الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الاستئثار»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ١٢: | سطر ١٢: | ||
==الاستئثار في الحديث== | ==الاستئثار في الحديث== | ||
لم ينحت [[الحديث ]][[الإسلامي]] مجالاً استعماليا جديدا لمفردة الاستئثار، بل دأب على استعمالها في معناها اللغوي نفسه. | لم ينحت [[الحديث ]][[الإسلامي]] مجالاً استعماليا جديدا لمفردة الاستئثار، بل دأب على استعمالها في معناها اللغوي نفسه. | ||
نعرض فيما يلي خلاصة مكثّفة وممنهجة للعناوين الأساسية التي ورد فيها الحديث عن هذا الموضوع الأخلاقي ذي البُعدين [[السياسي]] والاجتماعي، ممّا جاء عن المعصومين | نعرض فيما يلي خلاصة مكثّفة وممنهجة للعناوين الأساسية التي ورد فيها الحديث عن هذا الموضوع الأخلاقي ذي البُعدين [[السياسي]] والاجتماعي، ممّا جاء عن المعصومين{{عم}}.<ref>محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٤.</ref> | ||
==أنواع الاستئثار== | ==أنواع الاستئثار== | ||
| سطر ٣٨: | سطر ٣٨: | ||
بيد أنّ هذا [[القدر]] في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ [[الحرص]] ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس، والاستخفاف بمكارم الأخلاق ؟ | بيد أنّ هذا [[القدر]] في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ [[الحرص]] ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس، والاستخفاف بمكارم الأخلاق ؟ | ||
إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه، يتمثّل بالأنانية وغياب [[الإيمان]] أو ضعفه، فإذا [[عجز]] الإيمان عن استيعاب [[الغرور]] والأنانية الذاتية عند [[الإنسان]] ولم ينجح بهضمها وتوجيهها، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن [[إنسان]] أناني مغرور، لا يعيش إلّا ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به، وبتعبير [[الإمام عليّ]] | إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه، يتمثّل بالأنانية وغياب [[الإيمان]] أو ضعفه، فإذا [[عجز]] الإيمان عن استيعاب [[الغرور]] والأنانية الذاتية عند [[الإنسان]] ولم ينجح بهضمها وتوجيهها، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن [[إنسان]] أناني مغرور، لا يعيش إلّا ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به، وبتعبير [[الإمام عليّ]]{{ع}}: {{نص حديث|مَن مَلَكَ استَأثَرَ}}<ref>نهج البلاغة: الحكمة ١٦٠، الأمالي للمفيد: ص ١٨٩ ح ١٥، الأمالي للطوسي: ص ٢٢٩ ح ٤٠٤ كلاهما عن رفاعة بن موسى عن الإمام الصادق {{ع}}، بحار الأنوار: ج ١٣ ص ٣٥٧ ح ٦٢ ؛ شُعب الإيمان: ج ٢ ص ٣١١ ح ١٩١٠ عن أبي وائل وراجع: تحف العقول: ص ٨ والمعجم الكبير: ج ٥ ص ٢٤ ح ٤٤٧٧.</ref> | ||
هذا [[التعليل]] هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان [[حقوق الناس]]، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم [[السلطة]] هو الاستئثار والفردية. | هذا [[التعليل]] هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان [[حقوق الناس]]، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم [[السلطة]] هو الاستئثار والفردية. | ||
| سطر ٥٠: | سطر ٥٠: | ||
==مواجهة الاستئثار== | ==مواجهة الاستئثار== | ||
لقد بذل [[رسول الله]] {{صل}} في عهد نبوّته والإمام عليّ | لقد بذل [[رسول الله]] {{صل}} في عهد نبوّته والإمام عليّ{{ع}} أيّام حُكمه، قصارى جهودهما للحؤول دون بروز الاستئثار والفردية والاستبداد بين [[قادة]] [[النظام الإسلامي]] الجديد، وبذلا ما بوسعهما لوأد هذه الخصلة الخطيرة المدمّرة، حتى بلغ من حرص نبيّ الله {{صل}} على محاصرة هذه الآفة الخطيرة، أنّه كان يتحرّز عن كلّ ما يمكن أن تفوح منه رائحة هذه الخصلة الذميمة، حتّى أنّه لم يكن يسمح لأحد أن يقدّمه على نفسه في شيء. | ||
من الأمثلة البليغة الدالّة على سعي النبيّ لمكافحة هذه الآفة واجتثاث أدنى ما يمكن أن يمتّ إليها بصلة، رفض النبيّ {{صل}} أن يتناول من رجل شسعا من نعله قدّمه إليه، بعد أن انقطع شِسْعُهُ {{صل}} وهو يطوف بالبيت، قائلاً في جوابه: {{نص حديث|هذِهِ أثَرَةٌ، ولا أقبَلُ أثَرَةً}} | من الأمثلة البليغة الدالّة على سعي النبيّ لمكافحة هذه الآفة واجتثاث أدنى ما يمكن أن يمتّ إليها بصلة، رفض النبيّ {{صل}} أن يتناول من رجل شسعا من نعله قدّمه إليه، بعد أن انقطع شِسْعُهُ {{صل}} وهو يطوف بالبيت، قائلاً في جوابه: {{نص حديث|هذِهِ أثَرَةٌ، ولا أقبَلُ أثَرَةً}} | ||
| سطر ٨٨: | سطر ٨٨: | ||
على هذا، يمكن القول إنّ جماعة برزت تحت عنوان المحدّثين والفقهاء أسدت ـ عن علم منها أو [[جهل]] ـ أكبر خدمة وأنفذها نفعا للحكّام الطغاة الذين مارسوا [[حكم]] المسلمين باسم الإسلام وأنهكوا كيان الإسلام الأصيل بضربات عنيفة موجعة حالت دون دوام [[الحكومة الإسلامية]] ؛ وذلك عبر ما قامت به تلك الجماعة من المحدّثين والفقهاء من فصل للدين عن السياسة، وما أشاعته فتاواها والأحاديث التي بثّتها من مناخات منعت الجماهير المسلمة من [[الثورة]] لأجل إحقاق حقوقها وضمان حاكمية الإسلام الأصيل في [[المجتمع]]. | على هذا، يمكن القول إنّ جماعة برزت تحت عنوان المحدّثين والفقهاء أسدت ـ عن علم منها أو [[جهل]] ـ أكبر خدمة وأنفذها نفعا للحكّام الطغاة الذين مارسوا [[حكم]] المسلمين باسم الإسلام وأنهكوا كيان الإسلام الأصيل بضربات عنيفة موجعة حالت دون دوام [[الحكومة الإسلامية]] ؛ وذلك عبر ما قامت به تلك الجماعة من المحدّثين والفقهاء من فصل للدين عن السياسة، وما أشاعته فتاواها والأحاديث التي بثّتها من مناخات منعت الجماهير المسلمة من [[الثورة]] لأجل إحقاق حقوقها وضمان حاكمية الإسلام الأصيل في [[المجتمع]]. | ||
لذلك لم يكن غريبا ما كتبه [[الإمام | لذلك لم يكن غريبا ما كتبه [[الإمام عليّربنرالحسين]]{{ع}} من لغة حادّة في [[رسالة]] نصيحة بعث بها إلى واحد من هذا النمط من [[العلماء]] وهو [[محمّد بن مسلم الزهري]]، خاطبه فيها بقوله: {{نص حديث|فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزَرائِهِم ولا أقوى أعوانِهِم، إلّا دونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم وَاختِلافِ الخاصَّةِ وَالعامَّةِ إلَيهِم!}}<ref>تحف العقول: ص ٢٧٦، بحار الأنوار: ج ٧٨ ص ١٣٢ ح ٢.</ref> | ||
أ وبعد ذلك يجوز للعقل أن يذعن بأنّ خاتم [[أنبياء الله]] والحلقة الأخيرة في قافلة المرسلين، الذي أنبأ بأنّ دينه يظهر على [[الأديان]] كلّها وتكون له الغلبة على العالَم حتّى [[قيام الساعة]]، قد أمر اُمّته أن تلتزم منهاج [[الصبر]] والصمت ضدّ الأشخاص الذين استهدفوا الإطاحة بالمرتكز الأساسي والاُسّ الركين الذي تقوم عليه [[الفلسفة]] الاجتماعية للديانة متمثّلاً بالقيام بالقسط، ليكون بذلك قد وضع بيده عوامل الانهيار التي تقوّض أركان دينه وتنشب في كيانه أظفار المنية؟ [[الحقيقة]] أنّ العكس هو الصحيح، فقد نفى {{صل}} انتساب مثل هذه [[الأحاديث]] إليه التي تأباها [[فطرة]] [[القلوب]] وينفر منها [[الفكر]]، وبهذا المعيار الراكز حذّر المسلمين من أنّه لا ينطق بمثل هذا [[الكلام]] ولا يحدّث بحديث كهذا. | أ وبعد ذلك يجوز للعقل أن يذعن بأنّ خاتم [[أنبياء الله]] والحلقة الأخيرة في قافلة المرسلين، الذي أنبأ بأنّ دينه يظهر على [[الأديان]] كلّها وتكون له الغلبة على العالَم حتّى [[قيام الساعة]]، قد أمر اُمّته أن تلتزم منهاج [[الصبر]] والصمت ضدّ الأشخاص الذين استهدفوا الإطاحة بالمرتكز الأساسي والاُسّ الركين الذي تقوم عليه [[الفلسفة]] الاجتماعية للديانة متمثّلاً بالقيام بالقسط، ليكون بذلك قد وضع بيده عوامل الانهيار التي تقوّض أركان دينه وتنشب في كيانه أظفار المنية؟ [[الحقيقة]] أنّ العكس هو الصحيح، فقد نفى {{صل}} انتساب مثل هذه [[الأحاديث]] إليه التي تأباها [[فطرة]] [[القلوب]] وينفر منها [[الفكر]]، وبهذا المعيار الراكز حذّر المسلمين من أنّه لا ينطق بمثل هذا [[الكلام]] ولا يحدّث بحديث كهذا. | ||
| سطر ١٠٨: | سطر ١٠٨: | ||
#لقد جاءت أحاديث الصبر على الاستئثار مطلقة، ولهذا لم تأت فتاوى [[الفقهاء]] الذين آمنوا بها مقيّدة بعدم القدرة كما مرّت نصوصها سلفا، وإنّما أفتى هؤلاء بحرمة القيام بوجه أئمّة [[الجور]] مطلقا، وذهبوا إلى عدم مناجزة هؤلاء الحكّام على كلّ حال. | #لقد جاءت أحاديث الصبر على الاستئثار مطلقة، ولهذا لم تأت فتاوى [[الفقهاء]] الذين آمنوا بها مقيّدة بعدم القدرة كما مرّت نصوصها سلفا، وإنّما أفتى هؤلاء بحرمة القيام بوجه أئمّة [[الجور]] مطلقا، وذهبوا إلى عدم مناجزة هؤلاء الحكّام على كلّ حال. | ||
#تكتسب [[أحكام]] التقية معناها في نطاق موضوعها فحسب، على حين نجد أنّ [[الأحاديث]] المذكورة تنهى المسلمين عن المواجهة حتّى [[قيام الساعة]]. | #تكتسب [[أحكام]] التقية معناها في نطاق موضوعها فحسب، على حين نجد أنّ [[الأحاديث]] المذكورة تنهى المسلمين عن المواجهة حتّى [[قيام الساعة]]. | ||
#إنّما تكون التقية مشروعة للحفاظ على أساس [[الدين]] وأصله، أمّا في المواطن التي تهدّد فيها التقية [[أصل الدين]] وأساسه وفلسفته فهي [[حرام]]، كما قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ فِي اُمَّتي فَليُظهِرِ العالِمُ عِلمَهُ فَمَن لَم يَفعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ}}<ref>الكافي: ج ١ ص ٥٤ ح ٢، منية المريد: ص ١٨٧، دعائم الإسلام: ج ١ ص ٢، الغيبة للطوسي: ص ٦٤ ح ٦٦، عيون أخبار الرضا {{ع}}: ج ١ ص ١١٣ ح ٢ كلاهما عن يونس بن عبد الرحمن عن الصادقين | #إنّما تكون التقية مشروعة للحفاظ على أساس [[الدين]] وأصله، أمّا في المواطن التي تهدّد فيها التقية [[أصل الدين]] وأساسه وفلسفته فهي [[حرام]]، كما قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ فِي اُمَّتي فَليُظهِرِ العالِمُ عِلمَهُ فَمَن لَم يَفعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ}}<ref>الكافي: ج ١ ص ٥٤ ح ٢، منية المريد: ص ١٨٧، دعائم الإسلام: ج ١ ص ٢، الغيبة للطوسي: ص ٦٤ ح ٦٦، عيون أخبار الرضا {{ع}}: ج ١ ص ١١٣ ح ٢ كلاهما عن [[يونس بن عبد الرحمن]] عن الصادقين عليهما السلام وفيهما «سُلب نور الإيمان» بدل «فعليه لعنة الله»، بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٢٣٤.</ref>.<ref>محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٧٤-١٧٥.</ref> | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||