انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «نقاش:معرفة الله»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
 
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الله | عنوان المدخل  =  معرفة الله| المداخل ذات الصلة =  [[معرفة الله في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الله | عنوان المدخل  =  معرفة الله| المداخل ذات الصلة =  [[معرفة الله في علم الكلام]]| سؤال ذو صلة  = }}
'''تبسيط الصفحة'''


==أهمية معرفة الله==
==أهمية معرفة الله==
لا يمكن إنكار أهمية معرفة الله وآثارها العميقة على [[حياة]] [[الإنسان]]، حيث تشير الشواهد والقرائن التاريخية إلى أنّ التعرّف على [[مبدأ]] الوجود كان دائماً وعلى مرّ التاريخ من الميول والرغبات الأساسية في [[الحياة]] الإنسانية، ونجد اختصاص قسم كبير من منابع الديانات المختلفة بوصف مبدأ الوجود وتبيين علاقته بالإنسان والكون.
تعتبر معرفة الله من المواضيع المهمّة التي أثّرت بعمق على [[حياة الإنسان]] عبر [[التاريخ]]. تشير الشواهد التاريخية إلى أنّ التعرّف على [[مبدأ]] الوجود كان من الميول والرغبات الأساسية للإنسان منذ القدم. خصّصت الديانات المختلفة قسماً كبيراً من تعاليمها لوصف مبدأ الوجود وتبيين علاقته بالإنسان والكون.


إنّ الحضور الواسع والعميق لعقيدة [[التوحيد]] في تاريخ [[الفكر]] الإنساني يدلّ على أهمية معرفة [[المبدأ]] في الحياة البشرية، ويمكن لمس آثار معرفة الله في حياة الفرد والمجتمع.
يدلّ [[الحضور]] الواسع لعقيدة [[التوحيد]] في تاريخ [[الفكر]] الإنساني على أهمّية معرفة [[المبدأ]] في [[الحياة]] البشرية. تنعكس آثار معرفة الله بوضوح على [[حياة]] الفرد والمجتمع. هناك اختلاف جوهري بين حياة الإنسان [[المؤمن]] بوجود [[الله]] والإنسان الملحد [[المنكر]] لوجوده. بل هناك فارق كبير حتّى بين تصوّرات المؤمنين أنفسهم عن الله، ممّا ينتج عنه اختلاف في الرؤى والسلوكيات والأحكام والمقاصد. يمكن القول بأنّ [[الاعتقاد بوجود الله]] يضفي على حياة الإنسان معنى ومفهوماً خاصّاً ويحدّد له [[هوية]] متميّزة<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٣ و ٢٤.</ref>.
 
بلا [[شك|شكّ]]، هناك فارق أساسي بين حياة الإنسان الإلهي «[[المؤمن]] بوجود [[الله]]» والإنسان الملحد «[[المنكر]] لوجود الله»، بل أعمق من ذلك، هناك فارق كبير بين حياة مؤمنين اثنين بوجود الله، حيث لكلّ منهما [[تصور|تصوّر]] خاصّ بذلك الموجود الذي منه نبع الوجود وينعكس هذا [[التصور|التصوّر]] على سلوكيات أصحابه ممّا ينتج الاختلاف في الرؤى والأفعال والانفعالات تجاه سلوكيات الآخرين، أو تجاه ظواهر [[الطبيعة]] وكذا الاختلاف في الأغراض والأحكام والمقاصد، وفي كلمة واحدة يمكن أن يقال: إنّ [[الاعتقاد]] بوجود الله يضفي على حياة الإنسان معنى ومفهوماً خاصّاً ويحدّد له شخصيةً وهويةً متميّزة<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٣ و ٢٤.</ref>.


==[[ضرورة]] معرفة الله==
==[[ضرورة]] معرفة الله==
هناك مرتبة من مراتب المعرفة بالله، تُعدّ - من [[لطف]] الله - مرتبة فطرية تكوّنت مع تكوُّن الإنسان، بل إنّ هذه المعرفة هي التي حدّدت للإنسان هويّته وهيئته وأضفت عليه وجوده، مع هذا فإنّ هذه المعرفة الفطرية هي معرفة إجمالية وابتدائية، حيث توجد الأساس الملائم لبناء الصرح المعرفي العقائدي الإنساني بالله المتعال، فنجد من لا يغفل عن هذه المعرفة الفطرية ويلمس جذورها في أعماقه، يسيرُ في هذا المسير بهمّةٍ عاليةٍ متميّزة، ولذلك يُعتبر التوجّه إلى المعرفة الفطرية بالله جلّ جلاله من أهمّ العوامل التي تُرغّب الإنسان وتشدّه إلى طلب معرفة أعمق بالله سبحانه وتعالى. مع ذلك، فلم يكتف الأعلام من المتكلمين العظام بهذا المقام، بل ذكروا [[أدلة]] وشواهد على ضرورة [[التأمل|التأمّل]] والتفكّر في أصل معرفة الله وذلك للتأكيد على لزوم السعي الحثيث في معرفة الله، نذكر منها على سبيل المثال دليلين<ref>يذكر هذا البحث في بعض المنابع الكلامية بعنوان «وجوب النظر» ويرى متكلموا الإمامية والمعتزلة أنّ هذا الوجوب، وجوب عقلي، لا كما يرى الأشاعرة أنّ هذا الوجوب شرعي. انظر: العلامة الحلّي، كشف المراد: ٢۶٠ و ٢۶١؛ السيوري، جمال الدين مقداد بن عبدالله (فاضل مقداد)، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: ۱۱۱ - ۱۱۳.</ref>:
تعتبر [[المعرفة الفطرية]] بالله من مراتب [[المعرفة]] التي حدّدت للإنسان هويّته ووجوده. لكنّ هذه المعرفة الفطرية هي معرفة إجمالية وابتدائية توفّر الأساس لبناء الصرح المعرفي [[العقائدي]] عن الله. يساعد التوجّه إلى المعرفة الفطرية بالله في حثّ [[الإنسان]] على طلب معرفة أعمق بالله وصفاته.
 
'''الأوّل: لزوم دفع [[الضرر]] أو [[العقاب]] المحتمل'''
 
وحاصل هذا [[الدليل]]: أنّ هناك مجموعة [[كبيرة]] من رجال [[الإصلاح]] دعوا المجتمعات البشرية إلى [[الاعتقاد]] بالله سبحانه وادّعوا أنّ له تكاليف على عباده، وأنّ [[الحياة]] لا تنقطع بالموت، وإنّما هو درب إلى [[حياة]] أخرى كاملة، وأنّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الأوفي، وأمّا من خالف واستكبر فله النكاية الكبرى. ودعوة هؤلاء إن لم تورث الجزم واليقين، تورث احتمال صدقهم في مقالهم، ممّا يدفع [[الإنسان]] المفكّر، إلى البحث عن صحّة مقالتهم، دفعاً للضرر المحتمل، أو المظنون الذي يورثه مقالة هؤلاء. فالعقل يلزم هذا الإنسان بالتأمّل والتحقيق في مسألة [[وجود الله]] وصفاته حتّى يقي نفسه العقاب في حال واقعية هذه المسألة وصدق دعوى [[الأنبياء]]{{ع}}، فيتبعهم.
 
'''الثانی:[[وجوب]] شكر المنعم'''
 
إنّ الإنسان غارق في النعم، فهي تُحيط به منذ نعومة أظفاره إلى أخريات حياته وهذا ممّا لا يمكن لأحد إنكاره، كما لا يمكن إنكار أنّ كل هذه النعم ليست نابعة من ذات الإنسان وليس له يد فيها، بل هي هبةٌ من غيره. ومن جانب آخر: أنّ [[العقل]] يستقلّ بلزوم شكر المنعم سبحانه وتعظيمه وحمده على تفضّله على الإنسان وإحسانه إليه وما أشبه ذلك من الأفعال، ولا يتحقّق [[الشكر]] إلّا بمعرفته. وعلى هذين الأمرين يجب البحث عن المُنعم الذي غمر الإنسان بالنعم وأفاضها عليه، فالتعرّف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل، ودعوته إلى شكر المُنعم المتفرّع عن معرفته.


فيتحصّل من البحث أنّ [[التأمل|التأمّل]] والتحقيق في أصل معرفة الله والتصديق بوجوده، ليس هو أمر مُثمر ومطلوب فحسب، وإنّما هو أمر لازم ومرغوب.
لم يكتف [[المتكلمون]] بالاعتماد على المعرفة الفطرية فقط، بل ذكروا [[أدلة]] على ضرورة [[التأمل]] والتفكّر في أصل معرفة الله، من أجل التأكيد على أهمّية السعي في معرفته. نذكر منها دليلين<ref>يذكر هذا البحث في بعض المنابع الكلامية بعنوان «[[وجوب]] النظر». يرى متكلمو [[الإمامية]] والمعتزلة أنّ هذا [[الوجوب]] عقلي، بينما يراه [[الأشاعرة]] شرعيّاً. انظر: [[العلامة الحلّي]]، [[كشف المراد]]: ٢٦٠ و ٢٦١؛ [[فاضل مقداد]]، [[إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين]]: ١١١-١١٣.</ref>:
# '''[[لزوم دفع الضرر]] أو [[العقاب]] المحتمل:''' دعا رجال [[الإصلاح]] المجتمعات البشرية إلى [[الاعتقاد بالله]] وأكّدوا على وجود تكاليف على عباده، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت، وأنّ هناك جزاءاً للمؤمنين وعقاباً للمخالفين. تستلزم هذه [[الدعوة]] البحث في صحّتها من أجل [[دفع الضرر]] المحتمل في حال صدقها. فالعقل يلزم الإنسان بالتأمّل والتحقّق في مسألة [[وجود الله]] وصفاته لكي يقي نفسه العقاب إذا كانت [[دعوى]] [[الأنبياء]] صحيحة.
# '''[[وجوب شكر المنعم]]:''' [[الإنسان]] غارق في النعم منذ ولادته وهي ليست من ذاته، بل هي هبة من [[الله]]. [[العقل]] يستقلّ بلزوم [[شكر المنعم]] وتعظيمه، ولا يتحقّق [[الشكر]] إلّا بمعرفته. لذلك يجب البحث عن المنعم الذي أفاض على الإنسان النعم للتعرّف عليه كجزء من عملية شكره وحمده.


تحقيق<ref>من إضافة المترجم.</ref>: ذكر الشيخ جعفر السبحاني أنّ [[وجوب المعرفة]] ولزوم شُكر المُنعم ودفع [[الضرر]] المُحتمل كلّها من نتائج قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، بيّن ذلك كما ذكره في كتابه المغني في دروس [[العقيدة]]، ثمّ [[عدد]] بقية النتائج التي ذكرها للقاعدة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٤-٢٦.</ref>
من خلال هذه [[الأدلة]]، يتبيّن أنّ [[التأمل]] والتحقيق في أصل معرفة الله ليس فقط أمراً مثمراً ومطلوباً، بل هو لازم وضروري أيضاً<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٤ - ٢٦.</ref>.


==مراتب معرفة الله==
==مراتب معرفة الله==
===معرفة الذات الإلهية===
إنّ الذات الإلهية لا مثيل لها ولا نظير، ولا يتصوّر لله عديل ولا شبيه، فهو سبحانه أعلى من أن يعرفه [[الإنسان]] بالكنه، أي ليس للإنسان سبيل إلى معرفة [[حقيقة]] الذات الإلهية، وقد ذكر [[المتكلمون]] والحكماء الكثير من [[الأدلة]] على نفي هذه المعرفة وأنّها خارج حيطة [[قدر]] الطاقة الإنسانية منها:


أنّ الذات الإلهية مطلقة ولا متناهية، وكلّ موجود ممكن الوجود - الإنسان وغيره - محدود ومتناهي، هذا من جهة وجودية. أمّا من جهة معرفية، فالعلم والإدراك يستلزم [[إحاطة]] فاعل المعرفة «[[المُدرِك]] أو [[العالم]]» بمتعلّق المعرفة «المُدرَك أو المعلوم»، ولامتناع إحاطة الموجود المتناهي المحدود علماً بالموجود اللّامتناهي اللّامحدود، لذلك يمتنع ذاتاً أن تُحيط مخلوقات [[الله]] المحدودة علماً بالله [[المطلق]]<ref>و يؤيّد القرآن هذا المدّعى أيضاً، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}} سورة طه، الآية ۱۱۰.</ref>.
===[[معرفة الذات الإلهية]]===
لا يمكن للإنسان أن يعرف [[حقيقة]] [[الذات الإلهية]]؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير. فهو أعلى من أن يحيط به [[علم الإنسان]] المحدود. وذلك لأنّ الذات الإلهية مطلقة وغير متناهية، بينما الإنسان محدود ومتناه. و يؤيّد القرآن هذا المدّعى أيضاً، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}}<ref>سورة طه، الآية ۱۱۰.</ref>.  


===المعرفة بوجود الله===
===[[المعرفة بوجود الله]]===  
هي المرتبة الأولية والأساسية لبناء عقيدة الإنسان وانتمائه إلى الله ليصبح إلهيّاً ويخرج من ظلمات الملحدين والمشكّكين، إلى نور الإلهيّين والمعتقدين بالربّ [[الحكيم]].
هذه هي المرتبة الأولى والأساس لبناء [[عقيدة]] الإنسان. فبها يخرج من ظلمات [[الشك]] والإلحاد إلى نور [[الإيمان بالله]] [[الحكيم]]. وهي تمهّد للارتقاء إلى مراتب [[التوحيد]] الأخرى. والمهمّ هنا هو [[التصديق]] الإجمالي بوجود [[إله]] مقدّس ومتعال.


هذه المعرفة هي التي تؤسّس للارتقاء إلى المراتب التوحيدية الأخرى، ومع أهمية [[الاعتقاد]] بوجود الله، إلّا أنّ هناك اختلافاً بين المتكلمين في تعيين متعلَّق هذه المعرفة ولكن يمكن أن نكتفي بالقول: إنّ المهمّ هنا هو [[التصديق]] الإجمالي بوجود [[مبدأ]] مقدّس ومتعال.
=== معرفة الأوصاف والأفعال الإلهية===
بعد [[الإيمان بوجود الله]]، يبدأ الإنسان في مراحل [[المعرفة]] التفصيلية بصفات الله وأفعاله. وقد نشأ الاختلاف بين [[الأديان]] والمذاهب حول هذه [[الصفات]]. فالمسيحيون يعتقدون بالتثليث والتجسّد، بينما ينكر [[المسلمون]] ذلك. وبعض المسلمين يعتقدون بالتجسيم، بينما تُنزّه أكثر [[الفرق الإسلامية]] الله عن ذلك<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٦ - ٢٨.</ref>.


===معرفة الأوصاف والأفعال الإلهية===
==طرق [[الاعتقاد بوجود الله]] ومعرفته==
بعد أن يؤمن الإنسان بوجود الله ويصدّق بهذه القضية: «الله موجود»، يبدأ في طيّ مراحل المعرفة التفصيلية، وذلك من خلال معرفة أوصافه وأفعاله جلّ جلاله. كما رأينا، في المرتبة المعرفية السابقة باللّه [[الواحد]] حيث امتاز الملحد والمشكّك عن [[المؤمن]]، أمّا في هذه المرتبة فقد أدّى الاختلاف في فهم الصفات الإلهية إلى [[ظهور]] الخلاف بين المعتقدين باللّه على شكل عدّة مذاهب ونحل. بعبارة أخرى: منشأ الاختلاف في العقيدة سواء كان بين [[الأديان]]، أو بين مذاهب [[الدين]] [[الواحد]] هو هذه المرتبة من المعرفة، مثلاً: نجد الاختلاف الأساس بين معرفة الله عند المسلمين وعند المسيحيّين حول صفاته جلّ وعلا، حيث يعتقد المسيحيّون بالتثليث والتجسّد<ref>يعتقد المسيحيّون أنّ الله في حال أنّه ذات واحدة هو ثلاث أقانيم، ويسمّى هذا الاعتقاد بالتثليث، ويرى المسيحيّون أنّ أحد هذه الأقانيم الثلاثة تجسّد في جسم عيسى سلام الله عليه.</ref> وكلاهما من الصفات الإلهية التي ينكرها [[المسلمون]] أشدّ الإنكار، ومن جهة أخرى فإنّ هناك من يعتقد من المسلمين بالتجسيم خلاف أكثر الفرق الإسلامية التي تنزّه [[الله]] من التجسّم والجسمانية. باختصار: أنّ أكثر الاختلافات العقائدية نشأت في هذا البُعد من معرفة الله، أي: معرفة الله بصفاته.


بالتأمل بكلّ ما مرّ، نشرع في المباحث الأساسية في معرفة الله وأوّلها بحث [[وجود الله]]، ثمّ بحث الصفات والأفعال الإلهيه وحتّى نفصّل بين هاتين المرتبتين من المعرفة عنونَّا البحث الأوّل بعنوان «وجود الله» والبحث الثاني بعنوان «معرفة الله»<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٦ - ٢٨.</ref>.
* لكلّ [[إنسان]] طريقه [[الخاص]] في معرفة الله، ولا [[حصر]] لهذه الطرق. لكن يمكن تقسيمها بشكل عام إلى:  


==طرق [[الاعتقاد]] بوجود الله ومعرفته سبحانه==
#'''الطريق الاستدلالي (النظري):''' وفيه يستدل الإنسان على [[وجود الله]] وصفاته بالأدلة العقلية.
إذا تأمّلنا في مميّزات الطرق المعرفية التي توصل [[الإنسان]] إلى الله، ينبغي أن نقرّ بأنّ لكلّ [[إنسان]] طريقاً خاصّاً وكلّ إنسان يجد الله ويتعرّف عليه بشكل مختلف عن غيره من بني [[البشر]]، من هنا فإنّ طرق معرفة الله لا [[حصر]] لها ولذلك قيل: إنّ الطرق إلى معرفة الله بعدد "أنفاس" الخلائق، ولكن إذا تأمّلنا في الخصوصيات المشتركة في هذه الطرق يمكننا تقسيمها بشكل كلّي إلى أقسام مختلفة أشار لها الحكماء والمتكلمون وكلّ منها قائم على معيار خاصّ ومحكم؛ مثلاً: قُسِّمت طرق معرفة الله في أحد التقسيمات إلى طريقين:
# '''الطريق الشهودي (العملي):''' حيث يشاهد الإنسان ربّه بعين قلبه عن طريق [[تزكية]] [[النفس]] والسلوك.


# '''طريق استدلالي (نظري):''' يقوم الإنسان بإثبات وجود الله وصفاته وأفعاله عن طريق المقدّمات والأصول العقلية.
* وفي تقسيم آخر، تنقسم الطرق إلى:
# '''طريق شهودي (عملي):''' يُشاهد الإنسان إلهه بعين قلبه، ويلمس أوصاف جماله وجلاله، وذلك عن طريق [[تهذيب النفس]] وتصفية [[الباطن]] والسير والسلوك.
# '''طريق العقل:''' حيث تثبت الأدلة [[الفلسفية]] وجود الله وصفاته.
# '''طريق [[التجربة]]:''' بالتأمّل في [[النظام]] [[البديع]] للكون وما فيه من دلائل على وجود الله وصفاته، كبرهان [[النظم]].  
# '''طريق [[القلب]]:''' بالتوجّه إلى الأعماق والفطرة بدون [[استدلال]]، كالإيمان [[الفطري]] أو [[الشهود]] القلبي.


كما تُقسّم الطرق الأساسية في المعرفة الإلهيه في تقسيم آخر إلى ثلاث طرق:
* كما تنقسم الطرق إلى عامّة يسلكها عموم [[الناس]]، وخاصّة لا تتيسّر للجميع، كالبراهين [[الفلسفية]]<ref>انظر: [[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٨ - ٣٠.</ref>.


# '''طريق [[العقل]]:''' يُثبت الإنسان أصل وجود الله وأوصافه الخاصّة، كما يُحلّل الأفعال الإلهية، وذلك بواسطة المقدّمات والأصول العقلية، مثل: البراهين والأدلة الفلسفية الدالّة على [[وجود الله]].
==كيف نعرف [[الله]]؟==
# '''طريق [[التجربة]]:''' حيث لا يستعمل [[الإنسان]] [[الأصول]] العقلية الصرفة، بل ينظر إلى [[العالم]] من حوله وبالمشاهدة الدقيقة والتأمّل في الأوصاف والعلاقات بين الظواهر الموجودة في هذا [[الكون]] يؤمن بوجود [[الله]] وبعض صفاته، كالعلم والحكمة والقدرة...، يُسمّى بالطريق التجريبي؛ لاعتماده على [[مشاهدة]] [[عالم]] [[الطبيعة]]، ولابدّ من الالتفات إلى أنّه في هذا الطريق لا يُمكن الوصول إلى المقصود والغاية بدون إعمال بعض الأصول العقلية، فهو طريق غير مستقلّ عن [[العقل]] ومثاله المعروف: [[برهان]] [[النظم]].
من المهمّ أن نفهم الله قبل أن نؤمن به. لكن هل يمكننا كبشر أن نفهم الله حقّاً؟
# '''طريق [[القلب]]:''' يتوجّه الإنسان إلى أعماقه بدون حاجة إلى أيّ [[استدلال]] عقلي، أو مشاهدة تجريبية، بل عن طريق القلب يصل إلى [[الرب]] ومثاله: [[الاعتقاد]] الفطري بوجود الله ومعرفته "في حال عدم استعمالها كمبنى للاستدلال العقلي لإثبات وجود الله<ref>قد يبدّل الدليل الفطري إلى دليل عقلي على وجود الله، وذلك بإلحاق بعض المقدّمات، فلا يذكر حينها بعنوان طريق القلب.</ref> ومثاله: الشهود العرفاني والمشاهدة القلبية لله وأوصافه الجمالية والجلالية<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٨ و ٢٩.</ref>.


يُمكن تقسيم طرق معرفة الله بأحد الاعتبارات كذلك إلى قسمين: عامّة وخاصّة.
يقول البعض إنّه من المستحيل فهم الله؛ لأنّه [[مطلق]] ولا حدود له، بينما أفكارنا محدودة. وهذا ما دفع البعض لإنكار إمكانية معرفة الله بالعقل.
والمقصود من الطريق العامّ: هو الطريق الذي يتمكّن عموم [[الناس]] على اختلاف طبقاتهم ومستواهم العلمي من طيّ مقدّماته.
أمّا الطريق الخاصّ: هو الطريق الذي لا يتيّسر لجميع الناس حيث له مقدّمات خاصّة. ويعتبر البعض البراهين الفلسفية من القسم الثاني وبرهان النظم وطريق [[الفطرة]] في حال عدم وجود المانع من القسم الأوّل<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الإسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الإسلامي''']]: ٢٩ - ٣٠.</ref>.


== كيف نعرف الله ==
وقد يبدو من بعض كلمات [[الإمام علي بن أبي طالب]] أنّ [[العقل]] [[البشري]] [[عاجز]] عن معرفة الله، مثل قوله في الخطبة الأولى من [[نهج البلاغة]]: {{نص حديث|اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ}}، ويقول في الخطبة «۸۹»: {{نص حديث|وَإِنَّكَ أَنْتَ اَللَّهُ اَلَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي اَلْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَلاَ فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً}}.
عندما يكون [[الإيمان]] بوجود شيء مّا متفرّعاً عن تصوّره، يطرح [[سؤال]] نفسه هنا: هل يمكن للبشر أن يتصوّروا [[الله]] حتّى يؤمنوا به؟


قد يقول البعض إنّ [[تصور|تصوّر]] الله مستحيل؛ لأنّ [[التصور|التصوّر]] نوع من [[الإحاطة]] العلمية بالشيء، وذات الله لا يمكن الإحاطة بها ولا معرفة كنهها، لا في [[الذهن]] ولا في الواقع؛ لأنّ الله [[مطلق]] وكلّ ما يتصوّره [[البشر]]، محدود. لذلك ذهب بعض [[المعطلة|المعطّلة]] إلى إنكار معرفة [[ذات الله]] وإمكانية الوصول إلى كنهه بالعقل.  
لكن [[الإمام علي]] أيضاً أوضح أنّ معرفة الله ليست مستحيلة، بل العقل محدود في هذا المجال. فقال في الخطبة «٤٩»: {{نص حديث|لَمْ يُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ}}.


وقد يبدو من بعض كلمات [[الإمام علي]] (ع) أنّ [[العقل]] [[البشري]] عاجز عن معرفة ذات الله، كقوله: في الخطبة الأولى من [[نهج البلاغة]]: {{نص حديث|اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ}}.
فإذا كان العقل لا يستطيع [[إدراك]] كنه الله، فهناك [[قدر]] من [[المعرفة]] به واجب علينا.


لكن الإمام علي (ع) يوضّح في [[نفس]] الوقت أنّ عدم [[القدرة]] على الإحاطة بذات الله لا يعني [[استحالة]] معرفته، بل العقل محدود في هذا المجال، فيقول في الخطبة (٤٩): {{نص حديث|لَمْ يُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ}}. فهناك [[قدر]] واجب من [[معرفة الله]] لابدّ منه، حتّى وإن [[عجز]] العقل عن [[إدراك]] كنه ذاته.
لكن كيف يمكننا [[تصور]] [[المطلق]] ونحن محاطون بالأشياء [[المادية]] المحدودة؟


إنّ تصوّرنا للموجود [[المطلق]] لا يتمّ حسب إدراكنا العادّي في عالمنا المادّي المحدود بالزمان والمكان. لكن هذا لا يعني استحالة تصوّر المطلق، لأنّ كلّ محدود هو في [[الحقيقة]] مجموعة من المطلقات المتّحدة. كقولنا: «[[الإنسان]] [[العالم]] الأسمر» وهو مفهوم محدود مكوّن من المطلقات: «[[إنسان]]»، «[[عالم]]» و«أسمر».
[[الحقيقة]] أنّنا لا نستطيع تصوّر المحدود دون المطلق. فكلّ شيء محدود هو في الواقع مجموعة من [[الصفات]] المطلقة. مثلا «[[الإنسان]] [[العالم]] الأسمر» مفهوم محدود يتكوّن من ثلاث صفات مطلقة، هي: «[[إنسان]]»، «[[عالم]]»، و«أسمر». وهذا يعني أنّنا ندرك المطلق ونتصوّره، ولكن ضمن قيود وحدود.


لذلك نحن نستطيع تصوّر المطلق لكن في ضمن القيود والحدود. وعندما نسمع بمفهوم مطلق، نميل - بحكم الألفة - إلى تصوّر قيود له. كالقروي الذي يسمع عن مدينة نيويورك [[الكبيرة]]، فيتصوّرها بحدود قريته مع التكبير. ولتصحيح تصوّره نقول له: إّنها مدينة ولكن ليست كهذه المدن.
ولذلك عندما نسمع عن شيء مطلق، نميل بحكم [[العادة]] لتصوّره بقيود، مثل القروي البسيط الذي يسمع عن مدينة «نيويورك الكبيرة» فيتصوّرها بحجم قريته مئة مرّة، مع أنّها أكبر من ذلك بكثير.  


وهذا ما نحتاجه في تصوّرنا لله تعالى، فنقول هو موجود لكن ليس كالموجودات المحدودة التي نألفها، وهو عالم وقادر [[وحي]] لكن ليس من جنس [[العلم]] والقدرة والحياة في عالمنا المادّي.  
والحلّ لتصحيح تصوّرنا هو النفي، فنقول مثلاً: الله موجود لكن ليس كالموجودات التي نعرفها. وهو عالم [[قادر]] [[حي]]، لكن ليس بالطريقة المحدودة التي نفهمها.


وكما قال [[الفاضل المقداد]]: «في الحقيقة [[المعقول]] لنا من صفاته ليس إلا الأسلوب والإضافات، وأما كُنْهُ ذاته وصفاته فمحجوب عن [[نظر]] [[العقول]<ref>النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ۲۱.</ref>.<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٧٧ - ٧٩.</ref>
وكما قال العالم «[[الفاضل المقداد]]» - ما مضمونه -: ما نعقله من [[صفات الله]] في الحقيقة هو الأسلوب والعلاقات فقط، أمّا كنه ذاته وصفاته فهو محجوب عن عقولنا ولا يعلمه [[حق]] المعرفة إلّا هو سبحانه<ref>انظر: الفاضل المقداد، [[النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر]]: ۲۱.</ref>.<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٧٧ - ٧٩.</ref>


== المراجع والمصادر==
== المراجع والمصادر==
٤٤٧

تعديل