الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الظلم عند أهل السنة»
←الظلم في الاستعمال القرآني
| سطر ١٥١: | سطر ١٥١: | ||
| أفعل التفضيل || 16 || {{ نص قرآني |وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى}}<ref> سورة النجم، الآية 52.</ref> | | أفعل التفضيل || 16 || {{ نص قرآني |وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى}}<ref> سورة النجم، الآية 52.</ref> | ||
|} | |} | ||
وورد الظلم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشىء فى غير موضعه المختصّ به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في الذنب الكبير؛ كالشرك، والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب <ref>انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٦-٣٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٦-٤٢٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤٠-٥٤٤.</ref>. | |||
==الألفاظ ذات الصلة== | |||
===البغي=== | |||
البغي لغة: مصدر بغى يبغي بغيًّا، إذا تعدى وظلم <ref>لسان العرب، ابن منظور ١٤/٧٧</ref>. | |||
البغي اصطلاحًا: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٣٦.</ref>. | |||
الصلة بين الظلم والبغي: يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز الحد، لكن الظلم دائمًا مذموم، أما البغي فقد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، وغالب الاستعمال القرآني لهذه المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/٢٧٤.</ref>. | |||
===الطغيان=== | |||
الطغيان لغة: تجاوز الحدّ في العصيان <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤١٢.</ref>. | |||
الطغيان اصطلاحًا: قال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٤٥.</ref>. | |||
الصلة بين الظلم والطغيان: أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضًا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصله نقصان الحق، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر <ref>انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٣٠.</ref>. | |||
===الجور=== | |||
الجور لغة: الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٤٩٢.</ref>. | |||
الجور اصطلاحًا: قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان <ref>مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٢٠٧.</ref>، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع <ref>انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري ٨/١١٦.</ref>. | |||
الصلة بين الظّلم والجور: الجور خلاف الاستقامة في الحكم، تقول: جار الحاكم في حكمه والسّلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم ضرر لا يستحق، ولا يعقب عوضًا، سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق، و نقيض الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل إلى الحق <ref>انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري ٤٩٣.</ref>. | |||
==تنزيه الله سبحانه عن الظلم== | |||
نزّه الله سبحانه نفسه عن الظلم في العديد من الآيات القرآنية-المكي منها والمدني-، ونفى أن يظلم سبحانه أحدًا، فكل ما نسب إلى الله سبحانه فهو خير، وإيجاد الله سبحانه للعقوبة على الذنب الذي يقترفه الإنسان لا يعدّ ظلمًا له، بل ذلك عدلٌ منه سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 182.</ref> وردت في خمسة مواضع من القرآن الكريم، ثلاث منها مكية، واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 182.</ref>. | |||
قال الإمام القاسمي عند تفسيره لها: «ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وأن الله ليس بظلام للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل ما سر التعبير بـ(ظلام) بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد. | |||
وأجيب بأجوبة: | |||
منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان ولفلان وهلم جرًّا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه. | |||
ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركًا. | |||
ومنها: أن (ظلامًا) للنسب أي لا ينسب إليه الظلم أصلًا. | |||
ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالمًا، كان ظلامًا، فنفى اللازم لنفي الملزوم. | |||
ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلامًا بليغ الظلم متفاقمه. | |||
فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة. | |||
وأيضًا لو عذّب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب لكان ظلمًا عظيمًا لصدوره عن العدل الرحيم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)» <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/٣٠٩.</ref>. | |||
يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة تتناسب مع السر وراء التعبير بـ(ظلَّام) بالمبالغة. | |||
ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم: قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}} حيث إنها وردت في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند قوله تعالى: {{ نص قرآني |مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}}<ref> سورة غافر، الآية 31.</ref>. | |||
قال الطبري: «وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلمًا منه بغير جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد ظلم عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وخلافهم أمره» <ref>جامع البيان ٢١/٣٧٩.</ref>. | |||
كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {{ نص قرآني |وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}} قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 33.</ref>. | |||
«أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما كانوا به يستهزءون أي يسخرون من الرسل حيث توعدوهم بعقاب الله» <ref>التفسير المنير، الزحيلي ١٤/١٣٦.</ref>. | |||
وورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية 70.</ref>. | |||
«وقوله: {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}} يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلمًا من الله لهم، ولا وضعًا منه جل ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة العذاب فعذبوا» <ref>جامع البيان، الطبري ١٤/٣٤٦.</ref>. | |||
يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة، وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم أحدًا من مخلوقاته. | |||
قال [[ابن القيم]]: «وقد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحدًا حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: {{ نص قرآني |فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ}}<ref> سورة الملك، الآية 11.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 130.</ref>. | |||
فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون» <ref>مختصر الصواعق المرسلة ص٢٣١.</ref>. | |||
==الظلم طبيعة إنسانية== | |||
كرّم الله سبحانه الإنسان على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}}<ref> سورة الإسراء، الآية 70.</ref>. | |||
وخلقه سبحانه في أحسن صورة. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}}<ref> سورة التين، الآية 4.</ref>. | |||
وميّزه بالعقل، وهداه إلى اختيار طريق الخير أو الشر. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}}<ref> سورة الإنسان، الآية 3.</ref>. | |||
كما يمتاز الإنسان عن غيره من المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير والتوحيد، فهو مؤمن بالله بطبيعته التي خلق عليها، وعهد الله سبحانه إليه قبل أن يخلق بشرًا سويًّا. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 172.</ref>. | |||
فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى الإيمان والتوحيد بالله عز وجل. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية 30.</ref>. | |||
ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم طبائع ذميمة تتنافى مع طبيعة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والتي منها الظلم الذي أكد القرآن الكريم وجوده في الطبيعة الإنسانية. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني | وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 34.</ref>. | |||
يقول الطبري: «إن الإنسان الذي بدّل نعمة الله كفرًا لظلوم، أي: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له فعبد غيره، وجعل له أندادًا ليضل عن سبيله، وذلك ظلمه» <ref>جامع البيان ١٧/١٦.</ref>. | |||
وقال السعدي في تفسيره للآية نفسها: «أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق ربه، كفارٌ لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف حق ربه وقام به» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٤٢٦.</ref>. | |||
كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات ختمت فاصلتها بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 40.</ref>. | |||
وقال السعدي عند تفسيره لأحد هذه الفواصل القرآنية: {{ نص قرآني |وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 40.</ref>. | |||
أي: «وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق {{ نص قرآني |وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعوها» <ref>تيسير الكريم الرحمن ٦٣١.</ref>. | |||
يتبين مما سبق: أن الظلم طبيعة في النفس البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا الظلم إلى عدل إذا حدث العكس، وهو وجود بيئة إيمانية تطبق تعاليم الإسلام، وتسير على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاكم يعين المظلوم على استرداد حقه من الظالم، وقد أكد ذلك أبو بكر رضي الله عنه بقوله: «ألا إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق» <ref>أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون للوالي، رقم ١٣٠٠٩، ٦/٥٧٤.</ref>. | |||
ويقول [[ابن خلدون]] في هذا السياق: «إن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه، وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكمٍ يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان» <ref>تاريخ ابن خلدون ١/٢٣٥.</ref>. | |||
==أنواع الظلم== | |||
حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد النهي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث| اِتَّقُوا اَلظُّلْمَ فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ }} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ٤/١٩٩٦.</ref> . | |||
وقال عز وجل في الحديث القدسي: {{نص حديث| يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.</ref>. | |||
وللظلم أنواع كثيرة في واقع الناس، وحقيقتها تعود إلى نوعين: | |||
===ظلم النفس=== | |||
فالإنسان يظلم نفسه، ويضع الأمور في غير موضعها، وله صور كثيرة، منها: | |||
====ظلم الشرك==== | |||
فالشرك بالله أشد الظلم وأخطره؛ لأنه تجاوز للحد مع الله تعالى، إذ أمر الله الإنسان بتوحيده، لكن المشرك يتخذ معه شريكًا، وفي ذلك إرجاع الفضل لغير صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى الخلود في جهنم إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان الحكيم وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه رأس كل فتنة. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية 13.</ref>. | |||
يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى، وتغليب المصلحة الفانية على الأخرى الباقية، ولا يقوم على أي دليل مقنع، وهو ظلم للنفس وللآخرين معًا، كما أنه انتقاص لحق الله سبحانه في التوحيد، وعدم تنزيهه عن مشابهة الخلق في حاجتهم إلى الشريك والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء بشديد العقاب في الدنيا والآخرة. | |||
فقال تعالى: {{ نص قرآني |سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 151.</ref>. | |||
فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}}<ref> سورة المائدة، الآية 72.</ref>. | |||
ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيمًا لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفًا في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}}<ref> سورة الرعد، الآية 16.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٤٥.</ref> | |||
====ظلم الكفر==== | |||
الكفر ظلمٌ أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال، ولا يغفره الله سبحانه إلا بالتوبة. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 254.</ref>. | |||
====ظلم النفاق==== | |||
النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو استهزائه بالصحابة رضي الله عنهم، فهذا نفاق أكبر يخرج صاحبه من دين الإسلام وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم. | |||
ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ }}<ref> سورة التوبة، الآية 65-66.</ref> | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}}<ref> سورة المنافقون، الآية 1.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٢٥.</ref> | |||
====ظلم التعدي على حدود الله، واقتراف الكبائر==== | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 229.</ref>. | |||
ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه أن يذكر فيها اسمه. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 114.</ref>. | |||
ومن ذلك أيضًا كتم الشهادة. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 140.</ref>. | |||
وكذلك الكذب على الله تعالى. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني | فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 144.</ref>. | |||
ومعناه: اختلاق القول على الله تعالى، وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو بالتبديل والتحريف فيها <ref>انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦/٩٧٤.</ref>. | |||
=== ظلم الغير=== | |||
وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، وقد عرض القرآن الكريم لنماذج متعددة، وبيان ذلك فيما يأتي: | |||
====ظلم العباد بعضهم لبعض==== | |||
ويندرج تحته عدة أمور، منها: | |||
الغيبة والنميمة والسباب والشتم والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة الحجرات. | |||
وشهادة الزور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث| أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، رقم ٨٧، ١/٩١.</ref>. | |||
وقتل النفس بغير حق، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ }}<ref> سورة الإسراء، الآية 33.</ref>. | |||
أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، رقم ١٦١٠، ٣/١٢٣٠.</ref>. | |||
وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }}<ref> سورة النساء، الآية 29.</ref>. | |||
والتعامل بالربا، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }}<ref> سورة النساء، الآية 160-161.</ref>. | |||
والغش في المعاملات، كما قال صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ١٠١، ١/٩٩.</ref>. | |||
ومماطلة من له حق عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم ٢٢٨٧، ٣/٩٤. انظر: مفاتح الغيب، الرازي ١/٢٢٦.</ref>. | |||
====الظلم الواقع بين الأرحام==== | |||
عقوق الوالدين: يعدّ عقوق الوالدين من صور الظلم الاجتماعي، وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }}<ref> سورة الإسراء، الآية 23.</ref>. | |||
لكن هناك من يخالف شرع الله ويعقّ والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة، منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم ٥٩٧٣، ٨/٣.</ref>. | |||
ومن صوره: منع النفقة عن الآباء، رغم حاجة الآباء إلى النفقة مع قدرة الأبناء، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال، قال صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|أنت ومالك لأبيك}} <ref>أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال والده، رقم ٢٢٩٢، ٢/٧٦٩. وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ٥/٢٩١، رقم٢٢٩١.</ref>. | |||
ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون ذلك بعدم العدل بينهم في الهدية والعطية؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة. | |||
وقد روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، باب العدل بين الأولاد في العطاء، رقم ١٦٢٣،٣/١٢٤٣.</ref>. | |||
وأكل حقوق النساء في الميراث، فقد جاء الإسلام ليبطل ما فيه ظلم وجور من توريث الأبناء دون البنات في الجاهلية، وحدد لكل مستحق من التركة حقه. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}}<ref> سورة النساء، الآية 11.</ref>. | |||
والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك الظلم يقع على الأخوات من أقرب الناس إليهن، وهم إخوتهن، وكثيرًا ما نسمع ونرى من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام والعداوات بين الأقارب، والتي كان سببها تعطيل قسمة الفرائض والجور فيها، وقسمتها على غير ما أمر الله سبحانه. | |||
ومنه أيضًا قطيعة الرحم، وقد فشى في مجتمعات المسلمين، ومن أخطرها من لا يعرف الناس قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وقد قال تعالى: {{ نص قرآني |فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية 22.</ref>. | |||
وقال صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|لا يدخل الجنة قاطع}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٨/٥. انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي ٢/٧٣٢.</ref>. | |||
والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}}<ref> سورة الأنعام، الآية 152.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}<ref> سورة المائدة، الآية 8.</ref>. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010702.jpg|22px]] [[الموسوعة الفقهية (كتاب)|'''الموسوعة الفقهية]]''' | # [[صورة:IM010702.jpg|22px]] [[الموسوعة الفقهية (كتاب)|'''الموسوعة الفقهية]]''' | ||