نقاش:معرفة الله

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تبسيط الصفحة

أهمية معرفة الله

تعتبر معرفة الله من المواضيع المهمّة التي أثّرت بعمق على حياة الإنسان عبر التاريخ. تشير الشواهد التاريخية إلى أنّ التعرّف على مبدأ الوجود كان من الميول والرغبات الأساسية للإنسان منذ القدم. خصّصت الديانات المختلفة قسماً كبيراً من تعاليمها لوصف مبدأ الوجود وتبيين علاقته بالإنسان والكون.

يدلّ الحضور الواسع لعقيدة التوحيد في تاريخ الفكر الإنساني على أهمّية معرفة المبدأ في الحياة البشرية. تنعكس آثار معرفة الله بوضوح على حياة الفرد والمجتمع. هناك اختلاف جوهري بين حياة الإنسان المؤمن بوجود الله والإنسان الملحد المنكر لوجوده. بل هناك فارق كبير حتّى بين تصوّرات المؤمنين أنفسهم عن الله، ممّا ينتج عنه اختلاف في الرؤى والسلوكيات والأحكام والمقاصد. يمكن القول بأنّ الاعتقاد بوجود الله يضفي على حياة الإنسان معنى ومفهوماً خاصّاً ويحدّد له هوية متميّزة[١].

ضرورة معرفة الله

تعتبر المعرفة الفطرية بالله من مراتب المعرفة التي حدّدت للإنسان هويّته ووجوده. لكنّ هذه المعرفة الفطرية هي معرفة إجمالية وابتدائية توفّر الأساس لبناء الصرح المعرفي العقائدي عن الله. يساعد التوجّه إلى المعرفة الفطرية بالله في حثّ الإنسان على طلب معرفة أعمق بالله وصفاته.

لم يكتف المتكلمون بالاعتماد على المعرفة الفطرية فقط، بل ذكروا أدلة على ضرورة التأمل والتفكّر في أصل معرفة الله، من أجل التأكيد على أهمّية السعي في معرفته. نذكر منها دليلين[٢]:

  1. لزوم دفع الضرر أو العقاب المحتمل: دعا رجال الإصلاح المجتمعات البشرية إلى الاعتقاد بالله وأكّدوا على وجود تكاليف على عباده، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت، وأنّ هناك جزاءاً للمؤمنين وعقاباً للمخالفين. تستلزم هذه الدعوة البحث في صحّتها من أجل دفع الضرر المحتمل في حال صدقها. فالعقل يلزم الإنسان بالتأمّل والتحقّق في مسألة وجود الله وصفاته لكي يقي نفسه العقاب إذا كانت دعوى الأنبياء صحيحة.
  2. وجوب شكر المنعم: الإنسان غارق في النعم منذ ولادته وهي ليست من ذاته، بل هي هبة من الله. العقل يستقلّ بلزوم شكر المنعم وتعظيمه، ولا يتحقّق الشكر إلّا بمعرفته. لذلك يجب البحث عن المنعم الذي أفاض على الإنسان النعم للتعرّف عليه كجزء من عملية شكره وحمده.

من خلال هذه الأدلة، يتبيّن أنّ التأمل والتحقيق في أصل معرفة الله ليس فقط أمراً مثمراً ومطلوباً، بل هو لازم وضروري أيضاً[٣].

مراتب معرفة الله

معرفة الذات الإلهية

لا يمكن للإنسان أن يعرف حقيقة الذات الإلهية؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير. فهو أعلى من أن يحيط به علم الإنسان المحدود. وذلك لأنّ الذات الإلهية مطلقة وغير متناهية، بينما الإنسان محدود ومتناه. و يؤيّد القرآن هذا المدّعى أيضاً، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً[٤].

المعرفة بوجود الله

هذه هي المرتبة الأولى والأساس لبناء عقيدة الإنسان. فبها يخرج من ظلمات الشك والإلحاد إلى نور الإيمان بالله الحكيم. وهي تمهّد للارتقاء إلى مراتب التوحيد الأخرى. والمهمّ هنا هو التصديق الإجمالي بوجود إله مقدّس ومتعال.

معرفة الأوصاف والأفعال الإلهية

بعد الإيمان بوجود الله، يبدأ الإنسان في مراحل المعرفة التفصيلية بصفات الله وأفعاله. وقد نشأ الاختلاف بين الأديان والمذاهب حول هذه الصفات. فالمسيحيون يعتقدون بالتثليث والتجسّد، بينما ينكر المسلمون ذلك. وبعض المسلمين يعتقدون بالتجسيم، بينما تُنزّه أكثر الفرق الإسلامية الله عن ذلك[٥].

طرق الاعتقاد بوجود الله ومعرفته

  • لكلّ إنسان طريقه الخاص في معرفة الله، ولا حصر لهذه الطرق. لكن يمكن تقسيمها بشكل عام إلى:
  1. الطريق الاستدلالي (النظري): وفيه يستدل الإنسان على وجود الله وصفاته بالأدلة العقلية.
  2. الطريق الشهودي (العملي): حيث يشاهد الإنسان ربّه بعين قلبه عن طريق تزكية النفس والسلوك.
  • وفي تقسيم آخر، تنقسم الطرق إلى:
  1. طريق العقل: حيث تثبت الأدلة الفلسفية وجود الله وصفاته.
  2. طريق التجربة: بالتأمّل في النظام البديع للكون وما فيه من دلائل على وجود الله وصفاته، كبرهان النظم.
  3. طريق القلب: بالتوجّه إلى الأعماق والفطرة بدون استدلال، كالإيمان الفطري أو الشهود القلبي.
  • كما تنقسم الطرق إلى عامّة يسلكها عموم الناس، وخاصّة لا تتيسّر للجميع، كالبراهين الفلسفية[٦].

كيف نعرف الله؟

من المهمّ أن نفهم الله قبل أن نؤمن به. لكن هل يمكننا كبشر أن نفهم الله حقّاً؟

يقول البعض إنّه من المستحيل فهم الله؛ لأنّه مطلق ولا حدود له، بينما أفكارنا محدودة. وهذا ما دفع البعض لإنكار إمكانية معرفة الله بالعقل.

وقد يبدو من بعض كلمات الإمام علي بن أبي طالب أنّ العقل البشري عاجز عن معرفة الله، مثل قوله في الخطبة الأولى من نهج البلاغة: «اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ»، ويقول في الخطبة «۸۹»: «وَإِنَّكَ أَنْتَ اَللَّهُ اَلَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي اَلْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَلاَ فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً».

لكن الإمام علي أيضاً أوضح أنّ معرفة الله ليست مستحيلة، بل العقل محدود في هذا المجال. فقال في الخطبة «٤٩»: «لَمْ يُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ».

فإذا كان العقل لا يستطيع إدراك كنه الله، فهناك قدر من المعرفة به واجب علينا.

لكن كيف يمكننا تصور المطلق ونحن محاطون بالأشياء المادية المحدودة؟

الحقيقة أنّنا لا نستطيع تصوّر المحدود دون المطلق. فكلّ شيء محدود هو في الواقع مجموعة من الصفات المطلقة. مثلا «الإنسان العالم الأسمر» مفهوم محدود يتكوّن من ثلاث صفات مطلقة، هي: «إنسان»، «عالم»، و«أسمر». وهذا يعني أنّنا ندرك المطلق ونتصوّره، ولكن ضمن قيود وحدود.

ولذلك عندما نسمع عن شيء مطلق، نميل بحكم العادة لتصوّره بقيود، مثل القروي البسيط الذي يسمع عن مدينة «نيويورك الكبيرة» فيتصوّرها بحجم قريته مئة مرّة، مع أنّها أكبر من ذلك بكثير.

والحلّ لتصحيح تصوّرنا هو النفي، فنقول مثلاً: الله موجود لكن ليس كالموجودات التي نعرفها. وهو عالم قادر حي، لكن ليس بالطريقة المحدودة التي نفهمها.

وكما قال العالم «الفاضل المقداد» - ما مضمونه -: ما نعقله من صفات الله في الحقيقة هو الأسلوب والعلاقات فقط، أمّا كنه ذاته وصفاته فهو محجوب عن عقولنا ولا يعلمه حق المعرفة إلّا هو سبحانه[٧].[٨]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي
  2. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٢٣ و ٢٤.
  2. يذكر هذا البحث في بعض المنابع الكلامية بعنوان «وجوب النظر». يرى متكلمو الإمامية والمعتزلة أنّ هذا الوجوب عقلي، بينما يراه الأشاعرة شرعيّاً. انظر: العلامة الحلّي، كشف المراد: ٢٦٠ و ٢٦١؛ فاضل مقداد، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: ١١١-١١٣.
  3. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٢٤ - ٢٦.
  4. سورة طه، الآية ۱۱۰.
  5. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٢٦ - ٢٨.
  6. انظر: محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي: ٢٨ - ٣٠.
  7. انظر: الفاضل المقداد، النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ۲۱.
  8. انظر: السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية: ٧٧ - ٧٩.