الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ٥١٠: | سطر ٥١٠: | ||
ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة. | ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة. | ||
==الأسباب الموجبة لدخول الجنة== | |||
إن دخول الجنة فوز عظيم لا يمكن أن ينال بالأعمال الصالحة فقط، وإنما ينال برحمة الله تعالى على عباده المؤمنين وفضله، لا من حيث الواجب لأنه لا واجب على الله تعالى، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدخله عمله الجنة) فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، ٤/٢١٦٩، رقم ٢٨١٦.</ref>. | |||
ولا يتعارض هذا مع الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الزخرف، الآية 72.</ref>. | |||
وقوله تعالى:{{ نص قرآني |أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية 14.</ref>. | |||
لذلك لا بد لدخول الجنة من أعمال صالحة. | |||
وتتفاوت درجات الجنة بحسب الأعمال، ويتنافس العباد في ذلك على قدر سعيهم وهمتهم للوصول إلى جنات الخلد، وتحدث القرآن الكريم عن ذلك في آيات كثيرة، وهذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط الآتية: | |||
===الإيمان والعمل الصالح=== | |||
إن دوام الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من ذلك وبشره بها كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 82.</ref>. أي: «وأما الذين صدقوا الله ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال فأدّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي فأولئك جديرون بدخول الجنة جزاء وفاقًا على إخباتهم لربهم وإنابتهم إليه وإخلاصهم له في السرّ والعلن، وفي هذا دليل على أن دخول الجنة منوط بالإيمان الصحيح والعمل الصالح معًا» <ref>تفسير المراغي، ١/١٥٤.</ref>. | |||
كما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، ١/٦٥، رقم ٣٨.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}}<ref> سورة يونس، الآية 9.</ref>. أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، {{نص قرآني|وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}}، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره، {{نص قرآني|يَهْدِيهِمْ}}، يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٧.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }}، فيه وجوه منها: | |||
#أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابًا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }}<ref> سورة الحديد، الآية 12.</ref>. | |||
#إنّ المؤمنين يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة، والثالث: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم <ref>انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٢٤، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧/٢١٣.</ref>. | |||
قال الإمام الرازي: فإن قيل: كيف يقال: إن العبد يحكم بكونه من أهل الجنة بمجرد الإيمان، والله سبحانه وتعالى شرط لذلك العمل الصالح بظاهر قوله: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }}<ref> سورة النساء، الآية 122.</ref>. | |||
وقوله: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}}<ref> سورة النساء، الآية 124.</ref>. | |||
وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الايمان، وقيل الثبات عليه إلى الموت، وكلاهما شرط في كون الإيمان سببًا لدخول الجنة <ref>انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، زين الدين الرازي، ص٨٦.</ref>. | |||
ويتضح مما تقدم: أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب دخول الجنة، فبعض الآيات الكريمة تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين دخول الجنة، فكانت لهم جنات النعيم. | |||
=== طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم=== | |||
إن من موجبات دخول الجنة طاعة الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة النساء، الآية 13.</ref>. | |||
«وطاعة الله: هي ما شرعه من الدين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول: هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة: {{ نص قرآني |مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}}<ref> سورة النساء، الآية 80.</ref>. | |||
فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للإشارة إلى أن الإنسان لا يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، وأنه لا بد له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عصر من العصور كافيًا لهداية أمة ولا مرقِّيًا لها بدون معونة الدين، فاتباع الرسل والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل» <ref>تفسير المراغي، ٤/٢٠٢.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}}<ref> سورة النساء، الآية 69.</ref>. أي: «من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {{نص قرآني|وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}}» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/٣٥٣.</ref>. | |||
وعلى ذلك يترتب على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم دخول الجنة والخلود فيها، كما يترتب على معصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم دخول النار والعذاب المهين، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة النساء، الآية 14.</ref>. | |||
=== التقوى=== | |||
إن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة من الله تعالى لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}}<ref> سورة يس، الآية 45.</ref>. | |||
فالمتقين هم أحق الناس بالجنة، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}}<ref> سورة القلم، الآية 34.</ref>. أي: «إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨/٢٤٦.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا}}<ref> سورة مريم، الآية 63.</ref>. | |||
قال ابن كثير رحمه الله: «أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى {{ نص قرآني |قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية 1-11.</ref>. <ref>تفسير القرآن العظيم، ٥/٢٤٨.</ref> | |||
وتصف الآيات الكريمة كيف يدخل المتقين إلى الجنة وفدًا كما قال تعالى: {{ نص قرآني |يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}}<ref> سورة مريم، الآية 85.</ref>. «أي اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى جنته وفدًا أي جماعات، قال ابن عباس رضي الله عنه: ركبانًا، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: على الإبل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون-والله- على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها من الذهب، ونجائب، سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٣/١٩٧.</ref>. | |||
ويقرب الله تعالى إليهم الجنة إكرامًا لهم كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}}<ref> سورة ق، الآية 31.</ref>. أي: وأدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ثم قال عز وجل: غير بعيد أي ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير بعيد، يعني: دخولهم غير بعيد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٣٦٣، تفسير السمرقندي، ٣/٣٣٧.</ref>. | |||
ثم يصف الله تعالى في آياته الكريمة ما أعده لعباده المتقين من نعيم وذلك في قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا}}<ref> سورة النبأ، الآية 31-36.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 133.</ref>. | |||
ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة التقوى وأن محلها القلوب بقوله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا}} ويشير إلى صدره ثلاث مرات <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، ٤/١٩٨٦، رقم ٢٥٦٤.</ref>. | |||
ومما تقدم يتبين أن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة، ولا يمكن أن يكون المؤمن تقيًّا إلا إذا اتبع أوامر الله تعالى واجتنب كل نواهيه، عندها ينال رحمة الله تعالى الموجبة لدخول الجنة. | |||
=== الاستقامة على دين الله=== | |||
إن من استقام على دين الله فإن الملائكة تنزل عليه وتبشره بالجنة، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}}<ref> سورة فصلت، الآية 30.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية 14.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}}، اعترافًا بربوبيته وإقرارًا بوحدانيته، {{نص قرآني| ثُمَّ اسْتَقَامُوا }} في العمل وثمّ لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها، {{نص قرآني| تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ }} فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت، أو الخروج من القبر، {{نص قرآني| أَلَّا تَخَافُوا }} ما تقدمون عليه. ولا تحزنوا على ما خلفتم، {{نص قرآني| وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}} في الدنيا على لسان الرسل <ref>انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/٧١.</ref>. | |||
وعلى ذلك فالاستقامة على دين الله تعالى تعني: الالتزام بطاعته والائتمار بأوامره والبعد عن معصيته، وهي سبب من أسباب دخول الجنة والنجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الآخرة، فمن استقام على دين الله تعالى نجى وفاز بالجنة، وللاستقامة أسباب منها: الصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. | |||
=== الإحسان في العبادة=== | |||
إن الإحسان هو مراقبة الله تعالى في العبادة، وأن يعبد المرء الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وعظم الله تعالى ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: {{ نص قرآني | وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 195.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 128.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}}<ref> سورة لقمان، الآية 22.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}}<ref> سورة يونس، الآية 26.</ref>. | |||
والإحسان من أفضل مراتب العبودية وكمالها لذلك قال تعالى: {{ نص قرآني |هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}}<ref> سورة الرحمن، الآية 60.</ref>. أي: «ما جزاء من أحسن في الدنيا بطاعة الله تعالى إلا الإحسان إليه في الآخرة بالجنة ونعيمها» <ref>الوجيز، الواحدي، ص١٠٥٦.</ref>. | |||
وفسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل لما قال له: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام، رقم ٨، ١/٣٦.</ref>. | |||
قال القاضي عياض: «وقوله: (ما الإحسان)، وفسره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر والإعلان، وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه» <ref>إكمال المعلم بفوائد مسلم، ١/٢٠٥.</ref>. | |||
وإن من موجبات دخول الجنة أن يكون المؤمن محسنًا لذلك وصف الله تعالى المحسنين بقوله تعالى: {{ نص قرآني |آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ }}<ref> سورة الذاريات، الآية 16-19.</ref>. | |||
«أي إنهم كانوا فى دار الدنيا يفعلون صالح الأعمال، خشية من ربهم وطلبًا لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز العظيم، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون ويرجون» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.</ref>. | |||
ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: {{نص قرآني| كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }}، أي كانوا ينامون القليل من الليل ويتهجدون في معظمه، قال ابن عباس: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا؛ إلا يصلون فيها شيئًا إما من أولها أو من وسطها، وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى السحر. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، (گ گ گ)، أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا فى الاستغفار، كأنهم أسلفوا فى ليلهم الجرائم، ولما ذكر أنهم يقيمون الصلاة ثنى بوصفهم بأداء الزكاة والبر بالفقراء فقال: (ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ)، أي وجعلوا فى أموالهم جزءًا معينًا ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه<ref>تفسير المراغي، ٢٦/١٧٩.</ref>. | |||
=== الجهاد في سبيل الله تعالى=== | |||
جعل الله تعالى الجنة ثمنًا لمن جاهد في سبيله بنفسه وأمواله جزاءً له على إيمانه وإخلاصه في طاعة الله ورسوله؛ لذلك قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}}<ref> سورة التوبة، الآية 111.</ref>. | |||
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم» <ref>تفسير القرآن العظيم، ٤/٢١٨.</ref>. | |||
وفي الآية: ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد، عاقده رب العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضًا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلًا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك، وجعل وعده حقًّا ولا أحد أوفى من واعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلة، صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يقاتلون إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلم: {{نص حديث|الجنة تحت ظلال السيوف}}<ref>انظر: روح المعاني، الألوسي، ٦/٢٧.</ref>. | |||
قال الجصاص: «أطلق الشرى فيه على طريق المجاز؛ لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك، والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى: {{ نص قرآني |مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 245.</ref>. | |||
فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضًا لضمان الثواب فيهما به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبًا فيه» <ref>أحكام القرآن، الجصاص، ٢/٢٦٨.</ref>. | |||
وتصور الآية الكريمة كل أطراف البيع والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله، والثمن الجنة، ومن رحمة الله أن جعل الله الإنسان مالكًا لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو المالك الحقيقي للأنفس والأموال، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكًا وبائعًا وقابضًا للثمن، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في الحياة، بدلًا من تصوير الغيب المستور <ref>انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، ١/١١٣.</ref>. | |||
ويتبين مما مضى أن الجهاد في سبيل الله تعالى سبب من أسباب دخول الجنة، وأن من جاهد في سبيل الله تعالى فجزاؤه الجنة التي وعده الله تعالى بها؛ لأنه باع نفسه وماله ليقاتل في سبيل الله تعالى. | |||
=== الصبر على الابتلاء=== | |||
إن طلب الجنة ودخولها لا يتم ولا يكمل إلا بالصبر على الابتلاء واحتمال الشدائد في التكليف وإقامة الحق؛ لذلك قال تعالى: {{ نص قرآني |أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 214.</ref>. أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم أي ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معليهم على عدوّهم، ومظهرهم عليه، فنجّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٤/٢٨٨.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 142.</ref>. | |||
وقوله: {{نص قرآني| وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}}}}: «يعني الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه» <ref>جامع البيان، الطبري، ٧/٢٤٦</ref>.. | |||
وتحث هذه الآيات الكريمة المؤمنين على الصبر عند الابتلاء، وتدعوهم إلى الثبات والتحمل بذكر قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والسابقين، وما يلقّى الأعمال الصالحة وجزاءها إلا أهل الصبر، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}}<ref> سورة فصلت، الآية 35.</ref>. | |||
وبشر الله تعالى الصابرين بمضاعفة الأجر بقوله تعالى: {{ نص قرآني |أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية 54.</ref>. | |||
وزاد على ذلك بأجر لا حد له بقوله تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}}<ref> سورة الزمر، الآية 10.</ref>. | |||
وورد الصبر في السنة أيضًا في أحاديث متعددة، منها: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {{نص حديث|ولن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله تعالى، ٨/٩٩، رقم ٦٤٧٠.</ref>. | |||
وبشر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من ذهب بصره، ٧/١١٦، رقم ٥٦٥٣.</ref>. | |||
فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول الجنة، فلا يمكن دخول الجنة إلا بالصبر على المكاره وعند الشدائد والمصائب، وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي، والصبر على طاعة الله تعالى فكل ذلك يؤدي إلى الجنة. | |||
=== الإخبات=== | |||
ذكر الله تعالى في آياته الكريم صفة من صفات أهل الجنة وهي الإخبات فقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة هود، الآية 23.</ref>. | |||
أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا فى الدنيا الأعمال الصالحة، فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات، وخشعت نفوسهم واطمأنت إلى ربهم أولئك هم قطّان <ref>قطن بالمكان يقطن: أي أقام به وتوطنه، فهو قاطن، والجمع قطان. انظر: الصحاح، الجوهري، ٦/٢١٨٢.</ref> الجنة الذين لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم ما كثون فيها أبدًا <ref>تفسير المراغي، ١٢/٢٣.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ }} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، وهو قول ابن عباس، الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد، الثالث: أنابوا، وهو قول قتادة، الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر، الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٢٨٩، ٢٩٠، النكت والعيون، الماوردي، ٢/٤٦٥.</ref>. | |||
وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرّجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال الله تعالى: {{نص قرآني|وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ }}. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}}<ref> سورة الحج، الآية 34.</ref>. أي: المتواضعين، نحو: {{ نص قرآني |لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 206.</ref>. | |||
وقوله تعالى: {{ نص قرآني |فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}}<ref> سورة الحج، الآية 54.</ref>، أي: تلين وتخشع221. | |||
وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه. | |||
وقد بشر الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: {{ نص قرآني | وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }}<ref> سورة الحج، الآية 34-35.</ref>. | |||
أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال: | |||
#{{نص قرآني|الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }}، أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه. | |||
#{{نص قرآني|وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ }}، من النوائب والمحن فى طاعة الله. | |||
#{{نص قرآني|وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ }}، أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة فى الأوقات التي حددها لهم. | |||
#{{نص قرآني|وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }}، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق فى وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون فى أثمانها <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٢١.</ref>. | |||
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | ||