انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ٩٠: سطر ٩٠:
واختلف في قوله تعالى: {{ نص قرآني |اسْكُنْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  35.</ref>، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟
واختلف في قوله تعالى: {{ نص قرآني |اسْكُنْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  35.</ref>، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟


قال قتادة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعًا يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.
قال قتادة في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعًا يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.


وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  57.</ref> أمرًا وتكليفًا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرًا وهو كان ممنوعًا عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكًا له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.
وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  57.</ref> أمرًا وتكليفًا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرًا وهو كان ممنوعًا عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكًا له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/٤٥١.</ref>.
سطر ١٣٨: سطر ١٣٨:
#دار السلام: وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/١١٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣/١٤٦.</ref>. ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما:
#دار السلام: وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/١١٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣/١٤٦.</ref>. ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما:
##قال تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  127.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ}} وهي: الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، {{نص قرآني|وَهُوَ وَلِيُّهُمْ}} أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {{نص قرآني|بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/٣٣٨.</ref>.
##قال تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  127.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ}} وهي: الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، {{نص قرآني|وَهُوَ وَلِيُّهُمْ}} أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {{نص قرآني|بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/٣٣٨.</ref>.
##قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref>  سورة يونس، الآية  25.</ref>. ودار السلام في الآية الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيمًا لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم الملائكة عليهم {{ نص قرآني |إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}}<ref>  سورة الواقعة، الآية  26.</ref>»<ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٢/١٧.</ref>. ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة رحمه الله تعالى: «الله هو السلام، والدار الجنة» <ref>تفسير عبد الرزاق، ٢/١٧٣.</ref>. ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين.
##قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}}<ref>  سورة يونس، الآية  25.</ref>. ودار السلام في الآية الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيمًا لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم الملائكة عليهم {{ نص قرآني |إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}}<ref>  سورة الواقعة، الآية  26.</ref>»<ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٢/١٧.</ref>. ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة : «الله هو السلام، والدار الجنة» <ref>تفسير عبد الرزاق، ٢/١٧٣.</ref>. ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين.
#جنة الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٩٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٤/٤٩١.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}}<ref>  سورة الفرقان، الآية  15.</ref>. أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم وتحسيرًا لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: {{نص قرآني|كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}} أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه فى الآخرة» <ref>تفسير المراغي، ١٨/١٥٨.</ref>. والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبدًا بلا انقطاع ولا زوال.
#جنة الخلد: وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٩٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٤/٤٩١.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}}<ref>  سورة الفرقان، الآية  15.</ref>. أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم وتحسيرًا لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: {{نص قرآني|كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا}} أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه فى الآخرة» <ref>تفسير المراغي، ١٨/١٥٨.</ref>. والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبدًا بلا انقطاع ولا زوال.
#دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}<ref>  سورة فاطر، الآية  35.</ref>. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده  <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٢٤١.</ref>. وقوله تعالى: {{نص حديث|لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥٢.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة.
#دار المقامة: هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}<ref>  سورة فاطر، الآية  35.</ref>. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده  <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٢٤١.</ref>. وقوله تعالى: {{نص حديث|لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}}، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥٢.</ref>. ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة.
#جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»<ref>التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.</ref>، وقيل: العدن: الاستقرار <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.</ref>. قال البيضاوي رحمه الله: «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/١٨٦.</ref>. وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref>  سورة الرعد، الآية  23.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }}<ref>  سورة النحل، الآية  31.</ref>. حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ}}، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل  <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥١.</ref>. وذكر {{نص قرآني| يَدْخُلُونَهَا }}، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١</ref>.. ويذكر الإمام الماوردي رحمه الله في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن:
#جنات عدن: العدن: «الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به»<ref>التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١/١٨٣.</ref>، وقيل: العدن: الاستقرار <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١.</ref>. قال البيضاوي : «والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/١٨٦.</ref>. وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}}<ref>  سورة الرعد، الآية  23.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }}<ref>  سورة النحل، الآية  31.</ref>. حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة {{ نص قرآني |جَنَّاتُ عَدْنٍ}}، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل  <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٥٥١.</ref>. وذكر {{نص قرآني| يَدْخُلُونَهَا }}، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/١٣١</ref>.. ويذكر الإمام الماوردي في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن:
##أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>.
##أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>.
##أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>.
##أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٢/٣٨١.</ref>.
سطر ١٦٢: سطر ١٦٢:
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله {{صل}} في قوله: {{نص حديث|فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.</ref>
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله {{صل}} في قوله: {{نص حديث|فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/١٢٥، رقم ٧٤٢٣.</ref>


ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا يرى ابن القيم رحمه الله أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه  <ref>انظر: حادي الأرواح، ١/٩٤.</ref>.
ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا يرى ابن القيم أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه  <ref>انظر: حادي الأرواح، ١/٩٤.</ref>.


=== درجات الجنة===
=== درجات الجنة===
سطر ١٨٣: سطر ١٨٣:
وقال تعالى: {{ نص قرآني |انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}}<ref>  سورة الإسراء، الآية  21.</ref>.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}}<ref>  سورة الإسراء، الآية  21.</ref>.


قال الإمام الرازي رحمه الله: «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/٣١٩.</ref>.
قال الإمام الرازي : «إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/٣١٩.</ref>.


ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين.
ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعيم أرقى من الذين دونهم فأعد الله تعالى لهم جنتين.
سطر ٢٣٢: سطر ٢٣٢:
أما أبواب الجنة قال تعالى: {{ نص قرآني |وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}<ref>  سورة الزمر، الآية  73.</ref>.
أما أبواب الجنة قال تعالى: {{ نص قرآني |وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}<ref>  سورة الزمر، الآية  73.</ref>.


قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة {{نص قرآني| زُمَرًا }}، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/١١٩.</ref>.
قال ابن كثير : «وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنة {{نص قرآني| زُمَرًا }}، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/١١٩.</ref>.


وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، {{نص قرآني|سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}.
وتصف هذه الآية الكريمة المشهد العظيم للمؤمنين الوافدين إلى جنات الخلد التي أعدها الله تعالى لهم، حيث تتلقاهم الملائكة وتحييهم وتهنيهم بسلامة وصولهم ودخولهم الجنة والخلود فيها، {{نص قرآني|سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}}.
سطر ٢٣٨: سطر ٢٣٨:
وقال تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ}}<ref>  سورة ص، الآية  50.</ref>. أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب<ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/77.</ref>، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/٢١٩.</ref>.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ}}<ref>  سورة ص، الآية  50.</ref>. أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب<ref>تفسير القرآن العظيم، ٧/77.</ref>، وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة، لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس، كما قال الحسن البصري: تكلم: انفتحي، فتنفح. انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب <ref>انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/٢١٩.</ref>.


يقول ابن القيم رحمه الله: «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا» <ref>حادي الأرواح، ابن القيم ١/٥٤.</ref>.
يقول ابن القيم : «وإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت، وأيضًا إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا» <ref>حادي الأرواح، ابن القيم ١/٥٤.</ref>.


وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد ، عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون}}<ref>أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٧.</ref>.
وجاء في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد ، عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون}}<ref>أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة، ٤/١١٩، رقم ٣٢٥٧.</ref>.
سطر ٢٤٦: سطر ٢٤٦:
وهذه الأدلة تثبت أن للجنة أبوابًا كثيرة ذكرت في القرآن الكريم بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن السنة النبوية المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذكرت سعتها.
وهذه الأدلة تثبت أن للجنة أبوابًا كثيرة ذكرت في القرآن الكريم بشكل عام دون تفصيل أو مسميات، إلا أن السنة النبوية المطهرة بينت شأن تلك الأبواب وعددها وسمّت بعض أبوابها وذكرت سعتها.


قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رحمه الله: «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها» <ref>قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ١/٥٤٩.</ref>.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي : «وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها جميعها» <ref>قانون التأويل، أبو بكر بن العربي، ١/٥٤٩.</ref>.


وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء}}  <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ١/٥٧، رقم ٢٨.</ref>.
وأما عدد أبواب الجنة فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء}}  <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، ١/٥٧، رقم ٢٨.</ref>.
سطر ٢٥٢: سطر ٢٥٢:
وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة  عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٨٤، رقم ١٩٤.</ref>.
وأما سعة أبواب الجنة، فقد ورد عن أبي هريرة  عن رسول الله {{صل}} قال: {{نص حديث|إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١/١٨٤، رقم ١٩٤.</ref>.


قال الإمام النووي رحمه الله: المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر  <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، ٣/٦٩.</ref>.
قال الإمام النووي : المصراعان جانبا الباب، وهجر مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، وأما بصرى وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر  <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، ٣/٦٩.</ref>.


ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا النبي محمد {{صل}}، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله {{صل}}، حيث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي {{صل}}: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١/١٨٨، رقم ١٩٧.</ref>.
ولعلو شأن الجنة وأبوابها فأن أول من يقرع بابها سيدنا النبي محمد {{صل}}، ولا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله {{صل}}، حيث ورد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي {{صل}}: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا»، ١/١٨٨، رقم ١٩٧.</ref>.
سطر ٢٦٥: سطر ٢٦٥:
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ}}<ref>  سورة التوبة، الآية  100.</ref>.
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ}}<ref>  سورة التوبة، الآية  100.</ref>.


ويشير ابن القيم رحمه الله لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها» <ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.
ويشير ابن القيم لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها» <ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.


«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال {{ نص قرآني |أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ }}<ref>  سورة الأنعام، الآية  6.</ref>. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون {{ نص قرآني | وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي }}<ref>  سورة الزخرف، الآية  51.</ref>»<ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.
«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال {{ نص قرآني |أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ }}<ref>  سورة الأنعام، الآية  6.</ref>. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون {{ نص قرآني | وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي }}<ref>  سورة الزخرف، الآية  51.</ref>»<ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.
سطر ٢٧٩: سطر ٢٧٩:
وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص قرآني|سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة}}  <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤/٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩.</ref>.
وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص قرآني|سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة}}  <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤/٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩.</ref>.


قال الإمام ملا علي القاري رحمه الله: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها» <ref>مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.</ref>.
قال الإمام ملا علي القاري : «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها» <ref>مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.</ref>.


ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>.
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>.
سطر ٣٥٠: سطر ٣٥٠:
#الأكواب: وصف الله تعالى أكواب أهل الجنة، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا}}<ref>  سورة الإنسان، الآية  15.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}<ref>  سورة الغاشية، الآية  14.</ref>. ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها <ref>تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/٣٦٦.</ref>. أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضًا من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته. وعني بقوله: {{ نص قرآني |وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٣٨٧.</ref>.
#الأكواب: وصف الله تعالى أكواب أهل الجنة، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا}}<ref>  سورة الإنسان، الآية  15.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}<ref>  سورة الغاشية، الآية  14.</ref>. ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها <ref>تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/٣٦٦.</ref>. أي: يطوف عليهم خدم الجنة بأواني الطعام، وهي من فضة خالصة، وبأكواب الشراب، وهي أيضًا من فضة، وقد جعلت هذه الأكواب جامعة بياض الفضة، وصفاء الزجاج وشفافيته. وعني بقوله: {{ نص قرآني |وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}}: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب وجدوها ملأى من الشراب <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٣٨٧.</ref>.
#الزرابي: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}<ref>  سورة الغاشية، الآية  16.</ref>. والزرابي: جمع زربٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى طريق التشبيه والاستعارة قال: {{ نص قرآني |وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}.<ref>انظر: المفردات، ص٣٧٩.</ref> قال ابن كثير: «وقوله تعالى: (ۀ ہ)، قال ابن عباس: الزرابي: البسط، وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها» <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ٨/٣٨٦.</ref>. وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس.
#الزرابي: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}<ref>  سورة الغاشية، الآية  16.</ref>. والزرابي: جمع زربٍ، وهو ضرب من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وعلى طريق التشبيه والاستعارة قال: {{ نص قرآني |وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}}.<ref>انظر: المفردات، ص٣٧٩.</ref> قال ابن كثير: «وقوله تعالى: (ۀ ہ)، قال ابن عباس: الزرابي: البسط، وكذا قال الضحاك، وغير واحد، ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها» <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ٨/٣٨٦.</ref>. وعلى هذا فإن الزرابي نوع من أثاث الجنة، وهي: البسط التي يجلس عليها، والتي تكون مبثوثة، أي: مفرقة في المجالس.
#العبقري: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}<ref>  سورة الرحمن، الآية  76.</ref>. قال الراغب الأصفهاني: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ينسب إليه كلّ نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله الله مثلًا لفرش الجنّة  <ref>انظر: المفردات، ص٥٤٤.</ref>. قال ابن عاشور: «وعبقري وصف لما كان فائقًا في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، فشاع ذلك فصار العبقري وصفًا للفائق في صنفه» <ref>التحرير والتنوير، ٢٧/٢٧٥.</ref>. وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: البسط، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير رحمهم الله تعالى <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٨٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٥٠٩.</ref>.
#العبقري: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}<ref>  سورة الرحمن، الآية  76.</ref>. قال الراغب الأصفهاني: عبقرٌ قيل: هو موضعٌ للجنّ ينسب إليه كلّ نادر من إنسان، وحيوان، وثوب، وقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}}، وهو ضرب من الفرش فيما قيل، جعله الله مثلًا لفرش الجنّة  <ref>انظر: المفردات، ص٥٤٤.</ref>. قال ابن عاشور: «وعبقري وصف لما كان فائقًا في صنفه، عزيز الوجود، وهو نسبة إلى عبقر: اسم بلاد الجن في معتقد العرب فنسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان والحسن، حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر، فشاع ذلك فصار العبقري وصفًا للفائق في صنفه» <ref>التحرير والتنوير، ٢٧/٢٧٥.</ref>. وقيل إن العبقري: هي الزرابي الحسان، أي: البسط، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وسعيد بن جبير تعالى <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣/٨٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٥٠٩.</ref>.


ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أثاثًا لا يشبه أثاث الحياة الدنيا، فأثاث أهل الجنة متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها.
ويتضح مما مضى أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أثاثًا لا يشبه أثاث الحياة الدنيا، فأثاث أهل الجنة متعدد الأنواع والأشكال، من سرر وأرائك وفرش وعبقري ونمارق وزرابي وغيرها.
سطر ٤٦٣: سطر ٤٦٣:
ونحو هذه الآية قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}}<ref>  سورة الإنسان، الآية  19.</ref>.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}}<ref>  سورة الإنسان، الآية  19.</ref>.


قال الإمام الرازي رحمه الله: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفًّا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: {{ نص قرآني |وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ}} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفًا للمجتمع منه <ref>انظر: مفاتيح الغيب، ٣٠/٧٥٣.</ref>.
قال الإمام الرازي : شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفًّا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: {{ نص قرآني |وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ}} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفًا للمجتمع منه <ref>انظر: مفاتيح الغيب، ٣٠/٧٥٣.</ref>.


=== سوق أهل الجنة===
=== سوق أهل الجنة===
سطر ٤٩٩: سطر ٤٩٩:
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٦٢.</ref>.
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٢٦٢.</ref>.


لذلك قال ابن القيم رحمه الله: «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا؛ علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين» <ref>حادي الأرواح، ١/٣٣٢.</ref>.
لذلك قال ابن القيم : «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا؛ علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين» <ref>حادي الأرواح، ١/٣٣٢.</ref>.


وورد عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {{ نص قرآني |لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref>  سورة يونس، الآية  26.</ref>}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١/١٦٣، رقم ١٨١.</ref>.
وورد عن النبي {{صل}} قال: {{نص حديث|إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {{ نص قرآني |لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref>  سورة يونس، الآية  26.</ref>}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١/١٦٣، رقم ١٨١.</ref>.