الفرق بين المراجعتين لصفحة: «حجر بن عدي الكندي»
لا يوجد ملخص تحرير
(←نبذة) |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢٨٠: | سطر ٢٨٠: | ||
أما زياد بن أبيه فإنه كان مستعيراً لمنهاج [[الإمام]]، فلما استشهد الإمام وتبدلت الظروف [[السياسية]] تخلى عن ذلك المنهاج. | أما زياد بن أبيه فإنه كان مستعيراً لمنهاج [[الإمام]]، فلما استشهد الإمام وتبدلت الظروف [[السياسية]] تخلى عن ذلك المنهاج. | ||
إذا رأينا ابن أبيه يتعاطف مع [[خلافة]] [[الإمام]]، ويعمل في [[عهد الإمام]] أميراً على فارس من جهة الإمام ثم يعمل مساعداً في [[البصرة]] لواليها من قبل الإمام: | إذا رأينا ابن أبيه يتعاطف مع [[خلافة]] [[الإمام]]، ويعمل في [[عهد الإمام]] أميراً على فارس من جهة الإمام ثم يعمل مساعداً في [[البصرة]] لواليها من قبل الإمام: عبد الله بن عباس، ونائباً له، وإذا رأينا أن الشعب كان ينظر إلى ابن أبيه في عهد الإمام على أنه واحد من المسؤولين، إذا رأينا هذا كله من ابن أبيه فإن ابن أبيه كان يلعب دوره في ذلك [[العهد]] أي أن الأجواء [[السياسية]] العادلة التي كانت سائدة في عهد الإمام جعلت من ابن أبيه واحدا من السائرين في خط الإمام، إن ابن أبيه لم يخلص لدولة الإمام، ولم يعتنق مبادئها عن [[حب]]، ومن هذا المنطلق نجد أن ابن أبيه ينحرف عن خط الإمام في عهد الإمام فيرسل له الإمام [[رسالة]] يهدده فيها في لهجة شديدة يقول{{ع}}: {{نص حديث|وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ اَلْوَفْرِ ثَقِيلَ اَلظَّهْرِ ضَئِيلَ اَلْأَمْرِ وَ اَلسَّلاَمُ}}<ref>مصادر نهج البلاغة ٣: ٢٤٢، كتاب رقم: ٢٠.</ref>. | ||
إن ابن أبيه كان مستعيراً لهذه [[المبادئ]]، مبادئ الإمام، ومتظاهراً بالحب والاخلاص، فلما أن استشهد الإمام، وظهرت في الأفق [[سياسة]] مضادة لتلك المبادئ الرائدة خلع ابن أبيه ردائه، ولبس رداء [[السياسة]] الراهنة. | إن ابن أبيه كان مستعيراً لهذه [[المبادئ]]، مبادئ الإمام، ومتظاهراً بالحب والاخلاص، فلما أن استشهد الإمام، وظهرت في الأفق [[سياسة]] مضادة لتلك المبادئ الرائدة خلع ابن أبيه ردائه، ولبس رداء [[السياسة]] الراهنة. | ||
| سطر ٣٨٦: | سطر ٣٨٦: | ||
{{نهاية قصيدة}} | {{نهاية قصيدة}} | ||
ثم إن ابن أبيه بعد هذا [[التهديد]] عاد إلى دار الامارة في وسط حراسة مشددة، وفي دار الامارة أجتمع زعماء القبائل والمتزلفون إلى [[الحكومة]]، وطوابير من [[الشرطة]] والحرس، وحاول ابن أبيه أن يلقي [[القبض]] على حجر بن عدي، وكان حجر جالساً في وسط الجماهير، وكبار شخصيات [[الحركة]] الانتفاضية، فأشار ابن أبيه إلى رئيس الشرطة قائلاً في نبرات غاضبة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، ويبدو من هذه الجملة أنها [[دعوة]] سمحة، وليس في [[الدعوة]] أية داهية أو رهبة، ولكنها دعوة تتضمن الدم المراق، وقد انتبه حجر إلى هذه [[الحقيقة]]، ولما قال ابن أبيه للشرطة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، نظر رئيس الشرطة وهو شداد بن الهيثم الهلالي إلى أعوانه ليختار من بينهم واحداً تناط هذه المهمة، وفي نفس الوقت يكون الشرطي الحامل للرسالة رجلاً يطمأن حجر إليه، ولو بصورة باهتة، فوقع نظر الرئيس على [[الحسين]] بن | ثم إن ابن أبيه بعد هذا [[التهديد]] عاد إلى دار الامارة في وسط حراسة مشددة، وفي دار الامارة أجتمع زعماء القبائل والمتزلفون إلى [[الحكومة]]، وطوابير من [[الشرطة]] والحرس، وحاول ابن أبيه أن يلقي [[القبض]] على حجر بن عدي، وكان حجر جالساً في وسط الجماهير، وكبار شخصيات [[الحركة]] الانتفاضية، فأشار ابن أبيه إلى رئيس الشرطة قائلاً في نبرات غاضبة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، ويبدو من هذه الجملة أنها [[دعوة]] سمحة، وليس في [[الدعوة]] أية داهية أو رهبة، ولكنها دعوة تتضمن الدم المراق، وقد انتبه حجر إلى هذه [[الحقيقة]]، ولما قال ابن أبيه للشرطة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، نظر رئيس الشرطة وهو شداد بن الهيثم الهلالي إلى أعوانه ليختار من بينهم واحداً تناط هذه المهمة، وفي نفس الوقت يكون الشرطي الحامل للرسالة رجلاً يطمأن حجر إليه، ولو بصورة باهتة، فوقع نظر الرئيس على [[الحسين]] بن عبد الله [[الهمداني]]، وهو شرطي من [[قبيلة]] همدان الموالية للإمام، وفي نفس الوقت المؤيدة لحجر وحركته، ولكن شؤون [[الحياة]] وأعباءها أو قل شقاءها جرفت الحسين الهمداني إلى الوظيفة، والعمل في ظل [[حكومة]] معادية لقبيلته ومعتقداتها. | ||
أرسل رئيس الشرطة الحسين الهمداني ليدعو حجر بن عدي، فهرول الحسين إلى المسجد، والتقى بحجر بن عدي وأبلغه [[الرسالة]] قائلاً: «أجب [[الأمير]]»، فلما أن سمع أصحاب حجر الكبار هذه [[الرسالة]] صرخوا في وجه [[الرسول]] وقالوا له: «لا يأتيه ولا [[كرامة]]»، وسمع [[الناس]] مقالة أصحاب حجر بن عدي، وكانت بمثابة [[الضوء]] الأخضر لإعلان التحرك الجماهيري. | أرسل رئيس الشرطة الحسين الهمداني ليدعو حجر بن عدي، فهرول الحسين إلى المسجد، والتقى بحجر بن عدي وأبلغه [[الرسالة]] قائلاً: «أجب [[الأمير]]»، فلما أن سمع أصحاب حجر الكبار هذه [[الرسالة]] صرخوا في وجه [[الرسول]] وقالوا له: «لا يأتيه ولا [[كرامة]]»، وسمع [[الناس]] مقالة أصحاب حجر بن عدي، وكانت بمثابة [[الضوء]] الأخضر لإعلان التحرك الجماهيري. | ||
| سطر ٤٢٣: | سطر ٤٢٣: | ||
إذن لم يكن هناك مبررا لحمل السلاح، ولم يكن في الحسبان أن تنتهي الحوادث في المسجد، وإجراءات [[الحكومة]] إلى هذه [[الحقيقة]]، وعندما [[شاهد]] الطاغية، وكان ينظر من نافذة [[القصر]] إلى المسجد الأعظم الجمهور قد [[تفرق]] عن حجر بن عدي، ولم يرابط معه سوى القليل من الجمهور قال لعصابته من [[الشرطة]] والبخارية<ref>إن لفظة البخارية جاءت في الطبيقات ٦: ٢١٩.</ref> أن يذهبوا ويأتوه بحجر بن عدي، ويضربوا من حال دون ذلك، ويقاتلوا إذا تصدى لهم أصحاب حجر، فسارت العصابة مع رئيسهم، ولما وقف الرئيس على حجر وأصحابه خاطب حجرا قائلا: «أجب [[الأمير]]». | إذن لم يكن هناك مبررا لحمل السلاح، ولم يكن في الحسبان أن تنتهي الحوادث في المسجد، وإجراءات [[الحكومة]] إلى هذه [[الحقيقة]]، وعندما [[شاهد]] الطاغية، وكان ينظر من نافذة [[القصر]] إلى المسجد الأعظم الجمهور قد [[تفرق]] عن حجر بن عدي، ولم يرابط معه سوى القليل من الجمهور قال لعصابته من [[الشرطة]] والبخارية<ref>إن لفظة البخارية جاءت في الطبيقات ٦: ٢١٩.</ref> أن يذهبوا ويأتوه بحجر بن عدي، ويضربوا من حال دون ذلك، ويقاتلوا إذا تصدى لهم أصحاب حجر، فسارت العصابة مع رئيسهم، ولما وقف الرئيس على حجر وأصحابه خاطب حجرا قائلا: «أجب [[الأمير]]». | ||
فقال أصحاب حجر بن عدي: «لا ولا [[نعمة]] عين لا نجيبه»، فأشار رئيس العصابة لعصابته بالهجوم، فوقعت معركة ضارية بين الفريقين ولما لم يكن مع أصحاب سلاح قال أبو العمرطة [[الحجر]] بن عدي: «إنه ليس معك رجل معه سيف غيري، وما يعنى عنك». فقال حجر بن عدي: «فما ترى». قال: «قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك، فنهض حجر وتقدم نحو باب [[كندة]]، وهو أحد أبواب المسجد الأعظم وكان أصحاب حجر ابن عدي وجنوده الأشاوس يدافعون عن حجر، ويناضلون عنه، وكانت عصابة الطاغية حاولت كثيرا أن تلقي [[القبض]] على حجر بن عدي ولكن محاولاتها باءت بالفشل، وذلك بفضل الصمود الذي تحلى به أصحاب حجر وجنوده، وقد أبدى | فقال أصحاب حجر بن عدي: «لا ولا [[نعمة]] عين لا نجيبه»، فأشار رئيس العصابة لعصابته بالهجوم، فوقعت معركة ضارية بين الفريقين ولما لم يكن مع أصحاب سلاح قال أبو العمرطة [[الحجر]] بن عدي: «إنه ليس معك رجل معه سيف غيري، وما يعنى عنك». فقال حجر بن عدي: «فما ترى». قال: «قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك، فنهض حجر وتقدم نحو باب [[كندة]]، وهو أحد أبواب المسجد الأعظم وكان أصحاب حجر ابن عدي وجنوده الأشاوس يدافعون عن حجر، ويناضلون عنه، وكانت عصابة الطاغية حاولت كثيرا أن تلقي [[القبض]] على حجر بن عدي ولكن محاولاتها باءت بالفشل، وذلك بفضل الصمود الذي تحلى به أصحاب حجر وجنوده، وقد أبدى عبد الله بن [[خليفة]] [[الطائي]] [[شجاعة]] فائقة في حومة [[الصراع]]، وهو يحامي عن حجر ويذب عنه، وهو يتوجس من أن يلقى على القبض ثم يقتادوه إلى الطاغية، فقد كان عبد الله الطائي يحارب، وكان قد ضربه بعض الشرطة بعمود فبادره عبد الله الطائي فضربه ضربة قضت عليه، فقال وهو يرتجز: | ||
{{بداية قصيدة}} | {{بداية قصيدة}} | ||
{{بيت|قد علمت يوم الهياج خلتي|أني إذا ما فئتي تولت}} | {{بيت|قد علمت يوم الهياج خلتي|أني إذا ما فئتي تولت}} | ||
| سطر ٤٦٩: | سطر ٤٦٩: | ||
ثم إن حجر بن عدي اطرق قليلا يفكر فإلى أي دار يلتجأ، وهو المطارد من قبل الحكومة، وقد أخذ الإعياء منه مأخذه، فهو شيخ كبير، وهو من الصباح لحد هذه اللحظة لم يستريح بل، ولم يتناول الطعام ليقوم أوده. | ثم إن حجر بن عدي اطرق قليلا يفكر فإلى أي دار يلتجأ، وهو المطارد من قبل الحكومة، وقد أخذ الإعياء منه مأخذه، فهو شيخ كبير، وهو من الصباح لحد هذه اللحظة لم يستريح بل، ولم يتناول الطعام ليقوم أوده. | ||
لم يطل [[التفكير]] بحجر طويلا، فقد اهتدى الدار [[عبد الله بن الحارث النخعي]]، وهو أخو [[مالك بن الحارث]] الشهير بالأشتر، وهو هو إخلاصاً وحباً لآل [[البيت]]، وكان | لم يطل [[التفكير]] بحجر طويلا، فقد اهتدى الدار [[عبد الله بن الحارث النخعي]]، وهو أخو [[مالك بن الحارث]] الشهير بالأشتر، وهو هو إخلاصاً وحباً لآل [[البيت]]، وكان عبد الله يترقب الأنباء عن الأوضاع المتوترة السائدة في [[البلد]] من أقصاه إلى أقصاه، وكان عبد الله مطرقاً مفكراً قد ملئت نفسه أسى وحزنا، وإذا بواحد من أسرته يسعى إليه ويخبره في لهفة: «إن حجر بن عدي ينتظر على باب الدار»، فيهرول عبد الله جذلا إلى حجر بن عدي، ويعتنقه، وقد انتشر [[البشر]] والفرح في ملامحه ثم يدخله الدار في حفاوة وإكرام، ويحتفي به، ويبسط له [[البسط]]، ويفرش له الفرش، وينضد المساند، ويأمر عبد الله أفراد أسرته أن يراقبوا المارين والعابرين حول الدار، وينتبهوا إلى الأوضاع حتى إذا شعروا بالخطر خفوا إليه، وأخبروه، وذلك حتى لا يفاجأوا برجال [[الشرطة]] أو [[الجواسيس]] المنبثين. | ||
وكان عبد الله في حركة مستمرة مبديا مظاهر [[الفرح]] والابتهاج رغم الجو المتوتر المسيطر على [[الحي]]، وعلى الدار، وذلك للتخفيف من مشاعر حجر ابن عدي وأحاسيسه المضطربة، ولم يكد ينتهى عبد الله من استقبال الضيف الخطير، ولم يكد يلقى الضيف الخطير بنفسه المكدودة على الفراش، ويستند إلى الجدار حتى هرع احد المرابطين في الحي، وهو ممتقع اللون، مضطرب [[النفس]] إلى حجر بن عدي وقال وهو يلهت في نبرات متقطعة: «إن الشرط تسأل عنك في النخع»، فوثب حجر بن عدي محاولاً يخرج من الدار ليخوض غمار الأحياء إلا أن عبد الله بن الحارث طلب منه أن يتريث لقد أدرك عبد الله [[النخعي]] أن أحد [[الناس]] قد رأى حجرا، وهو يمشي في النخع حذراً متوجساً فراح وأخبر [[الحكومة]] الأمر الذي برقت في نفسه [[فكرة]] وكانت [[الفكرة]] بارعة، إقترح على حجر بن عدي أن لا يخرج بهيئته المعروفة بل لو تنكر في هيئته لكان أفضل، فقبل حجر بن عدي هذا الاقتراح وغير هيئته وخرج من دار عبد الله بن الحارث النخعي متنكرا، وصحبه عبد الله بن الحارث أيضاً نجدة منه، وكان [[الليل]] قد ضرب بسرادقه على أحياء البلدة، ودخل [[الناس]]، دورهم فلم يكن يشاهد في دروب الأحياء سوى [[الشرطة]]، ورجال [[التجسس]] يبحثون عن حجر بن عدي، وسار حجر بن عدي مع صديقه [[المجتبى]] | وكان عبد الله في حركة مستمرة مبديا مظاهر [[الفرح]] والابتهاج رغم الجو المتوتر المسيطر على [[الحي]]، وعلى الدار، وذلك للتخفيف من مشاعر حجر ابن عدي وأحاسيسه المضطربة، ولم يكد ينتهى عبد الله من استقبال الضيف الخطير، ولم يكد يلقى الضيف الخطير بنفسه المكدودة على الفراش، ويستند إلى الجدار حتى هرع احد المرابطين في الحي، وهو ممتقع اللون، مضطرب [[النفس]] إلى حجر بن عدي وقال وهو يلهت في نبرات متقطعة: «إن الشرط تسأل عنك في النخع»، فوثب حجر بن عدي محاولاً يخرج من الدار ليخوض غمار الأحياء إلا أن عبد الله بن الحارث طلب منه أن يتريث لقد أدرك عبد الله [[النخعي]] أن أحد [[الناس]] قد رأى حجرا، وهو يمشي في النخع حذراً متوجساً فراح وأخبر [[الحكومة]] الأمر الذي برقت في نفسه [[فكرة]] وكانت [[الفكرة]] بارعة، إقترح على حجر بن عدي أن لا يخرج بهيئته المعروفة بل لو تنكر في هيئته لكان أفضل، فقبل حجر بن عدي هذا الاقتراح وغير هيئته وخرج من دار عبد الله بن الحارث النخعي متنكرا، وصحبه عبد الله بن الحارث أيضاً نجدة منه، وكان [[الليل]] قد ضرب بسرادقه على أحياء البلدة، ودخل [[الناس]]، دورهم فلم يكن يشاهد في دروب الأحياء سوى [[الشرطة]]، ورجال [[التجسس]] يبحثون عن حجر بن عدي، وسار حجر بن عدي مع صديقه [[المجتبى]] عبد الله بن الحارث [[النخعي]] يقطع الدروب الغامضة متجنبا ما أسعفه الحظ المعالم الواضحة المطروقة، وكان حجر بن عدي يفكر في رجال المباحث، وترى من دلهم على مكانه في [[حي]] [[كندة]]؟ | ||
ثم عرف بعد ذلك أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنه فالتقت بهم سوداء تسمى ب «أدماء» فرأت رجال [[الأمن]] يستفسرون، ويلحفون في [[السؤال]]، ويبحثون ويتحرون، فيسرفون في البحث والتحري، فتقدمت إلى الشرطة مستفسرة متسائلة: «من تطلبون»، وما أن ألقت السؤال حتى تجمهر حولها رجال الشرطة محملقين فاغرى الأفواه يسعون إلى كلمة تلقيها وقد أثارها الفضول ظاهرة البحث المستقصي فقال أحد الشرطة: «نطلب حجراً»، وكانت [[المرأة]] السوداء قد شاهدت آنفاً حجر بن عدي في البسته المعهودة، وهيئته المعلومة يمشي حذرا في حي النخع، وكانت تعرفه، وهل يجهل أحد من الناس حجر بن عدي الذي تحدى [[الحكومة]] مع كل صولتها وجبروتها. | ثم عرف بعد ذلك أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنه فالتقت بهم سوداء تسمى ب «أدماء» فرأت رجال [[الأمن]] يستفسرون، ويلحفون في [[السؤال]]، ويبحثون ويتحرون، فيسرفون في البحث والتحري، فتقدمت إلى الشرطة مستفسرة متسائلة: «من تطلبون»، وما أن ألقت السؤال حتى تجمهر حولها رجال الشرطة محملقين فاغرى الأفواه يسعون إلى كلمة تلقيها وقد أثارها الفضول ظاهرة البحث المستقصي فقال أحد الشرطة: «نطلب حجراً»، وكانت [[المرأة]] السوداء قد شاهدت آنفاً حجر بن عدي في البسته المعهودة، وهيئته المعلومة يمشي حذرا في حي النخع، وكانت تعرفه، وهل يجهل أحد من الناس حجر بن عدي الذي تحدى [[الحكومة]] مع كل صولتها وجبروتها. | ||
إن [[المرأة]] السوداء لم تنكر ولم تسكت عن معلوماتها، عن حجر بن عدي بل كشفت للشرطة القناع عن مكان تواجد حجر بن عدي مندفعة من موقع شعورها بالضعة والحقارة والهوان فهى من منطلق هذه الأحاسيس حاولت أن ترضي مشاعرها وأحاسيسها، وخاصة حينما رأت أن [[الناس]] قد اجتمعوا حولها يرمقونها بعيون متسائلة، فقالت للشرطة وأشارت بيدها نحو النخع: «ها هو ذا قد رأيته في النخع»، وما هي إلا كلمات حتى خب رجال المباحث نحو [[حي]] النخع بعد أن كانوا في [[جهل]] تام عن محل تواجد حجر بن عدي في حي من هذه الأحياء المنتشرة في [[المدينة]]، فكانوا يهجمون على الأحياء وعلى الدور في غير [[هدى]]، وكان الناس قد رأوا منهم العسف والقهر لقد تحرى [[الشرطة]] في حي النخع عن حجر بن عدي، فلم يتوصلوا إلى نتيجة واضحة، وكان النخعيون رجالا ونساء يكتمون الأمر، فمن كان يعرف بعض أمر حجر بن عدي يتكتم ولا يبين خاصة وأنهم رأوا حجرا يلوذ إلى سيدهم وزعيمهم | إن [[المرأة]] السوداء لم تنكر ولم تسكت عن معلوماتها، عن حجر بن عدي بل كشفت للشرطة القناع عن مكان تواجد حجر بن عدي مندفعة من موقع شعورها بالضعة والحقارة والهوان فهى من منطلق هذه الأحاسيس حاولت أن ترضي مشاعرها وأحاسيسها، وخاصة حينما رأت أن [[الناس]] قد اجتمعوا حولها يرمقونها بعيون متسائلة، فقالت للشرطة وأشارت بيدها نحو النخع: «ها هو ذا قد رأيته في النخع»، وما هي إلا كلمات حتى خب رجال المباحث نحو [[حي]] النخع بعد أن كانوا في [[جهل]] تام عن محل تواجد حجر بن عدي في حي من هذه الأحياء المنتشرة في [[المدينة]]، فكانوا يهجمون على الأحياء وعلى الدور في غير [[هدى]]، وكان الناس قد رأوا منهم العسف والقهر لقد تحرى [[الشرطة]] في حي النخع عن حجر بن عدي، فلم يتوصلوا إلى نتيجة واضحة، وكان النخعيون رجالا ونساء يكتمون الأمر، فمن كان يعرف بعض أمر حجر بن عدي يتكتم ولا يبين خاصة وأنهم رأوا حجرا يلوذ إلى سيدهم وزعيمهم عبد الله بن الحارث [[النخعي]]. | ||
سار حجر بن عدي مع رفيقه [[الكريم]] يرتادان حي [[الأزد]]، وهناك وفي فحمة [[الليل]] ارتادا دار [[ربيعة بن ناجد الأزدي]]، فاستقبلهما ابن ناجد على الرحب والسعة، وأنزل حجر بن عدي المنزل الكريم، وأكبر [[الظن]] أن عبد الله بن الحارث النخعي صديق حجر ورفيقه البار استأذن حجرا أن يعود إلى داره، فابتسم حجر بن عدي واذن له، وشكر له جهوده الطيبة، وكانت [[الحكومة]] قد بثت عيون الليل في أرجاء [[البلد]]، وأحيائه تراقب التحركات علها أن تجد إلى محل إختفاء حجر بن عدي سبيلا، وكانت تطلع العيون أكثر ما يكون، وأشد ما يكون في الأحياء المؤيدة لحجر بن عدي، والمناصرة له حيث إن مظنة تواجد حجر بن عدي في واحد من هذه الأحياء المؤيدة والمناصرة أكبر وأصوب من تواجد حجر بن عدي في حي لا يلتقى مع حجر ابن عدي، ومع حركته بلقاء حميم كمثل حي الأزد. | سار حجر بن عدي مع رفيقه [[الكريم]] يرتادان حي [[الأزد]]، وهناك وفي فحمة [[الليل]] ارتادا دار [[ربيعة بن ناجد الأزدي]]، فاستقبلهما ابن ناجد على الرحب والسعة، وأنزل حجر بن عدي المنزل الكريم، وأكبر [[الظن]] أن عبد الله بن الحارث النخعي صديق حجر ورفيقه البار استأذن حجرا أن يعود إلى داره، فابتسم حجر بن عدي واذن له، وشكر له جهوده الطيبة، وكانت [[الحكومة]] قد بثت عيون الليل في أرجاء [[البلد]]، وأحيائه تراقب التحركات علها أن تجد إلى محل إختفاء حجر بن عدي سبيلا، وكانت تطلع العيون أكثر ما يكون، وأشد ما يكون في الأحياء المؤيدة لحجر بن عدي، والمناصرة له حيث إن مظنة تواجد حجر بن عدي في واحد من هذه الأحياء المؤيدة والمناصرة أكبر وأصوب من تواجد حجر بن عدي في حي لا يلتقى مع حجر ابن عدي، ومع حركته بلقاء حميم كمثل حي الأزد. | ||
| سطر ٥٦٣: | سطر ٥٦٣: | ||
'''٢. [[صيفى بن فسيل الشيباني]]: ''' | '''٢. [[صيفى بن فسيل الشيباني]]: ''' | ||
كان صيفي من زعماء أصحاب حجر بن عدي، ومن كبار [[قادة]] [[الحركة]]، وكان مختفياً، وكانت الجلاوزة تتبع زعماء الحركة، وتبحث عنهم في كل مكان بل وقد عينت [[الحكومة]] الجوائز لمن يأتي أو يدل على واحد منهم، فجاء قيس بن عباد | كان صيفي من زعماء أصحاب حجر بن عدي، ومن كبار [[قادة]] [[الحركة]]، وكان مختفياً، وكانت الجلاوزة تتبع زعماء الحركة، وتبحث عنهم في كل مكان بل وقد عينت [[الحكومة]] الجوائز لمن يأتي أو يدل على واحد منهم، فجاء [[قيس بن عباد الشيباني]]، وكان يعلم عن مكان إختفاء صيفي، وكانت الجائزة قد أسالت لعابه وكان ضميره قد غشاه ظلام الحقد، وكان الجاه المزيف قد لمع أمام ناظريه، فلا عليه الا أن يرتاد الديوان، ويخبر ابن أبيه عن صيفي، وإن كان صيفي واحداً من قومه حتى تنفتح له موائد [[الأمير]] الشهية وتتحقق أحلامه، ومن منطلق هذه [[الأفكار]] أرتاد قيس بن عباد الشيباني ديوان ابن أبيه، وهناك صاح: «[[النصيحة]]، النصيحة»، فهرع إليه [[الشرطة]] وقالوا له: «ما بالك». | ||
قال: «عندي نصيحة للأمير». | قال: «عندي نصيحة للأمير». | ||
| سطر ٦٢٣: | سطر ٦٢٣: | ||
'''٣.[[عبد الله بن خليفة الطائي]]: ''' | '''٣.[[عبد الله بن خليفة الطائي]]: ''' | ||
من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن أبطال [[الدفاع]] عن [[المبادئ]] التي أعلنها حجر بن عدي ضد [[الظلمة]]، ولقد قاتل | من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن أبطال [[الدفاع]] عن [[المبادئ]] التي أعلنها حجر بن عدي ضد [[الظلمة]]، ولقد قاتل عبد الله «يوم المسجد» قتالاً شديداً، وكان أبي [[النفس]] عميق [[المذهب]]، شجاع [[القلب]]، وكان عابداً متهجداً قد أنضى جسمه في [[العبادة]] والنسك، وكان شاعراً من فحول [[الشعراء]]، ولقد أنشد قصيدة تأبينية في شهداء مرج عذراء هي [[آية]] في الروعة، وطول النفس، وشدة [[الأسر]]، وقوة السبك، وجزالة التعبير، وأشتهر عبد الله [[الطائي]] في المحافل [[السياسية]] بولائه العظيم للإمام [[أمير المؤمنين]]، وإندفاعه الملتهب نحو حركة حجر بن عدي، وتأييده [[المطلق]] لزعيم [[الحركة]]، ويعتبر عبد الله الطائي [[شاعر]] [[الانتفاضة]]. | ||
وحينما جرد ابن أبيه طاقات [[الحكومة]] في كبح جماح [[الانتفاضة]]، وإعتقال زعمائها، ومطاردة مؤيديها كان | وحينما جرد ابن أبيه طاقات [[الحكومة]] في كبح جماح [[الانتفاضة]]، وإعتقال زعمائها، ومطاردة مؤيديها كان عبد الله [[الطائي]] بعد إعتقال حجر بن عدي يرتاد [[مسجد]] الطائيين لا يخاف [[السلطة]]، ولا يرهب سطوة الطاغية، وكان المسجد متواجداً في [[حي]] الطائيين، وكان الطائيون يعقدون اجتماعاتهم في هذا المسجد، وفي ذات يوم، وكان ابن أبيه قد أهمه [[شاعر]] الانتفاضة لما كان يعرف من شعبية [[الشاعر]]، وشخصيته الاجتماعية والفكرية والسياسية، فجمع ابن أبيه عمال [[المدينة]] العاملين فيها، ومعظمهم من الحمراء وضم إليهم رئيس العمال، وزعيمهم الكبير بكير بن حمران الأحمري، وأرسلهم لالقاء [[القبض]] على عبد الله الطائي في حي الطائيين، وكانت المعلومات تشير إلى أن عبد الله الطائي متواجد في مسجد [[الحي]]، وكان الارهاب قد سيطر على جو المدينة، فكنت لا تسمع في المدينة [[صدى]] إلا صدى الارهاب والخوف الأمر الذي لاذ الرجال والناس عامة إلى دورهم حتى يأمنوا من مصيدة [[الحكومة]]، ولكي لا يشتبه في حالهم، فقد كانت الحكومة تلقي القبض على كل من يشتبه في حاله، أرتاد ابن حمران مع فريقه إلى مسجد الطائيين، وقد أعلمته الحكومة بمحل تواجد عبد الله، وكان عبد الله الطائي وحده في المسجد يصلي، ويبتهل إلى [[الله]] [[العلي]] [[القدير]] أن يكشف هذه الغمة المظلمة عن هذه [[الأمة]]، وكان يدعو لأخوانه، ويدعو للإسلام بالنصر والتأييد، ويدعو على [[أعداء الإسلام]] بالتفكك والانهيار والانفصام، كان مصلياً راكعاً وساجداً، وكان قد صحب معه سيفه ووضعه في ناحية من المسجد حتى إذا جد [[الجد]] كان معه سلاحه، وكان عبد الله في صلاته وإذا الجلاوزة يهجمون على المسجد، وعلى عبد الله الطائي بالذات، فما كان من عبد الله الا أن هرع إلى سيفه، وشهره في وجوه المهاجمين، وطفق يقاتلهم، ويحاربهم أشد قتال، وأقسى [[نضال]] حتى ألجأهم إلى خارج المسجد، وناضلهم، وكانوا يهربون من وجهه، فلما [[شاهد]] ابن حمران [[شجاعة]] عبد الله الفريدة، وقوة بأسه، وعزة نفسه أمر فريقه أن يحاربوه بالحجارة، ويرشقوه بالحصى حتى يضعف عن ملاحقتهم، وفعلا تجمهر الجلاوزة، ورشقوه بالحجارة حتى أدموا وجهه، وشجوا رأسه حتى خر على وجهه. | ||
وفي حومة [[النضال]] الغير المتوازن، وإختلاط الأصوات، وصياح الجلاوزة انتبهت أخت | وفي حومة [[النضال]] الغير المتوازن، وإختلاط الأصوات، وصياح الجلاوزة انتبهت أخت عبد الله [[الطائي]]، وكانت تسمى «ميثاء»، وكانت كأخيها رابطة الجأش، قوية الجنان، متفوهة، فلما شاهدت هجوم الجلاوزة على أخيها، وإندلاع [[المعركة]] بينه وبينهم في قوى غير متكافئة خرجت ونادت بقومها، ملهبة فيهم الحماس، مثيرة في نفوسهم [[الشجاعة]] والحمية، وكانت تقول في هتافها الحماسي: «يا معشر طئ، أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم». | ||
و يبدو قومها أنّ أحدا من قومها لم يخف لنجدتها، ونجدة أخيها إلا أن هتاف السيدة الطائية قد أثرت أثرها، وأعطت نتائجها حيث إن ابن حمران ما إن سمع هتافها في قومها حتى أنساب في كيانه، وكيان رفاقه [[الفزع]]، وخشى أن يجتمع رجال طي، ويخفوا لنجدة سيدة [[الحي]] ثم تكون الدائرة عليه وعلى رفاقه، ويهلك، ويهلك أصحابه الأمر الذي ترك إبن حمران ورفاقه عبد الله الطائي صريعاً في ساحة المعركة، وهربوا إلى دار الامارة يعتصمون فيها من ملاحقة الطائيين، وهناك وفي دار الامارة إنتحل ابن حمران لابن أبيه الأعذار في فراره، وفرار أصحابه، وقال: «إن طيئاً أجتمعت إلي، فلم أطقهم فأتيتك». | و يبدو قومها أنّ أحدا من قومها لم يخف لنجدتها، ونجدة أخيها إلا أن هتاف السيدة الطائية قد أثرت أثرها، وأعطت نتائجها حيث إن ابن حمران ما إن سمع هتافها في قومها حتى أنساب في كيانه، وكيان رفاقه [[الفزع]]، وخشى أن يجتمع رجال طي، ويخفوا لنجدة سيدة [[الحي]] ثم تكون الدائرة عليه وعلى رفاقه، ويهلك، ويهلك أصحابه الأمر الذي ترك إبن حمران ورفاقه عبد الله الطائي صريعاً في ساحة المعركة، وهربوا إلى دار الامارة يعتصمون فيها من ملاحقة الطائيين، وهناك وفي دار الامارة إنتحل ابن حمران لابن أبيه الأعذار في فراره، وفرار أصحابه، وقال: «إن طيئاً أجتمعت إلي، فلم أطقهم فأتيتك». | ||
فأطرق ابن أبيه يفكر في [[الوسيلة]] التي يستطيع أن يلقى [[القبض]] على عبد الله الطائي، وكانت أنباء هذه المعركة قد بلغت [[عدي بن حاتم]] | فأطرق ابن أبيه يفكر في [[الوسيلة]] التي يستطيع أن يلقى [[القبض]] على عبد الله الطائي، وكانت أنباء هذه المعركة قد بلغت [[عدي بن حاتم الطائي]]، رئيس الطائيين وكبيرهم، فأدرك أن [[الحكومة]] ستبعث إليه وتطالبه بتسليم عبد الله الطائي بصفته رئيسا للطائيين، ومسؤلا عنهم إلا أنه قد [[عزم]] على الصمود أمام هذه المطالبة، وكيف تريد منه أن يسلم [[شاعر]] الطائيين إلى الحكومة ثم تعدمه. | ||
أتريد من عدي بن حاتم أن يشترك في دم [[حرام]] يراق من [[مؤمن]] متهجد مغوار؟ ان هذا لا يكون. | أتريد من عدي بن حاتم أن يشترك في دم [[حرام]] يراق من [[مؤمن]] متهجد مغوار؟ ان هذا لا يكون. | ||
| سطر ٦٣٧: | سطر ٦٣٧: | ||
لقد [[فكر]] ابن أبيه في طريقة إلقاء القبض على عبد الله الطائي، وإعتقاله، فرأى أن أفضل طريقة هي أن يضغط على عدي بن حاتم رئيس الطائيين حتى يسلم عبد الله الطائي، ولأجل تنفيذ هذه [[الفكرة]] الجائرة أرسل إلى عدي بن حاتم وأحضره، فقال له في لهجة آمرة: «ائتني ب «عبد الله بن خليفة»، فقال عدي بن حاتم في لهجة ساذجة: وماله؟ | لقد [[فكر]] ابن أبيه في طريقة إلقاء القبض على عبد الله الطائي، وإعتقاله، فرأى أن أفضل طريقة هي أن يضغط على عدي بن حاتم رئيس الطائيين حتى يسلم عبد الله الطائي، ولأجل تنفيذ هذه [[الفكرة]] الجائرة أرسل إلى عدي بن حاتم وأحضره، فقال له في لهجة آمرة: «ائتني ب «عبد الله بن خليفة»، فقال عدي بن حاتم في لهجة ساذجة: وماله؟ | ||
فقيل لعدي عن قصة معركة | فقيل لعدي عن قصة معركة عبد الله مع [[الشرطة]]، والجلاوزة، وفراره وإختفائه. | ||
فقال [[عدي بن حاتم]]: «فهذا شيء كان في [[الحي]] لا علم لي به». | فقال [[عدي بن حاتم]]: «فهذا شيء كان في [[الحي]] لا علم لي به». | ||
| سطر ٦٤٥: | سطر ٦٤٥: | ||
فقال ابن حاتم في لهجة صادقة متحدية: «لا، والله لا آتيك به أبداً، أجيئك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.</ref>. | فقال ابن حاتم في لهجة صادقة متحدية: «لا، والله لا آتيك به أبداً، أجيئك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.</ref>. | ||
فغضب ابن أبيه، وأمر باعتقال عدي بن حاتم في [[السجن]]، وتسامع الشعب بإعتقال عدي بن حاتم | فغضب ابن أبيه، وأمر باعتقال عدي بن حاتم في [[السجن]]، وتسامع الشعب بإعتقال عدي بن حاتم الطائي، وانتشر [[خبر]] إعتقاله بين الأشراف وعلية [[الناس]]، وكان لعدي بن حاتم الطائي مكانة مرموقة، ومركزاً اجتماعياً كبيراً، وكان [[الأصدقاء]] والأعداء يحبونه على السواء، وذلك لما كان من خصائص قلما اجتمعت في غيره من الناس، وكان خبر إعتقاله من قبل [[السلطة]] قد أهمت زعماء [[أهل المدينة]]، ورأوا لو أنهم تهاونوا في قضية إعتقال ابن حاتم الطائي، فإن [[الحكومة]] سوف لا ترى ضيراً أن تفتعل حادثة، وتعتقلهم هم أنفسهم أيضاً طالما أنها اعتقلت ابن حاتم الطائي، وهو [[الشجاع]] الذكي الذي لم يكن ليدع الحكومة أن تمس ساحته أو تنعته بشيء، ومن هذا المنطلق أخذ اشراف [[المدينة]] من أهل [[اليمن]]، وربيعة، ومضر يختلفون إلى دار الامارة للتوسط بينها وبين ابن حاتم الطائي الذي كان لا يزال رهن الاعتقال<ref> يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٦٧.</ref>، وكانوا يقولون للطاغية يذكروه بماضي ابن حاتم [[المجيد]] في لهجة معاتبة: «تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب [[رسول الله]]»، وفي أثناء الوساطات كانت المراسلة تجري بين عبد الله الطائي الذي انتقل من حيه، وأختفي في [[حي]] «بحتر» وبين عدي بن حاتم الطائي الذي كان لا يزال رهن الاعتقال تجري تحت الستار، فحينما بلغت أنباء إعتقال ابن حاتم الطائي إلى عبد الله الطائي، وعرف أن إعتقاله كان بسبب إختفائه أمتعض أشد الامتعاض، وغضب من تصرفات الحكومة، وهو الأبي الشجاع، فعزم أن يسلم نفسه إلى الحكومة إلا أنه رأى أن يستشير زعيم الطائيين، فأرسل إليه رسولاً يقول لعدي: «إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت». | ||
ولا يغني أن يضع | ولا يغني أن يضع عبد الله يده في يدي عدي، وهو معتقل إلا أن يعرض نفسه للحكومة، وبالتالي إعتقاله كما اعتقلت رفاقه في [[نضال]] الحريّة، ولكن [[عدي بن حاتم]] [[الطائي]] أجاب رسوله معبراً عن عواطفه تجاه أبناء قبيلته، والتزامه بمسؤلياته مهما تحمل في سبيل ذلك من تضحيات: «قل له والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك»، إذن [[عزم]] عدي بن حاتم أن يحافظ على [[حياة]] عبد الله الطائي، وأمره أن يبقى في إختفائه، ولو صادفه ما يصادفه من عنت [[الحكومة]]، ولقد علم ابن أبيه بنوايا عدي بن حاتم المتحدية، فأمسى ابن أبيه حائراً بين أسلوبين في المعاملة مع عدي بن حاتم، فهو إذا أصر على إعتقال عدي بن حاتم، وطالبه بتسليم عبد الله الطائي، فإن الأمر ربما يتطور إلى تطورات لا تحمد عقباها، فإن [[قبيلة]] طي ربما عاضدت زعيمها ثم تظهر على الساحة معاضدة القبائل الأخرى لعدي بن حاتم الأمر الذي يستلزم على الحكومة أن تدخل معتركا آخر مع عدي بن حاتم الأمر الذي سينتشر حبل التماسك، وأما أن يختار ابن أبيه أسلوب [[سياسة]] اللين في هذا المنعطف من حياة [[الكوفة]] [[السياسية]]، إن هذا الاسلوب هو الأحرى، فأرسل إلى عدي بن حاتم من أتى به إليه، فقال لعدي: «إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة، ولتسير به إلى الجبلين»<ref>الجبلان هما أجا وسلمى من جبال طئ.</ref>. | ||
فاستجاب عدي بن حاتم لهذا الشرط، فاطلق سراحه، فبعث عدي إلى عبد الله الطائي من يبلغه شرط الحكومة في مقابل إطلاق سراحه، وهذا الشرط هو أن يرحل عبد الله الطائي إلى الجبلين منفيا، ووعده ابن حاتم انه سوف يسعى جهده إذا عادت الأمور السياسية إلى طبيعتها أن يحمل الحكومة على الترخيص في عودته من منفاه إلى [[البلد]]، قال ابن حاتم الطائي في رسالته إلى عبد الله الطائي بالحرف [[الواحد]]: «يابن أخي إن هذا قد لجّ في أمرك، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك مادام له [[سلطان]]، فألحق بالجبلين، فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء [[الله]]». | فاستجاب عدي بن حاتم لهذا الشرط، فاطلق سراحه، فبعث عدي إلى عبد الله الطائي من يبلغه شرط الحكومة في مقابل إطلاق سراحه، وهذا الشرط هو أن يرحل عبد الله الطائي إلى الجبلين منفيا، ووعده ابن حاتم انه سوف يسعى جهده إذا عادت الأمور السياسية إلى طبيعتها أن يحمل الحكومة على الترخيص في عودته من منفاه إلى [[البلد]]، قال ابن حاتم الطائي في رسالته إلى عبد الله الطائي بالحرف [[الواحد]]: «يابن أخي إن هذا قد لجّ في أمرك، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك مادام له [[سلطان]]، فألحق بالجبلين، فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء [[الله]]». | ||
فاستجاب | فاستجاب عبد الله [[الطائي]] مضطراً لهذا الاجراء القاسي، وخرج تحت ستار [[الليل]] إلى الجبلين تخب به الابل نحو الجبلين في [[قلب]] جريح، ونفس مكدودة. | ||
لقد أمضى عبد الله الطائي شهورا في الجبلين بعيداً عن العمران، وكان يشتاق إلى بلده، فيكاتب [[عدي بن حاتم]] أن يتوسط لدى [[الحكومة]] لكي يجلب رضاها عنه، فكان عدي بن حاتم يمنيه، ويفتح أبواب [[الأمل]] في وجه المغترب الكاسف البال الحزين، وكان عدي بن حاتم يرى أن الأجواء لا تزال غائمة بينه وبين الحكومة، وإن نفسه عزفت عن الحكومة وحكامها، وخاصة بعد إستشهاد حجر بن عدي ورفاقه، فامست نفسه جريحة عميقة الجرح، أسيفة شديدة [[الأسف]] والأسى، ومن جهة ثانية كان عبد الله الطائي يلح على عدي بن حاتم في التوسط لدى الحكومة، فلما لم يستجب عدي ابن حاتم الطائي بصورة جدية لطلب عبد الله الطائي في مغتربه أنشد عبد الله من مغتربه قصيدة عصماء عبر عن عواطفه فيها، وأبن شهداء مرج عذراء وبعثها إلى عدي بن حاتم الطائي قال: | لقد أمضى عبد الله الطائي شهورا في الجبلين بعيداً عن العمران، وكان يشتاق إلى بلده، فيكاتب [[عدي بن حاتم]] أن يتوسط لدى [[الحكومة]] لكي يجلب رضاها عنه، فكان عدي بن حاتم يمنيه، ويفتح أبواب [[الأمل]] في وجه المغترب الكاسف البال الحزين، وكان عدي بن حاتم يرى أن الأجواء لا تزال غائمة بينه وبين الحكومة، وإن نفسه عزفت عن الحكومة وحكامها، وخاصة بعد إستشهاد حجر بن عدي ورفاقه، فامست نفسه جريحة عميقة الجرح، أسيفة شديدة [[الأسف]] والأسى، ومن جهة ثانية كان عبد الله الطائي يلح على عدي بن حاتم في التوسط لدى الحكومة، فلما لم يستجب عدي ابن حاتم الطائي بصورة جدية لطلب عبد الله الطائي في مغتربه أنشد عبد الله من مغتربه قصيدة عصماء عبر عن عواطفه فيها، وأبن شهداء مرج عذراء وبعثها إلى عدي بن حاتم الطائي قال: | ||
| سطر ٧١١: | سطر ٧١١: | ||
{{بيت|فلا يبعدن قومي وإن كنت غائبا|وكنت المضاع فيهم والمكفرا}} | {{بيت|فلا يبعدن قومي وإن كنت غائبا|وكنت المضاع فيهم والمكفرا}} | ||
{{بيت|ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم|وإن كنت عنهم نائي الدار محصر}} | {{بيت|ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم|وإن كنت عنهم نائي الدار محصر}} | ||
ثم إن | ثم إن عبد الله [[الطائي]] لم تمض عليه طويلا في الجبلين حتى توفى هناك قبل [[موت]] ابن أبيه<ref>تاريخ الطبري، ٥: ٢٨١ – ٢٨٥؛ الكامل في التاريخ، ٣: ٢٣٧.</ref>. | ||
''' | ٤. '''[[كريم بن عفيف الخثعمي]]: ''' | ||
وكان أحد كبار أعضاء حركة حجر بن عدي، وكانت [[الحكومة]] تطارده، وتتعقبه لتعتقله، وبعد جهود مكثفة بذلها رجال المباحث أستطاعوا أن يلقوا [[القبض]] عليه، فأقتادوه إلى ابن أبيه، فقال له في نبرة قاسية: «ما اسمك». قال: «أنا [[كريم]] | وكان أحد كبار أعضاء حركة حجر بن عدي، وكانت [[الحكومة]] تطارده، وتتعقبه لتعتقله، وبعد جهود مكثفة بذلها رجال المباحث أستطاعوا أن يلقوا [[القبض]] عليه، فأقتادوه إلى ابن أبيه، فقال له في نبرة قاسية: «ما اسمك». قال: «أنا [[كريم بن عفيف]]». | ||
قال ابن أبيه، وقد أعجبه [[الاسم]]، وغاضه اهتماماته التحررية، ومعتقداته [[العلوية]]: «ويحك ما أحسن اسمك، واسم أبيك، وأسوا عملك ورأيك». | قال ابن أبيه، وقد أعجبه [[الاسم]]، وغاضه اهتماماته التحررية، ومعتقداته [[العلوية]]: «ويحك ما أحسن اسمك، واسم أبيك، وأسوا عملك ورأيك». | ||
| سطر ٧٣١: | سطر ٧٣١: | ||
الشهير ب «أبي العمرّطة» لقد أبا العمرطة دافع بسيفه «يوم المسجد» عن حجر بن عدي الكندي زعيم [[المعارضة]]، وفي لحظات [[الدفاع]] أقبل أبو العمرطة ووثب على فرسه في حومة [[النضال]]، وإذا بيزيد بن طريف المسلي، وهو أحد رجال [[الشرطة]] يقبل بعموده، ويهوى به على أبي العمرطة، فيصيب فخذه بألم وجراح، فيخترط أبو العموطة سيفه في عنف، ويهوى به على رأس ابن طريف المسلي، فيخر لوجهه. ثم ان المسلي وبعد أشهر يبرأ من شجته العميقة في رأسه. | الشهير ب «أبي العمرّطة» لقد أبا العمرطة دافع بسيفه «يوم المسجد» عن حجر بن عدي الكندي زعيم [[المعارضة]]، وفي لحظات [[الدفاع]] أقبل أبو العمرطة ووثب على فرسه في حومة [[النضال]]، وإذا بيزيد بن طريف المسلي، وهو أحد رجال [[الشرطة]] يقبل بعموده، ويهوى به على أبي العمرطة، فيصيب فخذه بألم وجراح، فيخترط أبو العموطة سيفه في عنف، ويهوى به على رأس ابن طريف المسلي، فيخر لوجهه. ثم ان المسلي وبعد أشهر يبرأ من شجته العميقة في رأسه. | ||
فتصل أنباء هذه ا [[المعركة]] إلى [[الشاعر]] | فتصل أنباء هذه ا [[المعركة]] إلى [[الشاعر]] عبد الله بن همام السلولي، فينشد أبياتاً في هجاء ابن طريف المسلي، وكان ابن طريف هذا يغمز في نسبه، ويمدح أبا العمرطة، ويذكر مواقفه البطولية. قال الشاعر السلولي: | ||
{{بداية قصيدة}} | {{بداية قصيدة}} | ||
{{بيت|الؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسراً|إلى بطل ذي جرأة وشكيم}} | {{بيت|الؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسراً|إلى بطل ذي جرأة وشكيم}} | ||
| سطر ٨٥٣: | سطر ٨٥٣: | ||
لقد كتب الكتّاب في قائمة [[الشهود]] أسماء سبعين رجلاً على أساس أنهم شهدوا وفقاً لمواد الادانة. | لقد كتب الكتّاب في قائمة [[الشهود]] أسماء سبعين رجلاً على أساس أنهم شهدوا وفقاً لمواد الادانة. | ||
ثم ان الكتاب حملوا قائمة الشهود إلى ابن أبيه لينظر فيها، ويحذف أو يزيد في [[الأسماء]]، فلما قرأها أمر بإلغاء أسماء رجال لم يكونوا بذي خطر لا في الحقل [[السياسي]]، ولا في الحقل [[الاجتماعي]]، وإنما كانوا من سواد المرتزقة ممن لا يؤبه بهم، فبلغ الذين الغيت أسمائهم من القائمة عشرون رجلاً أو ما يقاربه، وكان | ثم ان الكتاب حملوا قائمة الشهود إلى ابن أبيه لينظر فيها، ويحذف أو يزيد في [[الأسماء]]، فلما قرأها أمر بإلغاء أسماء رجال لم يكونوا بذي خطر لا في الحقل [[السياسي]]، ولا في الحقل [[الاجتماعي]]، وإنما كانوا من سواد المرتزقة ممن لا يؤبه بهم، فبلغ الذين الغيت أسمائهم من القائمة عشرون رجلاً أو ما يقاربه، وكان عبد الله بن [[الحجاج]] [[الثعلبي]] فيمن حذف اسمه<ref>يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.</ref>. | ||
أضواء على [[الأسماء]]: | أضواء على [[الأسماء]]: | ||
| سطر ١٬٠٨٠: | سطر ١٬٠٨٠: | ||
# [[عتبة بن الأخنس الهوازني]]. | # [[عتبة بن الأخنس الهوازني]]. | ||
ثم ان عامر العجلي خرج من الديوان، فلمح صديقه وكان رجلاً من بجيلة، فسأل نفسه: ماذا يعمل صديقه هنا، وعهده به أنه في [[الكوفة]]، فيا ترى لم أقبل إلى دمشق، ولأجل ماذا رحل إليها، ولكي تتوضح [[الصورة]] لدى العجلي أسرع بفرسه باتجاه صديقه [[البجلي]] وحياه، وقال متسائلاً: «مهيم» فشرح البجلي له أهداف رحلته من الكوفة إلى دمشق، وأنه حمل [[رسالة]] من جرير بن | ثم ان عامر العجلي خرج من الديوان، فلمح صديقه وكان رجلاً من بجيلة، فسأل نفسه: ماذا يعمل صديقه هنا، وعهده به أنه في [[الكوفة]]، فيا ترى لم أقبل إلى دمشق، ولأجل ماذا رحل إليها، ولكي تتوضح [[الصورة]] لدى العجلي أسرع بفرسه باتجاه صديقه [[البجلي]] وحياه، وقال متسائلاً: «مهيم» فشرح البجلي له أهداف رحلته من الكوفة إلى دمشق، وأنه حمل [[رسالة]] من جرير بن عبد الله البجلي إلى صاحب القصر، فلما تسائل العجلي عن محتوى [[الرسالة]] ومضمونها أجاب البجلي: إن جماعة من قوم عاصم بن عوف البجلي، وثلة من قوم ورقاء بن سمي البجلي توسطتا لدى جرير بن عبد الله البجلي، وكانت له مكانة عند [[الحكومة]] أن يكتب رسالة إلى القصر حول البجليين المعتقلين، ويحسن حالهما عنده ويطيب خاطره عنهما، وأنهما لم يكن لهما في حركة حجر بن عدي لا ناقة ولا جمل، وأنهما بريئان مما الصق بهما، وصفحتهما نقية، وأنهما يواليان [[السلطة]]. | ||
وأضاف [[البجلي]] قائلاً: لقد كان جرير البجلي يثق بي فحملني رسالته إلى [[معاوية]]، فرحلت مغذاً السير لا ألوي على شيء، وكنت لا أشفق على ضنى الطريق، وأوصابه، ولا أرفق بنفسي حتى وردت دمشق حذراً أن يقتلهما معاوية أو يصابان بمكروه أشد وأكبر مما أصيبا به، لقد كنت أسابق [[القدر]] وعندما وردت [[البلد]] سألت عن البجليين، فأخبرت أنهما لا يزالان يتمتعان بالحياة، فأسرعت إلى [[القصر]] حتى اجتمعت بمعاوية، وسلمته [[رسالة]] جرير بن | وأضاف [[البجلي]] قائلاً: لقد كان جرير البجلي يثق بي فحملني رسالته إلى [[معاوية]]، فرحلت مغذاً السير لا ألوي على شيء، وكنت لا أشفق على ضنى الطريق، وأوصابه، ولا أرفق بنفسي حتى وردت دمشق حذراً أن يقتلهما معاوية أو يصابان بمكروه أشد وأكبر مما أصيبا به، لقد كنت أسابق [[القدر]] وعندما وردت [[البلد]] سألت عن البجليين، فأخبرت أنهما لا يزالان يتمتعان بالحياة، فأسرعت إلى [[القصر]] حتى اجتمعت بمعاوية، وسلمته [[رسالة]] جرير بن عبد الله البجلي، ففض [[الرسالة]] وقرأ بصوت مسموع: «إن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأي [[الحسن]] سعى بهما ساع ظنين إلى زياد، فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد، وهما ممن لم يحدثا حدثاً في [[الإسلام]]<ref>في الأصل: لا يحدث حدثا والصحيح ما اثبتناه.</ref>، ولا بغياً على [[الخليفة]]، فلينفعهما ذلك». | ||
وكان هناك ممن سمع بأمر المعتقلين، وهو يزيد بن أسد البجلي، وكان أثيرا عند معاوية، وكان البجلي هذا قد بلغته أخبار إعتقال «عاصم بن عوف البجلي» وهو يحمل رقم (٧)، و«ورقاء بن سمي البجلي» وهو يحمل رقم (٨)، وكان قد جاءه بعض أقارب الرجلين يطلبان منه الوساطة لدى معاوية بإطلاق سراحهما تماماً كما سعى قوم الرجلين لدى جرير البجلي لكي يكتب رسالة من قبله إلى معاوية يصف حالهما، وعندما حانت الفرصة ليزيد بن أسد البجلي في الديوان نهض وطلب من معاوية أن يهب له إبني عمه قائلاً: «هب لي إبني عمي»، وهنا تذكر معاوية الرسالة من جرير البجلي فقال: قد كتب إلي ابن عمك فيهما جرير. محسنا عليهما [[الثناء]]، وهو أهل أن يصدق قوله، وتقبل نصيحته، وقد سألتني إبني عمك فهما لك ...». | وكان هناك ممن سمع بأمر المعتقلين، وهو يزيد بن أسد البجلي، وكان أثيرا عند معاوية، وكان البجلي هذا قد بلغته أخبار إعتقال «عاصم بن عوف البجلي» وهو يحمل رقم (٧)، و«ورقاء بن سمي البجلي» وهو يحمل رقم (٨)، وكان قد جاءه بعض أقارب الرجلين يطلبان منه الوساطة لدى معاوية بإطلاق سراحهما تماماً كما سعى قوم الرجلين لدى جرير البجلي لكي يكتب رسالة من قبله إلى معاوية يصف حالهما، وعندما حانت الفرصة ليزيد بن أسد البجلي في الديوان نهض وطلب من معاوية أن يهب له إبني عمه قائلاً: «هب لي إبني عمي»، وهنا تذكر معاوية الرسالة من جرير البجلي فقال: قد كتب إلي ابن عمك فيهما جرير. محسنا عليهما [[الثناء]]، وهو أهل أن يصدق قوله، وتقبل نصيحته، وقد سألتني إبني عمك فهما لك ...». | ||
| سطر ١٬٠٩٢: | سطر ١٬٠٩٢: | ||
وقام حمزة بن [[مالك]] [[الهمداني]] وطلب منه أن يهب له سعيد بن نمران الهمداني، فوهبه له. | وقام حمزة بن [[مالك]] [[الهمداني]] وطلب منه أن يهب له سعيد بن نمران الهمداني، فوهبه له. | ||
وقام حبيب بن مسلمة، وسأله أن يهب له | وقام حبيب بن مسلمة، وسأله أن يهب له عبد الله بن حوية [[السعدي]] التميمي، فوهبه له، وخلى سبيله. | ||
وهنا قام وائل بن حجر الحضرمي، وهو الذي كان مسؤولاً عن قافلة المجاهدين السجناء من [[الكوفة]] إلى مرج عذراء، وطلب من معاوية أن يهب له الأرقم بن عبد الله الكندي، فتركه له، وأطلق سراحه. | وهنا قام وائل بن حجر الحضرمي، وهو الذي كان مسؤولاً عن قافلة المجاهدين السجناء من [[الكوفة]] إلى مرج عذراء، وطلب من معاوية أن يهب له الأرقم بن عبد الله الكندي، فتركه له، وأطلق سراحه. | ||
| سطر ١٬٤٣٨: | سطر ١٬٤٣٨: | ||
وكانت [[ثورة المختار]] [[الثورة]] [[المباركة]] التي اجتاحت [[العراق]]، وطردت العصابات المجرمة التي كانت تسبح في دماء الشعب، وتأكل أمواله، وتغتصب حرياته [[خير]] حافز لمعاضدة أحرار الشعب والثورة، وتحمس عوائل [[الشهداء]] لها واندفع ابنائها في اتجاهها، فكانوا يعاضدونها، ويسهرون على سلامتها، ويبذلون [[الأموال]] والنفوس في سبيل الحفاظ عليها. | وكانت [[ثورة المختار]] [[الثورة]] [[المباركة]] التي اجتاحت [[العراق]]، وطردت العصابات المجرمة التي كانت تسبح في دماء الشعب، وتأكل أمواله، وتغتصب حرياته [[خير]] حافز لمعاضدة أحرار الشعب والثورة، وتحمس عوائل [[الشهداء]] لها واندفع ابنائها في اتجاهها، فكانوا يعاضدونها، ويسهرون على سلامتها، ويبذلون [[الأموال]] والنفوس في سبيل الحفاظ عليها. | ||
وكان | وكان عبد الله، وعبد [[الرحمن]] شبلا الشهيد حجر بن عدي، واسرتهما، واعمامهما جميعاً يعملون لصالح الثورة بل وتقدموا في الصفوف القيادية، وذلك لما كانوا يتمتعون به من أخلاص لا ريب فيه، وحماس لا فتور فيه، وجهد مستمر على سلامة الثورة ومنجزاتها ولقد حفلت الثورة بالمكاسب العظيمة، والمنجزات [[الكبيرة]] رغم [[الزمان]] القصير الذي طلعت فيه الثورة على الساحة [[الإسلامية]]، وكانت عواصم [[العالم الإسلامي]] آنذاك يسودها الصراعات على [[السلطة]] فغزا [[مصعب بن الزبير]] [[الكوفة]] في جيش جرار محاولة منه [[القضاء]] على [[ثورة]] المستضعفين، واستعد جيش [[الثوار]] للتصدي لمصعب وجيشه، والتحم [[الفريقان]] في معركة دامية استشهد في خلالها عبد الله، وعبدالرحمن شبلا حجر بن عدي، ويقال انهما اسرا، فقتلهما مصعب صبراً تماما كما استشهد أبو هما، [[الشهيد]] الكبير، حجر بن عدي. | ||
وعندما استتبت الأمور لمصعب كان يتتبع فلول [[الثورة]]، فهرب ابن عم الشهيدين [[معاذ بن هانئ بن عدي]] إلى [[الشام]]، ولكن الأمور لم تطل بمصعب [[ابن الزبير]] طويلاً، وذلك أن [[عبد الملك بن مروان]] قاد جيشاً لمحاربة مصعب، والتحم الفريقان، وقتل مصعب بن الزبير، فأحتز جنود عبدالملك رأسه، وقدموا الرأس في صحن هدية لعبد [[الملك بن مروان]] | وعندما استتبت الأمور لمصعب كان يتتبع فلول [[الثورة]]، فهرب ابن عم الشهيدين [[معاذ بن هانئ بن عدي]] إلى [[الشام]]، ولكن الأمور لم تطل بمصعب [[ابن الزبير]] طويلاً، وذلك أن [[عبد الملك بن مروان]] قاد جيشاً لمحاربة مصعب، والتحم الفريقان، وقتل مصعب بن الزبير، فأحتز جنود عبدالملك رأسه، وقدموا الرأس في صحن هدية لعبد [[الملك بن مروان]] | ||