمه فما [[صبر]] يريد أنه انتصر لنفسه<ref>مطالب أولي النهى ٤ / ٩٨.</ref> لقوله صلى الله عليه وسلم: من دعا على من ظلمه فقد انتصر<ref>حديث: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٤) من حديث عائشة، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (٤ / ٢٣٤) تضعيف أحد رواته.</ref>.


وذهب العلامة ابن قاسم من الشافعية إلى جواز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة <ref>حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٢٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 177.</ref>
وذهب العلامة ابن قاسم من [[الشافعية]] إلى [[جواز]] الدعاء على [[الظالم]] بسوء الخاتمة <ref>حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٢٢.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧٧.</ref>


==ولاية المظالم==
==[[ولاية]] المظالم==
ولاية المظالم هي إحدى وظائف الدولة، وتختص بالنظر في المظالم وردها إلى أصحابها.
ولاية المظالم هي إحدى وظائف [[الدولة]]، وتختص بالنظر في المظالم وردها إلى أصحابها.
قال الماوردي: ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة<ref>الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧.</ref>.
قال الماوردي: ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة<ref>الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧.</ref>.


فمدار الأمر في العمل بهذه الولاية قائم على قوة السلطان ومنعته، ولذا يشترط في الناظر في المظالم: أن يكون جليل القدر مهابا، نافذ الأمر، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، وإذا كان الناظر في المظالم ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وتولية، فإن كان ممن لم يفوض إليه النظر العام احتاج إلى تقليد وتولية.
فمدار الأمر في [[العمل]] بهذه [[الولاية]] قائم على [[قوة]] [[السلطان]] ومنعته، ولذا يشترط في الناظر في المظالم: أن يكون جليل [[القدر]] مهابا، نافذ الأمر، ظاهر [[العفة]]، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، وإذا كان الناظر في المظالم ممن يملك الأمور [[العامة]] كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى [[تقليد]] وتولية، فإن كان ممن لم يفوض إليه النظر العام احتاج إلى تقليد وتولية.


يقول ابن خلدون في بيان هذه الوظيفة: النظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي، وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه<ref>مقدمة ابن خلدون ص ٢٢٢.</ref>.
يقول ابن خلدون في بيان هذه الوظيفة: النظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة [[السلطنة]] ونصفة [[القضاء]]، وتحتاج إلى [[علو]] يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي، وكأنه يمضي ما [[عجز]] القضاة أو غيرهم عن إمضائه<ref>مقدمة ابن خلدون ص ٢٢٢.</ref>.


وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم النظر في المظالم بنفسه، وذلك في الشرب الذي تنازع فيه الزبير بن العوام ﵁ ورجل من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر<ref>حديث: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠) من حديث عروة بن الزبير، واللفظ لمسلم.</ref>.
وقد تولى [[النبي]] صلى الله عليه وسلم النظر في المظالم بنفسه، وذلك في الشرب الذي تنازع فيه الزبير بن العوام ﵁ ورجل من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري، فقال: يا [[رسول الله]] أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي صلى [[الله]] عليه وسلم ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر<ref>حديث: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠) من حديث عروة بن الزبير، واللفظ لمسلم.</ref>.


وإنما قال له هذا أدبا له لجرأته عليه<ref>الأحكام السلطانية ص ٧٧، ٨٠ - ٨٣، المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٥٦٢ - ٥٧٢، بدائع السلك في الملك ١ / ٢٣٢ - ٢٣٩.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 177.</ref>
وإنما قال له هذا أدبا له لجرأته عليه<ref>الأحكام السلطانية ص ٧٧، ٨٠ - ٨٣، المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٥٦٢ - ٥٧٢، بدائع السلك في الملك ١ / ٢٣٢ - ٢٣٩.</ref>.<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج٢٩، ص ١٧٧.</ref>


==تكريم الظالم وإعانته==
==تكريم [[الظالم]] وإعانته==
يقصد بذلك التصرفات التي تدل على تكريم الظالم وإعانته على ظلمه، كإجابة دعوته، وتقبيل يده، ودفع رشوة له، وإعانته على ظلمه<ref>[[الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية]]، ج29، ص 177.</ref>.
يقصد بذلك التصرفات التي تدل على تكريم الظالم وإعانته على ظلمه، كإجابة دعوته، وتقبيل يده، ودفع رشوة له، وإعانته على ظلمه<ref>الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٧.</ref>.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٣٧

تعديل