الاستئثار
التعريف
المعنى اللغوي
الاستئثار مصدر من الجذر «أثَرَ» في مقابل الإيثار، وهو: بمعنى تقديم الإنسان نفسه أو ذويه وقرابته وأتباعه وأنصاره على الآخرين، في تأمين الاحتياجات والمتطلّبات. وقد تُستخدم هذه المفردة أحيانا على اختصاص النفس على سبيل الحكمة وليس على أساس الحاجة.
يقول الخليل: اِستَأثَرتُ عَلى فُلانٍ بِكَذا وكَذا، أي آثَرتُ بِهِ نَفسي عَلَيهِ دونَهُ.[١]
وفي لسان العرب: اِستَأثَرَ بِالشَّيءِ عَلى غَيرِهِ: خَصَّ بِهِ نَفسَهُ وَاستَبَدَّ بِهِ.[٢]
و«الأثَرَة» هي بمعنى الاستئثار أيضا، ولذا كتب ابن الأثير في الحديث المنسوب إلى النبيّ (ص): «سَتَلقَونَ بَعدي أثَرَةً»[٣] ما نصّه: الأثَرَةُ ـ بِفَتحِ الهَمزَةِ وَالثّاءِ ـ الاِسمُ مِن آثَرَ يُؤثِرُ إيثارا إذا أعطى، أرادَ أنَّهُ يُستَأثَرُ عَلَيكُم فَيُفَضَّلُ غَيرُكُم في نَصيبِهِ مِنَ الفَيءِ. وَالاستِئثارُ: الاِنفِرادُ بِالشَّيءِ.[٤].[٥]
الاستئثار في الحديث
لم ينحت الحديث الإسلامي مجالاً استعماليا جديدا لمفردة الاستئثار، بل دأب على استعمالها في معناها اللغوي نفسه. نعرض فيما يلي خلاصة مكثّفة وممنهجة للعناوين الأساسية التي ورد فيها الحديث عن هذا الموضوع الأخلاقي ذي البُعدين السياسي والاجتماعي، ممّا جاء عن المعصومين(ع).[٦]
أنواع الاستئثار
ينقسم الاستئثار من منظور الأحاديث الإسلامية، إلى قسمين:
- الاستئثار المحمود.
- الاستئثار المذموم.
الاستئثار المحمود
هو عبارة عن الانفراد بالشيء على أساس الحقّ والحكمة، كاستئثار الله سبحانه بعض العلوم لذاته، على ما جاء في النصّ التالي المرويّ عن الإمام الصادق (ع): «إنَّ لِلّهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ عِلمَينِ: عِلما أظهَرَ عَلَيهِ مَلائِكَتَهُ وأنبِياءَهُ ورُسُلَهُ... وعِلما استَأثَرَ بِهِ»[٧]
عن هذا الضرب من الاستئثار المحمود قال الإمام الصادق (ع)، أيضاً: «إنَّ اسمَ اللهِ الأَعظَمَ عَلى ثَلاثَةٍ وسَبعينَ حَرفا، وإنَّما كانَ عِندَ آصِفَ مِنها حَرفٌ واحدٌ... ونَحنُ عِندَنا مِنَ الاِسمِ الأَعظَمِ اثنانِ وسَبعونَ، وحرفٌ واحِدٌ عِندَ اللهِ تَعالَى استَأثَرَ بِهِ في عِلمِ الغَيبِ عِندَهُ»[٨] كما يدخل في عداد الاستئثار الممدوح ما يخصّ به الإنسان نفسه أو ذويه وقرابته من أمواله الشخصية، على ما مرّت إليه الإشارة في آداب الإيثار.
على نحو عامّ يمكن الخروج بقاعدة كلّية تفيد بأ نّه كلّما كان اختصاص الإنسان نفسه أو ذويه خاضعا لمعيار الحقّ وقائما على أساس موازين الحكمة والعقل، فإنّ مثل هذا الاستئثار يعدّ استئثارا محمودا.
الاستئثار المذموم
هو عبارة عن اختصاص الإنسان نفسه وذويه وقرابته وانفراده باُمور تأتي مخالفة لموازين المنطق والعقل والفطرة، وهذا الضرب من الاستئثار ينقسم بدوره إلى قسمين، هما:
- الاستئثار الذي لا يعدّ تجاوزا على حقوق الآخرين، وإنّما يتمثّل في أنّه ممارسة مناهضة للإيثار كقيمة أخلاقية وحسب.
- الاستئثار الذي يتخطّى حدود مناهضة الدائرة الأخلاقية، ليمثّل بالإضافة إلى ذلك تجاوزا على حقوق الآخرين.
تتركّز أحاديث هذا القسم ورواياته على الاستئثار المذموم، وإنّ أغلبها ينصبّ على النوع الثاني منه الذي يعني اختصاص النفس والقرابة المقترن بالتجاوز على حقوق الآخرين، على هذا الضوء يتركّز ما سنذكره عن الاستئثار فيما بعد، على الاستئثار المذموم، وبخاصّة القسم الثاني منه.[٩]
أسباب الاستئثار
تنتهي عملية تحليل ظاهرة الاستئثار وتقصّي جذورها ومعرفة مناشئها بالرُّسوّ على عدد من الأسباب، تقف تماما في الجهة المقابلة للإيثار. وهذه الأسباب، هي:
بيد أنّ هذا القدر في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ الحرص ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس، والاستخفاف بمكارم الأخلاق ؟
إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه، يتمثّل بالأنانية وغياب الإيمان أو ضعفه، فإذا عجز الإيمان عن استيعاب الغرور والأنانية الذاتية عند الإنسان ولم ينجح بهضمها وتوجيهها، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن إنسان أناني مغرور، لا يعيش إلّا ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به، وبتعبير الإمام عليّ(ع): «مَن مَلَكَ استَأثَرَ»[١٠]
هذا التعليل هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان حقوق الناس، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم السلطة هو الاستئثار والفردية.
على ضوء هذه الحصيلة يمكن القول بأنّ جميع ضروب الاستئثار والفردية التي برزت في التاريخ الإسلامي ممّا كان النبيّ (ص) قد تنبّأ به وأخبر عن وقوعه ؛ قد اكتسبت في مضمونها هوية مادّية ومنحىً مناهضا للدين، برغم شعاراتها الدينية وتواريها خلف اسم الدين.[١١]
خطر الاستئثار
يعدّ الاستئثار من أخطر الخصال التي تفتك بالقيم وتدمّرها، فتبعاته المخرّبة لا تقتصر على انحطاط الأخلاق فحسب، بل تجرّ إلى الفساد الاجتماعي والسياسي، وبالتالي سقوط الدول وانهيار الحكومات. نقرأ في الحِكَم المنسوبة للإمام عليّ (ع): «الاِستِئثارُ يوجِبُ الحَسَدَ، وَالحَسَدُ يوجِبُ البِغضَةَ، والبِغضَةُ توجِبُ الاِختِلافَ، وَالاِختِلافُ يوجِبُ الفُرقَةَ، وَالفُرقَةُ توجِبُ الضَّعفَ، وَالضَّعفُ يوجِبُ الذُّلَّ، وَالذُّلُّ يوجِبُ زَوالَ الدَّولَةِ وذَهابَ النِّعمَةِ»[١٢]
تنتهي عملية دراسة تاريخ الإسلام وتحليله على نحو دقيق، وكذلك تقصّي علل انحطاط الاُمّة الإسلامية وعوامل اُفول نجمها إلى أنّ استئثار عدد من الحكّام وأثَرتهم وفرديتهم، أدّى إلى إلحاق أضرار ماحقة بحركة هذا الدين وقلّصت من نفوذه وامتداده..[١٣]
مواجهة الاستئثار
لقد بذل رسول الله (ص) في عهد نبوّته والإمام عليّ(ع) أيّام حُكمه، قصارى جهودهما للحؤول دون بروز الاستئثار والفردية والاستبداد بين قادة النظام الإسلامي الجديد، وبذلا ما بوسعهما لوأد هذه الخصلة الخطيرة المدمّرة، حتى بلغ من حرص نبيّ الله (ص) على محاصرة هذه الآفة الخطيرة، أنّه كان يتحرّز عن كلّ ما يمكن أن تفوح منه رائحة هذه الخصلة الذميمة، حتّى أنّه لم يكن يسمح لأحد أن يقدّمه على نفسه في شيء.
من الأمثلة البليغة الدالّة على سعي النبيّ لمكافحة هذه الآفة واجتثاث أدنى ما يمكن أن يمتّ إليها بصلة، رفض النبيّ (ص) أن يتناول من رجل شسعا من نعله قدّمه إليه، بعد أن انقطع شِسْعُهُ (ص) وهو يطوف بالبيت، قائلاً في جوابه: «هذِهِ أثَرَةٌ، ولا أقبَلُ أثَرَةً» [١٤]
عندما ننتقل إلى حياة أهل بيت رسول الله ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ، نجدها تتألّق بسيرة لا ترفض الاستئثار والفردية وتصرّ على اجتنابهما فحسب، بل تسجّل إيثارهم بحقوقهم الخاصّة أيضاً.
من هنا يبدو أنّ دراسة السيرة العملية لهؤلاء الكرام والتعرّف عليها في مجال مكافحة الاستئثار وإيثار الآخرين مهمّة تربوية عاجلة حافلة بالعظات والعبر خاصّة للقادة والحاكمين.
لكن وا أسفاه! فقد تنكّب قادة الاُمّة الإسلامية عن هذا الصراط السويّ ولم يتّبعوا سيرة هؤلاء الكرام ولم يقتفوا منهاجهم، فكان المآل كما أخبر النبيّ (ص) وتنبّأ به إذ ابتُلي هؤلاء بالاستئثار، ونزل بالإسلام والمسلمين ما نزل بهما في وقائع التاريخ الفجيع !.[١٥]
تقويم أحاديث الصبر على الاستئثار
تضمّن الفصل الرابع من هذا القسم أحاديث أخبر فيها النبيّ (ص) عن وقوع آفة الاستئثار وظهورها في الاُمّة الإسلامية، وقد نَسبت هذه الأحاديث إلى النبيّ (ص) أنّه أمر الناس أن يصبروا لما يصيبهم من أثَرَة الاُمراء وأنّه لا يحقّ لهم الاعتراض على استبداد هؤلاء الحكّام وأثَرتهم، وإنّما عليهم الإذعان والصبر حتّى يوم القيامة!
ما توفّرنا على ذكره في هذا الفصل لا يزيد على أنّه نموذج لهذا النمط من الروايات فحسب، ومن يروم الاطّلاع على كلّ ما جاء بهذا الشأن فبمقدوره أن يراجعها في المصادر التي أشرنا إليها في الهوامش.
إنّ عملية تحليل هذه الأحاديث ونقدها وتقويمها تتطلّب المكوث عند نقاط كثيرة جديرة بالبحث والتأمّل، الأمر الذي يجعل عملية التقويم الكامل والاستيفاء النقدي الشامل لهذه الأحاديث رهنا بفرصة سانحة لا مجال لها هنا[١٦]، وإنّما نكتفي هنا بالإشارة إلى عدد من النقاط المهمّة نذكرها كما يلي:
فصل الدين عن السياسة
ممّا لا ريب فيه أنّ مقتضى الإذعان إلى الأحاديث التي تأمر المسلمين بالصبر على أثرة الحكّام والتسليم لظلمهم والانقياد لما يبرز منهم من استغلال وتغييب للعدالة، هو فصل الدين عن السياسة، لهذا تجد أنّ المحدّثين والفقهاء والذين آمنوا بهذه الأحاديث أفتوا بعدم جواز خروج المسلمين على حكّامهم مهما بلغ هؤلاء الحكّام من الإجحاف والظلم، وأنّه لا يحقّ لهم الاعتراض عليهم مهما بلغ الحال، ويحرم عليهم كسر إسار الطاعة لهؤلاء الحكّام وإن جاروا، وفيما يلي نقدّم عددا من الأمثلة التي تعكس هذا النمط من فتاوى هؤلاء وآرائهم: تولى المحدّث المعروف مسلم بن الحجّاج النيشابوري، جمع الأحاديث المذكورة في عدد من أبواب الإمارة من صحيحه.
وفيما يلي عناوين هذه الأبواب ـ بأرقامها في صحيحه ـ التي تعكس خلاصة فهمه وتمثّل في حقيقتها فتواه على هذا الصعيد:
(١١) باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم.
(١٢) باب في طاعة الاُمراء وإن منعوا الحقوق.
(١٣) باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كلّ حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة. [١٧]
في النطاق ذاته أفتى أحمد بن حنبل، بقوله: والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور، ولا يخرج على الاُمراء بالسيف وإن جاروا. [١٨]
قيل: «هذا هو المنقول عن أئمّة أهل السنة مالك والشافعي وأحمد وهو المشهور». [١٩]
جاء في شرح الموطّأ أنّ رأي مالك وجمهور أهل السنّة، هو: إذا ظلم الإمام فالطاعة أولى من الخروج. [٢٠]
يقول الباقلّاني: قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع [ الإمام ]بهذه الاُمور [بفسقه وظلمه، وبغصب الأموال وضرب الأشبار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ]ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله، واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظاهرة عن النبيّ (ص) وعن أصحابه في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال.[٢١]
وضع الدين في خدمة الساسة الفاسدين
لا شكّ في أنّ بروز هذا الضرب من الفتاوى في تاريخ الإسلام لم تقتصر تبعاته على فصل الدين عن السياسة، وإنّما دفع أيضا إلى أن يتحوّل الدين إلى وسيلة لخدمة الحكّام المنحرفين والقادة الفاسدين الذين تبوّؤوا السلطة باسم الدين وفعلوا كلّ ما أرادوه تحت غطاء الإسلام !
على هذا، يمكن القول إنّ جماعة برزت تحت عنوان المحدّثين والفقهاء أسدت ـ عن علم منها أو جهل ـ أكبر خدمة وأنفذها نفعا للحكّام الطغاة الذين مارسوا حكم المسلمين باسم الإسلام وأنهكوا كيان الإسلام الأصيل بضربات عنيفة موجعة حالت دون دوام الحكومة الإسلامية ؛ وذلك عبر ما قامت به تلك الجماعة من المحدّثين والفقهاء من فصل للدين عن السياسة، وما أشاعته فتاواها والأحاديث التي بثّتها من مناخات منعت الجماهير المسلمة من الثورة لأجل إحقاق حقوقها وضمان حاكمية الإسلام الأصيل في المجتمع.
لذلك لم يكن غريبا ما كتبه الإمام عليّربنرالحسين(ع) من لغة حادّة في رسالة نصيحة بعث بها إلى واحد من هذا النمط من العلماء وهو محمّد بن مسلم الزهري، خاطبه فيها بقوله: «فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزَرائِهِم ولا أقوى أعوانِهِم، إلّا دونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم وَاختِلافِ الخاصَّةِ وَالعامَّةِ إلَيهِم!»[٢٢]
أ وبعد ذلك يجوز للعقل أن يذعن بأنّ خاتم أنبياء الله والحلقة الأخيرة في قافلة المرسلين، الذي أنبأ بأنّ دينه يظهر على الأديان كلّها وتكون له الغلبة على العالَم حتّى قيام الساعة، قد أمر اُمّته أن تلتزم منهاج الصبر والصمت ضدّ الأشخاص الذين استهدفوا الإطاحة بالمرتكز الأساسي والاُسّ الركين الذي تقوم عليه الفلسفة الاجتماعية للديانة متمثّلاً بالقيام بالقسط، ليكون بذلك قد وضع بيده عوامل الانهيار التي تقوّض أركان دينه وتنشب في كيانه أظفار المنية؟ الحقيقة أنّ العكس هو الصحيح، فقد نفى (ص) انتساب مثل هذه الأحاديث إليه التي تأباها فطرة القلوب وينفر منها الفكر، وبهذا المعيار الراكز حذّر المسلمين من أنّه لا ينطق بمثل هذا الكلام ولا يحدّث بحديث كهذا.
التعارض مع القرآن
المعيار الآخر الذي يدخل في تحديد صحّة الحديث المنسوب إلى النبيّ (ص)، هو القرآن الكريم.
على ضوء هذا المعيار تبرز نقطة اُخرى في نقد أحاديث الصبر على أثَرة الاُمراء وظلم الحكّام وتقويمها، تتمثّل هذه المرّة في أنّ هذه الأحاديث لا تتعارض مع منطق الفطرة والعقل فحسب، وإنّما هي خلاف النصّ القرآني الصريح أيضا، هذا النصّ الذي يسجّل دون مراء بأنّ الفلسفة التي تكمن وراء بعث جميع الأنبياء الإلهيين هي القيام بالقسط وبسط العدل، حيث يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[٢٣]
فلا مراء في أنّ الأحاديث التي تأمر بالصبر على الاستئثار والإذعان للجور تتعارض مع هذه الآية الكريمة، وكذلك مع جميع الآيات التي يحثّ بها القرآن المسلمين على مواجهة الظلم، ويدعوهم إلى ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى القيام بالقسط وبسط العدل.
التعارض مع أحاديث مواجهة أئمّة الجور
من النقاط الاُخرى التي تصطفّ إلى جوار ما سبقها في تحليل أحاديث الصبر على الاستئثار وتقويمها، تعارضها مع أحاديث نبوية أمر فيها النبيّ (ص) صراحة بمواجهة أئمّة الجور ودعا إلى منابذة الحكّام الظلمة ومقاومتهم، كما تُومِئ إليه الأمثلة التالية:
- عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله (ص) يقول: «خُذُوا العَطاءَ ما دامَ عَطاءً فَإِذا صارَ رِشوَةً فِي الدّينِ فَلا تَأخُذوهُ، ولَستُم بِتارِكيهِ يَمنَعُكُمُ الفَقرَ وَالحاجَةَ، ألا إنَّ رَحَى الإِسلامِ دائِرَةٌ فَدوروا مَعَ الكِتابِ حَيثُ دارَ، ألا إنَّ الكِتابَ وَالسُّلطانَ سَيَفتَرِقانِ فَلا تُفارِقُوا الكِتابَ، ألا إنَّهُ سَيَكونُ عَلَيكُم اُمَراءُ يَقضونَ لِأَنفُسِهِم ما لا يَقضونَ لَكُم، إن عَصَيتُموهُم قَتَلوكُم وإن أطَعتُموهُم أضَلّوكُم، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، كَيفَ نَصنَعُ؟ قالَ: كَما صَنَعَ أصحابُ عيسَى بنِ مَريَمَ نُشِروا بِالمَناشيرِ وحُمِلوا عَلَى الخَشَبِ، مَوتٌ في طاعَةِ اللهِ خَيرٌ مِن حَياةٍ في مَعصِيَةِ اللهِ»[٢٤]
- عن أبي سلالة، عنه (ص): «سَيَكونُ عَلَيكُم أئِمَّةٌ يَملِكونَ أرزاقَكُم، يُحَدِّثونَكُم فَيَكذِبونَكُم، ويَعمَلونَ ويُسيؤونَ العَمَلَ، لا يَرضَونَ مِنكُم حَتّى تُحَسِّنوا قَبيحَهُم وتُصَدِّقوا كَذِبَهُم، فَأَعطوهُمُ الحَقَّ ما رَضوا بِهِ، فَإِذا تَجاوَزوا فَمَن قُتِلَ عَلى ذلِكَ فَهُوَ شَهيدٌ»[٢٥]
- عن ابن عبّاس: قال رسول الله (ص): «سَيَكونُ اُمَراءُ تَعرِفونَ وتُنكِرونَ ؛ فَمَن نابَذَهُم نَجا، ومَنِ اعتَزَلَهُم سَلِمَ، ومَن خالَطَهُم هَلَكَ»[٢٦].[٢٧]
ردّ على تبرير
قد يقال في تبرير أحاديث الصبر على الاستئثار بحملها على التقية، وعدم القدرة على ممارسة النهي عن المنكر، وعدم التمكّن من مواجهة الظلم الصادر عن الولاة والحكّام، ومن ثَمّ يستنتج بأنّه لا سبيل إلى ردّها على نحو قطعي. يمكن الجواب على هذا التبرير، بالنقاط التالية:
- لقد جاءت أحاديث الصبر على الاستئثار مطلقة، ولهذا لم تأت فتاوى الفقهاء الذين آمنوا بها مقيّدة بعدم القدرة كما مرّت نصوصها سلفا، وإنّما أفتى هؤلاء بحرمة القيام بوجه أئمّة الجور مطلقا، وذهبوا إلى عدم مناجزة هؤلاء الحكّام على كلّ حال.
- تكتسب أحكام التقية معناها في نطاق موضوعها فحسب، على حين نجد أنّ الأحاديث المذكورة تنهى المسلمين عن المواجهة حتّى قيام الساعة.
- إنّما تكون التقية مشروعة للحفاظ على أساس الدين وأصله، أمّا في المواطن التي تهدّد فيها التقية أصل الدين وأساسه وفلسفته فهي حرام، كما قال رسول الله (ص): «إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ فِي اُمَّتي فَليُظهِرِ العالِمُ عِلمَهُ فَمَن لَم يَفعَل فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ»[٢٨].[٢٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ العين: ص ٣٧ «أثر».
- ↑ لسان العرب: ج ٤ ص ٨ «أثر».
- ↑ بحار الأنوار، ج ۳۴، ص ۵۶.
- ↑ النهاية: ج ١ ص ٢٢ «أثر».
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٣-١٦٤.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٤.
- ↑ الكافي: ج ١ ص ٢٥٥ ح ١، الاختصاص: ص ٣١٣، بصائر الدرجات: ص ٣٩٤ ح ١٠ كلّها عن سماعة، بحار الأنوار: ج ٢٦ ص ٩٣ ح ٢٣.
- ↑ الكافي: ج ١ ص ٢٣٠ ح ١، كشف الغمّة: ج ٢ ص ٤٠٣ كلاهما عن جابر، دلائل الإمامة: ص ٤١٤ ح ٣٧٧، إثبات الوصيّة: ص ٢٥٤ نحوه وكلاهما عن النوفلي، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ١١٣ ح ٥.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٤-١٦٥.
- ↑ نهج البلاغة: الحكمة ١٦٠، الأمالي للمفيد: ص ١٨٩ ح ١٥، الأمالي للطوسي: ص ٢٢٩ ح ٤٠٤ كلاهما عن رفاعة بن موسى عن الإمام الصادق (ع)، بحار الأنوار: ج ١٣ ص ٣٥٧ ح ٦٢ ؛ شُعب الإيمان: ج ٢ ص ٣١١ ح ١٩١٠ عن أبي وائل وراجع: تحف العقول: ص ٨ والمعجم الكبير: ج ٥ ص ٢٤ ح ٤٤٧٧.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٦.
- ↑ شرح نهج البلاغة : ج ۲۰ ص ۳۴۵ ح ۹۶۱ .
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٧.
- ↑ المعجم الأوسط : ج ۳ ص ۱۷۴ ح ۲۸۴۰، مسند أبي يعلى : ج ۶ ص ۳۶۹ ح ۷۱۶۹ ؛ نثرالدرّ : ج ۱ ص ۲۴۷ كلاهما نحوه.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٧.
- ↑ راجع: القيادة في الإسلام: ص ١٣٣ (الفصل الثالث: مؤامرتان خطرتان).
- ↑ صحيح مسلم: ج ٣ ص ١٤٧٤ و١٤٧٥.
- ↑ تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٩٠، مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي: ص ١٧٦.
- ↑ تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٩٠.
- ↑ تاريخ المذاهب الإسلامية: ص ٩٠، مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي: ص ١٧٦.
- ↑ تمهيد الأوائل: ص ٤٧٨، الغدير: ج ٧ ص ١٣٧ وراجع: شرح صحيح مسلم للنووي: ج ١٢ ص ٢٣٩.
- ↑ تحف العقول: ص ٢٧٦، بحار الأنوار: ج ٧٨ ص ١٣٢ ح ٢.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٥.
- ↑ المعجم الكبير: ج ٢٠ ص ٩٠ ح ١٧٢، المعجم الصغير: ج ١ ص ٢٦٤، مسند الشاميّين: ج ١ ص ٣٧٩ ح ٦٥٨، كنز العمّال: ج ١ ص ٢١٦ ح ١٠٨١ نقلاً عن تاريخ دمشق عن ابن مسعود نحوه.
- ↑ المعجم الكبير: ج ٢٢ ص ٣٦٢ ح ٩١٠، التاريخ الكبير (كتاب الكنى): ج ٨ ص ٤١ الرقم ٣٥٦، اُسد الغابة: ج ٦ ص ١٤٧ الرقم ٥٩٧٤، الإصابة: ج ٧ ص ١٥٦ الرقم ١٠٠٤٣ كلّها نحوه، كنز العمّال: ج ٦ ص ٦٧ ح ١٤٨٧٦.
- ↑ المعجم الكبير: ج ١١ ص ٣٣ ح ١٠٩٧٣، المصنّف لابن أبي شيبة: ج ٨ ص ٧٠٠ ح ٩٠، المصنّف لعبد الرزّاق: ج ١١ ص ٣٢٩ ح ٢٠٦٨٠ عن ابن طاووس عن أبيه نحوه، كنز العمّال: ج ٦ ص ٦٨ ح ١٤٨٧٧.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٦٩-١٧٤.
- ↑ الكافي: ج ١ ص ٥٤ ح ٢، منية المريد: ص ١٨٧، دعائم الإسلام: ج ١ ص ٢، الغيبة للطوسي: ص ٦٤ ح ٦٦، عيون أخبار الرضا (ع): ج ١ ص ١١٣ ح ٢ كلاهما عن يونس بن عبد الرحمن عن الصادقين عليهما السلام وفيهما «سُلب نور الإيمان» بدل «فعليه لعنة الله»، بحار الأنوار: ج ٥٧ ص ٢٣٤.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٧٤-١٧٥.