انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأجل عند أهل السنة»

سطر ٦٨: سطر ٦٨:


وعليه فالأجل نهاية المدة المعلومة.
وعليه فالأجل نهاية المدة المعلومة.
==حقيقة الآجال==
ارتبطت الآجال التي قدرها الله تعالى ارتباطًا وثيقًا بقدر الله في هذا الكون، فبعضها قد استأثر الله بعلمه وبعضها قد عرفه لخلقه وبعضها قد وضعه البشر مواقيت بينهم، وكل ذلك بحكمة الله وعلمه وتقديره وأسرار حكمته وتشريعه.
===العلم بالآجال===
ظهر لنا من التعريف القرآني للأجل أن الأجل إما أن يكون كونيًا أو شرعيًا مقدرًا من الله تعالى، أو أن يكون أجلًا مضروبًا بين الناس بعضهم بعضًا، وعليه فإن العلم بالأجل فرعٌ عن هذه الأقسام على النحو الآتي:
====آجال اختص الله بعلمها====
وهي الآجال التي قدرها الله تعالى في هذا الكون والحياة الدنيا والآخرة من الخلق والتكوين والعمر والموت والعذاب والإهلاك والبعث والقيامة ومقادير السماوات والأرض والأفلاك.
قال تعالى في بيان استئثاره بعلم أجل الخلق والموت والنشور {{ نص قرآني |هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  2.</ref>.
ومعنى قوله {{ نص قرآني |عِنْدَهُ}} أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: {{ نص قرآني | إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ }}<ref>  سورة الأعراف، الآية  187.</ref>.
وكقوله: {{ نص قرآني |يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}}<ref>  سورة النازعات، الآية  42-44.</ref>. <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٢١٤.</ref>
وقال جل ثناؤه في تقدير وقوع الهلاك على الأمم المستحقة له: {{ نص قرآني |وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}}<ref>  سورة العنكبوت، الآية  53.</ref>.
«يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنزل عليه آية من ربه بالعذاب، ويقولون: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}}<ref>  سورة الأنفال، الآية  32.</ref>.
ولولا أجل سميته لهم فلا أهلكهم حتى يستوفوه ويبلغوه، لجاءهم العذاب عاجلًا.
وقوله: {{نص قرآني|وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}} يقول: وليأتينهم العذاب فجأة، وهم لا يشعرون بوقت مجيئه قبل مجيئه» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٠/٥٤.</ref>.
أما أجل الحياة وانقضاؤها بالموت ففيه آيات كثيرة.
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  60.</ref>.
«يعني تعالى ذكره: {{نص قرآني| ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ }}، يثيركم ويوقظكم من منامكم {{نص قرآني| فِيهِ }} يعني: في النهار، و(الهاء) التي في {{نص قرآني| فِيهِ }} راجعة على {{نص قرآني| بِالنَّهَارِ }} {{نص قرآني| لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى }}، يقول: ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموت، فيبلغ مدته ونهايته<ref>جامع البيان، الطبري،  11/ 407.</ref>.
وقد كتب الله لهذه الدنيا أجلًا وختامًا هو وقت البعث والنشور لا يعلم وقته إلا هو.
قال جل ذكره: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ }}<ref>  سورة هود، الآية  103-104.</ref>.
أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناسٍ معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة. ولهذا قال: {{نص قرآني| وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ }} أي: لمدةٍ مؤقتةٍ لا يزاد عليها ولا ينتقص منها <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٣٠٠.</ref>.
وبين سبحانه أنه خلق الأفلاك وقدر سيرها وانقضاء أجلها بعلمه: {{ نص قرآني |وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>  سورة الرعد، الآية  2.</ref>.
يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء {{نص قرآني| لِأَجَلٍ مُسَمًّى}}: أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم <ref>تكوير الشمس: ذهاب ضوئها، وانكدار النجوم: انتثارها وذهاب نورها. انظر: التفسير الميسر، نخبة من المفسرين، ص ٥٨٦، جامع البيان، الطبري، ١٦/٣٢٦.</ref>.
ومما استأثر الله بعلمه من آجال الخلق والتكوين أيضًا مدة مكث الجنين في رحم أمه، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>  سورة الحج، الآية  5.</ref>.
والأجل: الأمد المجعول لإتمام عملٍ ما، والمراد هنا: مدة الحمل... ولكل مولودٍ مدةٌ معينةٌ عند الله لبقائه في رحم أمه قبل وضعه. والأكثر استكمال تسعة أشهرٍ وتسعة أيامٍ، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارضٍ، وكلٌ معينٌ في علم الله تعالى  <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٧/٢٠٠.</ref>.
مراتب الغيب: إن لعلم الغيب مراتب، أعلاها: ما اختص بعلمه الله وحده، ومن الغيب ما أطلع عليه ملائكته، ولكنه غيبٌ بالنسبة لبقية الملائكة وللبشر عمومًا، فهذا غيب نسبي.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا في تفسيره، لقوله تعالى {{ نص قرآني |ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  2.</ref>. حيث بين علة تقييد الأجل المسمى الثاني بـ(عنده) فقال: أما قوله سبحانه: (ٹ ٹ ٹٹ ڤ ڤ ڤڤ) [الأنعام: ٢].
فالأجل الأول هو أجل كل عبدٍ؛ الذي ينقضي به عمره، والأجل المسمى عنده هو: أجل القيامة العامة. ولهذا قال: {{نص قرآني|مُسَمًّى عِنْدَهُ}} فإن وقت الساعة لا يعلمه ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌ مرسلٌ، كما قال: {{ نص قرآني |يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  187.</ref>.
بخلاف ما إذا قال: {{ نص قرآني | مُسَمًّى}} كقوله: {{ نص قرآني |إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>  سورة البقرة، الآية  282.</ref>.
إذ لم يقيد بأنه مسمًى عنده فقد يعرفه العباد، وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيدٌ، كما قال في الصحيحين عن ابن مسعودٍ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح)  <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الحق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٨، ٤/١١١.</ref>.
فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده. وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو <ref>مجموع الفتاوى، ١٤/٤٨٩.</ref>.
==== آجالٌ شرعها الله لبعض معاملات البشر====
وهي بطبيعة الحال آجالٌ عرفها الله عباده ليتعبدوه بالتزامها واتباعها فهي معلومة مرقومة جعلها الله آجالًا لبعض العبادات والمعاملات كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وكتابة الدين ووقت نحر الهدي.
قال تعالى: {{ نص قرآني |لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}}<ref>  سورة الحج، الآية  33.</ref>.
والأجل المسمى هو وقت نحرها، وهو يومٌ من أيام منًى. وهي الأيام المعدودات <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٧/٢٥٨.</ref>.
====ما ضربه الناس بينهم من آجال باختيارهم====
وهو معلوم أيضًا بطبيعة الحال كسابقه، ولكنه يخالفه في أن القسم الثاني أجلٌ شرعيٌ مقدرٌ من عند الله وهذا أجلٌ وضعه البشر فيما بينهم وقد ورد عليه مثال واحدٌ في كتاب الله تعالى وهو الأجل الذي جعله أبو المرأتين اللتين سقا لهما نبي الله موسى عليه السلام على موسى.
قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}}<ref>  سورة القصص، الآية  27-28.</ref>.
{{ نص قرآني |قَالَ}} صاحب مدين لموسى {{ نص قرآني |إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي}} أي: تصير أجيرًا عندي، {{نص قرآني| ثَمَانِيَ حِجَجٍ }} أي: ثماني سنين، {{نص قرآني| فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ }} تبرع منك، لا شيء واجب عليك، {{نص قرآني| وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ }} فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالًا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه... فـ {{ نص قرآني |قَالَ}} موسى عليه السلام - مجيبًا له فيما طلبه منه -: {{نص قرآني| ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ }} أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت به، وقد تم فيما بيني وبينك، {{نص قرآني| أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ }} سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها، {{نص قرآني|وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}} حافظ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه  <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٤.</ref>.
فهذا عقدٌ بين أبي المرأتين وموسى عليه السلام بأن يكون مهر تزويج موسى لابنته عملًا، وليس الأجل المضروب هنا أجلًا شرعيًا؛ كونه اندرج في معاملة شرعية، وهي مهر الزواج فالمهر هو العمل وليس الأجل ولم يرد في شرع الله تأقيتٌ لأي عملٍ يكون مهرًا، فالتأقيت هنا عقدٌ بشري والدليل على ذلك أن الرجل خير موسى بين أجلين.
===الأجل بين المحو والإثبات===
قال تعالى: {{ نص قرآني | وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}}<ref>  سورة الرعد، الآية  38-39.</ref>.
لكل أجلٍ كتابٌ، يقول: لكل أمرٍ قضاه الله كتابٌ قد كتبه فيه، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره أي: لكل كتابٍ أجلٌ ومدةٌ أي: الكتب المنزلة لكل واحدٍ منها وقتٌ ينزل فيه <ref>معالم التنزيل، البغوي، ٣/٢٦.</ref>.
لم يقع الخلاف بين السلف في معنى {{نص قرآني| لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }} إلا على قولين متقاربين كما رأيت أعلاه، ولكن الخلاف الكبير وقع بينهم في معنى المحو والإثبات في الآية التي تليها والمتصلة بها اتصالًا وثيقًا.
قال تعالى: {{ نص قرآني | يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}}<ref>  سورة الرعد، الآية 39.</ref>.
وسأسوق باختصار أقوالهم قبل أن أحاول الوقوف على أرجحها وأكثرها ارتباطًا بالنص القرآني:
[[سعيد بن جبير]] وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه.
[[ابن عباس]]: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
عمر وابن مسعود: يمحو السعادة والشقاوة أيضًا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء.
الضحاك والكلبي: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيءٍ ليس فيه ثوابٌ ولا عقابٌ.
[[عطية عن ابن عباس]]: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالةٍ، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعة الله عز وجل، فهو الذي يثبت.
الحسن: {{ نص قرآني | يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء}} أي: من جاء أجله يذهب به، ويثبت من لم يجئ أجله إلى يوم أجله.
[[سعيد بن جبير]]: يمحوا الله ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها.
[[السدي]]: {{ نص قرآني | يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء}} يعني: القمر، ويثبت يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: {{ نص قرآني | فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً }}<ref>  سورة الإسراء، الآية  12.</ref>.
الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته محاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: {{ نص قرآني |اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا }}<ref>  سورة الزمر، الآية  42.</ref>.<ref>معالم التنزيل، البغوي، ٣/٢٦.</ref>.
ويمكن إجمال هذه الأقوال في اتجاهات خمسة هي:
#أن الآية تتحدث عن القدر الذي كتبه الله تعالى سواء في اللوح المحفوظ أو كتبته الملائكة في الصحف.
#أن الآية تتحدث عن الشرائع السماوية نسخًا وإثباتًا.
#أن الآية تتحدث عن كتابة الحسنات والسيئات على الأعمال.
#أن الآية تتحدث عما نفذ من قضاء الله تعالى وما لم يزل مؤجلًا في الأزل.
#أن الآية تتحدث عن أحداث كونية لبعض مخلوقات الله كالأفلاك والروح.
ولكي نحاول ترجيح أولى الأقوال بمعنى الآية فإننا ينبغي أن نقف على سياق الآية، فإن السياق من المقيدات والمحددات كما هو معلوم عند أهل التفسير، فهذه الآيات تتحدث عن رجوع الأمر إلى الله في كل شأن، حتى في شأن أوليائه الأنبياء وشأن المعجزات التي يأتون بها تأييدًا لدعوة الله، فحتى هذا النبي الذي إنما يأتي بالمعجزات نصرة لدين الله وتأييدًا له، لا يمكن أن يأتي بهذه الآية إلا بإذن الله تعالى وتقديره.
يقول [[ابن كثير]]: وقوله: {{ نص قرآني |وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }}<ref>  سورة الرعد، الآية  38.</ref>. أي: لم يكن يأتي قومه بخارقٍ إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، {{ نص قرآني | لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }}<ref>  سورة الرعد، الآية  38.</ref> أي: لكل مدةٍ مضروبةٍ، كتابٌ مكتوبٌ بها، وكل شيءٍ عنده بمقدارٍ {{ نص قرآني |أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}}<ref>  سورة الحج، الآية  70.</ref>. <ref>تفسير القرآن العظيم، ٤/٤٠٣.</ref>
إذًا فأرجح الأقوال في تفسير المحو والإثبات هو القول الأول المتعلق بما قدره الله تعالى وكتبه على عباده، ولكن ما معنى المحو والإثبات هنا؟ وهل يتغير قدر الله كما يظهر من لفظ الآية؟
لن نخوض في أقوال العلماء في هذه المسألة التي خاضوا فيها كثيرًا، وهي من مسائل العقيدة في مبحث القضاء والقدر ولكننا نختار ألصق الأقوال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة فقال: وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {{نص حديث|من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم ٢٠٦٧، ٣/٥٦.</ref>.
وقد قال بعض الناس: إن المراد به: البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير، قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان، فيقال لهؤلاء: تلك البركة، وهي الزيادة في العمل والنفع، هي أيضًا مقدرةٌ مكتوبةٌ وتتناول لجميع الأشياء، والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.
ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: {{نص حديث|أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته، فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيصٌ فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنةً، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنةٍ، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنةً، فكتب عليه كتابٌ، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنةً، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته}} <ref>أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف، رقم ٣٠٧٦، ٥/٢٦٧.</ref>
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنةً ثم جعله مائةً.
وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا، فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت  <ref>أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء، رقم ٨٧٢، ٢/٤٨١.</ref>.
والله سبحانه عالمٌ بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له، وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات <ref>مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ١٤/٤٩٠ - ٤٩٢.</ref>.
وقد ساق الألوسي شواهد كثيرة على تحقق وقوع المحو والإثبات في قضاء الله عز وجل، نذكر بعضها هنا من كلامه:
«ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت عندي وفُقِدَت في حادثة بغداد، ألفت في هذه المسألة، وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي، واستدل لذلك بأمور:
منها: أنه قد صح من دعائه صلى الله عليه وسلم في القنوت: (وقني شر ما قضيت) <ref>أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، جزء من رقم ١٤٢٥، ٢/٥٦٣. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.</ref>، وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأولي، ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه.
ومنها: ما صح في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: (خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)<ref>أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب قيام شهر رمضان، جزء من رقم ١٣٧٣، ٢/٥٢٤. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.</ref>، فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض، وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير، فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل.
ومنها: ما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى أنه لا ينام، وكان يقول في ذلك: (أخشى أن تقوم الساعة)، فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضًا مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يوجد إذ ذاك؛ كظهور المهدي، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما يستدعي تحققه زمانًا طويلًا، فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن تغييره، وأن ما قضي من أشراطها يمكن تبديله، ما خشي صلى الله عليه وسلم من ذلك.
ومنها: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار، حتى أن منهم من كان يقول: «ليت أمي لم تلدني»، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: «لو نادى منادٍ: كل الناس في الجنة إلا واحدًا، لظننت أني ذلك الواحد»، وهذا مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة، والعلم بأن القضاء لا يتغير.
ومنها: أنه لولا إمكان التغيير لَلُغِيَ الدعاء؛ إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه، فلا بد أن يكون، وإلا فمحال أن يكون، وطلب ما لا بد أن يكون، أو محال أن يكون، لغوٌ مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة، يأباه ظاهر قوله: {{ نص قرآني |ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}}<ref>  سورة غافر، الآية  60.</ref>.
وأيضًا: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر»<ref>أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، رقم ١٨١٣، ١/٦٦٩. حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم ٧٧٣٩، ٢/١٢٧٩. روح المعاني، الألوسي ٧/١٦١ - ١٦٢.</ref>
=== أسرار إخفاء الآجال===
كما ذكرنا سابقًا فإن من الأجل ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يعلمه البشر فما هي الأسرار والحكم التي تكون وراء إخفاء هذه الآجال عن البشر؟
لقد أخفى الله تعالى الآجال المرتبطة بحياة الإنسان؛ من انقضاء عمرٍ، وحلول عذابٍ، ويوم بعثٍ ونشورٍ، وإنما كان هذا لحكمٍ كثيرة، لعل من أهمها فتح باب الاجتهاد والعمل، وإغلاق باب التفريط والتسويف وطول الأمل، فإن العبد الذي لا يدري متى ينقضي عمره وينتهي أجله، يبقى في ترقبٍ دائمٍ، وتوقعٍ مستمرٍ لمفارقة هذه الدنيا، وبالتالي فإن صاحب كل ذي عقلٍ ينبغي أن يستعد ليوم الحساب، ويتأهب ليوم الفراق الذي لا يعرف متى وقوعه، فهذا يحمله على دوام التأهب، والحرص على ألا يغادر إلا وهو على عمل خير وخاتمة رشد.
قال الله تبارك وتعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  102.</ref>.
قال [[ابن عاشور]]: «وهذا المركب مستعملٌ في غير معناه؛ لأنه مستعملٌ في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام مدة الحياة، وهو مجازٌ تمثيليٌ علاقته اللزوم، لما شاع بين الناس من أن ساعة الموت أمرٌ غير معلومٍ كما قال الصديق<ref>البيت ينسب إلى حكيم النهشلي، كان يرتجز به وهو يقاتل. انظر: نهاية الأرب، النويري، ١٥/٣٨١.</ref>:
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|كل امرئٍ مصبحٌ في أهله|والموت أدنى من شراك نعله}}
{{نهاية قصيدة}}
فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة»  <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤/٣١.</ref>.


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢١

تعديل