الظلم عند أهل السنة

التعريف

أصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، والجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، ثم كثر استعماله حتى سمي كل عسف ظلما[١].

ولا يخرج في الاصطلاح عن معناه اللغوي[٢].[٣]

الألفاظ ذات الصلة

  1. البغي: من معاني البغي في اللغة: الظلم والفساد والاستطالة على الناس. . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي في الجملة عن المعنى اللغوي[٤].
  2. الإكراه: لغة: من الكره - بالضم - بمعنى القهر، أو من الكره - بالفتح - بمعنى المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها: حملته عليه قهرا[٥].

وعرفه الفقهاء: بأنه فعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره.

والصلة بين الظلم والإكراه: أن الإكراه يكون صورة من صور الظلم إذا كان بغير حق[٦].[٧]

الظلم في فقه أهل السنة

الحكم التكليفي

الظلم محرم، دل على حرمته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا[٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[٩].

وأما السنة فمنها: حديث أبي ذر عن النبي (ص) فيما روي عن الله تعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا[١٠]. الحديث، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص): من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه[١١]. وأجمع الفقهاء على تحريم الظلم، قال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا[١٢].

أثر الظلم في ترك الجمعة والجماعة

ذهب الفقهاء إلى اعتبار الخوف من الظالم عذرا من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجمعة والجماعة؛ لأن الأمن من الظالم شرط فيهما، فكل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله، أو مال غيره ممن يلزمه الذب عنه، أو خاف على دينه كخوفه إلزام قتل رجل أو ضربه، أو أن يحبس بحق لا وفاء له عنده - لأن حبس المعسر ظلم - فكل من كان هذا حاله يعذر في تخلفه عن الجمعة والجماعة. ولا عذر لمن يطالب بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور للجمعة، وعليه توفية ذلك الحق، ولا عذر لمن وجب عليه حد لجناية ارتكبها[١٣].[١٤]

أخذ المال ظلما من الحاج

اعتبر بعض الفقهاء أمن الطريق من شروط وجوب الحج، واعتبره آخرون شرطا للأداء، لا شرطا لنفس الوجوب.

واختلفوا في وجوب دفع الرصدي بالمال، وأثر ذلك في تحقق شرط وجوب الحج وهو «أمن الطريق»، على اعتبار أن ترصد الحاج لأخذ ماله أو التعدي على نفسه وحمله على دفع رشوة أو مكس أو خفارة من الظلم المانع من تحقق هذا الشرط.

فذهب الحنفية في المعتمد، والمالكية في الأظهر، والشافعية في الوجه المعتمد، والحنابلة في مقابل الصحيح من المذهب: إلى عدم سقوط الوجوب إذا اندفع شر الرصدي بدفع الرشوة أو المكس أو الخفارة، وهذا من حيث الجملة، ولكل منهم تفصيل في مذهبه.

فذهب الحنفية إلى أنه لا يسقط وجوب أداء الحج إذا اندفع الشر بدفع الرشوة، فيتحقق بذلك شرط الأمن، والإثم على الآخذ لا على المعطي، لأن المعطي مضطر للدفع ضرورة الدفع عن نفسه أو ماله، كما أنه مضطر لإسقاط الفرض عن نفسه.

وعند المالكية: يستثنى من شرط أمن الطريق الظالم الذي يأخذ المكوس على الحجاج، فإن الحج لا يسقط وجوبه بأخذ المكس بشرطين:

  1. أن لا ينكث،
  2. أن يكون المكس قليلا لا يجحف.

ووجه جواز الدفع للمكاس: أن الرجل بإجماع الأمة يجوز له أن يمنع عرضه ممن يهتكه بماله، وقالوا: كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إياه ولو كان ظالما، كما لو قال الرجل لآخر: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إلا بجعل لوجب عليه أن يعطيه إياه.

وحاصل مذهب المالكية: أن وجوب الحج يسقط بأخذ الظالم مالا من الحاج في صورتين:

  1. أن يأخذ قليلا غير مجحف، وكان ينكث.
  2. أن يأخذ كثيرا مجحفا، نكث أم لم ينكث.

وعند الشافعية أن وجوب الحج لا يسقط إذا كان من يدفع المال للرصدي هو الإمام أو نائبه، بخلاف الأجنبي، وذلك للمنة. كما يسقط الوجوب إذا تعين على الحاج أن يعطي مالا للرصدي ولو كان يسيرا، إذا لم يكن له طريق سوى طريق الرصدي، ويكره له إعطاء المال للرصدي، لأنه يحرضه على التعرض للناس، سواء أكان مسلما أم كافرا.

ومحل الكراهة إذا كان قبل الإحرام، إذ لا حاجة لارتكاب الذل حينئذ، أما بعد الإحرام فلا يكره، لأنه أسهل من القتال أو التحلل.

وعند الحنابلة أن الحاج يلزمه السعي للحج وإن كان مضطرا لدفع الظالم عن نفسه بالرشوة أو المكس أو الخفارة، بشرط أن تكون يسيرة لا تجحف بماله؛ لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها، فلم يمنع وجوب الحج مع إمكان بذلها، كثمن الماء وعلف البهائم، وبشرط أن يأمن غدر المبذول له.

ومذهب الحنابلة متفق مع مذهب المالكية في اشتراط عدم الإجحاف وعدم النكث والغدر.

وذهب الحنفية في قول آخر، والمالكية في مقابل الأظهر، والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أنه لا يجوز إعطاء الرصدي الظالم مالا، ويسقط وجوب الحج والسعي إليه إذا اضطر الحاج لدفع الرشوة لمنع الظلم عن ماله ونفسه، وذلك لفقده شرط الأمن، وحتى لا تكون الطاعة سببا للمعصية، ويأثم بالدفع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه بالإعطاء، ولأن ما يعطيه خسران لدفع الظلم، فما يؤخذ منه في ذلك بمنزلة ما زاد عن ثمن المثل وأجرته.

ويستوي في ذلك كثير الرشوة ويسيرها[١٥].[١٦]

الظلم في القسم بين الزوجات

ذهب الفقهاء إلى وجوب العدل بين الزوجات في المبيت. واختلفوا في لزوم القضاء إذا جار الزوج فلم يقسم لإحدى زوجاته، أو قسم إحداهن أكثر من الأخرى.[١٧]

أخذ الظالم الوديعة قهرا

ذهب الفقهاء إلى أن الظالم إذا أخذ الوديعة قهرا من المودع فإنه لا يضمن.[١٨]

الامتناع عن دفع مال فرض ظلما

لم نجد للحنفية نصا صريحا في المسألة، لكن يفهم من كلامهم أن الإمام إذا فرض على الناس مالا ظلما لا شبهة فيه لا يجب عليهم الدفع.

قال كمال بن الهمام: يجب على كل من أطاق أن يقاتل مع الإمام، إلا إن أبدى من يقاتلهم الإمام ما يجوز لهم القتال، كأن ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه ظلم، مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه[١٩]

وعند المالكية: إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا عن إعطائه، فاستظهر البناني منهم أن تعريف ابن عرفة للبغي يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية، وإن حرم عليه قتالهم لأنه جائر.

أما تعريف خليل للبغاة فيقتضي أنهم غير بغاة لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه[٢٠].

وذهب الشافعية إلى أن ما كلفهم به من مال ظلما لم يتوجه عليهم، فلا يعتبر امتناعهم عن دفعه بغيا، لكن يتوجه عليهم وجوب دفعه فيما إذا ترتب على عدمه ضرر أعظم مما طلبه، فإن الإمام إذا أكره أحدا من الرعية على حرام أو مكروه - مجمع عليه، أو عند المأمور فقط - فلا لوم على فاعله، وإن كانت مفسدة ما أكره عليه أقل امتنعت المخالفة. ويدل على وجوب الدفع في هذه الحالة حديث أبي داوود: سيأتيكم ركيب مبغضون، فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم[٢١] فدل على وجوب الدفع، وعدم منازعتهم، وكف ألسنتنا عنهم[٢٢].[٢٣]

أثر القتل ظلما في شهادة المقتول

ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثرا في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومن صور القتل ظلما: قتيل اللصوص والبغاة وقطاع الطرق، أو من قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو دمه أو دينه أو أهله أو المسلمين أو أهل الذمة، أو من قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلما.

واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة، أو شهيد الآخرة فقط؟

فذهب جمهور الفقهاء: إلى أن من قتل ظلما يعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيغسل ويصلى عليه[٢٤].

وذهب الحنابلة في المذهب: إلى أن من قتل ظلما فهو شهيد يلحق بشهيد المعركة في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، لقول سعيد بن زيد : سمعت النبي (ص): يقول من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد[٢٥] ولأنهم مقتولون بغير حق فأشبهوا من قتلهم الكفار[٢٦].[٢٧]

أثر القتل ظلما في إيجاب القصاص

اتفق الفقهاء على أن قتل المؤمن ظلما من الكبائر، واتفقوا على أن القتل العمد ظلما عدوانا موجب للقصاص، وخرج بقيد الظلم: القتل بحق أو بشبهة من غير تقصير.

واشترط الفقهاء لصحة القصاص أن يكون المقتول معصوما محقون الدم ليتحقق الظلم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا[٢٨] أي بغير سبب يوجب القتل، ولأن القصاص إنما شرع حفظا للدماء المعصومة وزجرا عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، فلا يجب قصاص ولا دية ولا كفارة بقتل حربي، ولا مرتد قبل التوبة، ولا بقتل زان محصن، ولا محارب قاطع طريق تحتم قتله ولا تارك الصلاة بعد أمر الإمام له بها[٢٩].[٣٠]

نسبة الظلم إلى الله سبحانه وأثرها في الردة

اتفق الفقهاء على أن نسبة الظلم إلى الله من موجبات الحكم بالردة فلو قال شخص لغيره: لا تترك الصلاة فإن الله تعالى يؤاخذك فقال: لو آخذني الله بها مع ما بي من المرض والشدة ظلمني، فإنه يكون مرتدا[٣١].

الغيبة للشكوى من الظلم

لا تباح الغيبة إلا عند الضرورة، ومن بينها التظلم عند الحاكم والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه ممن ظلمه، فيقول: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا.

وذلك لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ[٣٢].

ومن بين الضرورات المبيحة للغيبة الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا وكذا فما طريق الخلاص؟ والأسلم أن يقول: ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو ابنه أو أحد من الناس كذا وكذا، ولكن التصريح مباح بهذا القدر؛ لأن المفتي قد يدرك مع تعيينه ما لا يدرك مع إبهامه[٣٣]، وقد جاء في الحديث المتفق عليه، أن هند بنت عتبة قالت للنبي (ص): إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؛ فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف[٣٤].[٣٥]

الدعاء على الظالم

للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، ولا يجوز له الدعاء على من شتمه أو أخذ ماله بالكفر لأنه فوق ما يوجبه ألم الظلم، ولو كذب ظالم عليه فلا يجوز له أن يفتري عليه، بل يدعو الله فيمن يفتري عليه نظير افترائه عليه، وكذا إن أفسد عليه دينه فلا يفسد عليه دينه، بل يدعو الله عليه فيمن يفسد عليه دينه، هذا مقتضى التشبيه، والتورع عنه أفضل، قال الإمام أحمد: الدعاء قصاص ومن دعا على من ظلمه فما صبر يريد أنه انتصر لنفسه[٣٦] لقوله (ص): من دعا على من ظلمه فقد انتصر[٣٧].

وذهب العلامة ابن قاسم من الشافعية إلى جواز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة [٣٨].[٣٩]

ولاية المظالم

ولاية المظالم هي إحدى وظائف الدولة، وتختص بالنظر في المظالم وردها إلى أصحابها. قال الماوردي: ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة[٤٠].

فمدار الأمر في العمل بهذه الولاية قائم على قوة السلطان ومنعته، ولذا يشترط في الناظر في المظالم: أن يكون جليل القدر مهابا، نافذ الأمر، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، وإذا كان الناظر في المظالم ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وتولية، فإن كان ممن لم يفوض إليه النظر العام احتاج إلى تقليد وتولية.

يقول ابن خلدون في بيان هذه الوظيفة: النظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي، وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه[٤١].

وقد تولى النبي (ص) النظر في المظالم بنفسه، وذلك في الشرب الذي تنازع فيه الزبير بن العوام ورجل من الأنصار فقال (ص): اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبي (ص) ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر[٤٢].

وإنما قال له هذا أدبا له لجرأته عليه[٤٣].[٤٤]

تكريم الظالم وإعانته

يقصد بذلك التصرفات التي تدل على تكريم الظالم وإعانته على ظلمه، كإجابة دعوته، وتقبيل يده، ودفع رشوة له، وإعانته على ظلمه[٤٥].

الظلم في القرآن الكريم

مفهوم الظلم

المعنى اللغوي

قال ابن فارس: «الظلم مشتق من ظلم يظلم مظلمة بفتح اللام وكسرها، وأصله وضع الشيء في غير موضعه»[٤٦].

وقيل: هو الجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، والظّلمة: المانعون أهل الحقوق حقوقهم [٤٧].

ومن المجاز (ظلم الأرض) إذا حفرها في غير موضع حفرها، و(ظلم البعير) إذا نحره من غير داء، و(ظلم الوادي ظلماً) إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن بلغه قبل، ولا ناله فيما خلا.

و(الظلمة) ذهاب النور، ومن المجاز أيضاً (شعرٌ مظلم) أي حالك شديد السواد، و(نبتٌ مظلم) يضرب إلى السواد من خضرته [٤٨].

فالظلم: الميل عن القصد، ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به، سواء بزيادة أو نقص، أو بعدول عن وقته وزمانه، حسياً كان أو معنوياً [٤٩].[٥٠]

المعنى الاصطلاحي

عبّر المفسرون عن الظلم في القرآن بمعانٍ متعددة: منها جعل العبادة في غير موضعها اللائق بها، يعني جعلها لغير الله سبحانه، أو التوجه بالعبادة لغير الله سبحانه، ومنها معاملة العباد بغير ما أنزل الله سبحانه، وعدم إعطائهم حقوقهم أو غير ذلك، وإذا تبيّن لك هذا فيمكن الوقوف على تعريف عام يشمل ما سبق هو أن الظلم يعني: الميل عن الصواب ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به سواء بزيادة أو نقص أو بعدول عن وقته وزمانه حسياً كان أو معنوياً بقصد أو بدون قصد [٥١]، فمن حاد عن طريق الحق لابد وأن يكون قلبه حالكاً شديد السواد، وقد ذهب نور الإيمان منه؛ لأنه خالف شرع الله سبحانه، وفعل غير ما أراد الله عز وجل. فالمعنى اللغوي والاصطلاحي متفقان تماماً[٥٢].

الظلم في الاستعمال القرآني

وردت مادة (ظ ل م) في القرآن (٣١٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٨٩) مرة ٦.

والصيغ التي وردت هي:

الضيغة عدد المرات المثال
الفعل الماضي ٦٥ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ[٥٣]
الفعل المضارع ٤٥ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٥٤]
المصدر ٢٠ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[٥٥]
اسم الفاعل ١٣٥ ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[٥٦]
ضيغة المبالغة ٧ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[٥٧]
اسم المفعول ١ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً[٥٨]
أفعل التفضيل ١٦ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى[٥٩]

وورد الظلم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشىء فى غير موضعه المختصّ به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في الذنب الكبير؛ كالشرك، والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب [٦٠].

الألفاظ ذات الصلة

البغي

البغي لغة: مصدر بغى يبغي بغياً، إذا تعدى وظلم [٦١].

البغي اصطلاحاً: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه [٦٢].

الصلة بين الظلم والبغي: يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز الحد، لكن الظلم دائماً مذموم، أما البغي فقد يكون محموداً، وقد يكون مذموماً، وغالب الاستعمال القرآني لهذه المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم [٦٣].

الطغيان

الطغيان لغة: تجاوز الحدّ في العصيان [٦٤].

الطغيان اصطلاحاً: قال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» [٦٥].

الصلة بين الظلم والطغيان: أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضاً سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصله نقصان الحق، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر [٦٦].

الجور

الجور لغة: الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق [٦٧].

الجور اصطلاحاً: قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان [٦٨]، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع [٦٩].

الصلة بين الظّلم والجور: الجور خلاف الاستقامة في الحكم، تقول: جار الحاكم في حكمه والسّلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم ضرر لا يستحق، ولا يعقب عوضاً، سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق، و نقيض الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل إلى الحق [٧٠].

تنزيه الله سبحانه عن الظلم

نزّه الله سبحانه نفسه عن الظلم في العديد من الآيات القرآنية-المكي منها والمدني-، ونفى أن يظلم سبحانه أحداً، فكل ما نسب إلى الله سبحانه فهو خير، وإيجاد الله سبحانه للعقوبة على الذنب الذي يقترفه الإنسان لا يعدّ ظلماً له، بل ذلك عدلٌ منه سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٧١] وردت في خمسة مواضع من القرآن الكريم، ثلاث منها مكية، واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٧٢].

قال الإمام القاسمي عند تفسيره لها: «ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وأن الله ليس بظلام للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل ما سر التعبير بـ(ظلام) بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد.

وأجيب بأجوبة:

منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان ولفلان وهلم جراً، فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه.

ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركاً.

ومنها: أن (ظلاماً) للنسب أي لا ينسب إليه الظلم أصلاً.

ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالماً، كان ظلاماً، فنفى اللازم لنفي الملزوم.

ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه.

فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة.

وأيضاً لو عذّب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب لكان ظلماً عظيماً لصدوره عن العدل الرحيم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله (ص) أن الله تعالى يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)» [٧٣].

يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة تتناسب مع السر وراء التعبير بـ(ظلَّام) بالمبالغة.

ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ حيث إنها وردت في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ[٧٤].

قال الطبري: «وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلماً منه بغير جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد ظلم عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وخلافهم أمره» [٧٥].

كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٧٦].

«أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما كانوا به يستهزءون أي يسخرون من الرسل حيث توعدوهم بعقاب الله» [٧٧].

وورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٧٨].

«وقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلماً من الله لهم، ولا وضعاً منه جل ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة العذاب فعذبوا» [٧٩].

يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة، وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم أحداً من مخلوقاته.

قال ابن القيم: «وقد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحداً حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ[٨٠].

وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ[٨١].

فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون» [٨٢].

الظلم طبيعة إنسانية

كرّم الله سبحانه الإنسان على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[٨٣].

وخلقه سبحانه في أحسن صورة.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[٨٤].

وميّزه بالعقل، وهداه إلى اختيار طريق الخير أو الشر.

قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[٨٥].

كما يمتاز الإنسان عن غيره من المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير والتوحيد، فهو مؤمن بالله بطبيعته التي خلق عليها، وعهد الله سبحانه إليه قبل أن يخلق بشراً سوياً.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ[٨٦].

فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى الإيمان والتوحيد بالله عز وجل.

قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[٨٧].

ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم طبائع ذميمة تتنافى مع طبيعة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والتي منها الظلم الذي أكد القرآن الكريم وجوده في الطبيعة الإنسانية.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[٨٨].

يقول الطبري: «إن الإنسان الذي بدّل نعمة الله كفراً لظلوم، أي: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له فعبد غيره، وجعل له أنداداً ليضل عن سبيله، وذلك ظلمه» [٨٩].

وقال السعدي في تفسيره للآية نفسها: «أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق ربه، كفارٌ لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف حق ربه وقام به» [٩٠].

كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات ختمت فاصلتها بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٩١].

وقال السعدي عند تفسيره لأحد هذه الفواصل القرآنية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[٩٢].

أي: «وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعوها» [٩٣].

يتبين مما سبق: أن الظلم طبيعة في النفس البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا الظلم إلى عدل إذا حدث العكس، وهو وجود بيئة إيمانية تطبق تعاليم الإسلام، وتسير على خطى الرسول (ص)، وحاكم يعين المظلوم على استرداد حقه من الظالم، وقد أكد ذلك أبو بكر بقوله: «ألا إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق» [٩٤].

ويقول ابن خلدون في هذا السياق: «إن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه، وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكمٍ يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان» [٩٥].

أنواع الظلم

حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد النهي، فقال رسول الله (ص): «اِتَّقُوا اَلظُّلْمَ فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ» [٩٦] .

وقال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فلا تَظَالَمُوا» [٩٧].

وللظلم أنواع كثيرة في واقع الناس، وحقيقتها تعود إلى نوعين:

ظلم النفس

فالإنسان يظلم نفسه، ويضع الأمور في غير موضعها، وله صور كثيرة، منها:

ظلم الشرك

فالشرك بالله أشد الظلم وأخطره؛ لأنه تجاوز للحد مع الله تعالى، إذ أمر الله الإنسان بتوحيده، لكن المشرك يتخذ معه شريكاً، وفي ذلك إرجاع الفضل لغير صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى الخلود في جهنم إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان الحكيم وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه رأس كل فتنة.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[٩٨].

يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى، وتغليب المصلحة الفانية على الأخرى الباقية، ولا يقوم على أي دليل مقنع، وهو ظلم للنفس وللآخرين معاً، كما أنه انتقاص لحق الله سبحانه في التوحيد، وعدم تنزيهه عن مشابهة الخلق في حاجتهم إلى الشريك والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء بشديد العقاب في الدنيا والآخرة.

فقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ[٩٩].

فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[١٠٠].

ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيماً لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفاً في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع.

قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَراً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[١٠١]. [١٠٢]

ظلم الكفر

الكفر ظلمٌ أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال، ولا يغفره الله سبحانه إلا بالتوبة.

قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٠٣].

ظلم النفاق

النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه بالرسول (ص)، أو استهزائه بالصحابة، فهذا نفاق أكبر يخرج صاحبه من دين الإسلام وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم.

ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ[١٠٤]

وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[١٠٥]. [١٠٦]

ظلم التعدي على حدود الله، واقتراف الكبائر

قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٠٧].

ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه أن يذكر فيها اسمه.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[١٠٨].

ومن ذلك أيضاً كتم الشهادة.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[١٠٩].

وكذلك الكذب على الله تعالى.

قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[١١٠].

ومعناه: اختلاق القول على الله تعالى، وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو بالتبديل والتحريف فيها [١١١].

ظلم الغير

وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، وقد عرض القرآن الكريم لنماذج متعددة، وبيان ذلك فيما يأتي:

ظلم العباد بعضهم لبعض

ويندرج تحته عدة أمور، منها:

الغيبة والنميمة والسباب والشتم والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة الحجرات.

وشهادة الزور، كما قال رسول الله (ص): «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ» [١١٢].

وقتل النفس بغير حق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ[١١٣].

أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه حق، قال رسول الله (ص): «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» [١١٤].

وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ[١١٥].

والتعامل بالربا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً[١١٦].

والغش في المعاملات، كما قال (ص): «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [١١٧].

ومماطلة من له حق عليه، قال رسول الله (ص): «مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ» [١١٨].

الظلم الواقع بين الأرحام

عقوق الوالدين: يعدّ عقوق الوالدين من صور الظلم الاجتماعي، وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً[١١٩].

لكن هناك من يخالف شرع الله ويعقّ والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة، منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن الرسول (ص) ذلك بقوله: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) [١٢٠].

ومن صوره: منع النفقة عن الآباء، رغم حاجة الآباء إلى النفقة مع قدرة الأبناء، وعن جابر بن عبد الله قال، قال (ص): «أنت ومالك لأبيك» [١٢١].

ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون ذلك بعدم العدل بينهم في الهدية والعطية؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة.

وقد روي عن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله (ص) على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله (ص): (يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور) [١٢٢].

وأكل حقوق النساء في الميراث، فقد جاء الإسلام ليبطل ما فيه ظلم وجور من توريث الأبناء دون البنات في الجاهلية، وحدد لكل مستحق من التركة حقه.

قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ[١٢٣].

والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك الظلم يقع على الأخوات من أقرب الناس إليهن، وهم إخوتهن، وكثيراً ما نسمع ونرى من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام والعداوات بين الأقارب، والتي كان سببها تعطيل قسمة الفرائض والجور فيها، وقسمتها على غير ما أمر الله سبحانه.

ومنه أيضاً قطيعة الرحم، وقد فشى في مجتمعات المسلمين، ومن أخطرها من لا يعرف الناس قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم بالقول أو الفعل أو بهما معاً، وقد قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[١٢٤].

وقال (ص): «لا يدخل الجنة قاطع» [١٢٥].

والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضاً منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا[١٢٦]، وقال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[١٢٧].

أسباب الظلم

للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي إليه، وتوقع الإنسان به، وبيان هذه الأسباب متمثلة في المطالب الآتية:

الكفر

إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٢٨].

قال الطبري في تفسيرها: «فإنه يعني تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله» [١٢٩].

وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافراً.

ولو قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ لكان قد حكم على كل ظالم -وهو من يضع الشيء في غير موضعه- بالكفر [١٣٠].

اتباع الهوى واتباع الظن

الظلم ليس وليد نفسه، بل له منابع وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط الأهواء والغرائز على الظالمين حكاماً أو محكومين، قال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ[١٣١].

ومعنى الآية: أن أولئك الظالمين اتبعوا أهواءهم جهلاً منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلّبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك [١٣٢].

الاستكبار والترف

من الناس من ينعم الله سبحانه عليه بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها، فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال ذلك: نعمة الصحة والمال، فيتكبّر ويتجبّر، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[١٣٣].

ومعنى ذلك: أن أمر هذا الإنسان عجيب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعاً، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه [١٣٤].

ومن الأمثلة التي ساقها القرآن الكريم عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله الملك ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ[١٣٥].

وكذلك فرعون الذي آتاه الله الملك والسلطان فكان ذلك سبباً لادعاء الربوبية.

قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى[١٣٦].

الحسد

إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى الظلم، فهو الذي أخرج إبليس -لعنه الله- من رحمة ربه، حيث حسد آدم على مكانته عند ربه، فامتنع عن السجود تكبراً وعصياناً لأمر الله سبحانه عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس استكبر.

وقال الله عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[١٣٧].

وبالحسد سفك أول دم حرام على وجه الأرض، حيث حسد ابن آدم قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة، أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم يجد بها إلا مكرهاً، وكانت علامة القبول نزول نار فتحرق المقبول، وتترك الذي لم يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من الخاسرين، وكان عليه وعلى الشيطان كفلٌ من يقتل ظلماً إلى يوم القيامة [١٣٨].

الولاء للأعداء

حذر القرآن الكريم من موالاة الظالمين ومساندتهم بأي صورة كانت.

فقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[١٣٩].

ومعنى الآية: أنه يجب عليكم أيها المؤمنون ألا تستندوا إلى الذين ظلموا، وهم المشركون وغيرهم، فتجعلوهم ركناً لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم، وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم [١٤٠].

كما أكد القرآن على عدم موالاة الكافرين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٤١].

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره» [١٤٢].

كما حذّر القرآن الكريم من موالاة اليهود والنصارى؛ لأن في موالاتهم نصرة لهم على الدين وأهله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[١٤٣].

ترك التوبة

إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه، يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى تصبح ديدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ويكون قد ظلم نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعاً للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل ذلك بالظلم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٤٤].

ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره ومعاصيه فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي لها عقوبة الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديداً جداً؛ لذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا [١٤٥].

فالتوبة واجبة من كل ذنب، وكل من تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل توبته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[١٤٦].

وقد وردت هذه الفاصلة القرآنية بعد الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه، ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح نفسه، وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة، مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة [١٤٧].

اتباع الشهوات

إن حرمات الله سبحانه هي جميع ما حرّم الله سبحانه من حقوق الخالق وحقوق المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة، وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر كل من ينتهك حرمات الله سبحانه ظالماً، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[١٤٨].

قال الطبري في تفسيرها: «يعني تعالى ذكره تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم من الحلال إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا طاعته إلى معصيته» [١٤٩].

ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله سبحانه اتباع الشهوات قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً[١٥٠].

فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر به الدين فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم [١٥١]، لذا لابد من تقوى الله سبحانه والابتعاد عن انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب الظلم المؤدية إلى نار جهنم.

سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج

سبل الوقاية من الظلم

إن الوقاية من الظلم لها سبل متعددة، تؤدي إلى تحقق هذه الوقاية، فإن أخذنا بها اتقينا الظلم، ومن هذه السبل ما يأتي:

  1. إشاعة العدل في كل شيء: يعدّ العدل من العوامل الرئيسة والآداب السامية التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم والطغيان، وذلك بنشر العدل بين الناس وعدم التفريق بينهم، فالمظلوم أو المقهور إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله، ومن هنا ينتشر الظلم المضاد، لذلك كان أمر الله سبحانه بالعدل صريحاً. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[١٥٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[١٥٣]. قال ابن كثير: «فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم بل الزموا العدل على أي حال» [١٥٤].
  2. صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء: تحتل الروابط الاجتماعية مكانة مهمة في الإسلام، ولهذا سعى الإسلام إلى العمل على صيانتها، ومعالجة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، ومن أهم هذه العوامل التي تؤثر سلباً في العلاقات الاجتماعية: الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجاً خاصاً لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تفسد بين القلوب، وتحدث الفوضى، وقد تكون سبباً في حدوث كوارث ونكبات في المجتمع بين أفراده. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[١٥٥]. قال الشوكاني: «والمراد من التبين التعرف والتفحص والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» [١٥٦].
  3. التحكم في الغضب الذي يدفع الناس إلى الظلم: وجّه الإسلام إلى عدم الغضب، والبعد عن أسبابه، لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض قد يكون سبباً في انتشار الظلم في المجتمع، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[١٥٧]. فمن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه [١٥٨].
  4. الإنكار على الظالم ومنعه من الظلم: إذا كان الظلم سبباً في هلاك الأمة، فمن الواجب شرعاً الإنكار على الظالم، ومنعه من الظلم، وعدم السكوت عن ظلمه. عن أبي بكر أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[١٥٩]، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إِنَّ النّاسَ إِذا رَأَوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذوا عَلى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله ُبِعِقابٍ مِنْهُ» [١٦٠]. أي: إذا لم تمنعوه من ظلمه مع القدرة على منعه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه، ومن الواضح أن الظالم يجب منعه من الظلم والإنكار عليه، ويشمل ذلك الحاكم وغيره من الظلمة.
  5. عدم الركون إلى الظالمين: وهذا سبيل من سبل الوقاية من الوقوع في الظلم، أو شيوعه وانتشاره، وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة، وهو عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم، حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم، لا سيما الحكام الظلمة؛ لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم، وبسكوت أهل الحق عنهم، أو بركونهم إليهم. قال تعالى محذِّراً من الركون إلى الذين ظلموا: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[١٦١]. ومعنى الآية: لا تميلوا إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله فتقبلوا منهم، وترضوا أعمالهم، فتمسكم النار بفعلكم ذلك [١٦٢]. وقال الزمخشري: «والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم في مجالسهم، وزيارتهم ومهادنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم» [١٦٣].
  6. عدم إعانة الظالم على ظلمه: إن أعوان الظالم هم ظلمة مثله، فلا يجوز إعانة الظالم؛ لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز، فما يكون فيه إعانة للظالم أولى أن لا يجوز، والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه، وليس بنفسه فقط، فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز، لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه، ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل بأعوانه أيضاً، لأنهم مثله ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه. قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ[١٦٤]. أي جمعنا فرعون وجنوده من القبط فألقيناهم جميعاً في البحر [١٦٥]

طرق علاج الظلم

إن علاج الظلم له طرق ووسائل متعددة، تؤدي إلى علاجه، فإن أخذنا بها فقد عالجنا هذا المرض العضال، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي:

  1. معايشة القرآن الكريم وسنة الرسول (ص): وذلك لأن القرآن أسهب في الحديث عن الظلم والظالمين، وبيّن جرائمهم وعواقب هذه الجرائم، وكذلك سنة رسولنا (ص)، وحسبنا أن الرسل والرسالات كانت من أجل رفع الظلم عن المظلومين، أو مداوة الظالمين أو تخويفهم عاقبة ظلمهم، وإقامة الحجة عليهم. قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِياً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ[١٦٦]. وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ[١٦٧]. معنى ذلك: أن كثيراً من أهل القرى أهلكناهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أمماً أخرى سواهم [١٦٨].
  2. التوبة النصوح: وذلك بالإقلاع الفوري عن الظلم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ[١٦٩]. وقد أمر الله سبحانه بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات، والفوز والفلاح حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته، والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله [١٧٠]. وشروط التوبة أربعة:
    1. الإقلاع عن الذنب.
    2. الندم على ما مضى.
    3. العزم على ألا يعود إليه.
    4. رد الحقوق إلى أهلها [١٧١].
  3. التذكير بعواقب وآثار الظلم وأخذ العبرة والعظة. إن تذكير الظالمين بعواقب وآثار الظلم قد يؤدي إلى رجوعهم عن ظلمهم، وقد حث القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[١٧٢]. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أمر بني إسرائيل أن يعظّموه ويحترموه ولا يصيدوا يوم السبت صيداً فابتلاهم الله وامتحنهم، وانقسموا في ذلك ثلاث فرق، معظمهم اعتدوا وتجرؤوا على مخالفة أمر الله تعالى، وفرقة أنكرت عليهم ونهتهم عن ذلك، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيحة، بل استمر في اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بإهلاك أو عذاب شديد، فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، ولعلهم يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما أثر فيهم هذا الوعظ واللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر، ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي [١٧٣]
  4. تربية ملكة المراقبة لله في السر والعلن: قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ[١٧٤]. والمراد: أن الذي يخاف ربه، ويقوم على أوامره فيترك ما نهى عنه، ويفعل ما يؤمر، له جنتان من ذهب، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات [١٧٥]. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[١٧٦].
  5. الدعاء: وهو أهم علاجٍ في رفع الظلم، وهو الباب الواسع الذي لا يقفل، فلا بد للمظلوم أن يلتجئ إلى الله بالدعاء والدعوة على الظالم؛ إذ ليس بينها وبين الله سبحانه حجاب، وقد وعد الله سبحانه له بنصرها عاجلاً أو آجلاً. قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ[١٧٧]. يقول ابن كثير في تفسير الآية: «أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك» [١٧٨]. فالدعاء سلاح يقصم به الله ظهر المتجبّرين، ويزلزل به عروش المتعالين، وينسف به صولة المتطاولين، ولكن إذا تأخرت إجابة دعوة المظلوم فما هي إلا فرصة متاحة للظالم لكي يراجع نفسه، ويحاسبها على فعلته هذه، حتى يعيد للمظلوم حقه، ويعتذر إليه عما بدر منه، ويتوب إلى الله من هذا العمل.

آثار الظلم وعاقبته في الدنيا

إن للظلم آثاراً وعواقب تعصف بالمجتمع، وتجلب له ما يسؤوه في جميع الميادين، وتظهر تلك الآثار السلبية من خلال ما يأتي:

  1. ذهاب الأمن: حيث إن الظالم يعيش ليله ونهاره بخوف وقلق دائم خوفاً من انتقام المظلومين، فيعمل على تأمين نفسه خوفاً من بطشهم، وهو جاهل بأن العدل هو الذي يجلب الأمن لا الظلم، وقد أكد ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[١٧٩]. وقد جاء لفظ (بظلم) نكرة في سياق النفي بـ(لم) وفي ذلك دلالة على أنها تعم جميع أنواع الظلم، فكل من كان مبتعداً عن الظلم فله نصيب من هذه العاقبة، وهي الأمن والاهتداء، فإذا كان العبد ممن يخلط ظلماً بصلاحٍ وعدلٍ، كان الأمن عنده في داخله، أو في مجتمعه بقدر انتفاء الظلم، ولهذا كلما كثرت الكبائر والخبث ومخالفة دين الله سبحانه، كلما انتزع الأمن من العباد [١٨٠].
  2. الجدب والقحط: وهذا ما بيّنته سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[١٨١]. يقول الزحيلي: «ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغداً: أي: هنيئاً سهلاً واسعاً من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، (أي: جحدوا) بها، فعمهم الله بالخوف والجوع، وبدلوا بأمنهم خوفاً، وبغناهم فقراً، وبسرورهم ألماً وحزناً، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته بسبب أفعالهم المنكرة، وجاءهم رسولٌ من جنسهم فكذبوه فيما أخبرهم به، مع أنه رسولٌ إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه، ويشكروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذّبوا بعذاب الاستئصال الشامل حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبداً» [١٨٢].
  3. الحرمان من الهداية والفلاح واستحقاق اللعنة: بيّن القرآن أن الظالمين لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتخلّف سنة الله عنهم، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[١٨٣]. ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا يرشد للصواب، ويوفق للإيمان قوماً جحدوا نبوة محمد (ص) بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وبعد أن أقروا أن محمداً (ص) رسول الله إلى خلقه حقاً، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك، والله لا يوفق للحق والصواب كل الظلمة، الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان [١٨٤].
  4. تحريم الطيبات: إن حياة الظالمين تنقلب من السعة والطمأنينة، والأمن إلى الضيق والخوف، والهلع والجزع والقلق، ولم يحدث هذا إلا بسبب ظلمهم، وقد بيّن القرآن الكريم نماذج للاعتبار. ومن ذلك: ما حصل مع اليهود حيث قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً[١٨٥]. والمعنى: أنه بسبب ظلمهم استحقوا تحريم طيبات كانت محللة لهم ولمن قبلهم، عقوبة وتربية لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وأبهم الظلم الذي كان سبباً في العقوبة ليعلم أن أي نوعٍ فيه يكون سبباً للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب إما دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير، وما اقتضته السنن التي سنها الله في نظم الاجتماع من كون الظلم سبباً لضعف الأمم وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها، وعذاب أخروي من العذاب في النار [١٨٦].
  5. خراب البيوت: إن الله سبحانه يخرّب بيوت الظالمين وديارهم بسبب ظلمهم. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[١٨٧]. فبسبب ظلمهم أنفسهم أنزل الله العذاب بهم، فأصبحت مساكنهم خالية، وفي هذا العقاب عبرة وموعظة لأناسٍ أهل معرفة وعلم، يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل لمن كفر بالله وكذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره [١٨٨]. ومن خراب البيوت أيضاً: أن يسلّط الله سبحانه على الظالمين من يظلمهم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[١٨٩]. ومعنى ذلك: أن الله يسلّط بعضهم على بعض، يسلّط ظالماً على ظالمٍ سابق فيهلكه ويذلّه، وهذا تهديد للظالم إذا لم يمتنع عن ظلمه بأن يسلّط الله عليه ظالماً آخر، ويدخل في هذه الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الناس [١٩٠].
  6. سقوط دولة الظلم: قصّ القرآن الكريم على الرسول (ص) العديد من قصص الأمم السابقة التي خالفت أنبياءها، فظلمتهم وظلمت نفسها، فما كان من الله سبحانه إلا أن انتقم منهم، وأهلكهم بسبب أفعالهم. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ[١٩١]

ومن النماذج القرآنية التي تدلّل على ذلك: ما حصل لقوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوط وشعيب وفرعون وجنوده، وغير ذلك من النماذج التي بيّنت أن دولة الظلم إلى زوال، وسنعرض لبعض هذه النماذج بشيء من البيان، وهي كما يأتي:

  1. قوم نوح (ع): قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ[١٩٢]. ذكر الله سبحانه حال المكذّبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم ولا تجدي عنهم شيئاً، ونوحٍ (ع) هو أول رسول بعثه الله سبحانه إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته، فلم يزدهم هذا الدعاء إلا عناداً واستكباراً، وقدحاً في نبيهم، وانصرفوا عما جاء به، واعتبروه جهلاً وضلالاً لا يصدر إلا عن المجانين، وعنّفه قومه وزجروه وآذوه، وهذا حال جميع الرسل مع أقوامهم، فعند ذلك دعا نوح (ع) ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، حيث التقى ماء السماء الذي كان ينزل بشكل خارق للعادة مع الماء المتفجر عيوناً من الأرض، ونجى الله نوحاً (ع) ومن آمن معه، ومن حملهم معه من أصناف المخلوقات برعايته سبحانه، ولقد ترك الله سبحانه قصة نوح (ع) مع قومه آية، يتذكر بها المتذكرون على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعذاب شديد [١٩٣].
  2. قوم لوط (ع): قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[١٩٤]. بيّن القرآن الكريم ما حصل مع هؤلاء القوم الذين خالفوا السنن الإلهية، فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فأنكر عليهم نبيهم لوط (ع) ذلك موبخاً لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في القبح والفحش، ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة. وكل ذلك لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، فلما جاء عذاب الله سبحانه أمطر عليهم حجارة من طين متحجر، يرسل بعضه إثر بعض، ليرجموا رجم الزناة، وهذا يتناسب مع فعلتهم التي فعلوها، فالجزاء من جنس العمل، وهذه الحجارة يستحقها هؤلاء بسبب ظلمهم ومخالفتهم لفطرة الله التي فطر الناس عليها [١٩٥].
  3. قصة صالح (ع): قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ[١٩٦].

أرسل الله سبحانه صالحاً (ع) إلى ثمود، ومعه حجة واضحة على صدق نبوته، وهي ناقة الله سبحانه التي خلقها لتكون علامة على صدق رسالة صالح (ع)، وهي حجة على قومه إن حفظوها وأطلقوا لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ أي: بضرب ولا بطرد ولا بشيء من الأذى إكراماً لآية الله سبحانه، ولو أصابها سوء سيأخذكم عذاب أليم في الدارين، لجرأتكم على آيات الله، فرفضوا الانصياع لصالح (ع)، ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ أي نحروها، واستكبروا عن امتثال أوامره، وهو عبادته وحده، وعدم مس الناقة بسوء، وزادوا في الاستهزاء، وطلبوا من صالح (ع) أن يأتيهم بما وعدهم من العذاب جزاء عقر الناقة، فأخذتهم الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بسبب ما فعلوه من قتل الناقة، وهذه الصيحة والزلزلة التي حدثت لهم من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة، فانقلبت عذاباً، وهكذا يكون جزاء الظالمين [١٩٧].

عاقبة الظلم في الآخرة

إن الظلم ينعكس على نفس الظالم، حيث إنه يسبّب له ولأتباعه العديد من العقوبات الأخروية، ومن هذه العقوبات ما يأتي:

  1. الكرب والهوان عند سكرات الموت: فقد بيّن الله سبحانه صورة الظالمين، وما يحل بهم عند سكرات الموت من كرب وهوان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ[١٩٨]. يقول السعدي: «لما ذم الله الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار ويوم القيامة، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ أي شدائده وأهواله الفظيعة وكربه الشنيعة لرأيت أمراً هائلاً، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أي لأولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم، وقلقها وتعصيها للخروج من الأبدان ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ أي العذاب الشديد الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس العمل» [١٩٩].
  2. المهانة والذلة يوم القيامة: قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ[٢٠٠]. والمعنى: لو ترى أيها الرسول فظاعة حالهم يوم القيامة، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضاً، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء الأعمال، والسبب الذي أوقعهم في هذا النكال والوبال، لرأيت العجب العاجب، والمنظر المخزي للظالمين وأتباعهم [٢٠١]
  3. العذاب المستمر المقيم بلا انقطاع ولا توقف: وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا العذاب في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ[٢٠٢]. قال السعدي: «أي في سوائه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه أبداً» [٢٠٣].
  4. منع الافتداء من العذاب: وقد بيّن الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون[٢٠٤]. والمعنى: أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو أن لهم ما في الدنيا من أموالها وزينتها ﴿ وَمِثْلَهُ مَعَهُ مضاعفاً ليقبل ذلك منهم عوضاً من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضاً من عذاب الله الذي أعده لهم، ولم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم [٢٠٥].
  5. تمني الرجوع إلى الدنيا من شدة العذاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ[٢٠٦]. والمعنى: أن هؤلاء الظالمين لما رأوا منظر العذاب فظيعاً صعباً شنيعاً أظهروا الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ أي: هل لنا من طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن حدوثه [٢٠٧].
  6. اقتطاع حق المظلوم من الظالم: إن الله سبحانه يقتص للمظلوم من الظالم يوم القيامة، وقد أكد ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه» [٢٠٨] . يقول ابن حجر: «يقتص للمظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه» [٢٠٩].

المراجع والمصادر

  1.   الموسوعة الفقهية
  2.   موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الهوامش

  1. لسان العرب، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة مادة: (ظلم) .
  2. فتح القدير ٥ / ٤٣٣.
  3. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٦٩.
  4. المصباح المنير، ولسان العرب مادة (بغى) والموسوعة الفقهية (بغاة) ٨ / ١٣٠.
  5. المصباح المنير.
  6. الفروق لأبي هلال العسكري ص ١٩٢.
  7. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٦٩.
  8. سورة النساء، الآية ١٦٨ - ١٦٩.
  9. سورة هود، الآية ١١٣.
  10. حديث: «قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . .» أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.
  11. حديث: «من كانت له مظلمة لأخيه. . .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.
  12. فتح الباري ٥ / ١٠٠.
  13. حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٧٥، حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٨، الزرقاني شرح خليل ٢ / ٦٧، حاشية القليوبي وعميرة ١ / ٢٢٧، ٢٦٨، كشاف القناع ١ / ٤٩٥، ٤٩٦ و٢ / ٢٣.
  14. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧١.
  15. حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٤، وبدائع الصنائع ٣ / ٢١٣، وفتح القدير ٢ / ٣٢٨، ومواهب الجليل ٢ / ٤٩٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٤٠ - ٢٤٢، وحاشية القليوبي وعميرة ٢ / ٨٨، والمغني ٣ / ٢١٨، والإنصاف ٣ / ٤٠٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٩٢.
  16. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧١.
  17. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٢.
  18. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٢.
  19. فتح القدير ٤ / ٤١١.
  20. الزرقاني شرح مختصر خليل مع حاشية البناني ٨ / ٦٠.
  21. حديث: «سيأتيكم ركيب مبغضون. . .». أخرجه أبو داوود (٢ / ٢٤٥) من حديث جابر بن عتيك، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (١ / ٣٦٦) تضعيف أحد رواته.
  22. حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب ٢ / ٣٩٨ ط. البابي الحلبي. الباب الحلبي.
  23. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٤.
  24. حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٨، ٦١١، مواهب الجليل ٢ / ٢٤٧، ٢٤٨، المدونة ١ / ١٨٤، كشاف القناع ٢ / ١٠٠، الإنصاف ٢ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣، مغني المحتاج ١ / ٣٥٠.
  25. حديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد. . .». أخرجه أبو داوود (٥ / ١٢٨ - ١٢٩) والترمذي (٤ / ٣٠) من حديث سعيد بن زيد واللفظ للترمذي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
  26. كشاف القناع ٢ / ١٠٠، والإنصاف ١ / ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٣.
  27. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٤.
  28. سورة الإسراء، الآية ٣٣.
  29. نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٥، حاشية الجمل ٥ / ٥٠٢، كشاف القناع ٥ / ٥٢١، تفسير القرطبي ١٠ / ٢٥٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٣٧، الخرشي على خليل ٨ / ٥، البحرالرائق ٨ / ٣٢٧، حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٢.
  30. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٥.
  31. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٥.
  32. سورة النساء، الآية ١٤٨.
  33. حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٢، ٢٦٣، روضة الطالبين ٧ / ٢٣.
  34. حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) ومسلم (٣ / ١٣٣٨) من حديث عائشة.
  35. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٦.
  36. مطالب أولي النهى ٤ / ٩٨.
  37. حديث: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٤) من حديث عائشة، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (٤ / ٢٣٤) تضعيف أحد رواته.
  38. حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٢٢.
  39. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٧.
  40. الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧.
  41. مقدمة ابن خلدون ص ٢٢٢.
  42. حديث: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. .». أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠) من حديث عروة بن الزبير، واللفظ لمسلم.
  43. الأحكام السلطانية ص ٧٧، ٨٠ - ٨٣، المنهج المسلوك في سياسة الملوك ص ٥٦٢ - ٥٧٢، بدائع السلك في الملك ١ / ٢٣٢ - ٢٣٩.
  44. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٧.
  45. الموسوعة الفقهية، ج٢٩، ص ١٧٧.
  46. مقاييس اللغة ٣/٤٦٩.
  47. انظر: الصحاح، الجوهري ٥/١٩٧٧، لسان العرب، ابن منظور ١٢/٣٧٣.
  48. انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣/٣٢.
  49. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٢٥.
  50. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  51. انظر: جامع البيان، الطبري ٤/١٨٣.
  52. موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
  53. سورة هود، الآية ١٠١.
  54. سورة يونس، الآية ٤٤.
  55. سورة لقمان، الآية ١٣.
  56. سورة الأنبياء، الآية ٨٧.
  57. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
  58. سورة الإسراء، الآية ٣٣.
  59. سورة النجم، الآية ٥٢.
  60. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٦-٣٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٦-٤٢٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤٠-٥٤٤.
  61. لسان العرب، ابن منظور ١٤/٧٧
  62. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٣٦.
  63. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/٢٧٤.
  64. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤١٢.
  65. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٤٥.
  66. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٣٠.
  67. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٤٩٢.
  68. مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٢٠٧.
  69. انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري ٨/١١٦.
  70. انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري ٤٩٣.
  71. سورة آل عمران، الآية ١٨٢.
  72. سورة آل عمران، الآية ١٨٢.
  73. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/٣٠٩.
  74. سورة غافر، الآية ٣١.
  75. جامع البيان ٢١/٣٧٩.
  76. سورة النحل، الآية ٣٣.
  77. التفسير المنير، الزحيلي ١٤/١٣٦.
  78. سورة التوبة، الآية ٧٠.
  79. جامع البيان، الطبري ١٤/٣٤٦.
  80. سورة الملك، الآية ١١.
  81. سورة الأنعام، الآية ١٣٠.
  82. مختصر الصواعق المرسلة ص٢٣١.
  83. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  84. سورة التين، الآية ٤.
  85. سورة الإنسان، الآية ٣.
  86. سورة الأعراف، الآية ١٧٢.
  87. سورة الروم، الآية ٣٠.
  88. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
  89. جامع البيان ١٧/١٦.
  90. تيسير الكريم الرحمن ص٤٢٦.
  91. سورة العنكبوت، الآية ٤٠.
  92. سورة العنكبوت، الآية ٤٠.
  93. تيسير الكريم الرحمن ٦٣١.
  94. أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون للوالي، رقم ١٣٠٠٩، ٦/٥٧٤.
  95. تاريخ ابن خلدون ١/٢٣٥.
  96. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ٤/١٩٩٦.
  97. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.
  98. سورة لقمان، الآية ١٣.
  99. سورة آل عمران، الآية ١٥١.
  100. سورة المائدة، الآية ٧٢.
  101. سورة الرعد، الآية ١٦.
  102. انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٤٥.
  103. سورة البقرة، الآية ٢٥٤.
  104. سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.
  105. سورة المنافقون، الآية ١.
  106. انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٢٥.
  107. سورة البقرة، الآية ٢٢٩.
  108. سورة البقرة، الآية ١١٤.
  109. سورة البقرة، الآية ١٤٠.
  110. سورة الأنعام، الآية ١٤٤.
  111. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦/٩٧٤.
  112. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، رقم ٨٧، ١/٩١.
  113. سورة الإسراء، الآية ٣٣.
  114. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً، رقم ١٦١٠، ٣/١٢٣٠.
  115. سورة النساء، الآية ٢٩.
  116. سورة النساء، الآية ١٦٠-١٦١.
  117. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ١٠١، ١/٩٩.
  118. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم ٢٢٨٧، ٣/٩٤. انظر: مفاتح الغيب، الرازي ١/٢٢٦.
  119. سورة الإسراء، الآية ٢٣.
  120. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم ٥٩٧٣، ٨/٣.
  121. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال والده، رقم ٢٢٩٢، ٢/٧٦٩. وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ٥/٢٩١، رقم٢٢٩١.
  122. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، باب العدل بين الأولاد في العطاء، رقم ١٦٢٣،٣/١٢٤٣.
  123. سورة النساء، الآية ١١.
  124. سورة محمد، الآية ٢٢.
  125. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٨/٥. انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي ٢/٧٣٢.
  126. سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
  127. سورة المائدة، الآية ٨.
  128. سورة البقرة، الآية ٢٥٤.
  129. جامع البيان، الطبري ٥/٣٨٤.
  130. انظر: الوسيط، الزحيلي ١/١٤٥.
  131. سورة الروم، الآية ٢٩.
  132. انظر: تفسير المراغي ٢١/٤٤.
  133. سورة العلق، الآية ٦-٧.
  134. انظر: تفسير المراغي ٣٠/٢٠٢.
  135. سورة البقرة، الآية ٢٥٨.
  136. سورة النازعات، الآية ١٧-٢٤.
  137. سورة الأعراف، الآية ١٢.
  138. انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٢٠٦.
  139. سورة هود، الآية ١١٣.
  140. انظر: تفسير المراغي ١٢/٩٣.
  141. سورة التوبة، الآية ٢٣.
  142. جامع البيان ١٤/١٧٥.
  143. سورة المائدة، الآية ٥١.
  144. سورة الحجرات، الآية ١١.
  145. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٥٠.
  146. سورة المائدة، الآية ٣٩.
  147. انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/١٨٣.
  148. سورة البقرة، الآية ٢٢٩.
  149. جامع البيان، الطبري ٤/٥٨٣.
  150. سورة النساء، الآية ٢٧.
  151. انظر: تفسير المراغي ٥/١٤.
  152. سورة النحل، الآية ٩٠.
  153. سورة المائدة، الآية ٨.
  154. تفسير القرآن العظيم ٢/٤٣٣.
  155. سورة الحجرات، الآية ٦.
  156. فتح القدير ٥/٧١.
  157. سورة آل عمران، الآية ١٣٤.
  158. انظر: تفسير المراغي ٤/٧١.
  159. سورة المائدة، الآية ١٠٥.
  160. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم ٣٠٥٧، ٥/٢٥٦.
  161. سورة هود، الآية ١١٣.
  162. انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/٥٠٠.
  163. الكشاف ٣/٤٣٥.
  164. سورة القصص، الآية ٤٠.
  165. انظر: تفسير المراغي ٢٠/٦١. وانظر: السنن الإلهية، د. عبد الكريم زيدان، ص١٢٠..
  166. سورة الأحقاف، الآية ١٢.
  167. سورة الحج، الآية ٤٥.
  168. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٥٤٣.
  169. سورة التحريم، الآية ٨.
  170. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٤.
  171. انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٨/٢٧٧.
  172. سورة الأعراف، الآية ١٦٤.
  173. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي: ص ٣٠٦.
  174. سورة الرحمن، الآية ٤٦.
  175. انظر: المصدر السابق ص ٨٣١.
  176. سورة النازعات، الآية ٤٠-٤١.
  177. سورة القمر، الآية ١٠.
  178. تفسير القرآن العظيم ٧/٤٧٦.
  179. سورة الأنعام، الآية ٨٢.
  180. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧ ٣٣٣.
  181. سورة النحل، الآية ١١٢.
  182. التفسير المنير ١٤/٢٥١.
  183. سورة آل عمران، الآية ٨٦.
  184. انظر: جامع البيان، الطبري ٦/٥٧٦.
  185. سورة النساء، الآية ١٦٠ - ١٦١.
  186. انظر: تفسير المراغي ٦/١٧.
  187. سورة النمل، الآية ٥٠-٥٢.
  188. انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩/٣٢٠.
  189. سورة الأنعام، الآية ١٢٩.
  190. انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨/٤٦.
  191. سورة هود، الآية ١٠٠-١٠٢.
  192. سورة القمر، الآية ٩-١٥.
  193. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٥.
  194. سورة العنكبوت، الآية ٢٨-٣٥.
  195. انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.
  196. سورة الأعراف، الآية ٧٣-٧٨.
  197. انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.
  198. سورة الأنعام، الآية ٩٣.
  199. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٤.
  200. سورة سبأ، الآية ٣١.
  201. انظر: تفسير المراغي ٢٢/٨٥.
  202. سورة الشورى، الآية ٤٥.
  203. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.
  204. سورة الزمر، الآية ٤٧-٤٨.
  205. انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣٠٢.
  206. سورة الشورى، الآية ٤٤.
  207. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.
  208. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٤، ٨/١١١.
  209. فتح الباري ٨/١١١.