الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
| سطر ١٣٢: | سطر ١٣٢: | ||
وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنيًّا لا قطعيًّا ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم ؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء عليهما السلام، وإن فيها رغد العيش. | وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنيًّا لا قطعيًّا ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم ؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء عليهما السلام، وإن فيها رغد العيش. | ||
==أسماء الجنة ودرجاتها== | |||
وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من رحمة الله تعالى وتوفيقه لعباده المؤمنين، وفضله من إنعامه وتفضله، لذا سنبين في هذا المبحث بعض أسماء الجنة ومعانيها ودرجاتها من خلال ما يأتي: | |||
===أسماء الجنة=== | |||
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها: | |||
#دار السلام: وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/١١٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣/١٤٦.</ref>. ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما: | |||
##قال تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 127.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ}} وهي: الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، {{نص قرآني|وَهُوَ وَلِيُّهُمْ}} أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {{نص قرآني|بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/٣٣٨.</ref>. | |||
##قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref> سورة يونس، الآية 25.</ref>. ودار السلام في الآية الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيمًا لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم الملائكة عليهم {{ نص قرآني |إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}}<ref> سورة الواقعة، الآية 26.</ref>»<ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٢/١٧.</ref>. ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة رحمه الله تعالى: «الله هو السلام، والدار الجنة» <ref>تفسير عبد الرزاق، ٢/١٧٣.</ref>. ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين. | |||
#جنة الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٩٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٤/٤٩١.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}}<ref> سورة الفرقان، الآية 15.</ref>. أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم وتحسيرًا لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: {{نص قرآني|كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}} أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه فى الآخرة» <ref>تفسير المراغي، ١٨/١٥٨.</ref>. والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبدًا بلا انقطاع ولا زوال. | |||
#دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}<ref> سورة فاطر، الآية 35.</ref>. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٢٤١.</ref>. وقوله تعالى: {{نص حديث|لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥٢.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة. | |||
#جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»<ref>التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.</ref>، وقيل: العدن: الاستقرار <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.</ref>. قال البيضاوي رحمه الله: «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/١٨٦.</ref>. وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية 23.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }}<ref> سورة النحل، الآية 31.</ref>. حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ}}، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥١.</ref>. وذكر {{نص قرآني| يَدْخُلُونَهَا }}، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١</ref>.. ويذكر الإمام الماوردي رحمه الله في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن: | |||
##أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>. | |||
##أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>. | |||
##أن عدن اسم لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد الله بن مسعود. | |||
##أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. | |||
## أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين، رواه معاذ بن جبل مرفوعًا. وعلى الرغم من تعدد الأقوال في جنات عدن إلا أنها لا دليل عليها من الأدلة النقلية والعقلية، وأن جنات عدن اسم يدل على الجنة ذكر في القرآن الكريم وهي دار الإقامة والخلود أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولا يوجد دليل قطعي يؤكد أن جنات عدن هي قصر أو نهر في الجنة، وأما القول بأنها لفظ سرياني فهذا يخالف قوله تعالى: {{ نص قرآني |بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}}<ref> سورة الشعراء، الآية 195.</ref>. | |||
#دار الحيوان: هي الجنة دار الحياة؛ أي لا موت فيها، قال تعالى: {{ نص قرآني | وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 64.</ref>. أي: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها ها هنا، وبه سمي ما فيه حياة: حيوانًا <ref>انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣/ ٤٦٣، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/١٩٩.</ref>. قال الراغب الأصفهاني: «وقد نبه بقوله تعالى: {{نص قرآني|لَهِيَ الْحَيَوَانُ}} أن الحيوان الحقيقي السرمدي الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللغة: الحيوان والحياة واحد، وقيل: الحيوان: ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة، والحيا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 30.</ref>.<ref>المفردات ١/٢٦٩.</ref>، وقوله: {{ نص قرآني |لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 102.</ref> أي: «لآثروا ما يبقى على ما يفنى» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٤.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار الحيوان هي دار الجنة التي لا تفنى ولا تزول، ولا يقع فيها موت لأحد. ولم تذكر تسمية دار الحيوان إلا في هذه الآية المتقدمة. | |||
#جنة المأوى: هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة. وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علمًا من البعد وأيًّا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا <ref>انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٣/١٠، روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.</ref>. وورد ذكر هذه الجنة في القرآن الكريم في موضعين: في قوله تعالى: {{ نص قرآني |أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية 19.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}}<ref> سورة النجم، الآية 15.</ref>. ووصف الجنة في آية أخرى بقوله تعالى: {{ نص قرآني |فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}}<ref> سورة النازعات، الآية 41.</ref>. والمأوى: اسم مكان <ref>روح المعاني، الألوسي، ١١/١٣١.</ref> تدل على الاستقرار في مكان، سواء كان في الجنة أو غيرها. قال الإمام السيوطي: «هي اسم لجميع الجنان، يدلّ عليه قوله تعالى: {{ نص قرآني |أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية 19.</ref>. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال جنة، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عدن، وجنة عدن» <ref>معترك الأقران، السيوطي، ٣/٣٥١.</ref>. | |||
#الفردوس: وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن الكريم في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا}}<ref> سورة الكهف، الآية 107.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية 11.</ref>. يخبر تعالى في الآيتين الكريمتين عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس، أما أصل كلمة الفردوس فقد اختلف في لفظه على أربعة أقاويل: | |||
#أنه عربي، وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | |||
#أنه بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣.</ref>. | |||
#أنه بالنبطية، فرداسًا، قاله السدي <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | |||
#بالسريانية، قاله أبو صالح<ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه كرم (فردوسًا)، قال الزجاج: وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية <ref>انظر: المعرب، الجواليقي، ص٢٨٨.</ref>. ويرجح بعض الباحثين أن تكون كلمة الفردوس معربة عن الرومية، أي اليونانية، وعزا سبب ذلك إلى انتشارها على لسان أهل الشام أكثر من غيرهم <ref>انظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة، ص٤٠٥.</ref>، وللعلماء آراء في معنى كلمة الفردوس، منها: | |||
#أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | |||
# أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب مرفوعًا <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | |||
#أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١/٦٨.</ref>. | |||
#أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/٣٤٨.</ref>. | |||
#أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، قاله كعب <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/١٣١، زاد المسير في علم التفسير، ٣/١١٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/٥٠٢.</ref>. | |||
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {{نص حديث|فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.</ref> | |||
ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا يرى ابن القيم رحمه الله أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه <ref>انظر: حادي الأرواح، ١/٩٤.</ref>. | |||
=== درجات الجنة=== | |||
لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب الإيمان والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها المؤمن ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة. | |||
قال تعالى: (بح بخ بم بى بي تج تح تخ تم تى تي) [طه: ٧٥]. | |||
ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالإيمان والعمل الصالح الموصلين إلى الجنة. | |||
والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: (ں ں ڻ) [البقرة: ٢٢٨]. | |||
تنبيهًا لرفعة منزلة الرجال عليهن في العقل والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ) [النساء: ٣٤]. | |||
وقال: (ڌ ڎ ڎ ڈ) [الأنفال: ٤]. | |||
وقال: (ۆ ۆ ۈ ۈ) [آل عمران: ١٦٣]. | |||
أي: هم ذوو درجات عند الله، ودرجات النجوم تشبيهًا بما تقدم60. | |||
وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: (ۆ ۆ ۈ ۈٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ) [آل عمران: ١٦٣]. | |||
أي: «ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه، قيل: هم درجات متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن ابتغى رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم، ومعنى (ۆ ۆ)، أي: ذوو درجات، أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات، وأهل النار أيضًا ذوو درجات، فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم المؤمنون يختلفون أيضًا، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار»61. | |||
وقال تعالى: (ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [الإسراء: ٢١]. | |||
قال الإمام الرازي رحمه الله: «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى»62. | |||
ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين. | |||
قال تعالى: (ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ) [الرحمن: ٤٦]. | |||
وقال تعالى: (ئا ئا ئە ئە) [الرحمن: ٦٢]. | |||
وإن أعلى درجات الجنة هي الفردوس الأعلى، قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [المؤمنون: ١٠- ١١]. | |||
وتؤكد السنة النبوية أيضًا أن للجنة درجات، وأن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم، وذلك بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)63. | |||
وفي الحديث دلالة على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني حصر درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل الله تعالى، لا الإخبار بحصر درجات الجنة، ويؤيد ذلك أن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله، فهو في درجة ليس فوقها درجة، أمّا هذه الدرجات المائة فنالها آحاد أمته بالجهاد. | |||
وصح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)64. | |||
قال القاضي عياض: «يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: «يتراءون كالكوكب الدري»، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان مما لا يخطر على قلب بشر، ولا بصفة واصف، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلًا كثيرًا، وينسي بعضه بعضًا، ومثل تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض، والأول أظهر»65. | |||
ومعنى ذلك أن الجنة مائة درجة جعلها الله تعالى لعباده المؤمنين على قدر أعمالهم في حياتهم الدنيا، وأن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم. | |||
وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (ٻ ٻ ٻ ٻ پ پپ پ ڀ ڀ ڀڀ ٺ ٺ ٺ) [البقرة: ٢٥٣]. | |||
قال الزمخشري: «أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس»66. | |||
ولا أحد أفضل ولا أكرم عند الله تعالى من صفوة الخلق، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات النعيم، أعلى درجة في الجنة، ليس فوقها درجة، اختص بها صلى الله عليه وسلم دون غيره من أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام. | |||
فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)67. | |||
وسمّيت درجة النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش، وأصل الوسيلة القرب، من وسل إليه إذا تقرب إليه، ومعناها الوصلة، ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورًا ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق عبودية لربه وأشدهم له خشية كانت منزلته أقرب المنازل لعرشه68. | |||
لذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أمته وأمرها أن يسألوا الله تعالى له الوسيلة لينالوا بهذا الدعاء شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة. | |||
وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهناك أيضًا أدنى أهل الجنة منزلة، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: (ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ) [السجدة: ١٧])69. | |||
فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم وتوفيق الله تعالى لهم، وأعلى تلك الدرجات الفردوس، ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا بالطاعة والإيمان والعمل الصالح، والتنافس والتسابق في الخيرات. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# | # | ||