الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

سطر ٦٥٨: سطر ٦٥٨:
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة.
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة.


==من حرّم عليه الجنة==
لقد ذكر القرآن الكريم الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك أصنافًا حرمت من الجنة وهم كثير، وجاءت النصوص بشأنهم من الكتاب والسنة، منها ما يأتي:
===إبليس===
وهو اسم أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته223، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له أبدًا دخولها، وسبب حرمانه منها، عصيانه لأمر الله تعالى حين أمره بالسجود لآدم فأبى واستكبر، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  34.</ref>. أي: «امتنع عما أمر به، استكبارًا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/٧١.</ref>.
فأمر الله تعالى إبليس بأن يهبط من الجنة إلى الأرض في قوله تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  13.</ref>.
لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن يتكبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة ذليلًا حقيرًا كما قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  18.</ref>.
=== الكافرون===
وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  116.</ref>.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }}<ref>  سورة النساء، الآية  168-169.</ref>. أي: «الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إن عجّلها لهم فيها» <ref>جامع البيان، الطبري، ٧/١٣٣.</ref>.
وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.
=== المبتغون غير الإسلام دينًا===
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  85.</ref>. أي: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه وهو في الآخرة من الخاسرين، أي: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل، بإبطال الفطرة السليمة التى فطر الناس عليها، وترك منزله في الجنة، واختار منزله في النار  <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/٥٧٠، تفسير السمرقندي، ١/٢٢٨، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/٢٦.</ref>.
===المنافقون===
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}}<ref>  سورة التوبة، الآية  68.</ref>.
«أي وعد الله هؤلاء جميعًا نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبدًا، وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب»  <ref>تفسير المراغي، ١٠/١٥٧.</ref>.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |شِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  138.</ref>.
وبعد ما وعدهم الله تعالى بنار جهنم وبشرهم بالعذاب الأليم بين الله تعالى مكانهم من تلك النار فقال: {{ نص قرآني |إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  145.</ref>. أي: «في الطّبق الأسفل من أطباق جهنم» <ref>جامع البيان، الطبري، ٩/٣٣٧.</ref>.
قال الزمخشري: «الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، فإن قلت: لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟ قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم»<ref>الكشاف، الزمخشري، ١/٥٨١.</ref>.
=== أكلة أموال اليتامى===
قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  10.</ref>.
قال الإمام الرازي: «إنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلمًا، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: {{ نص قرآني |وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  2.</ref>.
{{ نص قرآني |وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  9.</ref>.
ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٩/٥٠٦.</ref>.
===المتكبرون===
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  36.</ref>. أي: «إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسدًا له على الرياسة وتفضيلًا لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها أبدًا» <ref>تفسير المراغي، ٨/١٤٦.</ref>.
وإنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب وكل كافر مستكبر، إنما كذب وكفر تكبرًا، {{ نص قرآني |إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}}<ref>  سورة الصافات، الآية  35.</ref>. أي: استكبروا عن الإقرار بالوحدانية أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون <ref>تفسير القرآن، السمعاني، ٢/١٧٩.</ref>.
والاستكبار في الآية الكريمة عن قبول الآيات ورفضها كبرًا وعنادًا لمن جاء بها كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن يكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم إمامًا لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه، لأنهم أكثر منه مالًا وأعز نفرًا.
وجاء في الحديث الصحيح عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مستكبر)، وفي رواية لمسلم: (كل جواظ زنيم متكبر) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الكبر، ٨/٢٠، رقم ٦٠٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/٢١٩٠، رقم ٢٨٥٣.</ref>.
قال الإمام النووي: أما العتل: فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل الجافي الفظ الغليظ، وأما الجوّاظ: فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل: الفاخر، وأما الزنيم فهو الدعي في النسب الملصق بالقوم وليس منهم، شبه بزنمة الشاة، وأما المتكبر والمستكبر فهو صاحب الكبر وهو بطر الحق وغمط الناس <ref>انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١٧/١٨٨.</ref>.
والمتأمل في القرآن الكريم والسنة والنبوية يجد كثيرًا من أصناف الناس من حرم الجنة، وما ذكرناه ما هو إلا بعضًا منها، والنصوص كثيرة في صفات أهل النار، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أشخاصًا بأعيانهم في النار، منهم على وجه الإيجاز: قارون وفرعون وهامان، وامرأة نوح وامرأة لوط عليهما الصلاة والسلام، وأبو لهب وامرأته، وغيرهم.
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
٢٦٬٨٢١

تعديل