انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

لا ملخص تعديل
سطر ٧٩: سطر ٧٩:


ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء.
ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء.
==آدم عليه السلام والجنة==
تحدث القرآن الكريم عن الجنة في آيات كثيرة، وكل ما يتعلق بها من صفات وأسماء ودرجات وغير ذلك، وذكر الجنة بصيغ مختلفة، وخصها عن الجنات التي على الأرض وأن تشابهت الأسماء، إلا أن الجنات التي تكلم عنها القرآن الكريم تختلف عن جنات الأرض المتعارف عليها من حدائق وبساتين.
وفي هذا المبحث سنلقي الضوء على ماهية الجنة التي كان فيها آدم وزوجه عليهما السلام من خلال قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  31.</ref>.
قال ابن كثير: «يقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم عليه السلام: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/٢٣٣.</ref>.
واختلف في قوله تعالى: {{ نص قرآني |اسْكُنْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  35.</ref>، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟
قال قتادة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعًا يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.
وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  57.</ref> أمرًا وتكليفًا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرًا وهو كان ممنوعًا عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكًا له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.
واختلف أيضًا في الجنة التي أسكنها آدم، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وهل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟
القول الأول: قال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: {{ نص قرآني |اهْبِطُوا مِصْرًا}}<ref>  سورة البقرة، الآية  61.</ref>.
واحتجا عليه بوجوه <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥۲.</ref>:
أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: {{ نص قرآني |هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}}<ref>  سورة طه، الآية  120.</ref>.
ولما صح قوله: {{ نص قرآني |مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  20.</ref>.
وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ}}<ref>  سورة الحجر، الآية  48.</ref>.
وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: {{ نص قرآني |أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}}<ref>  سورة الرعد، الآية  35.</ref>.
ولقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا}}<ref>  سورة هود، الآية  108.</ref> إلى أن قال: {{ نص قرآني |عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}}<ref>  سورة هود، الآية  108.</ref> أي: غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}}<ref>  سورة القصص، الآية  88.</ref>.
ولما خرج منها آدم عليه السلام، لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات.
وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف؛ لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.
وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: {{ نص قرآني |اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  35.</ref> جنة أخرى غير جنة الخلد<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥۲.</ref>.
وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثابًا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل، ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها <ref>المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/١٢٦.</ref>.
القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: {{ نص قرآني |اهْبِطُوا مِنْهَا}}<ref>  سورة البقرة، الآية  38.</ref>.
ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>.
القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه: أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>.
والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم<ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥٢.</ref>.
وقيل: أن جنة المأوى هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة  <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/٩٦.</ref>.
وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنيًّا لا قطعيًّا ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم ؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء عليهما السلام، وإن فيها رغد العيش.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010705.jpg|22px]] [[الجنة (مقالة)|مقالة «الجنة»]]، [[موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة (كتاب)|'''موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة]]'''
#


== الهوامش ==
== الهوامش ==
{{مراجع}}
{{مراجع}}
٢٦٬٨٢١

تعديل