انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الظلم عند أهل السنة»

سطر ٣٥٠: سطر ٣٥٠:


والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  152.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}<ref>  سورة المائدة، الآية  8.</ref>.
والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  152.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}<ref>  سورة المائدة، الآية  8.</ref>.
==أسباب الظلم==
للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي إليه، وتوقع الإنسان به، وبيان هذه الأسباب متمثلة في المطالب الآتية:
===الكفر===
إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك القرآن الكريم.
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  254.</ref>.
قال الطبري في تفسيرها: «فإنه يعني تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله» <ref>جامع البيان، الطبري ٥/٣٨٤.</ref>.
وقد قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرًا.
ولو قال: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} لكان قد حكم على كل ظالم -وهو من يضع الشيء في غير موضعه- بالكفر <ref>انظر: الوسيط، الزحيلي ١/١٤٥.</ref>.
===اتباع الهوى واتباع الظن===
الظلم ليس وليد نفسه، بل له منابع وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط الأهواء والغرائز على الظالمين حكامًا أو محكومين، قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}}<ref>  سورة الروم، الآية  29.</ref>.
ومعنى الآية: أن أولئك الظالمين اتبعوا أهواءهم جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلّبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك  <ref>انظر: تفسير المراغي ٢١/٤٤.</ref>.
=== الاستكبار والترف===
من الناس من ينعم الله سبحانه عليه بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها، فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال ذلك: نعمة الصحة والمال، فيتكبّر ويتجبّر، قال تعالى: {{ نص قرآني |كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}}<ref>  سورة العلق، الآية  6-7.</ref>.
ومعنى ذلك: أن أمر هذا الإنسان عجيب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعًا، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه <ref>انظر: تفسير المراغي ٣٠/٢٠٢.</ref>.
ومن الأمثلة التي ساقها القرآن الكريم عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله الملك ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.
قال تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  258.</ref>.
وكذلك فرعون الذي آتاه الله الملك والسلطان فكان ذلك سببًا لادعاء الربوبية.
قال تعالى: {{ نص قرآني | اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى }}<ref>  سورة النازعات، الآية  17-24.</ref>.
===الحسد===
إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى الظلم، فهو الذي أخرج إبليس -لعنه الله- من رحمة ربه، حيث حسد آدم على مكانته عند ربه، فامتنع عن السجود تكبرًا وعصيانًا لأمر الله سبحانه عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس استكبر.
وقال الله عنه: {{ نص قرآني |قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  12.</ref>.
وبالحسد سفك أول دم حرام على وجه الأرض، حيث حسد ابن آدم قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة، أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم يجد بها إلا مكرهًا، وكانت علامة القبول نزول نار فتحرق المقبول، وتترك الذي لم يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من الخاسرين، وكان عليه وعلى الشيطان كفلٌ من يقتل ظلمًا إلى يوم القيامة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٢٠٦.</ref>.
===الولاء للأعداء===
حذر القرآن الكريم من موالاة الظالمين ومساندتهم بأي صورة كانت.
فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref>  سورة هود، الآية  113.</ref>.
ومعنى الآية: أنه يجب عليكم أيها المؤمنون ألا تستندوا إلى الذين ظلموا، وهم المشركون وغيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم، وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم <ref>انظر: تفسير المراغي ١٢/٩٣.</ref>.
كما أكد القرآن على عدم موالاة الكافرين، فقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref>  سورة التوبة، الآية  23.</ref>.
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام {{نص قرآني|إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ }}، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده {{نص قرآني|وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ }} يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام {{نص قرآني|فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره»  <ref>جامع البيان ١٤/١٧٥.</ref>.
كما حذّر القرآن الكريم من موالاة اليهود والنصارى؛ لأن في موالاتهم نصرة لهم على الدين وأهله، قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref>  سورة المائدة، الآية  51.</ref>.
===ترك التوبة===
إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه، يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى تصبح ديدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ويكون قد ظلم نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعًا للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل ذلك بالظلم، فقال تعالى:{{ نص قرآني |وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref>  سورة الحجرات، الآية  11.</ref>.
ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره ومعاصيه فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي لها عقوبة الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا؛ لذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٥٠.</ref>.
فالتوبة واجبة من كل ذنب، وكل من تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل توبته، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}}<ref>  سورة المائدة، الآية  39.</ref>.
وقد وردت هذه الفاصلة القرآنية بعد الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه، ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح نفسه، وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة، مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/١٨٣.</ref>.
===اتباع الشهوات===
إن حرمات الله سبحانه هي جميع ما حرّم الله سبحانه من حقوق الخالق وحقوق المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة، وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر كل من ينتهك حرمات الله سبحانه ظالمًا، قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  229.</ref>.
قال الطبري في تفسيرها: «يعني تعالى ذكره تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم من الحلال إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا طاعته إلى معصيته» <ref>جامع البيان، الطبري ٤/٥٨٣.</ref>.
ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله سبحانه اتباع الشهوات قال تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  27.</ref>.
فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر به الدين فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم  <ref>انظر: تفسير المراغي ٥/١٤.</ref>، لذا لابد من تقوى الله سبحانه والابتعاد عن انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب الظلم المؤدية إلى نار جهنم.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل