حجر بن عدي الكندي الكوفي

من إمامةبيديا
(بالتحويل من حجر بن عدي الكندي)

نبذة

حجر بن عدي الكندي يكنى «أبا عبد الرحمن».

من صحابة الإمام، ومن كبار أنصاره، ومن المجاهدين الذين رفعوا راية الإسلام خفافة في ربوع الإمبراطوريتين: الروم والفرس.

ولقد تشرب من معين رسول الله، والتقت نفسه بتلك الروح العظيمة، وسار يتتبع خطى الإسلام، ويسير وراء استاذه العظيم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويرتوي من علومه الثرة، ويقتدي بهداه حتى أضحى من الأبدال.

عاش حجر في الجاهلية والإسلام، ولمس معالم الجاهلية المكفهرة، وشاهد تقاليدها واتجاهاتها، وكان يومئذ وليدا يرتع ويلعب في أحياء عشيرته كندة في اليمن.

وعندما انبلج نور الإسلام أخذت أضواءه تتسرب إلى أقطار الجزيرة العربية تتلمس النفوس الطيبة الكريمة، وكانت كندة قد سمعت بأصداء الإسلام، وعلى امتداد أعوام الإسلام، أعوام الجهاد والنضال كانت كندة عشيرة حجر يقع إليها أنباء الإسلام ومسيرته الجهادية إلى أن بلغها انتصارات الإسلام في كل الجبهات، ثم تسامعت كندة عن رسول من قبل النبي الكريم قد حل في اليمن يدعو الناس إلى الإسلام والشريعة المحمدية، وكان حجر آنئذ شابا مفتول الذراعين، جميل الصورة، حلو العينين، أسمر القسمات، يبدو من ملامحه الذكاء والفطنة، والقوة والتحدي، والنجدة والكرم، ففي كتاب الأغاني قال الأصبهاني: «كان الجمال بالكوفة ينتهي إلى أربعة، حجر ابن عدي و...».

لقد شعر حجر الفتى الشاب بقوة تدفعه باتجاه مدينة الرسول، كان شذى الإسلام قد تسرب إلى تلك النفس الكريمة، وكان أخوه هاني بن عدي شعر بنفس الشعور، فتقاسما الشعور والاحساس، فشدا الرحال وسارا يقطعان الفيافي والمفاوز باتجاه يثرب مدينة الرسول، وكانت الأمال الطيبة تداعبهما وتحثهما وتخفف عنهما وعثاء السفر، ومشقة الطريق: أمل اللقاء، أمل اعتناق الدعوة المحمدية، آمال انبسطت على إمتداد المستقبل المشرق الوضاء، وعندما بلغ الاخوان: هانئ وحجر المدينة هيئا نفسيهما للقاء العظيم، اللقاء الذي سيخط مسيرة حجر بن عدي على إمتداد المستقبل، ومنذ أن علم حجر إن هي إلا ساعات حتى يحضر عند الرسول (ص) حتى شعر أن هواجسا بدأت تنتابه، ومشاعرا أخذت تلفه، مشاعر فرح وخوف، وربما كانت لديه أحاسيس غامضة، وحضر حجر بن عدي مع أخيه هانى عند رسول الله (ص)، وفي لحظة الحضور كانت دقات قلبه أشد وأعتى، وتصاعد الدم إلى وجنتيه، فصبغتهما بحمرة قرمزية، ولم تمض لحظات من حضوره لدى الرسول (ص) حتى شعر بطمأنينة وإرتياح، وبشذى يلف كيانه.

لقد أسلم حجر بن عدي مع أخيه هانئ على يد رسول الله (ص)، وخرج حجر من عند رسول الله وقلبه عامر بالأيمان[١].

وكان حجر الشاب قد سمع الكثير عن ابن عم رسول الله الفتى الكبير علي بن أبي طالب الأمر الذي أحس بتجاوب نفسي بينه وبين الإمام، ومن منطلق هذا الشعور راح حجر يسأل عن الإمام إلى أن شاهده، ورآه عن كتب. ثم إن حجرا عاد مع أخيه إلى اليمن، ومضى القليل من الأعوام وإذا بنا نشاهد حجر بن عدي جنديا من أبرز الجنود المسلمين يتحركون باتجاه سورية، وسورية آنئذ كانت من مستعمرات الأمبراطورية البيزنطينية. يخوض حجر الجندي الباسل معارك مصيرية، وترتقي رتبته العسكرية إلى قائد، ويسير مع فيلق من الجيش باتجاه مرج عذراء، وكانت بيد البيزنطينيين، وبعد حروب استطاع حجر بن عدي أن يحلق بالبيزنطينيين هزيمة ساحقة، فيدخلها الجندي القائد الشجاع فاتحا، فيهتف بصوته عاليا: الله أكبر،سبحان الله، ويردد جنوده هذا الشعار الإسلامي الكبير معبرين عن أفراحهم العتيدة [٢].

ثم إن حجر بن عدي مع جماعته انتقلوا من خنادق سورية البيزنطينية إلى خنادق عراق الساسانيين في محاولة نجدة المسلمين في هاتيك الأرجاء من الوطن الساساني، وخاض حجر في بسالة فذة المعارك الدائرة بين الفريقين في ساحات القتال، واشهر هاتيك المعارك هي معركة القادسية حيث إنها كانت معركة مصيرية بين الإسلام وبين الدولة الساسانية المنهارة، وكان النصر حليف حجر بن عدي [٣].

وفي غضون معارك حجر بن عدي في ساحات البيزنطينيين أو ساحات الساسانيين أبدى حجر بن عدي من الشجاعة والبسالة والنجدة ما أدهش زملائه العسكريين مما جعلته مشهورا في صفوف الجنود، وفي إحدى هذه المعارك الشهيرة بمعركة «الساباط» التحم القتال بين المسلمين وبين الساسانيين، وكان الحارث بن هانئ الكندي أحد جنود هذه المعركة يقاتل في ضراوة، وإذا به في خلال المعركة يجد نفسه مطوقا من قبل العدو، فحاول جاهدا أن يحطم التطويق، ولكنه لم يفلح الأمر الذي صاح في غمار النقع: يا حكر، يا حكر، مستنجدا ب «حجر بن عدي»، وما إن حملت الرياح اصداءه إلى حجر، وهو يقاتل في حماس ملتهب، فما كان من حجر إلا أن أصدر أوامره إلى جنوده أن يتبعوه وبصورة تكتيكية شجاعة، وبعد قتال أحمر قاني استطاع حجر أن يحطم التطويق، ويصل إلى الحارث الكندي الجندي المستغيث، ويستنقذه من يد المطوقين»[٤].

وأصبح حجر بن عدي من كبار القادة العسكريين، فكان يتقاضى راتبه من الدولة، وقدره (٢٥٠٠) درهما أو دينارا، وهو راتب ضخم في ذلك العهد لا يتقاضاه إلا من كان على صعيد حجر بن عدي[٥].

وبقي حجر بن عدي في ثكنة الكوفة أو معسكر الكوفة كضابط من كبار الضباط العسكريين، واشتهر حجر بين الجنود وبين عوائلهم بالعبادة والصلاة والتهجد والخشوع والتقى تماما كما كان مشهورا ذائع الصيت بالشجاعة والتفاني والنجدة، وبالكرم والشفقة وسماحة النفس.

وكثيرا ما رحل حجر من المعسكر مسافرا ومتجها إلى مدينة الرسول، ومكة المكرمة حاجا أو معتمرا، وفي إحدى رحلاته هذه التقى بـ أبي ذر الغفاري، وهو في منفاه مبعدا في الريدة، وكان أبو ذر الغفاري آنئذ يعاني سكرات الموت لم يمض وقت كثير حتى لفظ المجاهد الكبير آخر أنفاسه، فقام حجر بن عدي وزميله الكبير مالك الأشتر في تجهيز الصحابي العظيم، فوارياه في منفاه في الربذة بعد حياة حافلة بالجهاد[٦].

وحينما تولى الإمام علي(ع) الخلافة على الصعيد السياسي، وحملت إليه الأنباء بتحركات أصحاب الجمل المشبوهة الأمر الذي عزم على التصدي للتحركات التي اسفرت عن «معركة الجمل»، فرحل الإمام إلى الربذة، ومن هناك أرسل الإمام برسائل إلى معسكر الكوفة يدعو الناس إلى التعبئة والالتحاق بجيشه، وحينما وصل رسول الإمام إلى المعسكر أجتمع الجنود في مسجد المعسكر الكبير، وهناك أصغوا إلى رسالة الإمام.

نهض كبار الشخصيات العسكرية، والقوا بخطبهم الملتهبة يحثون الجنود أن يستجيبوا لدعوة الإمام أمير المؤمنين(ع)، وكان أحد من خطب في حشود المسلمين هو صاحب الترجمة: حجر بن عدي، فإنه نهض وهتف في الناس أن يستجيبوا للقرآن، أن يلبوا دعوة الإمام(ع)، فقال فيما قال في نبرات حازمة ملتهبة: «أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[٧] ومروا أنا أولكم[٨].

وبفضل الحركة الاعلامية الرائدة التي قادها حجر وأصحابه الميامين تحققت التعبئة العامة، وسارت فيالق الجنود السبعة برا وبحرا ليليوا دعوة قائدهم العظيم، وحسب الاحصائيات كان عدد الجنود اثني عشر ألف جندي، وأحد الفيالق السبعة هو فيلق يضم على جنود من قبيلتي مذحج والأشعريين، وقائدهم هو حجر بن عدي الكندي صاحب الترجمة[٩].

وعندما وزع الإمام القيادات على كتائب الجيش في هذه المعركة الشهيرة ب «معركة الناكثين» نصب حجر بن عدي على كتيبة كبيرة تضم على جنود من كندة وحضرموت، وقضاعة ومهرة[١٠].

نعم، إن الإمام عقد لحجر بن عدي لواءاً على هذه الكتيبة الكبيرة، وهذا يعبر عن ثقة الإمام المطلقة بهذا الضابط المتفاني في سبيل مبادئه الوضاءة.

قال حجر بن عدي يوم الجمل رجزا برواية ابن أبي الحديد، عن أبي مخنف في كتاب الجمل:

يا ربنا سلم لنا علياسلم لنا المهذب النقيا
المؤمن الموحد التقيالا خطل الرأي ولا غويا
بل هاديا موفقا مهدياواحفظه ربي واحفظ الانبيا
فيه فقد كان له ولياثم ارتضاه بعده وصيا[١١]


والأبيات برواية نصر قال:

يا ربنا سلم لنا علياسلم لنا المهذب النقيا
المؤمن المسترشد المرضياواجعله هادي أمة مهديا
لا أخطل الرأي ولا غبياواحفظه ربي حفظك النبيا
فإنه كان له ولياثم ارتضاه بعده وصيا[١٢]


فلربما انشد الأبيات في كلا الموقعتين. واشترك حجر بن عدي معارك صفين كواحد من كبار القادة العسكريين المخلصين، وحينما كان الإمام يخطط لخوض هذه المعركة جمع كبار رجال الدولة، وكان حجر في صفوف الرجال العسكريين. شرح الإمام وجهة نظره حول القاسطين، ودعا رجال دولته لابداء آرائهم حول القضية القائمة، فقام حجر بن عدي فقال: يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب، وأهلها الذين نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها، ولنا أعوان ذوو صلاح، وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرب، وبأس محمود، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه».

فقال الإمام أمير المؤمنين(ع): «أَكَلَ قَوْمِكَ يَرَى مِثْلَ رَأْيُكَ». قال حجر بن عدي: «ما رأيت منهم إلا حسنا، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة، وبحسن الاجابة». فقال له علي(ع) خيراً[١٣].

وخاض حجر بن عدي معركة صفين في بسالة وشجاعة، وهو قائد كتيبة كندة[١٤]، فكان يقودهم من نصر إلى نصر، ويلحق الأعداء هزائم ساحقة، وفي بعض أيام المعارك كانت ساحات النضال تخلو من المحاربين تحت ظروف حربية أو سياسية أو اجتماعية، فكان الإمام يأمر الأشتر وكتيبته أن ينزل المعترك، فيخوض المعركة مع كتيبته، وفي اليوم التالي يأمر حجر ابن عدي أن يصاول الأعداء مع كتيبته، وهكذا، وأتت على ساحات صفين أن دخل جيش الإمام كله المعترك، وخاض الحرب، ومن هذا المنطلق نرى أن حجر بن عدي كانت له مكانته العسكرية المرموقة، وفي نفس الوقت كانت له مشاعره الصادقة والمخلصة تجاه الإمام، ودولته الفتية.

بل أن حجر بن عدي كان أميراً على سبع من اسباع أهل الكوفة، وهذا السبع مكون من كنده وحضرموت وقضاعة ومهرة[١٥].

كان حجر قد ضاق من مظالم معسكرمعاوية، وما يسيطر عليه من أجواء الخداع والمداهنة، والسموم المتفشية التي كان ينفثها الشيطان القابع في كسر الفسطاط، وكان حجر يحاول أن يحاور الجنود المخدوعين، ويبرهن لهم أنهم يسيرون في صحراء قاحلة لا يرى فيها سوى السراب، وهم يظنون أن تلك الصحراء القاحلة هي جنة ورياض فيها أنهار وأشجار، ولكن الجنود كانوا مصرين على التحرك في طريق الانحراف والضياع، وكان زعيمهم ووزيره ابن النابغة يزينان لهم هذا التحرك، ويدفعانهم إلى الاتجاهات التي تحقق آمالهم الظالمة، وفي نفس الوقت كان حجر يرى بام عينيه الدسائس التي يحوكها معاوية ضد الإسلام، والمبادئ الإنسانية، وهذا تحت ستار الإسلام نفسه، وتحت ستار المصحف الشريف، وهذه مأساة كان يعيشها حجر، وأدركها بوضوح الأمر الذي راح هو وصاحبه أبن الحمق ينقدان دسائس معاوية، ينعيان على جنوده بالغباء والتكاسل عن إدراك السياسات الملتوية، والدعايات المسمومة التي ينتهجها معاوية، وطفقا يتبرء ان من هذه السياسية المنحرفة، والدعايات المغرضة، ويتبرء ان من الجنود السائرين في هذا الضلال البهيم بل ويلعنان معاوية وجنوده على الدماء الزكية التي أراقوها في سبيل السيطرة والطغيان، وفي سبيل تغيير صورة الإسلام الناصعة، وتشويش مبادئه، وفي سبيل تحريف الحقائق.

إن حجرا وزميله طفقا يطلقان هذه الشعارات المناوئة للضلال، والمترسمين خطى الضلال، ولكن هذه الشعارات المناوئة بلغت الإمام(ع)، فلم يحبذ هذه الطريقة في إبداء الامتعاض والنقد والكراهية، ومن هذا المنطلق أرسل الإمام(ع) رسولاً يبلغهما رسالة شفوية تتضمن الارتداع عن مثل هذا الاسلوب الجارح، وحينما جائهما الرسول وقال لهما: إن أمير المؤمنين يقول: «إن كفاعما يبلغني عنكما»، دهشا من هذه الرسالة التي تمنعهما من رشق العدو بسهام اللعن والشتيمة والسباب طالما أنهما والجيش كله يرشقون العدو بالسهام والحراب، ويضربونهم بالسيوف البواتر، وطالما أن معاوية ووزيره ابن النابعة وجنودهما قد فتحوا أبواب السباب والشتيمة واللعن ضد جيش الإمام وجنوده. أترى أن جيش معاوية ومعاوية نفسه كانوا يربئون بأنفسهم عن السباب والشتيمة أم أنهم أمعنوا في اطلاق ألسنتهم بالكلمات الشانئة.

إذن فلم والحال هذه يمنعهما الإمام من تسديد سهام اللعن والشتيمة؟

لقد كانت الرسالة غامضة بالنسبة لحجر وزميله ابن الحمق الأمر الذي هرولا إلى القيادة ليستفسرا من الإمام نفسه دوافع هذا الحظر المؤكد الذي أصدره الإمام إليهما، وبالتالي إلى كل من يتفوه بنفس كلمات حجر وزميله من أفراد الجيش، فلما حضرا عند الإمام تساءلا في استغراب: «يا أمير المؤمنين ألسنا محقين». قال: «بلي». قالا: «أو ليسوا مبطلين». قال: «بلي». قالا: «فلم منعتنا من شتمهم».

وهنا يملى الإمام عليهما دستورا من أجمل الدساتير الخلقية، ومن أكبرها في مجال التربية والاعلام. إن الإمام من منطلق قيادته للأمة في المجال العسكري، والسياسي، فلابد أن يقود الامة في مجال التعليم والتربية، فينبهها إلى أخطائها، إلى إنحرافاتها، ينبهها إلى مسيرتها محاولاً تصحيح تلك الأخطاء، وتقويم تلكم الانحرافات، مضيئا لها المسيرة الهادفة المستقيمة.

إن الإمام أعطى حجراً وزميله، والامة كلها دستورا فتياً وهاماً في مجال الاعلام. إن الإمام يشجب السباب والشتيمة، وإن كان العدو يمارسها بكل صلافة، وذلك لان السباب هو وسيلة عقيمة، هو عملية سلبية، وبالتالي يعبر عن مستوى الشخصية التي تمارس هذه الوسيلة العقيمة، ومن هذا المنطلق فإن الإمام يشير إليهما أن يقوما بدلا من هذه العملية السلبية بعملية إيجابية ذات محتوى مفيد، فبدلا من السباب، وتراشق الكلمات النابية أن يقوما بشرح سيرة العدو المنحرفة، وأعماله الظالمة والمستهجنة، وتصرفاته المشينة، وأساليبه الملتوية في مجالات السياسة والدين والاجتماع، وكل المجالات التي يخب فيها العدو بصورة عرجاء. إن الإمام دل كلا الشخصيتين من أنصاره بل وكل الأمة التي تعيش في ظل ولائه ودولته أن ينتهجوا الاسلوب السليم في الاعلام والدعاية وفي النقد.

ثم ان الإمام يرشد حوارييه حجر وزميله: ابن الحمق أن يعرضا المشاكل المستعصية بين الفريقين على الله تعالى، ويسألاه سبحانه حقن الدماء، وصلاح ذات البين، والهداية والرشاد، فإن هذا الطريق هو أقرب الطرق إلى تأليف قلوب الأعداء، وإثارة كوامن الخير في نفوسهم، وهو الطريق السليم الذي عليهما أن ينتهجاه.

وإليك نص دستور الإمام لحجر بن عدي وزميله عمرو بن الحمق، وجماعتهما من الجنود والضباط: «إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ فَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِيَ عَنِ اَلْغَيِّ وَ اَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ»[١٦].

وإليك نص ثاني للدستور: «كَرِهْتُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا لَعَّانِينَ شَتَّامِينَ تَشْتِمُونَ وَ تَبْرَءُونَ وَ لَكِنْ لَوْ وَصَفْتُمْ مَسَاوِئَ أَعْمَالِهِمْ فَقُلْتُمْ مِنْ سِيرَتِهِمْ كَذَا وَ كَذَا وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ كَذَا وَ كَذَا كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ وَ لَوْ قُلْتُمْ مَكَانَ لَعْنِكُمْ إِيَّاهُمْ وَ بَرَاءَتِكُمْ مِنْهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَهُمْ وَ دِمَاءَنَا وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَ بَيْنِنَا وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مِنْهُمْ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِيَ عَنِ اَلْغَيِّ وَ اَلْعُدْوَانِ مِنْهُمْ مَنْ لَجَّ بِهِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَ خَيْراً لَكُمْ»[١٧].

وبعد أن أصغى الحواريان إلى كلام أستاذهم العظيم، وتعاليمه القيمة قالا: «يا أمير المؤمنين نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك».

وكانت الصداقة بين حجر بن عدي وبين عمرو بن الحمق قوية الوشائج، متينة، الصلات، وكانا معاً أبداً في الحرب، وفي السلم، في الأفراح، وفي الأتراح. وسوف نرى أن النهضة التي قادها حجر بن عدي ضد التعسف الأموي كان عمرو بن الحمق أحد أقطاب النهضة بل وإن ابن الحمق استشهد في سبيل مبادئ الإمام تماماً كما استشهد حجر بن عدي في سبيل ذلك المنهاج الساطع.

وفي ذات يوم قبل صفين ألقى عمرو بن الحمق كلمة أمام الإمام عبر فيها عن مشاعر الحب والولاء للإمام، ودولته. فقال الإمام: «لَيْتَ أَنَّ فِي جُنْدِي مِائَةً مِثْلَكَ»، فسمع حجر بن عدي هذه اللفتة من الإمام، فقال: «إذن والله يا أمير المؤمنين صح جندك، وقل فيهم من يغشك».

وعندما انتهت صفين بمهزلة التحكيم، واُلجئ الإمام لمسايرة المخدوعين، وكتب الفريقان وثيقة التحكيم ثم وقعها جمهور من الفريقين كان حجر بن عدي أحد الموقعين لوثيقة التحكيم[١٨].

وهذا يعبر عن مكانة حجر كمسؤل كبير في الدولة له وزنه، وشأنه عند الإمام، وفي صفوف الجيش. إن الإمام(ع) بعد ما ظهر للناس عامة خدعة معاوية في رفع المصاحف، وآمنوا آنئذ أن الإمام حينما حذرهم وأنذرهم عن الانسياق لهذه الخدعة كان على بصيرة بدسائس معاوية.

أقول إن الإمام أمر بالتعبئة العامة للمسير إلى المخادع اللئيم، ثم إن الإمام سار بجيشه من العاصمة ليقضي على المتآمرين على الإسلام، والمتسترين بالقرآن ولكن الإمام لم يكد يبتعد عن العاصمة حتى جاءته الأنباء عن تحركات الخوارج مما جعلته(ع) ينصرف عن اتجاهه إلى المتآمرين، ويعطف زمام قيادة الجيش باتجاه الخوارج في النهروان، وكان حجر بن عدي أحد قادة الجيش، فقد نصبه الإمام قائدا على كتيبة كندة، وفي ميمنة الجيش[١٩].

وكان حجر الكندي زعيم كندة، وموضع ثقتها تماماً كما هو موضع ثقة الإمام، فخاض حجر هذه المعركة في بسالة ونجدة إلى أن قضى الإمام على الخوارج، وهذه المعركة ألقت هزة في قلوب الناس في العاصمة، فقد قتل الخوارج، وكانوا ثلاثة أو أربعة آلاف خارجيا تماما كما استشهد من جيش الإمام تسعة أشخاص، إلا أن الخوارج هؤلاء كانت لهم صلات ووشائج بأهل العاصمة الأمر الذي أثرت هذه المعركة بصورة سلبية على أهل العاصمة، وعلى جنودها رغم أن جنود الإمام كانت ضمائرهم صافية لا يعكرها جهودهم النضالية في ساحات المعركة في النهروان الا ان بعضهم أصابه لون من خيبة أمل، ومن هذا المنطلق، فإن الإمام بعد أن أحمد فتنة الخوارج دعا الجيش أن يتحرك باتجاه العدو المتآمر، ولكن الإمام شعر أن هناك عدم اهتمام، فسار الجيش إلى العاصمة، وكان واحد من جواسيس معاوية يعيش في العاصمة، واسمه عمارة بن عقبة بن أبي معيط[٢٠]، ويعني هذا أن عمارة هو الآخر أموي أيضا إن عمارة هذا حينما شاهد أن الجيش عاد إلى العاصمة كتب رسالة إلى معاوية ينبأه باحداث العاصمة، وكان معاوية عند ما علم بدعوة الإمام بالاستنفار هاله الأمر، فقام باجراءات، وجمع جنوده، وكان ينتظر عما تسفر عن مسيرة الإمام، فإذا برسالة عمارة بن عقبة تصله فينفضها، فإذا فيها: «أما بعد، فإن عليا خرج عليه أصحابه ونساكهم، فخرج عليهم، فقتلهم وقد فسد جنده وأهل مصره، ووقعت بينهم العداوة، وتفرقوا أشد الفرقة». وعندها دعا معاوية الضحاك بن قيس القهري، وجعل تحت امرته ٣٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جريدة[٢١] خيل وأرسله للاغارة على أطراف حوزة الإمام، وأوصاه أن يثير الرعب والهلع في أفراد الشعب من يدينون بالولاء للإمام ودولته الرائدة.

سار الضحاك مع عصابته ماراً بالسماوة، وواقصة، وشراف، والقطقطانه، وما والاها، فطفق هو وعصابته يسلبون الأموال من أهل القرى والبوادي والأعراب، أي الطبقة المستضعفة والمحرومة من الشعب، ويقتلون الأعراب والعزل، ويثيرون فيهم الخوف والهلع.

وفي الثعلبية حيث هو طريق قوافل حجاج: بيت الله الحرام أغارت العصابة على الحجاج الآمنين، وسلبت منهم رواحلهم، وأنتزعت منهم أموالهم، الأموال التي كان الحجاج الأسون يحاولون أن يصرفوها على إمتداد الرحلة حتى توصلهم إلى بيت ربهم، ولكنهم أصطدموا بعصابة معاوية، فجردتهم من أموالهم، ورواحلهم وامتعتهم، وتركتهم يجأرون إلى الله تعالى.

وسارت العصابة فرحة مبتهجة على أعمالها البطولية، وسارت طويلا، وبيتت أحد مسالح الدولة - أي شرطة الحدود- على مقربة من قطقطانة ثم أقبلت العصابة حتى التقت بالعبد الصالح، والمسلم المتهجد «عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي»، وعمرو هذا هو ابن أخي عبد الله بن مسعود، وكان عمرو في رحلته إلى الحج يأم بيت الله الحرام، ولكن العصابة لم تتخل عن الشيخ العابد عمرو، بل تناولته وقتلته، فاستشهد الشيخ ابن أخي عبد الله ابن مسعود على يد عصابة معاوية، وليس عمراً وحده قتلته العصابة بل وطاردت أصحابه وقتلتهم.

إن عصابة كبيرة مكونة من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وكلهم فرسان يا ترى أية جريمة لا تركتبها؟ أنها تهلك الحرث والنسل، وتعيث فساداً في الأرض، ولقد شاهدنا كثيراً من الأفلام السينمائية التي تعرض على شاشة التلفزة، والتي تختص في مجال العصابات والفرسان المغيرين، فنرى الفساد الذي يشيعونه في المزارع والبساتين، والخوف والهلع الذي يمتلك الناس منهم في الأرياف والقرى والبوادي، ورأينا بام أعيننا الفساد العظيم، والقتل المستشري، والدمار الذي حل بالناس، وبالقرى والمدن، وبالأموال والممتلكات من جراء هجوم البعثيين على الأراضي الايرانية، وعلى الكويت أيضاً.

لقد بلغت أخبار عصابة معاوية التي يقودها الضحاك بن قيس الفهري، والجرائم التي ارتكبتها في حق أهل القرى والأرياف والمستضعفين من سواد الشعب، بلغت الأخبار الإمام، فهاله مقتل عمرو بن عميس الذهلي، فجمع الإمام الناس، وخطب فيهم، وقال: «يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس، وإلى جيوش لكم قد أصيب منها طرف، اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين».

ثم ان الإمام(ع) دعا حجر بن عدي الكندي وعقد له راية على أربعة آلاف جندي، فسار حجر مع جنوده، وأغذ السير مطاردا عصابة معاوية، وأخذ طريق السماوة، وخاض غمار البيداء، وكان معه أدلاء كلبيون يدلونه على معالم الطريق، وعلى المياه والآبار، وكانت العصابة حينما سمعت بالمطاردة من قبل الدولة طاروا في وجوههم، ولكن حجراً تمكن أن يلحقها في تدمر بعد سعي متواصل، وجد مستمر، وهناك تصدى لها حجر، ووقعت معركة بين الفريقين، فصرع ١٩ رجلاً من عصابة الضحاك، واستشهد رجلان من جنود حجر، وكان الليل قد أقبل بجحافله، فألقى بظلاله الداكنة على الصحراء، والأشلاء، وأمسى المساء حاجزاً بين الفريقين عن القتال، فتوقف الفريقان عن الصراع.

لقد أجهدت الرحلة ثم المعركة جنود حجر البواسل، فلما حجز الليل الدامس بين الفريقين عاد جنود حجر إلى معسكرهم على أمل العودة عندما يسفر الصباح، وفي اليوم التالي تأهب الجنود لخوض معركة، ولكن ما أن أصحروا حتى شاهدوا معسكر العدو خالياً شاغراً ليس فيه صاهل، ولا باغم، ولا فارس، وبعد أن فتشوا، فإذا بهم يشاهدون أن العصابة قد هربت من المعركة في هدوء الليل قد اتخذت الظلام ستاراً للفرار.

ولقد ذاعت أنباء هذه الغارة الظالمة في البلدان، والمجتمعات، وكانت الأخبار عن الغارة فيها الصدق، وفيها الكذب، فسمع عنها عقيل بن أبي طالب وهو في مكة، فكتب رسالة إلى أخيه الإمام جاء فيها: «. . . فلما قدمت مكة سمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة، فاحتمل من أموالهم ماشاء، ثم انكفأ راجعا سالما. فأف لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك، وما الضحاك؟! فقع بقرقر».

فكتب الإمام رسالة جوابية لأخيه عقيل جاء فيها: «... وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ غَارَةِ اَلضَّحَّاكِ عَلَى أَهْلِ اَلْحِيرَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ وَ أَذَلُّ مِنْ أَنْ يَلُمَّ بِهَا، أَوْ يَدْنُوَ مِنْهَا، وَ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ أَقْبَلَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ، فَأَخَذَ عَلَى اَلسَّمَاوَةِ، حَتَّى مَرَّ بِوَاقِصَةَ وَ شُرَافَ وَ اَلْقُطْقُطَانَةِ، فَمَا وَالَى ذَلِكَ اَلصُّقْعَ، فَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ جُنْداً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرَّ هَارِباً، فَاتَّبَعُوهُ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ، وَ قَدْ أَمْعَنَ، وَ كَانَ ذَلِكَ حِينَ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ، فَتَنَاوَشَ اَلْقِتَالُ قَلِيلاً كَلاَ وَ لاَ، فَلَمْ يَصْبِرْ لِوَقْعِ اَلْمَشْرَفِيَّةِ، وَ وَلَّى هَارِباً، وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا»[٢٢].

ثم ان الدهر ضرب ضرباته، وأمسى الضحاك بن قيس أمير العصابة أميرا على مدينة الكوفة، وفي ذات يوم شاهد الضحاك تذمر أهل الكوفة من تدهور الأوضاع، وظلم جباة الأموال، وتعسف الامراء، وانتشار الفقر في ربوع المنطقة رغم خصب التربة، وتدفق المياه.

شعر الأمير الجديد أن تحت هذا التذمر ثورة، فارتاد المسجد، وارتقى المنبر، وخطب الناس، وأكبر الظن ان اليوم كان يوم جمعة حيث تجري مراسيم صلاة الجمعة، خطب الضحاك الناس، وطفق يهدد أهل البلدة، ويذكر أمجاده في الغارة التي أغارها مع عصابته على ربوع المحرومين والمستضعفين، ويسرد ضحاياه من المؤمنين، وما أشاعه في ربوع الناس من خوف وفزع.

قال مزمجراً مزيداً: «أنا ابن قيس، وأنا أبو أنيس وأنا قاتل عمرو بن عميس ... أما والذي ليس له ند، ولا شريك لئن لم تنتهوا عما بلغني عنكم لأضعن فيكم سيف زياد ثم لا تجدونني ضعيف السورة، ولا كليل الشفرة. أما والله إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم، فكنت أول من غزاها في الإسلام، فسرت ما بين الثعلبية وشاطئ الفرات أعاقب من شئت، واعفو عمن شئت [حتى] لقد ذعرت المخبئات في خدورهن، وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه، ولا تسكته إلا بذكر اسمي، فاتقوا الله يا أهل العراق، واعلموا أنا الضحاك بن قيس».

كان الناس يصغون إلى إرعاد الضحاك وتهديده، وإلى أمجاده البطولية، لقد كان في حشود المسجد جماعة كانت قد اشتركت في الجيش الذي أرسله الإمام مع حجر بن عدي لرد عادية المغيرين، وهذه الجماعة كانت لديها خبرات عن الأمير المزمجر المرعد المزبد، كانت تعرفه بالجبن والخوف، لقد جربته في معركة تدمر حيث اتخذ ستار الليل جملاً وهرب من سيوف حجر بن عدي وجنوده بعد أن كادوا يذيقوه كأس المنية. إذن لم هذا الانذار والتحذير؟ ولم استعراض هذه الأمجاد البطولية؟ وهل من البطولة في شيء أن يجرد الضحاك وعصابته سيف الظلم على الفلاحين العزل من أهل القرى والأرياف أو البدو والأعراب، وأهل الخيام في الصحاري أو الأطفال والنساء ممن لا حيلة لهم.

اتحتاج إلى شجاعة الغارة على هؤلاء الناس، فإن كانت للضحاك وعصابته شجاعة لكان عليه أن يجالد جيش حجر بن عدي الشاكي السلاح لا أن يدعهم ويهرب جريحاً، وكاد الموت أن يبتلعه، ومن هذا المنطلق، فإن أن الجماعة التي جربت جبنه وذعره في معركة تدمر لم تستطع أن تصبر على هذه المزاعم الجوفاء، فقام عبدالرحمن بن عبيد من وسط الجماعة وقال للأمير الغاضب المهدد في نبرات ساخرة متهكمة: «صدق الأمير، وأحسن القول، ما أعرفنا والله بما ذكرت، ولقد آتيناك بغربي تدمر فوجدناك شجاعاً صبوراً مجرباً».

ثم ان عبد الرحمن بعد هذه المجابهة الفذة جلس وهو يتمتم: «أيفتخر علينا بما صنع في بلادنا أول ما قدم، وأيم الله لأذكرته أبغض مواطنه تلك إليه».

لم يكن من المتوقع أن يسمع الأمير المغرور هذه الكلمة المفاجئة، لقد فاجأه عبد الرحمن وهو - أي الضحاك - في ساعة غضب وزمجرة خطابية الأمر الذي هدأ قليلا، وأصغى إلى كلمات عبد الرحمن، وكل كلمة من كلماته كانت طعنة في الصميم بل وان كلمات عبد الرحمن ذكرت الأمير كشريط كاسيت بكل أحداث تدمر المخزية بالنسبة إليه مما أشعرت الأمير بالخزي يغلقه بخلافه، فبعد أن كان محموما في خطابه شعر أن البرد يسري إليه، فقطع الخطاب، وطفق ينزل من منصة الخطابة، وهو يقول في كلمات ضعيفة: «نعم كان ذلك اليوم بآخرة».

ولقد أعجب الجمهور هذه المجابهة الفذة العملاقة، فلما أن انقض الناس التقى محمد بن مخلف بعبد الرحمن بن عبيد وقال له في اعجاب وتقدير: «لقد اجترأت حين تذكره ذلك اليوم، وتخبره أنك كنت فيمن لقيه». فقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا[٢٣][٢٤].

لقد كان الإمام(ع) يسعى بعد معركة النهروان، وبعد الغارات التي شرع العدو يشنها على البلدان المتواجدة في حوزة نظام الإمام في سبيل التعبئة العامة، وتكوين جيش يقوده ليستأصل جرثومة أمية، والغدة السرطانية التي نبتت في الوطن الإسلامي وسعى الإمام في هذا السبيل فجمع قادة الدولة، وقادة الجيش للتداول في هذا الأمر، ولكن بعض زعماء العشائر كانت لا تتحمس لدعوة الإمام، ولا تلبي هذه الحركة المصيرية مما حفز حجر بن عدي أن يعلن ولائه للإمام، وتأييده المطلق لدعوة الإمام فقال هو وزميله سعيد بن قيس الهمداني: «لا يسوك الله يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك نتبعه، فوالله ما نعظم جزعاً على أموالنا أن نفدت، ولا على عشائرنا أن قتلت في طاعتك».

وحينما استجاب رؤساء القبائل لدعوة الإمام النضالية طلب الإمام منهم أن يحصي كل رئيس قبيلة أعداد الجنود المقاتلين في عشيرته، فقالوا وكان حجر بن عدي أحدهم: سمعاً وطاعة، فذهب حجر بن عدي إلى عشيرته، وأحصى الجنود وشباب عشيرته المؤهلين للقتال وأخبر الإمام باعدادهم، واستطاع الإمام أن يعبأ جيشاً جراراً، وجحفلاً هادراً من أرجاء الدولة المترامية الأطراف، وكان من المقرر أن يغادر الجيش ثكناته في العاصمة إلى ساحات القتال لاستئصال الفتنة الرجعية الجاهلية، ولكن وقبل أن تتحقق أماني الإمام والامة استشهد الإمام أمير المؤمنين(ع) في بيت الله.

كانت الأيام أيام شهر رمضان وكان الشعب مقبلاً على هذا الشهر المبارك، ففي النهار يصوم الناس، وفي الليل كان المتهجدون مقبلين على العبادة، والصلاة، وكان المسجد الأعظم في العاصمة يقبل العابدون فيه على الصلاة، والتهجد، والاقبال على الله تعالى في خشوع وخضوع وقنوت، وكان الناس يستشعرون شذى هذا الشهر، وأجوائه العبقة. كانت الليالي الأولى من شهر رمضان يكتض المسجد الأعظم من العاملين العابدين المتهجدين، وكانت النشاطات العبادية في قوتها وحماسها، وكان حجر بن عدي قد قضى الليالي العطرة في المسجد الأعظم متهجداً مصلياً متعبداً، وكانت نفسه مشعة بأنوار هذه العبادة، مغلفة بشذاها، لقد حسب ليالي رمضان فإذا ليلته هذه هي الليلة التاسعة عشر، إذن عليه أن يواظب على هذه الليلة، والليالي المقبلة على الاستمرار في التهجد والرحلة في رحاب النور، ولكن هذه الليلة كان يستشعر الما يعصر نفسه، وتوترا يكاد يخرجه عن طوره، كان يفكر في الإمام يفكر في أعداء الإمام، يفكر في المؤامرات التي تحاك في الظلام، كان يهجس بهذه المؤامرات، ولكن هاجسه كان معتما لا ينير له السبيل، كان يعيش هذه الأفكار وكان قد وضع علامات استفهام على بعض زعماء العشائر، الزعماء المنحرفين عن خط الإمام.

لقد تهجد حجر، وصلى ماشاء له أن يصلي، ولكن نفسه لم تكن مستقرة، أي ان الاستقرار النفسي، والشذى الروحي الذي كان يتمتع به في الليالي الماضية، وهو مقبل على عبادة الله جل جلاله، فإن هذا الاستقرار كان يعكر جوه شعور غامض مبهم لم يدر مصدره، ولم يتبين دوافعه، ولكنه رغم كل هذا، فإنه استمر في عبادته حتى أقبل السحر، وكاد الليل أن يولي أمام الفجر المشرق، وهناك اندفع حجر محاولاً أن يخرج من المسجد، ويتجه إلى داره ليتناول وجبة السحور ثم يعود إلى المسجد سريعاً ليبلغ الصلاة مع الإمام القائد في جماعة المصلين، ولكن حجر لم يكد يخرج من المسجد حتى لمح في الظلام الهادئ الأشعث بن قيس، وهو يهتف بصاحبه ابن ملجم: «النجاء النجاء بحاجتك، فقد فضحك الصبح».

وما ان سمع حجر هذا التحذير الهامس حتى استيقظت كوامن هواجسه، ولمح في ذلك الظلام علامات الاستفهام تحوم حول هذا الزعيم الخائن الذي طالما استنكر حجر عليه تحركاته المشبوهة، وطالما استاء من مرآه.

إن الكلمات الهامسة: «النجاء النجاء بحاجتك، فقد فضحك الصبح» إن هذه الكلمات التي انطلقت صريحة من الأشعث وبدون قصد عبرت عن مضمونها الرهيب، والتي استطاع حجر بن عدي أن يراها في صورتها الدموية في ذلك الغيهب الحزين مما دفعه إلى أن يصرخ في وجه الخائن دهشاً وغاضباً، وحجر يتمثل صورة الإمام الكريمة الدامية: «قتلته يا أعور قتلك الله».

ثم انطلق حجر بن عدي مبادراً إلى الإمام في داره، سعى لاهثاً حتى بلغ دار الإمام، وهو يحاول أن يبلغ الإمام عن المؤامرة المبيتة، وما أن يصل حجر إلى دار الإمام حتى يسمع.

«ان الإمام أمير المؤمنين قد خرج إلى المسجد الأعظم»، فيعود حجر ادراجه، وهو يدعو ويبتهل إلى الله تعالى أن يسلم الإمام، ويحفظه، ويرعاه من أعداء الله، وأعداء الإسلام، ولم يكد حجر يصل إلى المسجد حتى يسمع صراخ الناس، وعويلهم، وكلماتهم المدهوشة: «قتل أمير المؤمنين... قتل أمير المؤمنين ...».

فيقع في يديه، وينفجر في البكاء، ويشعر بأسى يعصر فؤاده، وخيبة أمل يسيطر عليه. لماذا لم يستطع أن يصل إلى الإمام، ويخبره عن المؤامرة المبيتة؟ إن حجر بن عدي فقد أباً باراً، وإماماً هادياً.

وفي ذات يوم كان حجر بن عدي جالساً عند الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، فتأمل الإمام في وجه حجر، فنظر إلى مستقبله، والأحداث التي تواكب حياته، وتأمل الإمام الحكومة الحاقدة التي ستستلم مقاليد أمور المسلمين، والاتجاهات الجاهلية التي تفرضها على مسار سياستها العدوانية، وتأمل الإمام(ع) الثورات والانتفاضات التي ستثور للتصدي لحركة الحكومة الاستفزازية، وما ينجم من هذه المواقف من استشهاد الطيبين الذين يخوضون غمار الانتفاضات ضد الرجعيين المتسلمين لزمام الحكومة، وسيكون لحجر دوره البارز في هذا التصدي الحازم، وسيكون لحجر الدور العظيم لكشف الأوراق السوداء للحكومة التي تذرف الدموع أمام الجماهير المخدوعة على الإسلام والمسلمين.

ان مستقبل الامة الإسلامية، ومستقبل حجر بن عدي كان مضيئاً للإمام(ع)، ومن هذا المنطلق قال الإمام أمير المؤمنين(ع) لحجر: «كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعنتي»، فقال حجر بن عدي متساءلا: «كيف أصنع» قال: «ألعني، ولا تبرأ مني، فإني على دين الله»[٢٥] وقال الإمام أمير المؤمنين(ع): «حجر بن عدي وأصحابه [هم] كأصحاب الاخدود، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[٢٦].

ويعلق مؤلف شذرات الذهب على هذا الخبر: «فان صح هذا عن علي(ع)، فيكون من باب الأخبار بالغيب»[٢٧].

وخطب الإمام ذات يوم الشعب فقال: «يا أهل الكوفة سيقتل منكم سبعة نفر هم من خياركم بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود»[٢٨].

وروت عائشة عن النبي(ص): «يقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم، وأهل السماء».

اذن استشهاد حجر بن عدي كانت مرسومة في صحيفة الغيب، وكان رسول الله (ص) قد ألقى ببعض الأضواء على هذا الخطب العظيم، ووعاها الإمام أمير المؤمنين وكان حجر بن عدي بعد أن أخبره الإمام عن المستقبل الذي سينتظره، وعن دوره التاريخي والبطولي في فضح النوايا السوداء، ورفع القناع عن سياسة حكومة أمية، القناع السميك الذي استطاع حجر وصحبه الفدائيون تمزيق جانب من هذا القناع المزور، والمزور، وكانت كلمات الإمام(ع) قد أنطبعت في ذهن حجر التلميذ، والفدائي العظيم للإمام ومبادئه الرسالية.

وبعد استشهاد الإمام، وانتقال السلطة القرآنية العلوية إلى سلطة دنيوية تستخدم كل الوسائل الظالمة لتركيز السلطة وصيانتها، ولو بقتل الصالحين من أصحاب رسول الله، ولو بالتخلي عن كل نصوص القرآن بحجة الاجتهاد الاجتهاد في مقابلة النص، ولم يكن هناك اجتهاد بالمعنى القيم للكلمة، بل كان هناك سياسة تسير في خط الشهوات والأهواء والمصالح الشخصية أو القبلية.

أرسل معاوية المغيرة بن شعبة إلى الكوفة والياً عليها، وقبل أن يغادر ابن شعبة القصر رسم له معاوية الخطوط السياسية التي يجب عليه أن يتبعها، ويعمل بمضمونها:

  1. وأول هذه الخطوط بل، وفي رأس القائمة من التخطيط السياسي هو تهوين شخصية الإمام صلوات الله عليه.
  2. الاشادة بسياسة الرجعيين، وتحبيذ أعمالهم، ووضع هالة القدسية فوق هام هؤلاء الساسة.
  3. مطاردة أنصار الإمام، والتشهير بهم في المجتمع، والسخرية منهم، وازدرائهم، ومقتهم أمام الناس، وتضخيم هفواتهم، ولو كانت ضئيلة ضحلة.
  4. الاهتمام بالموالين للدولة، والمؤيدين لها، والمتعاطفين مع العهد البائد، الاهتمام بهؤلاء الموالين، ومنحهم الدولة، واستشارتهم في قضايا الساعة، والاحداث الناجمة.

ثم ان ابن شعبة شد الرحال إلى الكوفة ليتسلم وظيفته كوالي، وكان الوالي هذا ينفذ بنود مرسوم معاوية، فكان يلعن ويشتم وفقاً للمادة الأولى، ويشيد ويمدح وفقاً للمادة الثانية، وكان يقصى ويبعد وفقا للمادة الثالثة، وكان يقرب ويدني ويساعد ويستشير وفقاً للمادة الرابعة.

وكان عهد هذا الوالي عهد تجربة واختبار، عهد محنة ونضال، لقد كان زعماء البلدة التي كانت إلى عصر قريب عاصمة الإمام للدولة الإسلامية، وأقطارها الشاسعة.

أقول لقد كان زعماء البلدة، والمخلصين للإمام(ع) يمتعضون من الشتم أيما امتعاض، وتثور في نفوسهم إعصار ليس بعده اعصار، وتنفعل مشاعرهم، وترتبك أحاسيسهم تحت وطئة هذه السياسة الاعلامية الصارخة، فلم تكن هناك وسيلة لتفادي هذه السياسة النكراء الا بالاعتراض والاستنكار بل وبالانقلاب المسلح الكاسح.

إن أفكار أنصار الإمام والمخلصين لمبادئه كانت تستجيب لهذه المشاعر المحمومة، والأحاسيس المتوترة إلا ان الظروف الموضوعية: السياسية والاجتماعية كانت تبعد عن تحقيق حلم الانقلاب المسلح، وكان هناك الإمام الحسن(ع) يأمر هؤلاء الأنصار والمؤيدين لمبادئ الإمام، والسائرين في خطه بالتريث والصبر وعدم الاستجابة لهذه المؤثرات الحاكمة على الجو السياسي، ولهذه الضغوط التي تمارسها أجهزة الحكومة، وبالتالي عدم الانصياع للمشاعر المحمومة، والأحاسيس الهائجة.

إن كلمات الوالي هجاءاً أو مديحاً كانت بمثابة ميسم ملتهب يسم قلوب أصحاب الإمام، وحواريه، فتلسع القلوب، وتثور المشاعر المكبوتة، والأحاسيس الجريحة.

فالخطة التي يجب أن يتخذها شيعة الإمام ما هي خطوطها؟ هل يقومون بانقلاب مسلح، وحركة عسكرية، والإمام الحسن(ع) قد دفع هذا الاحتمال، وأمر بالتريث والصبر أو أن الخطة الفضلى هي أن يرفع الصحب البواسل تارة عقيرتهم مستنكرين، ومعترضين، وشاجبين، وتارة يتخذوا أسلوب عدم التعامل مع الوالي، فلا يحضرون المهرجانات التي يقيمها الوالي، ولا صلاة الجمعة، ولا صلوات الأعياد التي تقام جماعة كصلاة عيد الفطر أو صلاة عيد الأضحى المبارك، وبالتالي يقاطعون الوالي في كل شأن من شؤنه الاجتماعية والسياسية.

إن الخطة الثانية وجدت آذانا صاغية، وإستجابة أكيدة، وفي خلال أسابيع شعر الوالي الجديد أن شيعة الإمام بدأوا في تنفيذ هذه الخطة الثانية أو قل خطة الاستنكار السلبي، فكان الوالي يرى أن زعماء البلدة من شيعة الإمام وهم: حجر بن عدي، وسليمان بن صرد، وعمرو بن الحمق، وغيرهم لا يحضرون صلاة الجمعة، والجماعة، ولا يبدون تجاهه أي اهتمام أو التفات، ولا يرتادون مجلسه العامر بالسباب والشتيمة لولي الله الأعظم، وللسائرين على نهجه.

ثم ان الوالي شاهد أن الكثير من أفراد الشعب طفق يقاطع مهرجاناته العامة، والمراسيم العبادية العامة أيضاً والتي كان الوالي يرأسها اقتداء بالزعماء، وتعاطفاً بمقاطعتهم السلبية، وليس الزعماء من شيعة الإمام اتخذوا هذا الأسلوب في المقاطعة والاستنكار على الحكومة فحسب بل ان المذاهب التي لم تكن لتلتقي بالإمام أيضاً سارت متعاطفة مع زعماء الشيعة، فاستنكرت على الحكومة، وقاطعت مراسيمها الرسمية، والعامة، فنجد أن ابن الكوا - وهو من الخوارج - تعاطف مع حجر بن عدي، وقاطع الحكومة تماماً كما قاطعها زياد بن أبيه، وشبث بن ربعي إذن ان حركة الاستنكار والاعتراض على الحكومة، وعلى ممارساتها السياسية والاعلامية الحاقدة قد اتخذ طابعاً عاماً كاد يسود البلدة من أقصاها إلى أقصاها، فكان الوالي لا يشاهد في هذه المراسيم الرسمية أحدا سوى موظفي الدولة، والجنود والشرطة، ومن يسير في ركب الحكومة، ولقد روعت هذه الظاهرة الوالي حيث إنها تعتبر نكسة سياسية وبالتالي سيكون لهذه الحركة السلبية نتائجها المثيرة إن لم يتخذ الاجراءات الحاسمة.

ويبدو أن الوالي كان مزاجه، وقد شاب قذاله غير مستعد للاستجابة للاجراءات الحاسمة الأمر الذي راح يتريث، ويحاول إتخاذ أسلوب اللين تجاه زعماء الحركة السلبية، ولكن جواسيس معاوية لم يكن لهم ذلك المزاج المتريث، فكتبوا التقارير عن الأوضاع المتوترة، ورفعوها إلى القصر، وأكبر الظن ان الوالي أيضاً كتب تقريراً عن الحركة السلبية وزعمائها في قاعدة ولايته، ورفع التقرير إلى صاحب القصر، وما هي إلا أن مرت أسابيع حتى وصلت إلى الوالي رسالة من معاوية تفرض عليه أن يجبر الزعماء: حجر بن عدي، وسليمان بن صرد، وعمرو بن الحمق، و شبث بن ربعي، وابن الكوا بالصلاة في الجماعة[٢٩].

وهذه الرسالة الجات الوالي أن يمارس ضد الزعماء ضغوطه المختلفة، واضطر الزعماء أن يستجيبوا لهذه الضغوط من قبل الحكومة.

حضر حجر بن عدي، وبقية الزعماء صلاة الجمعة، وكان حجر بن عدي من أكثر الزعماء شعبية، ومن أشدهم ولاءاً للإمام، وإقتداءا بتعاليمه، وفي نفس الوقت كانت خطبة الوالي تجرح مشاعره، وتكوى نفسه، ويستشعر أن كلمات الوالي في مجالي الشتم والتقريظ كأنها سياط لاذعة تلذع ظهره بل وتلذع شخصيته، وتلذع دينه، ومبادئه وتلذع جهود رسول الله، والإمام عبر أعوام طويلة مفعمة بالدعوة والكفاح والجهاد، ومليئة بالجهود في مجال التربية والتعليم.

نعم ان كلمات الوالي كانت بمثابة السياط اللذاعة، فكان حجر بن عدي، وهو الناطق باسم الزعماء، وأشراف البلدة القائد الذي يقود المسيرة الإسلامية، والجماهيرية.

إن حجر بن عدي الذي تربى في مدرسة الإمام، وارتوى من ذلك المنهل العذب، وتشبعت نفسه بحماس الإمام، وفروسيته الفذة.

إن حجر بن عدي الذي أصغى كثيراً إلى خطابات الإمام القيمة في نفس هذا المسجد الأعظم، وعلى نفس هذا المنبر، وعلى نفس هذه الجماهير، وتشربت نفسه تلك الروحانية النيرة والشلية.

إن حجر بن عدي الذي أحب الإمام الحب العظيم والطافح، والذي لا حد له، وأدرك بعض جوانب شخصية الإمام(ع) مما أثار إعجابه وإكباره، وتقديره العظيم.

إن حجر بن عدي، وهو على هذا المستوى من المعرفة العميقة بسيده وإمامه هل يستطيع أن يصغي إلى رجل يخطب في رحاب المسجد، وفي الصلاة والعبادة، وعلى المنبر يتناول الإمام بالذم والسباب، ويطري أعداء الإمام، وأعداء مسيرته؟ هل يستطيع حجر بن عدي رضوان الله عليه أن يسكت ويصغي إلى ذلك الرجل يقول ما يحلو له، ويملي على الناس ما تفرضه السياسة المتجنية؟ كلا.

إن حجر بن عدي، ومن موقع المسؤولية لا يستطيع أن يسكت ويتفرج على هذه المسرحية التراجيدية بل أما أن يقوم بانتفاضة مسلحة، وقد منع من هذا الاتجاه الدامي، وأما أن يقوم بثورة كلامية تصد الخطيب من الهذر في الكلام، والتجني على ولي الله(ع)، ومن هذا المنطلق كان حجر بن عدي إذا حضر مضطراً إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وقام الوالي خطيباً، وبلغ في كلامه إلى الذم والسب وفقاً للمادة الأولى، وإلى المديح والاطراء وفقاً للمادة الثانية استجاشت نفسه، وامتلأت شعورا بالمرارة والألم، وتأججت مشاعره وأحاسيسه والتهبت فينهض في شجاعة وبساله ويصرخ في وجه الخطيب الحقير في صوت جهوري ويقول: «بل إياكم فذمم الله ولعن. إن الله عز وجل يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ[٣٠] وأنا أشهد أن من تدمون وتعيرون لأحق بالفضل، وان من تزكون وتطرون أولى بالدم».

فيقول المغيرة مهدداً: «يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا»[٣١].

ولكن حجر بن عدي كان يخاف سلطان الله سبحانه أكثر من سلطان الناس الزائف الذي ينهار بين عشية وضحاها، وكان يمارس حجر هذا ضد الخطيب أمام الحشود المحتشدة من المؤمنين والمسلمين، الاحتجاج وكان لصوته صداه الكبير في قلوب المؤمنين المتألمة، والمكلومة، فكان صوته المجلجل له أكبر الأثر، وأبلغ الارتياح وكان في نفس الوقت متنفساً رحيباً عن اللواعج والأشجان، وهو دفاع عن إمام الامة قبال القول المنكر، وسار حجر بن عدي في إحتجاجه، وإستنكاره ضد السياسة الحاكمة على هذا المنوال، فكان يحضر المسجد، وربما غاب عن صلاة الجمعة والمهرجانات العبادية التي حولتها السياسة الموبوئة، والغاشمة إلى مهرجانات الدعاية والاعلام ضد أولياء الله وأحبائه، وفي صالح القتلة والمسرفين.

أقول ربما غاب حجر بن عدي عن صلاة الجمعة لئلا يستمع إلى الأقوال المنكرة.

وبعد أعوام من ولاية ابن شعبة على بلدة الكوفة، وفي نهاية حياته أرتاد حجر بن عدي المسجد لأداء صلاة الجمعة، وحينما تسامع الناس بوصول حجر إلى المسجد شاع فيهم فرحة غامرة، واستقبله المؤمنون بالترحاب، وإن كان هناك البعض قد توجسوا خيفة، فلم يتظاهروا بفرحة أو يتحركوا لاستقبال حجر بن عدي شيخ أصحاب الإمام.

اتخذ حجر بن عدي مكانه في وسط صفوف المصلين، وحاول حجر أن يبتعد عن المنبر، ويجلس في مؤخرة الناس، وكان حديث الناس آنئذٍ حديث الاقتصاد، والحصار الاقتصادي الذي تمارسه الحكومة ضد أهل البلدة محاولة منها لاذلال أهل البلدة، وامعاناً منها في الضغط على أهلها.

إن الضغوط الاقتصادية لها دورها الكبير في اثارة أحاسيس الاستياء، ومشاعر الانتفاضة، وليس كل الناس يستطيعون أن يصبروا على مثل هذه الضغوط التي ترتبط بحياتهم، وبمعاشهم، وبشؤنهم العائلية، وترتبط بأهم شيء إليهم، وهو التموين الغذائي.

إذن الناس لو صبروا على منغصات الحياة أو أحداثها وخطوبها، فإن المسألة الاقتصادية لا يمكن الصبر عليها طويلا، ومن هذا المنطلق طفقت الطبقة الشعبية المستضعفة في الأندية والمساجد تبدي إستيائها من تصرفات الحكومة، وكان المحرومون يستنجدون بحجر بن عدي أن يجد حلا لهذه المشكلة المصطنعة التي تمارسها الحكومة إنطلاقاً من برامجها التعسفية ضد الطبقة المحرومة الموالية لمبادئ الإمام أمير المؤمنين(ع).

ارتاد حجر بن عدي المسجد، وصعد الوالي الخطيب على المنبر، وشرع يكرر المكررات، ويدور عوداً وبدءاً وفقاً للمواد المرسومة، فسب وشتيمة، ثم مديح وإطراء، وإستنزال الرحمة والغفران، وبعد ذلك النعي على الذين يطالبون بحق الحياة، وحق التنفس، وحق الحرية، ويطالبون بأكبر من ذلك، يطالبون بالرغيف. إن الخطيب المأجور أشاع السئم والارهاق في صفوف المصلين تماماً كما أشاع التذمر المكبوت، وكان الجالسون بجانب حجر بن عدي التفتوا إليه، فإذا هو لا يكاد يستقر في مكانه كأنه جالس على صخرة ملتهبة.

ان سب الخطيب لولي الله الأعظم(ع) ثم تطرقه لمواضيع لا تمت إلى الواقع الاجتماعي السيء بصلة أثارت في نفس حجر بن عدي لهيبا ساطع الاوار، وأججت في كيانه مشاعر السخط الذي ما بعده سخط، وفي لحظة الانفجار صرخ حجر بن عدي صرخة دوت لها أرجاء المسجد، وانطلقت إلى خارج المسجد الأعظم تحمل إلى الناس دوي الانفجار، ومد الناس أعناقهم من كل جانب ليشاهدوا بطل الانتفاضة قائماً قد أحمرت وجنتاه غضباً، وأحمرت عيناه أسىّ وألماً، وهو يتكلم كانه بركان نار تقذف بحممها على رأس الطواغيت، لقد سمع الشعب آنئذٍ كلام حجر بن عدي سمع للخطيب الشتام: «إنك لا تدري بمن تولع من هرمك. أيها الإنسان مر لنا بأرزاقنا، واعطياتنا، فإنك قد حبستها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين، وتقريظ من المجرمين»[٣٢].

وما أن تلفظ حجر بن عدي كلمة الأرزاق، واستعرض قضية الحصار الاقتصادي الذي يمارسه عدو الشعب والجماهير حتى هبت الحشود المحتشدة من المحرومين والمستضعفين في وجه الطاغية الصغير تؤيد وجهة نظر حجر بن عدي وتقول: «صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئاً».

دوت أرجاء المسجد بهذه الاحتجاجات وأشباهها مدينة الحكومة وتصرفاتها المستهدفة للتجويع والافقار، وكادت الجماهير المحتشدة والغاضبة أن تبطش بالوالي لولا ان الجنود والشرطة حالوا دون وقوع كارثة على الوالي بل ان الوالي بادر ونزل من على المنصة، وهرب إلى قصره محاطاً بحرسه وشرطته، وطاردت الحشود الغاضبة الوالي علها أن تظفر به وبحياته الا ان الوالي الخائف الهلع ما أن بلغ القصر حتى أمر بغلق أبواب القصر في وجه المتظاهرين.

إن هذه الانتفاضة القائمة على المطاليب الحقة والملموسة في الوسط الاجتماعي كانت بمثابة التنفيس عن المشاعر الجماهيرية المكبوتة، وكانت منطلقا للتعبير عن الأوضاع الاجتماعية المتردية، وفي نفس الوقت منطلقاً للتعبير عن حديث النفوس.

يقول الطبري وهو يستعرض هذه الانتفاضة الشعبية: «إن أكثر من ثلثي الناس قاموا مع حجر بن عدي»[٣٣].

ويعني هذا أن الطبقة المترفة والثرية والموالية للسلطة من موظفين وجنود وغيرهما من المنتفعين لم يناصروا حجر بن عدي بل ان التي ناصرت حجر بن عدي كانت هي الطبقة المثقفة والمؤمنة والمستضعفة.

إن هذه الطبقة هي التي تؤمن بشرعية الانتفاضة، وتناصرها بقوة لأن هذه الجماهير هي التي تلمس أبعاد الحصار الاقتصادي، وهي التي تحس بمظالم الحكومة، ولأن هذه الجماهير هي التي تصب الحكومة عليها جام غضبها، وتذيقها أنواع الخطوب والآلام. أما علّية الناس والسائرون في رحاب الحكومة فإنها لا تكاد تشعر بعدوان الطواغيت.

وحينما دخل الوالي القصر وتفرق الناس، وهدأت الأوضاع، وأقبل الليل خرج المنافقون والوصوليون والمتزلفون إلى الحكومة، وأقرباء الوالي من جحورهم وتحت ستار الليل أقبلوا الواحد تلو الآخر، ودخلوا القصر، واجتمعوا بالوالي، وقالوا له: «علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة. انك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أولهما فتهوين سلطانك، وأما الاخرى فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه».

فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته، إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي، فيصنع شبيهاً بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة، فيقتله شر قتله. إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا أحب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم، وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك، وأشقى ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة ...[٣٤].

وفي ذات يوم وصلت المغيرة والي البلدة رسالة من معاوية فيفضها الوالي مبتهجاً ومتوجساً، مبتهجاً لأنه كان يترقب أن يزيد معاوية في سلطانه أوجاهه وصيته، ومتوجساً لأنه كان قلقاً من حركة المعارضة، لقد فض الوالي الرسالة، فإذا فيها: «إني قد احتجت إلى مال، فأمدني بالمال».

كانت البلدة آنئذٍ تعيش ضائقة إقتصادية، كان الوالي يحارب الشعب في موارده الاقتصادية، وكان يدبر لهذا اليوم، فكان يجمع الأموال من نقود فضة وذهب، ومن طعام حنطة وشعير وتمور إلى ما هنالك من موارد الحكومة من الشعب، وكان الوالي لا يدع هذه الأموال أن تقسم على أبناء الشعب أو تتسرب إلى الأسواق لكي تنموا الحركة الاقتصادية في السواد، وذلك وفقا السياسة الحكومة وبرنامجها في الحصار الاقتصادي ضد الشعب.

كان الشعب قد أدرك هذه الحقيقة المرة، فكان يحاول أن يجد متنفساً من برنامج الحكومة التعسفي، وسياستها الجشعة، وهذه الرسالة حينما وصلت إلى الوالي طفق يلبي طلبات صاحب القصر، فيجمع الأموال إضافة إلى الأموال المتكدسة عنده على أنواعها، وألوانها من القرى والأرياف القريبة والبعيدة، ويكدسها في خزائن الحكومة، وكل هذا كان يجري في سرية تامة عن الشعب، وعن زعيم المعارضة حجر بن عدي حتى إذا تم له كل شيء، ولم يشعر بتحركاته أحد من أفراد الشعب، هيّا العشرات من الابل القوية، وحملها هذه الأموال التي كان الشعب بامس الحاجة إليها بل وأكثر من صاحب القصر تلهفاً وإحتياجاً، وكان الوالي مغتبطاً، ومرتاحاً فرحاً على عمله وجهوده المكتومة والتي كانت ولا تزال سراً عنده وعند الموظفين في الحكومة.

وفي غفلة من الناس أصدر أوامره إلى رئيس العير بالتحرك إلى دمشق، ولكن الله سبحانه هو ألطف بعباده من دسائس السياسيين أن يصادروهم في غذائهم وطعامهم وحياتهم التموينية، لقد وصلت الأنباء إلى زعيم المعارضة حجر بن عدي عن القطار المحمل بأموال الشعب، وان القطار لهو على أهبة الاستعداد لمغادرة البلد، وأرشد على مكان تواجد القطار، فبادر حجر بن عدي مع جماعة من أصحابه وتبعهم جمهور الشعب، وقد ذاع بينهم قضية القطار المحمل بالأموال، فساروا في مظاهرة صاخبة وراء حجر بن عدي الزعيم المحنك، وهناك وفي ناحية من البلدة شاهدوا العشرات من الأبل المحملة بالأموال هي على وشك الانطلاق بل كانت قد فصلت وسارت مبعدة عن البلدة، مغذة السير، فأسرع ابن عدي حتى أمسك بزمام القطار، وحبس العير، وهتف في صوته الأجش الشجاع بوالي البلد: «والله لا تذهب حتى تعطي كل ذي حقٍ حقه»، ولم يصبر حجر بن عدي على إستجابة الحكومة لندائه بل طفق هو وأصحابه يفرقون الأموال بين الشعب بصورة منتظمة، فسادت الأفراح والابتهاجات في صفوف الناس، وخاصة المستضعفين والمتعففين من أفراد الشعب.

وبلغت سيطرة حجر بن عدي وأصحابه على العير، وإنكشاف مخططات الوالي وموظفي الحكومة إلى المغيرة بن شعبة، فساءه كثيرا، وهرع إليه زبانية الحكومة من ثقيف تعرض له بحماس تفانيها وإخلاصها وإستعدادها لخوض معركة مع حجر بن عدي وجيشه الجماهيري ثم تحمل إليه رأس حجر بن عدي، ولكن الوالي لم يشأ أن يزيد في الطين بلّة، ويضيف إلى الفضيحة الاقتصادية والسياسية، فضائح اُخرى، ومسبات اُخر، فشكر زمرته وقال: «ما كنت لأقتل حجراً أبداً».

وفي سنة ٤٩ كان الطاعون قد اجتاح الكوفة، فهرب منها الوالي المغيرة بن شعبة ثم عاد إليها، فطعن أي أصابه الطاعون، فمات الطاعون من الطاعون.

وفي لحظة دفن المغيرة بن شعبة مر عليه أعرابي فقال: ارسم ديار للمغيرة تعرف عليها دوي الانس والجن تعزف فإن كنت قد لاقيت هامان بعدنا وفرعون فاعلم أن ذا العرش منصف[٣٥]

وبعد عشرة أعوام من الحكم التعسفي هلك الوالي، وكانت البصرة آنئذٍ يحكمها زياد بن أبيه، وكان زياد في عهد خلافة الإمام علي(ع) في كادر الخلافة والياً على فارس، وكان يعتبر من الموالين للإمام(ع) آنئذٍ بل وان زياداً هذا بعد إستشهاد الإمام ارتاد الكرفة معاضداً لأنصار الإمام وأصحابه الطيبين، ويناضل ضد الحكومة، ويشجب ممارساتها التعسفية بل وقد رأينا ابن أبيه هذا مع حجر بن عدي رضوان الله عليه، وجماعة من زعماء الكوفة قاطعوا مهرجانات الوالي، وقاطعوا صلاة الجمعة التي يقيمها الوالي تماماً كما ان ابن أبيه أبدى إستيائه من الحكومة من خلال مقاطعته الصامتة، وكان واحداً ممن فرض عليه معاوية من خلال رسالته إلى المغيرة أن يحضر الصلاة مع الوالي، ولا يظهر عداء من خلال تصرفاته، هذه، ورأينا أن زياد بن أبيه، وحجر بن عدي، وسليمان بن صرد، وعمرو بن الحمق، وغيرهم أضطروا أن يحضروا المهرجانات الرسمية، وكانت صلاة الجمعة تعتبر إحدى المهرجانات الرسمية للحكومة، ولكنها كانت مفرغة تماماً من مضمونها الكريم والعظيم، مضمون العبادة والالتجاء إلى الله تعالى عن إخلاص وتعبد.

إن زيادا هذا، ومن منطلق شهواته وحبه للدنيا استطاع معاوية أن يجرفه في تياره[٣٦]، ويحمله إلى جانبه ثم يمنحه منصب ولاية البصرة، ويوليه عليها ثم وبعد وفاة والي الكوفة جمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبيه، وكان زياد على علم مسبق عن إتجاهات الكوفة، وعن صراعاتها ضد الحكومة، وعن زعامة حجر بن عدي التي استقطبت الشعب في العراق، وكان على علم بدخائل الكوفة ونواياها. أليس كان يوما من الأيام صديقاً لأنصار الإمام، وحفياً بحجر بن عدي؟

إذن الوالي الجديد كان قد اشترك في وقت سابق في الانتفاضة الصامتة ضد الحكومة تماماً كما عاضد أنصار الإمام بل وكان الناس ينظرون إليه على أنه واحد من أصحاب الإمام وواحد من كبار مسؤلي الدولة، ومن المنطلقات هذه دخل زياد بن أبيه الوالي الجديد الكوفة مسافراً إليها من البصرة، وخطب الناس وقال: «أما بعد، فإنا قد جربنا وجربنا، وسسنا وساسا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها، وغيب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر الا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر».

وبعد هذه الخطبة التي رسم فيها الوالي الجديد خطته في الحكم، وجمع في خطابه إلى الناس الشدة باللين، والسيف مع باقة الورد.

ثم انه اقسم انه سيطبق إنذاره بحذافيره، وأنه لا يكذب في رعوده، وأنه ليست أكبر من كذبة الوالي على المنبر. ثم ان الوالي الجديد كان يعلم بالحركات النشطة في هذا المصر، وكان يعلم أن القائد الذي يقود الحركة الإسلامية ضد سياسة الدولة هو صديقه القديم حجر بن عدي الأمر الذي بادر وأرسل إلى حجر من يدعوه إلى دار الامارة، ولما حضر حجر استقبله زياد بحفاوة مشوبة ببعض تجهم ثم ألقى عليه ابن أبيه هذا الدرس وقال له: «تعلم أني أعرفك، وقد كنت أنا وإياك على ما قد علمت، وإنه قد جاء غير ذلك[٣٧]، وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة، فاستفرغه كله. أملك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدي، فأكفني نفسك، فإني أعرف عجلتك، فأنشدك الله يا أبا عبدالرحمن في نفسك، وإياك وهذه السفلة، وهؤلاء السفهاء أن يستزلوك عن رأيك، فإنك لو هنت علي أو أستخففت بحقك لم أخصك بهذا من نفسي»[٣٨].

كان حجر بن عدي في خلال كلمات الوالي الجديد، الكلمات المشحونة بالاغراء بالمناصب، بالأموال، بالجاه العريض تماماً كما أنها مشحونة ببريق السيف، بالتهديد، بالارهاب، وهكذا ضمن الوالي الجديد كلامه بالوعد والوعيد، وبالاغراء، وبالتهديد، وكان الكلام صريحاً ليس فيه لف أو دوران، وليس على حجر بن عدي الا أن يخلع مبادئه، وينسلخ من ماضيه المشرق، ويتغير ثم يعتنق مبادئ السياسة الجديدة، ويسير في ركاب الأمير حتى تغدق عليه الدنيا بكل ما يحلم به إنسان على وجه الأرض، وبكلمة ان يتغير حجر كما تغير صديقه زياد.

أليس ان السياسة قد تغيرت؟ أليس ان المبادئ قد تغيرت؟ أليس ان السلطان قد تبدل؟ أليس ان الأهداف قد تغيرت.

إذن، فليتغير حجر كما تغير ابن أبيه، ولتكن المبادئ والعواطف كثوب يلبسه اليوم ثم يخلعه في غد أو يلبسه في مهرجان عيد ثم يخلعه في مأتم نواح، ويلبس ثوباً آخر، وهكذا عرض الوالي الجديد على حجر.

ولكن هيهات لمثل حجر بن عدي بطل العقيدة والمبدأ أن يغيره الزمان أو تغيره السياسة ورجالها. إن حجرا الذي تربى في مدرسة الإمام واختلطت مبادئ تلك المدرسة بجوهر روحه، وبأصالة فكره وعقله لا يمكنه أن يتجرد من مبادئ تلك المدرسة إلا إذا استطاعت أن تتجرد روحه من جوهرها وكيانها، لقد اتخذت تلك الروح الكبيرة طابع تلك المدرسة، فليست المبادئ، وقيم العقيدة مثل ثوب يلبسه في يوم في ظل ظروف خاصة، ثم يخلع ذلك الثوب إذ تغيرت تلك الظروف، واستجدت ظروف أخرى.

إن الوالي الجديد يحاول من صديقه حجر بن عدي أن يداهن ويراوغ، ولكن حجرا له طابعه الفذ. إن جوهر شخصية حجر بن عدي يختلف عن جوهر شخصية زياد بن أبيه.

إن جوهر شخصية حجر قائم على الاخلاص والوفاء والتفاني في سبيل الإمام ومبادئه ان حجراً سار على منهاج الإمام في سني خلافة الإمام ثم وبعد استشهاد الإمام ظل وفيّاً ومخلصاً للإمام ومنهاجه.

أما زياد بن أبيه فإنه كان مستعيراً لمنهاج الإمام، فلما استشهد الإمام وتبدلت الظروف السياسية تخلى عن ذلك المنهاج.

إذا رأينا ابن أبيه يتعاطف مع خلافة الإمام، ويعمل في عهد الإمام أميراً على فارس من جهة الإمام ثم يعمل مساعداً في البصرة لواليها من قبل الإمام: عبد الله بن عباس، ونائباً له، وإذا رأينا أن الشعب كان ينظر إلى ابن أبيه في عهد الإمام على أنه واحد من المسؤولين، إذا رأينا هذا كله من ابن أبيه فإن ابن أبيه كان يلعب دوره في ذلك العهد أي أن الأجواء السياسية العادلة التي كانت سائدة في عهد الإمام جعلت من ابن أبيه واحدا من السائرين في خط الإمام، إن ابن أبيه لم يخلص لدولة الإمام، ولم يعتنق مبادئها عن حب، ومن هذا المنطلق نجد أن ابن أبيه ينحرف عن خط الإمام في عهد الإمام فيرسل له الإمام رسالة يهدده فيها في لهجة شديدة يقول(ع): «وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ اَلْوَفْرِ ثَقِيلَ اَلظَّهْرِ ضَئِيلَ اَلْأَمْرِ وَ اَلسَّلاَمُ»[٣٩].

إن ابن أبيه كان مستعيراً لهذه المبادئ، مبادئ الإمام، ومتظاهراً بالحب والاخلاص، فلما أن استشهد الإمام، وظهرت في الأفق سياسة مضادة لتلك المبادئ الرائدة خلع ابن أبيه ردائه، ولبس رداء السياسة الراهنة.

إن جوهر شخصية ابن أبيه كانت تلائم سياسة البطش والقسوة والدم والحديد والنار، سياسة الارهاب. أي ان جوهر شخصية ابن أبيه كان مطبوعاً بطابع السياسة الراهنة، ولم يكن جوهر شخصيته ليلائم سيرة الإمام، فإذا ما فرض ابن أبيه على نفسه أن يلائم بين عواطف نفسه وميولها وبين سياسة الإمام وسيرته ومبادئه، فإنه لم يستطع أن يوفق في مواصلة المسيرة إلى نهاية الخط بل انحرف، وانحرف، وبلغ إنحرافه هذا إلى الإمام مما دعا الإمام أن يبادره بكتاب يقومه، ويسد عليه طريق الانحراف.

وحينما تولى ابن أبيه في حكومة معاوية إمارة السواد ظهرت تلك الميول الدموية صريحة لا يسترها شيء حيث كانت الساحة ساحة تملي ممارسة مثل هذه الميول في حرية وبدون رادع أو حرج.

إذن هناك إختلافات جذرية بين شخصية حجر بن عدي، وزياد بن أبيه، فإن الأول أخلص للإمام ووفى بالعهد وسار على الخط حتى اللحظة الأخيرة من حياته، والثاني تظاهر بالحب والاخلاص، فلما تغيرت الساحة السياسية ظهرت الميول الدموية، والعواطف القاسية بصورة بشعة.

أما مسايرته لحجر في عهد المغيرة، فإنه كان يحاول أن يلقي بنفسه الساحة حتى ترهبه الحكومة، وتضمه إلى جانبها، ولم يكن حليفاً مخلصاً لحجر بل كانت له نوايا خبيثة أستطاع أن يتوصل إليها، ومن يدري أنه لم يكن جاسوسا للحكومة يتظاهر بالتحالف مع حجر؟

ومن خلال هاتين الصورتين عن حجر، وزياد نستطيع أن نحكم على ابن أبيه بأنه سيفشل في محاولته أن يجر حجر بن عدي إلى السير في ركاب السياسة القائمة، وإن كلماته التي ألقاها على حجر والتي تضمنت بالارهاب والاغراء لم تكن بالنسبة لحجر سوى ظهور نفسية ابن أبيه على حقيقتها المخيفة بعد ان كانت هذه النفس وميولها مخفية عن أعين الناس، وعن أعين الأصدقاء والأصحاب على السواء، ومستورة بستار مصطنع.

وبعد أن أصغى حجر بن عدي إلى كلمة ابن أبيه لم يبدي حجر أي رد فعل بل قال في هدوء: «قد فهمت». ثم خرج حجر من دار الامارة إلى داره، وكان الناس وأصدقاء حجر قد تسامعوا عن اجتماع حجر وابن أبيه، فكان الأصدقاء يترقبون عما سيسفر هذا اللقاء، وحينما عاد حجر إلى داره ارتاد الأصدقاء في لهفة دار حجر وسألوه عما دار بينه وبين الأمير، فسرد حجر على مسامع الأصدقاء مواد كلمات الوالي، فقالوا مستنكرين: «ما نصح لك».

ثم أن حجر بن عدي طفقت الجماهير ترتاد داره، وتحثه على المبادرة لاستئصال شأفة الظالمين، والتحرك في وجه الطاغية الجديد، وكانوا يقولون له في لهجة عاتبة: «إنك شيخنا وأحق الناس بإنكار هذا الأمر»[٤٠].

وكان حجر بن عدي يفكر في كلمات الوالي، وكان يود لو أن الوالي زياد ترك السياسة الاعلامية التي تثير في نفوس الناس مشاعر الألم، وأحاسيس التذمر، وكان حجر بن عدي يفكر كثيراً: أليس الوالي هذا كان حسب الظاهر من أنصار الإمام ومن عماله؟

إذن فليكن تحركه السياسي أرحب ساحة، وأبعد مجالاً، وربما كان حجر يتفوه بإتجاهاته الفكرية. وكان الوالي قد أرصد العيون والجواسيس على تحركات حجر بن عدي وتعاليمه لأصحابه، فكان العيون يرفعون التقارير إليه عن كل كلمة يتفوه بها حجر أو أية حركة يقوم بها، فحينما رأى الوالي أن حجراً لا يزال يسير في نفس الهدف، وإن الجماهير المؤمنة لا تزال تحف به، وتسترشد بآرائه، وتدعوه للنهضة أرسل إلى حجر وقال له: «قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك، وإني والله لا احتملك على مثل ذلك أبدا. أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضاً وعداوة، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته، فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومودة».

لقد أسلفنا القول ان زياداً لم يحب الإمام حباً مبدئياً عميقاً بل انه سار مع تيار الخلافة عندما كانت مطامحه تجد مجالاً للعمل والتقدم، فأما بعد أن استشهد الإمام وأصبحت الدنيا بيد خصوم الإمام، فإن زياداً أبي على الساسة الجدد إنطلاقاً من مناورات سياسية، ولكن وبعد حين عندما اطمأن على سلامة طموحاته بل وأكثر طفق يؤيد الساسة الجدد.

إذن لم يكن هناك حب حتى يرتفع، ولا بغض حتى يغيض بل هي الشهوات الشخصية هي التي كانت تملي إنتقالات زياد، ولقد قلنا إن جوهر نفسية زياد كان يميل إلى الشر.

كان ابن أبيه مطأطأ الرأس ثم رفع رأسه وأضاف قائلاً: «وإني أخوك الذي تعهد إذا أتيتني وأنا جالس للناس، فأجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس، فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان حاجة غدوة، وحاجة عشية. إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يميناً وشمالاً تهلك نفسك، وتشط عندي دمك، وإني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة».

فقال حجر بن عدي: «لن يرى الأمير مني الا ما يحب، وقد نصح، وأنا قابل نصيحته»[٤١].

وهذا اللقاء أيضاً مزج الوالي بين الاغراء وبين الارهاب، مزج بين السم وبين العسل، بين أن يسير حجر في سبيل دنيا ينالها، ومجد عريض يخب فيه، وشهرة متألقة على إمتداد البلاد يظفر بها ثم وجاهة عند الناس حيث سيحول الوالي قنال قضاء المآرب إلى حجر، فيكون الوسيط بين الحكومة على مستوى عال وبين الناس، لقد خيرته السياسة الأرهابية بين هذا المجد المزيف، وبين معاناة السجون، ومعاناة النفي والابعاد والتجهم والحرمان بل والقتل.

ولا أخال أن حجر بن عدي لو تنازل للسياسة الراهنة عن كل مبادئه ومعتقداته الإسلامية، لو تنازل عن قيادته المناوئة للحكومة إلى قيادة تسير وفق متطلبات السياسة الراهنة، لو ان حجر بن عدي على فرض المحال انسلخ عن ماضيه المضي، وأرتدى الحاضر على علاته، لو ان حجرا فعل هذا لما تركته السياسة التعسفية الحاكمة بل ولما تركه زياد أن يتحرك بحرية بل ان سياسة الدولة كانت تريد من حجر أن يتخلى عن كل شيء من مبادئ وقيم، ومن ماضي مجيد، فإذا ما تخلى عن كل شيء وألقاه خلف ظهره، وعرف الناس ذلك عنه، وعرفوا خيانته وتجهمه لماضيه، ولمبادئه، ولمدرسته التي تخرج منها عند ذلك، عندما تسود صحيفة حجر بن عدي عند الناس فلا يكون له هناك شفيع، ولا عاذر عندئذ تدبر الحكومة ضده بعض القضايا الملفقة ثم تقضي عليه قضاءاً تاماً، وتتخلص منه على أهون سبيل، ولكن حجراً رجل العقيدة والمبدأ، وبطل النضال والثقافة والوعي.

كانت أصوله الكريمة، كانت دروسه عند الإمام، كانت المبادئ والتعاليم التي اقتبسها من الإمام والتي اختلطت بدمه ولحمه وعظمه، وعجنت بفكره وعقله وتحركه، إن كل هذه القيم كانت تأبى عليه أن ينجرف مع التيار الطاغي بل وقف موقف الابطال الافذاذ، أبطال العقيدة والجهاد، ولا تزال مواقف حجر بن عدي الرائدة هي التي تكشف لنا عن أساليب السياسة الملتوية لمعاوية.

إن حجراً ومواقفه تعتبر من معالم الطريق لدراسة التاريخ في هذه الحقبة.

و يا ترى لو لم تكن نضالات حجر، وأمثال حجر من خريجي مدرسة الإمام؟ يا ترى لو لم تكن مواقف حجر وأمثال حجر من أنصار الإمام، المواقف الإسلامية الحاسمة الفذة؟ يا ترى لو لم تكن تلك المواقف فمن اين كان الناس وعبر الاجيال يعرفون سياسة معاوية خاصة، والسياسة الأموية عامة، السياسة الملتوية والمبرقعة بألف برقع، والمتحصنة خلف ستار الإسلام، وهي السياسة المخاصمة للإسلام، ولقيمه ومبادئه.

فمن أين كان الناس وعبر التاريخ يعلمون الحقائق الحمراء الصارخة، والاعلام السياسي المستمر والمدوي ينفث السموم في القلوب والعقول، ورغم مواقف حجر وأنصار حجر بل ورعم المدينة التي أجراها معاوية في صفين أنهراً، وشقه عصى الإسلام، وخروجه على الإمام رغم كل هذا فلا يزال بعض المشفقين إذا ذكر هذا الاسم القذر: معاوية يترضى عليه، فكيف لو ان حجراً، وأنصار الإمام المخلصين الذين نذروا حياتهم للإمام، ومبادئه الوضائة القوا القياد للحكام وزمرتهم الموبوئة، وسالموهم وساروا وفقاً لخططهم الجهنمية إذن لذهب الخير كله، وطغى الشر جميعه، ولكن الله سبحانه وتعالى يأبى ضلال البشر وارتكاسهم في حمئة السياسة الغير المسؤولة، فلابد أن يظهر من حين إلى حين علماً من أعلام الإسلام، وعبداً من عباد الله الصالحين، فيضئ الطريق أمام الناس، ويثير التساؤلات حول السياسات الملتوية، والسياسيين المنحرفين المغيرين لشريعة الله باسم الإسلام لصالح شهواتهم وأهواءهم المتقلبة والممتدة.

وسيبعث الله تعالى الزعيم القائد من آل محمد صلوات الله عليهم، فيملأ الكرة الأرضية عدلاً وخيراً ونوراً بعدما امتلأت ظلماً وجوراً، وشراً وظلاماً.

وكان حجر بن عدي يداري الوالي ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن حجراً شاهد أن الوالي طفق يشيع الخوف والهلع في صفوف الناس، وطفق يظلم الناس بغير الحق بل وامتدت يده إلى الشريعة الإسلامية، فعمل على تهوين شأنها والخروج من حدودها المرسومة، ففي ذات يوم من أيام الجمعة اجتمع الناس في المسجد الكبير لأداء صلاة الجمعة، وكان حجر آنئذ له الزعامة على القاعدة العريضة من الجماهير، وحضر حجر مع مرافقيه في المسجد، وصعد الوالى المنبر، وخطب الناس وأسهب في الخطاب حتى حانت وقت الصلاة، ولكن الوالي كان مستغرقاً في خطابه إلى أن كادت أن تفوت الصلاة، وكان حجر قد ضجر من خطبة الوالي، وأكبر الظن أن خطبة الوالي كانت تتدفق في دعم سياسة الحكومة، والنعي على خصومها، فنادى حجر في وجه الوالي:

الصلاة.. الصلاة، ولكن الوالي مضى في خطبته غير عابئ بالتحذير أو التنبيه، فنادى حجر ثانية معبراً عن الوقت الذي يكاد أن يفوت «الصلاة الصلاة»، ولكن الوالي مضى في كلامه، وهو ينظر شزراً إلى حجر، وحينما رأى حجر إستخفاف الوالي بالصلاة أشتد غضبه، وكان جموع الناس ينظرون إلى حجر، وإلى ردود فعله، فما كان من حجر إلا أن ضرب بيده إلى كف من الحصى محاولة منه أن يحصب الوالي، وثار إلى الصلاة، وثار الناس معه، وحدث في المسجد ضوضاء وجلبة، وارتفع من الناس أصوات التكبير، فلما شاهد الوالي أن صوته انطمس في تيار الضوضاء والجلبة والتكبير، وإن الناس انشغلوا بصلاتهم وعبادتهم عن كلامه وثرثرته، وعن نعيقه وتبكيته الأمر الذي اضطر أن يغادر المنصة غاضبا، ولكنه تمالك غضبه حيث إن الساحة كانت بيد حجر والجماهير المؤيدة له، وما إن وصل الوالي إلى قصره تحت حراسة مشددة طفق يفكر في أمر الثورة التي بدأت تظهر وتمتد على إمتداد السواد، فقاده التفكير إلى أن يكتب إلى القصر عن حجر والجماهير المؤيدة له، وأن يلفق عليه القضايا، وأن يسأل عن رأي القصر في هذه الأحداث المتعاظمة والمستفحلة، وبالفعل كتب إلى القصر تقريراً قاسياً عن الأوضاع السياسية والاجتماعية في الساحة السوادية، وأكثر الوالي على حجر، وضخم الوقائع والاحداث.

أرسل الوالي تقريره هذا وأنتظر على احر من الجمر جواب القصر، وكان حجر بن عدي بعد هذه الحادثة، والأحداث المماثلة قد اتخذ قراره على مجابهة زياد مجابهة صريحة، وإن يدع سياسة المداراة يقول ابن عبد البر: «و ذلك ان زياداً أظهر من الغلظة. وسوء السيرة، فخلعه حجر، ولم يخلع معاوية».

والطريف ان الوالي في أيام الهدنة والمداراة كان يترجم إغراءاته لحجر إلى عمل، وإلى حقيقة ملموسة، فكان يقرب حجراً ويدنيه ويكرمه ويستقبله بحفاوة، وإذا ما غادر حجر ديوان حكمه ودعه بعبارات التقدير والاكرام، وكان يفضله على كل أشراف البلدة وزعمائها، وعلى جميع المسؤولين في المحافظة، وكان حجر من جانبه يتقيه ويهابه الا أن سيرة الوالي أضطرت حجراً أن ينقض أسلوبه في المداراة والموادعة.

لقد لمس حجر ان موادعته للوالي وتمتعه بتقدير الوالي وإكرامه سيكون على حساب الجماهير المستضعفة بل وعلى حساب معتقداته ومبادئه، على حساب دينه ومسؤلياته الملقاة على عاتقه، ومن هذه المنطلقات ترك حجر مداراة السياسة الحاكمة، وطفق يندد علناً بالسياسة وبأهوائها وشهواتها، وطفق يدعو كما كان يدعو إلى حرية الرأي والمبدأ، ويذود عنها في جو محموم بالشهوات السياسية وعواصفها، وخاض غمار الجهاد السياسي العلني، وجاهد أصدق جهاد، وأبلى أعظم بلاء.

وفي إحدى هذه الأيام أجتمعت الجماهير في الجامع الكبير حيث تقام الصلاة، وحسب العادة صعد ابن أبيه المنصة، وطفق يخطب وفي نهاية الخطاب شرع يستنزل ألوان السخط على الأحرار السائرين على نهج الإمام، وخط القرآن، ولكن حجراً الزعيم المعقودة عليه الآمال من قبل الجماهير كان للوالي الخطيب بالمرصاد، وما أن بدأ الوالي في ذم الأحرار حتى تصدى له حجر، واضطره إلى مغادرة المنصة.

إن الوالي كان عليه أن يدير شؤون البصرة والكوفة، وكانت البصرة أيضاً تغلي كالمرجل، فقد كان هناك الخوارج قد أعلنوا العصيان والثورة على الحكومة، وكانت الأخبار الخطيرة تصل إلى الوالي، وهو في الكوفة مما اضطره إلى أن يغادر الكوفة، وهي أيضاً تعيش إرهاصات إنفجار، فماذا يعمل، وبإشارة أحد مستشاريه أرسل إلى حجر بن عدي يدعوه إلى الاجتماع فلما حضر حجر في ديوان الحكومة أعلمه الوالي أنه سيغادر البلدة، وقد جعل عمرو بن حريث على الكوفة لادارة شؤنها في غيابه ثم ان الوالي حذر حجراً من المخالفة والعصيان ووعظه باتخاذ جانب الهدوء والسكينة، والمحافظة على أمن البلدة ثم ان الوالي غادر البلد إلى البصرة، فشعرت الجماهير ببعض الهدوء، وصفا الجو لهم بعد أن كانوا يستشعرون الخوف، طفقت الجماهير وبصورة علنية ترتاد دار، زعيمها ويلتقون به، ويستمعون إلى تعاليمه وإرشاداته، واتخذت حركتهم طابع المظاهرة، طابع الهجوم والتذمر الصريح، والتمرد على قوانين الحكومة، وكان حجر بن عدي الزعيم الغالي يرتاد مع مرافقيه المسجد الأعظم، فترتاده الجماهير الغفيرة المؤيدة لمطاليب حجر بن عدي، وكانوا يخطبون حول السياسة القائمة المتحاملة على الجماهير، والمستخدمة القوة لكم الأفواه، وسحق الحريات، وكان الخطباء يستعرضون سيرة العمال والأمراء المخالفة لنصوص القرآن، والشريعة الإسلامية، وكان الخطباء يسهبون في الحديث، وفي النقد اللاذع لتصرفات الحكومة والقائمين عليها، وكانت الجماهير تستجيب للخطباء، فتطلق الشعارات المؤيدة للحركة، والمنددة للسياسة والسياسيين، وقد استقطبت هذه الحركة الشعب عامة على إمتداد السواد، وأثارت هذه الحركة القوية نائب الوالي عمرو بن حريث، وأشاعت في نفسه الخوف والتوجس، وحاول أن يخمد من هذه الحركة حماسها، واتخذ الاجراءات لعودة الحياة الطبيعية إلى الحكومة التي كادت الأوضاع أن تخرج الحبل من يدها، فقد ارسل عمرو بن حريث نائب الحكومة إلى حجر بن عدي من يحذره ويقول له: «أبا عبد الرحمن ما هذه الجماعة، وقد أعطيت الأمير من نفسك ما قد علمت»، فقال حجر وقد اغتاض من هذه الرسالة: «تنكرون ما أنتم فيه إليك، وراءك أوسع لك».

ويحاول حجر أن يقول لنائب الحكومة: أن ممارساتكم التعسفية ضد الجماهير، وضد القيم والمبادئ تنسونها، وتكادون أن تنكرونها أما تحرك الجماهير في سبيل مطاليبهم العادلة، في سبيل أن يصدوا العواصف السياسية التي تعصف بالمسلمين، وبأهل البلد خاصة، وتعيث فساداً بمنافعهم، وعقولهم، وأخلاقهم وعقائدهم ومبادئهم، فتعتبرونها عبثاً ومنكراً يستثير قلقكم.

الا أن هذا الاجراء وإجراءات ممائلة قد بائت بالفشل، وهنا حاول عمرو بن حريث أن يمسك بزمام المبادرة، فأرسل إلى جميع المسؤولين في الحكومة، وإلى كبار زعماء البلد أن يوافوه في المسجد. ثم أنه ارتاد المسجد مع طابور من الشرطة والحرس، واستقل ابن حريث المنصة، وخطب الناس، وحثهم على الطاعة، وحذرهم الخلاف، وندد بالمشاغبين.

وما إن سمعت الجماهير التنديد حتى نهضوا. واندفعوا، وهم يكبرون وينددون بالحكومة، ويطلقون الشعارات ضد الساسة الخونة.

ثم طفقت الجماهير التي أخذ منها الحماس مأخذها ترشق نائب الوالي بالحجارة والحصى في وسط هتافات صارخة منددة، وحاولت الشرطة أن تحد من هذا الحماس المنطلق، وتمنع التحصيب، ولكن الأوان قدفات، وكاد ابن حريث أن ينسحق تحت وابل الحصى والحجارة لولا ان تداركته الشرطة الخاصة، فنزل من على المنصة وبادر إلى قصره محاطاً بالشرطة والحرس، وما أن بلغ إلى دار الامارة حتى أمر بأغلاق أبواب القصر، وتنفس الصعداء، وكاد أن يموت أمام هجمات الجماهير، وكتب النائب عمرو بن حريث إلى زياد في البصرة تقريراً عن الأوضاع المتوترة في البلد، وقال في ختام تقريره: «إن كانت لك حاجة بالكوفة فالعجل». وأرسل التقرير مع رسول إلى زياد في البصرة، فلما وصل الرسول وأبلغه التقرير: رسالة ابن حريث فض خاتم الرسالة وقرأها، فإذا به بأنباء، مذهلة، فمادت الأرض تحت رجليه ثم أعاد قراءت الرسالة ثانية وثالثة، وهو يحملق فيها ثم تمثل بقول الشاعر:

فلما غدو بالعرض قال سراتناعلام إذا لم تمنع العرض نزرع


وقال متمتمأ. وهو يكاد أن يتميز من الغيض: «ما أنا بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر، وادعه نكالاً لمن بعده، ويل أمك يا حجر لقد سقط بك العشاء على سرحان».

وكان ابن أبيه لا يزال مشغولاً بأمور، البصرة وفتوقها، وإنتفاضاتها، وإنتشار حبل الأمن فيها، ولكن أحداث الكوفة استقطبت تفكيره، فعزم أن يغادر البصرة على جناح السرعة فاستدعى نائبه على البصرة سمرة بن جندب الطاغية المشهور، وأوصاه بامور تهم المحافظة ثم رحل عنها مغذاً السير باتجاه بلد الانتفاضات، ولما بلغ البلد ارتاد دار الامارة وأرسل إلى جماعة من زعماء أهل البلد ليتوسطوا بينه وبين حجر بن عدي، وكان بعض هؤلاء الزعماء من أصحاب الإمام أمير المؤمنين(ع)، وفي نفس الوقت كانت تربط هؤلاء الزعماء بصداقة متينة بحجر بن عدي، والزعماء هم: عدي بن حاتم، جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن عرفطة العذري خليف بني زهرة، وأرسل إلى غيرهم، ولما تكون الوفد أرسلهم الوالي إلى حجر بن عدي ليفاوضوه في القضايا القائمة والتي حسبت لها الحكومة ألف حساب، وطلب الوالي منهم أن يكلموا حجرا حول الجماهير، وان لا يرتبط بهم، ولا يتقرب إليهم، ويطردهم من الساحة، وفي نفس الوقت أن يسكت ويكف لسانه عن نقد السياسة والولاة، ولا يتطرق إلى كشف عيوبهم وجرائمهم، وأساليب حكمهم ولا يبحث عن سياستهم الظالمة بل يسكت ويتخذ جانب الحياد.

وبطبيعة الحال أرسل الوالي مع الوفد بعض الجواسيس حتى يشرفوا على مائدة المفاوضات ثم يخبروا الوالي عن مشاعر المتفاوضين وردود فعل الخصم المفاوض.

ارتاد الوفد دار حجر بن عدي، فرحب بهم حجر وأكرمهم، وحينما أخبره الوفد عن الرسالة التي جاؤا من أجلها من قبل الوالي تغيرت تصرفات حجر بعد الحفاوة البالغة التي استقبل بها الوفد، فقد اكفهرت ملامحه، وتظاهر بعدم الاكتراث بالوفد، فكان رئيس الوفد عدي بن حاتم يتكلم ويشرح وجهات نظر الحكومة، ولكن حجرا كان يتغافل عن كلام عدي بن حاتم، ولا يتجاوب مع الوفد المفاوض، والممثل للحكومة، وفي سبيل أن يخرج نفسه من موقف الصمت الحرج الذي ضربه على نفسه طفق ينادي أحد عبدانه: «يا غلام إعلف البكر، يا غلام أفعل كذا».

وكان في جانب الدار بكراً معقولاً، ولقد أثارت هذه الظاهرة المعبرة عن عدم الاهتمام والاكتراث، وعن الغض بالوفد الممثل للحكومة، وعن رسالته، لقد أثارت رئيس الوفد عدي بن حاتم، فقال في نبرات عاتبة: «أمجنون أنت، أكلمك بما أكلمك به، وأنت تقول: «يا غلام إعلف البكرة».

ثم إن عدي بن حاتم التفت إلى الوفد المرافق له فقال: «ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى».

ولما أحس الوفد أن حجر بن عدي قد عزم على الجهاد السياسي الصريح، والنضال في سبيل المبادئ العادلة التي آمن بها، وانه لا يستجيب إلى شروط الحكومة التي تحاول أن تفرضها عليه، لما أحسس الوفد بعدم التجاوب من قبل الزعيم المجاهد نهض وخرج من دار الزعيم آسفاً أو قل ان بعض افراد الوقد كان آسفاً على فشل المفاوضات حيث كان هناك في افراد الوفد من يدعم تحرك حجر بن عدي وجهاده المقدس ضد الحكومة التي بلغت إلى السلطة عن طريق الخداع، عن طريق بحار الدم والدمع، والعبور على الضحايا والاشلاء.

نعم كان في إفراد الوفد من يدعم حركة حجر بن عدي، ونضاله المبدئي ومن هؤلاء هو زعيم الوفد نفسه عدي بن حاتم الطائي، فإن عديا كان يؤيد تحرك حجر ويدعمه تحت الستار، فقد كان عدي بن حاتم الطائي من كبار أصحاب الإمام وأنصاره.

ارتاد الوفد دار الامارة ليرفعوا إلى الوالي نتائج المفاوضات الفاشلة، وفي الحقيقة لم تكن هناك مفاوضات حيث إن حجراً نفسه لم يتجاوب مع الشروط لا سلباً ولا إيجاباً.

اي إنه لم يتكلم بكلمة تعبر عن إتجاهه حول رسالة الوفد الا اننا نستطيع أن تفهم أن صمته أمام الوفد الممثل للحكومة، وتهاونه برسالتهم هو تعبير واضح عن شجبه لهذه الشروط، وعن إستنكاره لأعمال الحكومة وإعلامها العدائي، ولما عاد الوفد إلى دار الامارة تشاوروا فيما بينهم أن يخففوا عن الأجواء المتوترة في العلاقات بين حجر بن عدي وبين الحكومة، ومن هذا المنطلق حضر الوفد عند الوالي: «فأخبروه ببعض، وخزنوا بعضا، وحسنوا أمره، وسألوا زيادا الرفق به، فقال: لست إذن لأبي سفيان».

إن الوفد دافع عن حجر عند الوالي، فذكر بعض شؤون حجر التي لا تثير ثائرة الحكومة، وخزن بعض شؤونه الاخرى التي تسئ إلى سمعته عند الحكومة، وطلبوا من الوالي أن لا يتعجل في أمر الزعيم، ولكن الوالي أو قل الممثل الرسمي للحكومة أبي هذا العرض من الوفد، واكد ابن أبيه هذا الاباء بقوله إذن لست لأبي سفيان.

وهنا تكمن نقطة عقدة النقص في نفسية الوالي، ولأجل أن يثبت ابن أبيه ولائه للحكومة، ويثبت أنه من أبي سفيان راح يطارد حجر بن عدي وأركان حركته.

وكان ابن أبيه حاول عن طريق المفاوضات الثنائية أن يستتبع حجراً إلى مركز الحكومة حيث يستطيع أن يلقى عليه القبض بأهون سبيل، ولكن عندما أمتنع حجر بن عدي أن يفاوض الوفد مبدئياً، فإنه امتنع بطبيعة الحال أن يرافق الوفد إلى دار الامارة، ومن هذه الحقيقة، فإن ابن أبيه غضب واشتد غضبه على حجر بن عدي، وكبار أعضاء الحركة، وفي اليوم التالي رأى الناس أن ابن أبيه يخرج من دار الامارة إلى المسجد في وسط حراسة مشددة، وكان المسجد آنئذٍ مشحوناً بالجماهير المطالبة بحقوقها، وكان حجر بن عدي قد توسط الجماهير يصدر إليهم بتعاليمه وإرشاداته القويمة، وربما تكلم إليهم عن الوفد الذي أرسلته الحكومة للتفاوض، وردود فعله تجاهه.

توافد المسؤولون في الحكومة إلى المسجد ليؤدوا إلى الوالي تحية الصباح في وسط الأجواء المتوترة السائدة في البلدة.

صعد ابن أبيه المنصة، ورمقه الناس، فإذا به في أفخر ملابس الأمراء، قد لبس قباء سندس، وعليه مطرف خر في لون أخضر زاهي قد صفف طرته، وفرق شعره ثم شرع يتكلم وئيداً ثم تعالت النبرات حتى غدت صراخاً، وتهديداً، ووعيداً فقال: «أما بعد، فإن غب البغي، والغي وخيم. إن هؤلاء جموا، فأشروا، وأمنوني فاجترء وا علي، وأيم الله لئن لم تستقيموا لأدواينكم بدوائكم... وما أنا بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالاً لمن بعده، ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان - ثم أنشد -:

أبلغ نصيحة أن راعي إبلهاسقط العشاء به على سرحان[٤٢]


ثم إن ابن أبيه بعد هذا التهديد عاد إلى دار الامارة في وسط حراسة مشددة، وفي دار الامارة أجتمع زعماء القبائل والمتزلفون إلى الحكومة، وطوابير من الشرطة والحرس، وحاول ابن أبيه أن يلقي القبض على حجر بن عدي، وكان حجر جالساً في وسط الجماهير، وكبار شخصيات الحركة الانتفاضية، فأشار ابن أبيه إلى رئيس الشرطة قائلاً في نبرات غاضبة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، ويبدو من هذه الجملة أنها دعوة سمحة، وليس في الدعوة أية داهية أو رهبة، ولكنها دعوة تتضمن الدم المراق، وقد انتبه حجر إلى هذه الحقيقة، ولما قال ابن أبيه للشرطة: «لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه»، نظر رئيس الشرطة وهو شداد بن الهيثم الهلالي إلى أعوانه ليختار من بينهم واحداً تناط هذه المهمة، وفي نفس الوقت يكون الشرطي الحامل للرسالة رجلاً يطمأن حجر إليه، ولو بصورة باهتة، فوقع نظر الرئيس على الحسين بن عبد الله الهمداني، وهو شرطي من قبيلة همدان الموالية للإمام، وفي نفس الوقت المؤيدة لحجر وحركته، ولكن شؤون الحياة وأعباءها أو قل شقاءها جرفت الحسين الهمداني إلى الوظيفة، والعمل في ظل حكومة معادية لقبيلته ومعتقداتها.

أرسل رئيس الشرطة الحسين الهمداني ليدعو حجر بن عدي، فهرول الحسين إلى المسجد، والتقى بحجر بن عدي وأبلغه الرسالة قائلاً: «أجب الأمير»، فلما أن سمع أصحاب حجر الكبار هذه الرسالة صرخوا في وجه الرسول وقالوا له: «لا يأتيه ولا كرامة»، وسمع الناس مقالة أصحاب حجر بن عدي، وكانت بمثابة الضوء الأخضر لإعلان التحرك الجماهيري.

عاد الشرطي إدراجه إلى ابن أبيه وأخبره بالخبر، فغضب وارسل إلى حجر مولاه، وقال له قل لحجر: «إني أحذرك أن تركب إعجاز أمور هلك من ركب صدورها»[٤٣].

ثم أمر صاحب شرطته شداد الهلالي أن يبعث طابوراً من الشرطة مع الحسين الهمداني حتى يضطروا حجر بن عدي لتلبية الدعوة، وعاد الحسين الهمداني برفقة الطابور، وهم مدججون في السلاح، وعندما بلغوا مكان حجر ابن عدي وأبلغوه رسالة ابن أبيه، وإذا بالجماهير الغاضبة تفتح أفواهها، وتهتف ضد الوالي، وتشتم وتسب الجلاوزة، فيمتلأ قلوب الجلاوزة خوفاً ورهبة من دوي الاستنكار، فيعودون إدراجهم ويخبرون الوالي، فيطرق الوالي ويستغرق في التفكير، ويحلل جوانب الانتفاضة، فإذا به يرى معظم الجماهير المتحركة والمؤيدة لحجر بن عدي تنتمي إلى العديد من القبائل والبطون، وإن زعماء هذه القبائل ماثلون لديه في ديوانه.

إذن فلماذا اتخذوا لأنفسهم هذا الصمت المطبق تجاه أبناء قبائلهم الذين كونوا النواة الأصلية لحجر بن عدي؟

ولما إن بلغ تفكير الوالي إلى هذه النقطة امتلأت نفسه غيضا وحقدا، فوئب مزمجرا، وخاطب زعماء القبائل المائلين لديه قائلا: «يا أهل الكوفة أتشجون بيد، وتأسون بأخرى، أبدانكم معي، واهواؤكم مع حجر،هذا الهجهاجة الأحمق المذبوب.

أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر، هذا والله من دحسكم وعشكم والله لتظهرن لي براءتكم أو لاتينكم بقوم، واقيم بهم أودكم وصعر كم»[٤٤].

لقد ارتعدت فرائص القوم من هذا التهديد الذي وقع على رؤسهم كوقع الصاعقة من الجبار الطاغية، فحاولوا أن ينفوا عن أنفسهم تعاطفهم مع حجر بن عدي، وفي نفس الوقت يثبتوا ولائهم للحكومة، ولقد شاهد القوم كيف ان الطاغية قطع أيدي العشرات من المؤمنين الذين حصبوه في أول يوم ارتاد البلد، وصعد المنصة، ثم قتلهم.

إن نعت الطاغية للقوم بالخيانة للحكومة، وميلهم إلى الحركة الحجرية أثارت في نفوسهم الخوف والهلع، وخافوا أن يكون مصيرهم مصير رهط المؤمنين في المسجد، فوثبوا في ضراعة، وتسابقوا إلى إرضاء الطاغية، وقالوا بقلوب واجفة جائعة: «معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك... وكل ما ظننا أن فيه رضاك، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا الحجر فمرنا به».

فقال الطاغية: «فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل استطعتم أن تقيموه».

وبهذه الطريقة «فرق تسده» حاول الطاغية أن يشتت الجمهور المؤيد المحجر، والذي استطاع أن يرد طابور الطاغية على عقبه، إن الجمهور كان قوة الحجر ولتحركه الذي كاد أن ينتصر على الموقف لولا هذه السياسة المفرقة، ولولا نفوس القوم الحذرة، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نلمس شجاعة حجر بن عدي، وقدرته الفائقة على تحدي سلطان الطاغية وتفانيه في سبيل المبادئ التي آمن بها. إن موقف القوم كان دقيقا للغاية. حينما سمعوا تعاليم الطاغية، فكانوا يتقدمون خطوة، ويتأخرون خطوتين. إن تحركهم هذا سيؤدي إلى تحكيم سلطان الطاغية، وإلى تضعيف حركة حجر بن عدي، وهذا ما كان القوم يتوجسون منه لولا ان السيف كان يلمع فوق رقابهم. أليس هددهم الطاغية بقوله: «والله لتظهرن لي براءتكم أو لأتينكم بقوم واقيم بهم أودكم وصعركم».

لقد مشى القوم إلى الجمهور المؤيد لحجر، والذين أحاطوا بحجر يدفعون عنه عادية الطاغية، والحق يقال إن الجمهور أيضا أحس بخوف وقلق أمام الطاغية، وعندما أنتهى القوم إلى الجمهور طفقوا ينادون ذي قرباهم وإخوانهم والمنتمين إلى قبائلهم، وينصحونهم أن يعودوا إلى منازلهم ويتفرقوا عن الزعيم، ويحذرونهم نتيجة الألتواء، وبهذا الاسلوب أقاموا جل من كان مع حجر بن عدي، ولم يبق مع الزعيم الا القلة المؤمنة التي وطنت نفسها على القتال، وتحمل المكروه والسجن، وهذه القلة المؤمنة المتفانية هم:

  1. عمرو بن الحمق.
  2. عمير بن يزيد الكندي الشهير بـ أبي العمرطة.
  3. عبد الله خليفة الطائي الشاعر الكبير، وشاعر الحركة.
  4. عائد بن حملة التميمي.
  5. قيس بن يزيد الكندي، وقيس هو أخو أبي العمرطة[٤٥].

والجدير بالذكر ان هذه القلة التي بقيت مع حجر بن عدي لم يكن معهم سلاحا يدافعون عن أنفسهم، وكانوا عزلا إلا واحدا منهم كان معه سيف.

إن الجماهير، ومنها القلة المؤمنة أو قل كبار أعضاء الحركة ارتادوا المسجد لا على أساس قتال أو ترقب حرب من الحكومة، وفي نفس الوقت ان الجمهور، وكبار أعضاء الحركة لم يكن ليحاول أن يثير مشاعر الحكومة ضده بحمله السلاح بل ان كبار أعضاء الحركة، والزعيم نفسه كانوا يحاولون أن تكون الحركة سلمية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

إذن لم يكن هناك مبررا لحمل السلاح، ولم يكن في الحسبان أن تنتهي الحوادث في المسجد، وإجراءات الحكومة إلى هذه الحقيقة، وعندما شاهد الطاغية، وكان ينظر من نافذة القصر إلى المسجد الأعظم الجمهور قد تفرق عن حجر بن عدي، ولم يرابط معه سوى القليل من الجمهور قال لعصابته من الشرطة والبخارية[٤٦] أن يذهبوا ويأتوه بحجر بن عدي، ويضربوا من حال دون ذلك، ويقاتلوا إذا تصدى لهم أصحاب حجر، فسارت العصابة مع رئيسهم، ولما وقف الرئيس على حجر وأصحابه خاطب حجرا قائلا: «أجب الأمير».

فقال أصحاب حجر بن عدي: «لا ولا نعمة عين لا نجيبه»، فأشار رئيس العصابة لعصابته بالهجوم، فوقعت معركة ضارية بين الفريقين ولما لم يكن مع أصحاب سلاح قال أبو العمرطة الحجر بن عدي: «إنه ليس معك رجل معه سيف غيري، وما يعنى عنك». فقال حجر بن عدي: «فما ترى». قال: «قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك، فنهض حجر وتقدم نحو باب كندة، وهو أحد أبواب المسجد الأعظم وكان أصحاب حجر ابن عدي وجنوده الأشاوس يدافعون عن حجر، ويناضلون عنه، وكانت عصابة الطاغية حاولت كثيرا أن تلقي القبض على حجر بن عدي ولكن محاولاتها باءت بالفشل، وذلك بفضل الصمود الذي تحلى به أصحاب حجر وجنوده، وقد أبدى عبد الله بن خليفة الطائي شجاعة فائقة في حومة الصراع، وهو يحامي عن حجر ويذب عنه، وهو يتوجس من أن يلقى على القبض ثم يقتادوه إلى الطاغية، فقد كان عبد الله الطائي يحارب، وكان قد ضربه بعض الشرطة بعمود فبادره عبد الله الطائي فضربه ضربة قضت عليه، فقال وهو يرتجز:

قد علمت يوم الهياج خلتيأني إذا ما فئتي تولت
وكثرت عداتها أو قلتأني قتال غداة بلت


ويهجم عائذ بن حملة التميمي على الشرطة، وينتزع من أحدهم عمودا، ويقاتل به، وكان عائذ قد ضربت يده، وكسرت نابه، فقال عائذ وهو يقاتل قتال الأبطال:

إن تكسروا نابي، وعظم ساعديفإن في سورة المناجد
وبعض شغب البطل المبالد


وانحاز حجر بن عدي، وهو محاط بأصحابه، وقلة من جنوده الأشاوس إلى باب كندة، وانفلتوا منها ناجين، وكان عمرو بن الحمق شيخا كبيرا، وكان من أصحاب حجر بن عدي، وكان واحدا من المتفانين في سبيل قضية الإسلام وابن الإسلام البار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

وما إن اندلعت أوارا العراك حتى كان عمرو بن الحمق واحدا ممن لحقه أذى هذا المعترك، فقد ضربه بالعمود رجل من الشرطة من الفرس في الشهيرين آنئذ بالحمراء، وما أن مس العمود رأس عمرو بن الحمق حتى وقع على الأرض، والدم ينزف من رأسه، فبادر إليه رجلان من الأزد واحتملاه إلى الأزد، إلى دار رجل منهم فأخفاه في داره، ومرضه حتى شفاه الله تعالى ثم لم يزل متواريا عن الناس، وعن الحكومة في دار الأزدي حتى هدأت عاصفة الاعتقالات ثم خرج من الدار هاربا.

وأما حجر بن عدي فإنه لما خرج من المسجد، وكانت القلة المؤمنة لا تزال تصاول عصابة الطاغية ريثما يبتعد حجر بن عدي عن المعترك حتى يستطيع أن ينجو الاعتقال، وكانت بغلة حجر بن عدي موقوفة على باب المسجد، فبادر أبو العمرطة إلى البغلة وفك عقالها، وقادها إلى حجر وقال له: «إركب لا أب لغيرك، فوالله ما أراك الا قد قتلت نفسك، وقتلتنا معك»، فوضع حجر رجله في الركاب فلم يستطع أن ينهض، وقد أثرت في نفسه المعركة التي كانت دائرة آنئذ، وكان ضعف الشيخوخة قد أشاع في كيانه الوهن، فبادر أبو العمرطة فساعده وحمله على بغلته ثم ركض أبو العمرطة إلى فرسه ووثب عليه في حركة سريعة، وكان العدو يطارده، فما إن استقل أبو العمرطة على فرسه حتى خلص إليه رجل أعرج من العدو، وأهوى بعموده على فخذ الفارس، فأخترط الفارس أبو العمرطة سيفه في حركة غاضبة ومؤلمة وأهوى به على رأس العدو الأعرج، وكان يسمى بيزيد بن طريف فخر لوجهه جريحا.

ثم إن الرجل بعد ذلك برأ من ضربة أبي العمرطة[٤٧].

ثم إن أبا العمرطة سار مع حجر باتجاه دار حجر بن عدي في حي كندة، وما إن بلغ حجر داره حتى اجتمع إليه الكثير من أصحابه، والمؤيدين له، وكانوا بالنسبة إلى أعداد الحكومة وقوتها قليلين الأمر الذي رأي أصحاب الحركة أن يستثيروا عزائم الكنديين، ويلهبوا حماسهم لنجدة حجر بن عدى، ودعم حركته، ومن هذا المنطلق خرج الشاعر قيس بن فهدان الكندي من دار الحركة، وطفق يطوف في إحياء كندة وسككها ودروبها، وينشد رجال كندة، ويدعوهم إلى مناصرة حجر بن عدي الكندي، فكان يقول في حماس وقوة:

يا قوم حجر دافعوا وصاولواوعن أخيكم ساعة فقاتلوا
لا يلفيا منكم لحجر خاذلأليس فيكم رامح ونابل
وفارس مستلئم وراجلوضارب بالسيف لا يزايل

وكانت الأبيات حقا تستثير وتلهب الحماس الا ان البطش الذي مارسته الحكومة ضد الأحرار، وجو الارهاب الذي أشاعته في صفوف الجمهور أثار الخوف والروع في قلوب الناس مما نرى أن رجال كندة لم يلبوا النداء، ولم يخفوا إلى دعوة حجر بن عدي إلا قلة ضيئلة، ولو أنهم صمدوا كما صمد حجر بن عدي لتغير وجه تاريخ البلد.

ثم ان الحكومة استجاشت كل طاقاتها المادية والمعنوية لألقاء القبض على الزعيم، فأرسلت الفيالق من القبائل لتطويق حي حجر بن عدي في الدرجة الأولى، ودار الزعيم في الدرجة الثانية، ولما إن بلغت أنباء هذا التطويق حجر بن عدي نظر إلى أصحابه وجنوده، فرأى أنهم لا يقومون لفيالق الحكومة واعدادها الهائلة، فرق قلب الزعيم على جنوده أن يرميهم بين يدي حد السيوف، وطعن السنان الأمر الذي خاطبهم قائلا: «انصرفوا، فوالله ما لكم طاقة بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحب أن أعرضكم للهلاك».

وحينما سمع الجنود. وأعضاء الحركة كلام الزعيم استجابوا لاتجاهه، فأزمعوا أن ينصرفوا ويتفرقوا، فإذا بطليعة جنود الحكومة تلمح أصحاب حجر بن عدي وجنوده، فتطاردهم على الخيل، فعطف عمير بن يزيد، وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدي، وعبد الرحمن بن محرز الطمحي، وقيس بن شمر وكان هؤلاء من كبار أصحاب حجر بن عدي وحركته الحرة، عطف هؤلاء على العدو وامتشقوا الحسام في وجهه، وراحوا يقاتلونه في ضراوة وبطولة، ولما كان العدو في أعداد هائلة، فإن بعض هؤلاء كان قد اصيب بجراح، ووقع قيس بن يزيد في يد العدو أسيرا، وفي غضون النضال خرج حجر بن عدي وقال لأصحابه: «لا أبا لكم! تفرقوا لا تقاتلوا، فإني آخذ في بعض السكك»، فانصاع أصحاب حجر لكلامه، وتفرقوا، وخلوا الساحة للعدو، وراح حجر بن عدي أصحاب منفلتا من العدو، فأخذ طريقا غامضا على العدو نحو حي بني حرب، وهناك ذهب إلى دار سليم بن يزيد وكان أفراد العدو قد انتشروا في الأحياء يسألون عن حجر بن عدي، ويبحثون عنه حتى جاءت جماعة من الأعداء إلى دار سليم بن يزيد، وقد أخبرها من أخبرها عن مكان إختفاء حجر بن عدي، فلما ارتادت الجماعة دار سليم، أخذ سليم سيفه وحاول أن يخرج من الدار ليقارع العدو، ويحمي حجر بن عدي الذي استجاربه، وكان الرجل مئناثا، فما إن شاهدت أسرته وبناته الأب، وقد شهر سلاحه يحاول مقارعة العدو، وقد اشتد صوت صهيل الخيل، وضوضاء الرجال خارج الدار حتى أرتاعت الأسرة، وتسرب الخوف إلى البنات فطفقت الاسرة والبنات يصرخن ويبكين، فخرج حجر بن عدي من مكمنه، وقد سمع هذا البكاء الذي يفطر القلوب حزنا واسى، فرق لهن، وأبت شهامته أن يترك الأب المجاهد الشجاع الحامي للذمار أن ينفذ إرادته الأمر الذي هرع حجر بن عدي إلى الأب سليم بن يزيد، وامسك على سيفه وقال له: «ما تريد». قال سليم، وأشار إلى العدو: «أريد والله أن أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك».

فقال حجر بن عدي: «لا أبا لغيرك، بئس ما دخلت به إذا على بناتك».

قال سليم: «إني والله ما امونهن، ولا رزقهن إلا على الحي الذي يموت، ولا اشترى العار بشيء أبدا، ولا تخرج من داري أسيرا أبدا، وأنا حي أملك قائم سيفي، فإن قتلت دونك، فاصنع ما بدا لك».

قال حجر بن عدي وقد حاول أن يغير مجري الحديث، ويبدل الموقف الدقيق لرجل بني حرب، وهو يتلفت في عصبية في أطراف الدار القوراء محاولا أن يجد منفذا خفيا للخروج من الدار غير باب الدار الأصلية، وبهذه الطريقة يسلم صاحب الدار، وترجع الطمأنينة إلى قلوب الاسرة قال حجر بن عدي: «أما في دارك هذه حائط أو خوخة أخرج منها عسى أن يسلمني الله عز وجل منهم ويسلمك».

وأضاف حجر بن عدي قائلا في تلك اللحظات الدقيقة، وأشار إلى العدو الذي كاد أن يقترب من باب الدار: «فإذا القوم لم يقدروا علي عندك لم يضروك»، فأشار صاحب الدار إلى نافذة وقال: «بلى هذه خوخة تخرج إلى دور بني العنبر، وإلى غيرهم من قومك».

فهرول حجر إلى النافذة أو الباب الفرعي للدار، وخرج منه حذرا يتوجس خيفة من رجال الأمن المنتشرين في كل مكان في الأحياء، وفي الطريق التقى برجال من بني ذهل، فقالوا له: «مر القوم آنفا في طلبك يقفون أثرك».

فقال: «منهم أهرب» ثم إن الذهليين جعلوا مع حجر بن عدي فتيانا من شبابهم يقصون به الطريق، ويسلكون به الازقة الغامضة حتى يخلصوا به إلى مكان آمن بعيدا من عيون رجال الشرطة المنتشرين، وكاد ظلام الليل أن ينتشر على ربوع البلد، ولقد أفضى الفتيان الذهليون بحجر بن عدي الذي أصبح وأمسى مطاردا من قبل رجال الحكومة إلى حي النخع، فلما شعر حجرابن عدي أنه في حي النخع اطمأن قليلا، وصرف الفتيان قائلا: «انصرفوا رحمكم الله».

ثم إن حجر بن عدي اطرق قليلا يفكر فإلى أي دار يلتجأ، وهو المطارد من قبل الحكومة، وقد أخذ الإعياء منه مأخذه، فهو شيخ كبير، وهو من الصباح لحد هذه اللحظة لم يستريح بل، ولم يتناول الطعام ليقوم أوده.

لم يطل التفكير بحجر طويلا، فقد اهتدى الدار عبد الله بن الحارث النخعي، وهو أخو مالك بن الحارث الشهير بالأشتر، وهو هو إخلاصاً وحباً لآل البيت، وكان عبد الله يترقب الأنباء عن الأوضاع المتوترة السائدة في البلد من أقصاه إلى أقصاه، وكان عبد الله مطرقاً مفكراً قد ملئت نفسه أسى وحزنا، وإذا بواحد من أسرته يسعى إليه ويخبره في لهفة: «إن حجر بن عدي ينتظر على باب الدار»، فيهرول عبد الله جذلا إلى حجر بن عدي، ويعتنقه، وقد انتشر البشر والفرح في ملامحه ثم يدخله الدار في حفاوة وإكرام، ويحتفي به، ويبسط له البسط، ويفرش له الفرش، وينضد المساند، ويأمر عبد الله أفراد أسرته أن يراقبوا المارين والعابرين حول الدار، وينتبهوا إلى الأوضاع حتى إذا شعروا بالخطر خفوا إليه، وأخبروه، وذلك حتى لا يفاجأوا برجال الشرطة أو الجواسيس المنبثين.

وكان عبد الله في حركة مستمرة مبديا مظاهر الفرح والابتهاج رغم الجو المتوتر المسيطر على الحي، وعلى الدار، وذلك للتخفيف من مشاعر حجر ابن عدي وأحاسيسه المضطربة، ولم يكد ينتهى عبد الله من استقبال الضيف الخطير، ولم يكد يلقى الضيف الخطير بنفسه المكدودة على الفراش، ويستند إلى الجدار حتى هرع أحد المرابطين في الحي، وهو ممتقع اللون، مضطرب النفس إلى حجر بن عدي وقال وهو يلهت في نبرات متقطعة: «إن الشرط تسأل عنك في النخع»، فوثب حجر بن عدي محاولاً يخرج من الدار ليخوض غمار الأحياء إلا أن عبد الله بن الحارث طلب منه أن يتريث لقد أدرك عبد الله النخعي أن أحد الناس قد رأى حجرا، وهو يمشي في النخع حذراً متوجساً فراح وأخبر الحكومة الأمر الذي برقت في نفسه فكرة وكانت الفكرة بارعة، إقترح على حجر بن عدي أن لا يخرج بهيئته المعروفة بل لو تنكر في هيئته لكان أفضل، فقبل حجر بن عدي هذا الاقتراح وغير هيئته وخرج من دار عبد الله بن الحارث النخعي متنكرا، وصحبه عبد الله بن الحارث أيضاً نجدة منه، وكان الليل قد ضرب بسرادقه على أحياء البلدة، ودخل الناس، دورهم فلم يكن يشاهد في دروب الأحياء سوى الشرطة، ورجال التجسس يبحثون عن حجر بن عدي، وسار حجر بن عدي مع صديقه المجتبى عبد الله بن الحارث النخعي يقطع الدروب الغامضة متجنبا ما أسعفه الحظ المعالم الواضحة المطروقة، وكان حجر بن عدي يفكر في رجال المباحث، وترى من دلهم على مكانه في حي كندة؟

ثم عرف بعد ذلك أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنه فالتقت بهم سوداء تسمى ب «أدماء» فرأت رجال الأمن يستفسرون، ويلحفون في السؤال، ويبحثون ويتحرون، فيسرفون في البحث والتحري، فتقدمت إلى الشرطة مستفسرة متسائلة: «من تطلبون»، وما أن ألقت السؤال حتى تجمهر حولها رجال الشرطة محملقين فاغرى الأفواه يسعون إلى كلمة تلقيها وقد أثارها الفضول ظاهرة البحث المستقصي فقال أحد الشرطة: «نطلب حجراً»، وكانت المرأة السوداء قد شاهدت آنفاً حجر بن عدي في البسته المعهودة، وهيئته المعلومة يمشي حذرا في حي النخع، وكانت تعرفه، وهل يجهل أحد من الناس حجر بن عدي الذي تحدى الحكومة مع كل صولتها وجبروتها.

إن المرأة السوداء لم تنكر ولم تسكت عن معلوماتها، عن حجر بن عدي بل كشفت للشرطة القناع عن مكان تواجد حجر بن عدي مندفعة من موقع شعورها بالضعة والحقارة والهوان فهى من منطلق هذه الأحاسيس حاولت أن ترضي مشاعرها وأحاسيسها، وخاصة حينما رأت أن الناس قد اجتمعوا حولها يرمقونها بعيون متسائلة، فقالت للشرطة وأشارت بيدها نحو النخع: «ها هو ذا قد رأيته في النخع»، وما هي إلا كلمات حتى خب رجال المباحث نحو حي النخع بعد أن كانوا في جهل تام عن محل تواجد حجر بن عدي في حي من هذه الأحياء المنتشرة في المدينة، فكانوا يهجمون على الأحياء وعلى الدور في غير هدى، وكان الناس قد رأوا منهم العسف والقهر لقد تحرى الشرطة في حي النخع عن حجر بن عدي، فلم يتوصلوا إلى نتيجة واضحة، وكان النخعيون رجالا ونساء يكتمون الأمر، فمن كان يعرف بعض أمر حجر بن عدي يتكتم ولا يبين خاصة وأنهم رأوا حجرا يلوذ إلى سيدهم وزعيمهم عبد الله بن الحارث النخعي.

سار حجر بن عدي مع رفيقه الكريم يرتادان حي الأزد، وهناك وفي فحمة الليل ارتادا دار ربيعة بن ناجد الأزدي، فاستقبلهما ابن ناجد على الرحب والسعة، وأنزل حجر بن عدي المنزل الكريم، وأكبر الظن أن عبد الله بن الحارث النخعي صديق حجر ورفيقه البار استأذن حجرا أن يعود إلى داره، فابتسم حجر بن عدي واذن له، وشكر له جهوده الطيبة، وكانت الحكومة قد بثت عيون الليل في أرجاء البلد، وأحيائه تراقب التحركات علها أن تجد إلى محل إختفاء حجر بن عدي سبيلا، وكانت تطلع العيون أكثر ما يكون، وأشد ما يكون في الأحياء المؤيدة لحجر بن عدي، والمناصرة له حيث إن مظنة تواجد حجر بن عدي في واحد من هذه الأحياء المؤيدة والمناصرة أكبر وأصوب من تواجد حجر بن عدي في حي لا يلتقى مع حجر ابن عدي، ومع حركته بلقاء حميم كمثل حي الأزد.

كانت الأزد آنئذ لا توالى الإمام، وأهل البيت(ع) الولاء الحميم، وفي نفس الوقت كانت الأزد من مضر، وحجر بن عدي الكندي من اليمن الأمر الذي كان لتواجد حجر بن عدي في حي الأزد الأثر الكبير في إنطماس المعالم أمام رجال الحكومة، وعيون الليل، وأيدي النهار، ويرجع هذا التكتيك الفريد إلى عبد الله بن الحارث النخعي حيث إنه أقترح على حجر بن عدي أن يتنكر في هيئته.

ثم اقترح أن يكون مكان إختفائه في حي بعيد عن الظنون والشبهات مثل حي الأزد، وهكذا فوت عبد الله بن الحارث الفرصة على الحكومة، وعلى رجال شرطتها، وعلى الجواسيس والعيون، فقد سعت الحكومة بكل إمكانياتها الكبيرة لإلقاء القبض على بطل العقيدة والجهاد إلا ان إمكانياتها، وجهودها اصطدمت بفشل ذريع، فلم تستطع أن تهتدي عن هذا الطريق إلى مكان إختفاء حجر بن عدي رغم أنها قد بثت العيون، ورجال الشرطة في الأحياء، ورابطت العيون في الليل والنهار، وعملت أبراج المراقبة في خارج البلد وداخله، وكانت الحكومة وجهودها في التعبئة العامة، والاستنفار العام، ثم عسفها وقهرها وطغيانها تعمل جادة لإلقاء القبض على حجر بن عدي إلا جهود التعبئة العامة بائت بالخسران، والفشل المستطير مما أدى إلى أن يجن الطاغية زياد بن أبيه، فصرخ مزمجرا معربدا متوعدا ومهددا الأحياء والأموات، ودعا وقد ارهقته أيام العسف والظلم محمد بن الأشعث الكندي وقال له في لهجة غاضبة: «يا أبا ميثاء أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها، ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم مني حتى اقطعك إربا إربا».

نزلت هذه الكلمات على محمد بن الأشعث كنزول الصاعقة، فمن أين له أن يظفر على حجر، ومن يدري أنه لم يخرج من البلد، ثم ان المهلة وهي ثلاثة أيام قليلة بالنسبة إلى هذا العمل الشاق.

إن الحكومة مع إمكانياتها الضخمة لم تستطع أن تلقى القبض على حجر فهل هو يستطيع أن يظفر به؟ ثم أن الروابط العشائرية، والوشائج القبلية أين تذهب إذا هو سعى في هذا الأتجاه؟ مع العلم ان حجر بن عدي يبتوأ مكانة مرموقة بين قطاعات الشعب عامة، وبين أفراد قبيلته خاصة، فكيف به أن يسعى للظفر بحجر.

إن هذه الأفكار زادت من خوف محمد بن الأشعث ورهبته ووهنه، فقال للطاغية: أمهلني حتى أطلبه»، فقال: «قد أمهلتك ثلاثا، فإن جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكي»،فغاضت بعد هذه الكلمات ينابيع الحياة في كيان ابن الأشعث وخاصة بعد أن أمر زياد بن أبيه بابن الأشعث أن يقاد إلى السجن، فاقتيد، وقد امتقع بن لونه، ووهنت قواه وغاض دم الحياة من شرايينه، فكان يتل تلا عنيفا.

وكان حجر بن يزيد الكندي يعتبر واحدا من حاشية الوالي، وكان قد رأى وسمع الحوار، ورأى الوهن الذي أصاب محمد بن الأشعث، وحينما شاهد حجر بن يزيد أن ابن الأشعث قد اقتيد إلى السجن خطر في باله: أنه لو سجن فكيف يستطيع أن يطلب حجرا، ومن منطلق هذا الخاطر نهض وقال للطاغية، وهو يعرض عليه ضمان محمد بن الأشعث، فقال: «ضمنية وخل سبيله يطلب صاحبه، فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا». فتسائل ابن أبيه: «أتضمنه». قال حجر: «نعم». فقال مهددا: «أما والله لئن حاص عنك لأزيرنك شعوب، وإن الآن علي كريما». قال: «إنه لا يفعل».

قامر ابن أبيه بإطلاق سراح محمد الأشعث خرج محمد من دار الامارة، وهو في حيرة من أمره يفكر في مصير حجر بن عدي لو انه ظفر به وسلمه للحكومة، ويفكر في مصيره هو إذا امتنع من هذا التسليم بل حاول مع الحكومة اللف والدوران، وفكر وهو أهم من كل تفكير، ومن كل خاطرة في مصيره هو إذا لم يستطع في خلال الأيام الثلاثة أن يسلم حجرا.

لقد غامت الحياة في وجهه، ودارت الأرض به، وكان أكثر تفكير محمد بن الأشعث حول مصيره هو وحياته هو.

أما حياة حجر بن عدي، أما الصلات والوشائج التي تربطه بحجر، أما كرامته وشخصيته عند عشيرته إذا هو سلم حجرا حيث إن هذه الكرامة، وهذه الشخصية ستتمرغ بالوحل، فإنه نسي كل هذا.

ونعلم من محمد بن الأشعث أنه كان مناوى كأبيه للإمام، ولآل البيت، وأنه كان سائرا في خط الحكومة الراهنة، ومواليالها، وكان يعادي حجرا وحركته، ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة رشحته لمنصب زعامة كندة تماما كما كان أبوه له مكانة سياسية عند الحكومة، وذلك لما قام به من ألوان الخيانات تجاه خلافة الإمام، وفي صالح معاوية الا ان محمد بن الأشعث بعد الاحداث التي جرت في المدينة، وبعد الولاء الذي أبداه الشعب تجاه حجر بن عدي وحركته قد تغير موقفه تجاه حجر بن عدي، فهو لا يحبذ أن يقوم بهذا العمل السياسي، وكم ود لو أن غيره أناطت به الحكومة هذه المسؤلية الشاقة والمرهقة.

لقد سعى محمد الأشعث ظاهرا ليظفر بطلبة الحكومة، وكان الوالي الطاغية قد بث العيون حول محمد بن الأشعث حتى يرفعوا له التقارير الأشعث وأعماله، وكان محمد بن الأشعث يعلم بهذه الحقيقة، فكان يسعى حتى يعلم الحقيقة عن مكمن حجر بن عدي، ولكنه كلما أمعن سعيا، كلما ابتعد عن مكمن الطلبة ويكاد يمضي يومان وهو لم يستطع أن يعرف عن مكان حجر بن عدي، فكاد محمد بن الأشعث حسب مزاجه وتربيته أن يجن، فكانت الأفكار السوداء تعرقه في بحارها.

ولنترك محمد الأشعث نهبا مقسما أفكاره المرهقة السوداء، وبحثه وإسرافه في البحث والطلب، وللنتقل إلى حجر بن عدي لنري كيف أمضي ساعات الاختفاء.

إن حجر بن عدي انتقل متنكرا مع صاحبه إلى حي الأزد، وأرتادا دار ربيعة بن ناجد الأزدي، فأطمأن إلى هذه الدار فلم تستطع الشرطة، ولم يتمكن الجواسيس والعيون أن يظفروا على مكان حجر بن عدي، ثم ان الطلب ألقى على عاتق محمد بن الأشعث، وكانت أجهزة الحكومة تسعى، ومحمد بن الأشعث يلهث.

لقد مضي على حجر بن عدي في دار الأزدي يوما وليلة، ولم تطاله يد من أفراد الحكومة، ولا من أفراد محمد بن الأشعث.

إنه مكان آمن، ولا يكاد يخطر في بال أحد أن حجرا يعيش أو هو مختفى في الأزد، وكانت أنباء المطاردة تصل لحجر بن عدي لحظة بلحظة، وكانت آخر هذه الأنباء هي ان الحكومة أناطت مسؤلية التحرى والبحث بمحمد بن الأشعث، وأن الحكومة أعطت محمد الأشعث مهلة أقصاها ثلاثة أيام، فإذا لم يستطع في خلال هذه المهلة أن يسلم حجرا إلى الحكومة، فإنها قد هددت محمد بن الأشعث بالقتل، ولابد ان الطاغية أن ينفذ هذا التهديد كما هو معروف عن مزاج الطاغية يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تلميذ مدرسة الإمام، والمتحلى بخصائص هذه المدرسة؟ يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تجاه محمد بن الأشعث المهدد بالقتل؟ أيبقى مستمرا في إختفائه ثم ليقتل محمد بن الأشعث، ولتعمل الحكومة ماشاء لها الهوى والبغي، أم إن عليه أن يخير محمد بن الأشعث، نعم أن يخبره عن مكمته، ويسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، وبالتالي تلقى حكومة الطاغية القبض عليه ثم تكون النتيجة معروفة ومعلومة للجميع. إن تلميذ هذه المدرسة الرائدة سيختار طريق ذات الشوكة، ولتكن النتائج ما تكون، أنه سيسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، ان حجرا تأبى عليه تعاليم الإمام أن يدع محمد بن الأشعث يتخبط في الطلب، وينتهى إلى ذلك المصير القاتل، رغم ان محمدا هذا هو ابن الأشعث، الأشعث الذي اشترك في المؤامرة التي أدت إلى استشهاد الإمام، الأشعث الذي لا تزال يده ملطخة بدم الإمام، ومحمد هذا هو أخو زوجة الإمام الحسن، شبل الإمام، الزوجة التي أو عز اليها طاغية الشام أن تسم زوجها، ففعلت، فاستشهد الإمام الحسن بهذا النكران المروع من قبل الزوجة الخائنة، أخت محمد بن الأشعث، وابنة الأشعث بن قيس.

ان حجر بن عدي يعلم تفاصيل التاريخ الأسود لهذه الاسرة الا انه لا يحبذ أن يقتل في سبيله رجل، ومن منطلق هذه التعاليم أرسل حجر بن عدي غلامه الفارسي الأصبهاني، والذي كان يسمى رشيداً إلى محمد بن الأشعث برسالة يقول فيها: «إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره، فإني خارج إليك. أجمع نفراً من قومك ثم أدخل عليه، فأسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى معاوية، فيرى في رأيه».

ونتساءل لماذا طلب حجر بن عدي من الوالي أن يرسله إلى معاوية بدلاً أن يترك أمر محاكمته بيد الوالي أو قل بدلاً أن يسأل الوالي أن يعفو عنه، وانه سيقبل كل الشروط التي يشترطها الوالي في مقابل العفو، وأكبر الظن ان الوالي كان سيعفو عن حجر بن عدي في مقابل شروط يشترطها تفرغ حجراً من شعبيته، وتبعده في مكان نائي عن الأجواء السياسية، والاجتماعية، ولقد أبعدت الحكومة الراهنة صعصعة بن صوحان إلى المنفى إلى مكان ناء على ساحل الخليج الفارسي، فكان بالامكان أن تمارس الحكومة تجاه حجر بن عدي هذا الأسلوب نفسه حتى تأمن تحركه وإنتقاداته ضد أسلوب الحكم ونظامه التعسفي.

وكان حجر بن عدي يعلم يقيناً أن معاوية هو الد خصومه، وهو أعظم نكراً من زياد. لقد كان حجر بن عدي يعلم بوضوح أن معاوية إن كان يرضى عن حجر باراقة دمه الزكي فإن زياداً لربما رضي عن حجر بلون من ألوان الرضا مع شروط وذلك إن زياداً كان صديقاً لحجر بن عدي، وكان مؤيداً له قبل أن يتولى سلطة الولاية، وقبل أن يجري بينه وبين معاوية صلحاً، وإن السياسة وأجوائها القانية هي التي غيرت ابن أبيه، وأخرجته من صفه مع حجر إلى صف مقابل ومعادي لحجر.

إذن كان ابن أبيه والي المدينة أهون، وأقل عداءاً من معاوية، ولكننا نرى أن حجر بن عدي ليس فحسب لم يطلب العفو من الوالي بل اشترط عليه أن يرسله إلى معاوية حتى يسلّم نفسه للسلطة، فماهي المبررات لحجر ابن عدي في موقفه هذا.

ان المبررات هي واضحة مشرقة اشراقة النهار إن حجر بن عدي لم يتحرك، ولم يطارد الحكام والسياسيين بإنتقاداته، وأخيراً بإنتفاضته في سبيل مغنم سياسي أو منصب كبير يسيل اللعاب أو طموحات سياسية أو شخصية، إن تحرك حجر بن عدي، إن إنتقادات حجر بن عدي كانت على أساس مبدأي، إن حجر بن عدي كان يتحرك وفقا لمبادئه التي كان يؤمن بها، والتي ناضل في سبيلها، إن حجر بن عدي كان رجل مبدأ وعقيدة، ولم يكن رجل خداع وسياسية، ولف ودوران، ولم يكن رجل مطامح شخصية، وآمال عريضة.

إن حجر بن عدي اشترط على ابن أبيه أن يبعثه إلى معاوية حتى يسلم نفسه للحكومة مستهدفاً من وراء هذا الاشتراط أن تنتقل أضواء الثورة من جو إقليمي محلي إلى جو أرحب وأوسع يشمل العالم الإسلامي يومذاك، ولقد توصل حجر إلى هدفه العظيم، إن حجر بن عدي لم يكن يعادي الولاة إنما كان يعادي أساليبهم السياسية والاقتصادية والاعلامية المخالفة لروح الإسلام، لم يكن حجر بن عدي يناضل الولاة على أساس مفهوم إقليمي ضيق حتى إذا استجاب الولاة له سكت، واغمض عينيه عما يجري في العالم الإسلامي يومئذٍ من مظالم وإنحرافات خطيرة بل إن حجر بن عدي كان ينطلق في تحركه من روح الإسلام، ومن مواقف الإمام ومبادئه المشرقة.

و روح الإسلام في كل المجالات لا تصطبغ بالصبغة المحلية الاقليمية أو تنطيع بطابع خاص تمليه الظروف المقيدة بل ان روح الإسلام ودستوره الفذ له طابعه الرباني يشمل الناس والمسلمين في كل مكان من الوطن الإسلامي، ولا يشمل إقليما فذا فحسب، ومن منطلق هذا التحرك العالمي أراد حجر بن عدي أن ينتقل بإنتفاضته من إنتفاضة محلية إلى إنتفاضة عالمية، ولا يستطيع حجر بن عدي أن يتوصل إلى هذا الهدف الكبير إلا أن ينقل إنتفاضته من الكوفة إلى العاصمة، ومن معاداة سياسة الوالي إلى معاداة سياسة صاحب الصولجان في القصر، في العاصمة.

إن حجر بن عدي أراد أن يكشف ورقة معاوية المزيفة، أراد أن يكشف سياسة معاوية المنحرفة، أراد أن يكشف إدعاءات معاوية المعسولة، أراد أن يعلن للملأ الإسلامي سياسة أُمية كما هي بدون قناع، وبدون ستار. ولقد توصل حجر بن عدي إلى كل أهدافه الرائدة في غفلة من الحكام المتغطرسين.

نعم إن حجر بن عدي بعث إلى محمد بن الأشعث انه سيسلم نفسه للسلطة شريطة أن يبعثه الوالي إلى معاوية، وبالفعل عاد محمد بن الأشعث إلى ابن أبيه بصحبة حجر بن يزيد الكندي، و جرير بن عبد الله البجلي، و عبد الله بن الحارث النخعي، وهو أخو مالك الأشتر كما مر آنفا، وعرضوا عليه شرط التسليم، وهو أن يؤمنه ثم يبعثه إلى معاوية، فيرى فيه رأيه، فأطرق ابن أبيه يفكر، ولكن سرعان ما رفع رأسه، وقبل شرط التسليم، وخضع له، وأكبر الظن أن ابن أبيه شعر أنه سيتخلص من تبعات ابن عدي إذا هو أراد أن يحاكمه، وفي نفس الوقت فإنه يستطيع أن يلقي القبض على ابن عدي بأهون سبيل، ولما أن حصل ابن الأشعث، وصحبه على إنصياع ابن أبيه لشرط حجر بن عدي بعثوا في سرية إلى حجر أن يسلم نفسه للسلطة، وقد تحقق له ما اشترط، فخرج حجر بن عدي من مكمنه وأقبل وحده رافع الرأس لا يعانى صحبة الجلاوزة، ولا يستشعر الهوان بتعنتاتهم، لقد أقبل حجر بن عدي فذا حرا، ودخل دار الامارة، وكانت مباغتة بالنسبة للوالي نفسه تماماً عدي كما كانت مباغتة، وبصورة أشد بالنسبة إلى رجال المباحث، وجلاوزة الأمن.

هاهو ذا الزعيم يمشي الهوينا إلى دار الامارة صلب الارادة، قوياً، رزيناً، كابحاً لمشاعره، وأحاسيسه، وعواطفه، فكان كالبحر هادئ الصفحة مصطفق الأعماق، فكان المتأمل يراه رزيناً قد جلله الشيب ببياضه الناصع، وطبعته العبادة بطابعها على جبينه، وأضفت عليه تجارب الحياة التماسك والحنكة والمتانة، وما إن وقع بصر إبن أبيه على حجر بن عدي حتى قال في لهجة ساخرة متهكمة: «مرحبا بك أبا عبد الرحمن، حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس. على أهلها تجني براقش، ويلك مالك»[٤٨].

فقال حجر بن عدي في تؤدة وإناة محاولاً أن يسحب سلاح الحكومه التي تبطش به بالثوار، إن ذلك السلاح هو سلاح الخيانة العظمى حسب التعبير الحديث، قال حجر بن عدي: «ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني على بيعتي لمعاوية لا أقيلها، ولا أستقيلها».

إن هذه الكلمات كان لها وقع الصاعقة على إبن أبيه انها كلمات تسحب من الحكومة سلاحها الإعلامي ضد حجر بن عدي، وفي نفس الوقت تقف في وجه إجراءات إبن أبيه الممثل للحكومة وسياستها، ولقد أدرك إبن أبيه مرمى هذه الكلمات، فقال غاضباً مزمجراً مهدداً: «هيهات، هيهات يا حجر تشجّ بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذا أمكن الله منك أن نرضى كلا والله».

ولقد أثارت هذه الكلمات المتوعدة حجر بن عدي، وأشفق حجر أن لا يفي الوالي بما اشترطه حجر عليه وبالتالي أن لا يتحقق أحلام حجر بن عدي من إنتقال حركته الاقليمية إلى حركة عالمية، فقال في لهجة مستنكرة: «ألم تؤمني حتى آتي معاوية، فيرى فيَّ رأيه»، فقال ابن أبيه: «بلي، قد فعلنا».

ثم إن ابن أبيه شعر بأرهاق أو خاف أن يهرب منه حجر بن عدي أو فزع أن يختطف حجراً مختطف إذا طال الحوار الأمر الذي صرخ في شرطته وجلاوزته مشيراً إلى حجر: «إنطلقوا به إلى السجن»، فاقتيد حجر بن عدي من ديوان الوالي، وكان أصحاب الشأن في الحكومة قد اتخذوا مقاعدهم في الديوان، وكان الشرطة والجنود كلهم يستمعون إلى الحوار الدائر بين إبن أبيه وبين حجر بن عدي، فلما أمر ابن أبيه بإعتقال حجر بن عدي، واقتيد حجر باتجاه المعتقل قال زياد بن أبيه مفصحاً تارة، ومتمتماً أخرى، ومشيراً إلى حجر بن عدي: «أما والله لولا أمانه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه، والله لأحرصن على قطع خيط رقبته».

ولقد انتقلت هذه الكلمات إلى حجر بن عدي تماماً كما سمعها الناس والحاشية، فنادى حجر بأعلى صوته: «اللهم إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس»، وكان على حجر برنس في غداة باردة.

نعم، إن حجر بن عدي يستشهد ب «الله تعالى»، وب «الناس» إن تحركه ليس في إتجاه نقض البيعة أو إعلان الحرب ضد السلطة العليا على أساس نقض الوشائج كاملة بينه وبين الحكومة حتى تبرر قتله أو إعدامه، وإنما تحركه يسير باتجاه تحقيق مطاليب يهتف بها الشعب على لسان حجر بن عدي، وتلك المطاليب هي: «الحرية» بأبعادها، «الحفاظ على سمعة الشخصيات الإسلامية الرائدة»، و«الرفاه الاقتصادي».

وحينما أضحى حجر بن عدي رهن الاعتقال، وفرغ بال الطاغية من الزعيم طفق يطارد كبار أصحاب حجر بن عدي ويلاحقهم مستهدفاً من وراء ذلك القاء القبض عليهم، وقد أسرف في المطاردة، وأشاع الارهاب في المدينة والمنطقة كلها، وقد استطاع عمرو بن الحمق، ورفاعة بن شداد، وهما من كبار مؤيدي حجر بن عدي، ومن رؤساء أصحابه أن يخرجاً من المدينة خائفين يترقبان تحت ستار الليل.

١. قبيصة بن ضبيعة العبسي

وهو من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن المؤيدين لتحركه التحرري، فأرسل ابن أبيه مدير الشرطة مع فريق من الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، وسار مدير الشرطة مع فريقه مثيرين الرعب في قلوب الناس إلى دار قبيصة، فوصلت أنباء الشرطة إلى قبيصة فثار إلى سيفه، وبعث من يدعو له الناس في حيه حي بني عبس، فلم يخف إلى نجدته إلا قلة من العبسيين.

كان قبيصة وجماعته متحفزين للقتال، وما إن وصل مدير الشرطة مع فريقه حتى وثب قبيصة مجرداً سيفه محاولاً النضال ضد عناصر البغي، وهنا تقدم مدير الشرطة إلى قبيصة مبديا إشفاقه على قبيصة، وقال له معبرا له عن صيغة الأمان: «أنت آمن على دمك، ومالك، فلم تقتل نفسك، فلم يقبل قبيصة وحاول أن يهاجمهم الا ان العبيسين اعترضوه وقالوا له مستنكرين، وقد شاع فيهم الضعف والخور، ولمسوا قلة عددهم أمام سطوة الحكومة: «قد أو مِنتَ فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك»، فقال قبيصة وقد سرت فيه موجة غضب: «ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني».

فقال العبسيون وقد استشعروا ألم الموت لو انهم حاربوا وناضلوا: «كلا».

ولما أحس قبيصة العبسي بخذلان قومه له أنصاع ووضع يده في أيدي الجلاوزة، فأقتاده هؤلاء إلى دار الامارة، وهناك وفي الديوان كان الطاغية ينتظر، ويتلوى في مجلسه، ولا يكاد يستقر فلما وقع نظره على قبيصة قال والشرر يتطاير من عينيه: «وحي عبس تعزوني على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن، والتوئب على الأمراء».

كانت كلمات تقطر منها الدم، فقال قبيصة: «إني لم آتك إلا على الأمان»[٤٩].

فأمر ابن أبيه بإعتقال قبيصة العبسي، وهذا هو من قبيلة عنترة العبسي البطل الشاعر العاشق الاسطوري المعروف.

٢. صيفى بن فسيل الشيباني:

كان صيفي من زعماء أصحاب حجر بن عدي، ومن كبار قادة الحركة، وكان مختفياً، وكانت الجلاوزة تتبع زعماء الحركة، وتبحث عنهم في كل مكان بل وقد عينت الحكومة الجوائز لمن يأتي أو يدل على واحد منهم، فجاء قيس بن عباد الشيباني، وكان يعلم عن مكان إختفاء صيفي، وكانت الجائزة قد أسالت لعابه وكان ضميره قد غشاه ظلام الحقد، وكان الجاه المزيف قد لمع أمام ناظريه، فلا عليه الا أن يرتاد الديوان، ويخبر ابن أبيه عن صيفي، وإن كان صيفي واحداً من قومه حتى تنفتح له موائد الأمير الشهية وتتحقق أحلامه، ومن منطلق هذه الأفكار أرتاد قيس بن عباد الشيباني ديوان ابن أبيه، وهناك صاح: «النصيحة، النصيحة»، فهرع إليه الشرطة وقالوا له: «ما بالك».

قال: «عندي نصيحة للأمير».

فقالوا: «هلم وألقيها إلينا».

فقال: «لا ألقيها إلا عند الأمير».

فاقتاده الشرطة ممتعضين إلى الأمير، وكانوا يبتغون أن يفضي إليهم بالنصيحة، فلعل أن يحصلوا على جائزة أو نظرة مشجعة من الأمير أو كلمة استحسان.

دنا قيس بن عباد الشيباني من إبن أبيه وقال: «إن امرئ منا من بني همام يقال له: «صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر»، ثم بلع الشيباني ريقه وومضت عيناه ببريق الجائزة، فحاول أن يزيد بالجائزة أو يسرعها، فقال مشدداً: «وهو - يعني صيفي بن فسيل - أشد الناس عليك».

ثم أعطى الشيباني مواصفات مكمن ابن فسيل، فأرسل ابن أبيه بالجلاوزة إلى ابن فسيل ليقودوه إليه، وفي لحظة مباغته طوق الجلاوزة دار ابن فسيل أو مكمنه ثم أقتادوه إلى دار الامارة، فلما امتثل صيفي بن فسيل امام الطاغية قال له ابن أبيه في لهجة ساخرة مشوبة بغضب: «يا عدو الله ما تقول في أبي تراب».

قال ابن فسيل وهو يحرك راسه: «ما أعرف أبا تراب».

قال ابن أبيه مؤكداً معرفته به: «ما أعرفك به».

قال ابن فسيل مؤكداً عدم العلم به: «ما أعرفه».

قال ابن أبيه: «أما تعرف علي بن أبي طالب».

قال صيفي، وقد تلألأ وجهه: «بلي».

قال: «فذاك أبو تراب»[٥٠].

قال: «كلا ذاك أبو الحسن والحسين».

فقال له صاحب الشرطة: «يقول لك الأمير هو أبو تراب، وتقول أنت لا».

قال صيفي بن فسيل: «وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب، وأشهد له على باطل كما شهد».

قال له ابن أبيه غاضباً على هذا التحدي البطولي: «وهذا أيضاً مع ذنبك» ثم صرخ في جلاوزته: «علي بالعصا».

وأيّ ذنب أعظم عند الطواغيت من كلمة حق تقال عند أمير جائر، ثم أي ذنب أعظم عند الطاغية من هذه الحرية التي يتمتع بها صيفي بن فسيل، وهو يعيش أقسى إمتحان وأفدحه.

إن هذه الحرية أو قل هذه الشجاعة الفذة، وهذا التفاني الفذ الذي أبداه صيفي ليعتبر من أكبر الذنوب، وأعظمها عند ابن أبيه، ولما اُحضرت العصا، ولوحت أمام ناظري صيفي، قال ابن أبيه في قلب مضطرم بالحقد والأسى: «ما قولك في علي؟»

قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله أقوله في أمير المؤمنين.

لقد استطار ابن أبيه غيضاً من هذا التحدي.

أليس غريباً أن يكون هو - أي إبن أبيه - مزمجراً غاضباً، مضطرم النفس، والأحاسيس، ويكون خصمه صيفي هادئ مطمئناً كأنما الأمر لا يعنيه أو كأنما الحوار يجرى بين ابن صيفي وبين واحد من أصدقائه، لا بينه وبين أمير طاغية، وكأنما يجري الحوار في حديقة أو منتزه أخضر، لا في ديوانٍ كل شيءٍ فيه ينبئ عن الارهاب والخوف، وعن الأجواء المتوترة المسيطرة.

قال ابن ابيه في نبرات غاضبة، وفي نفس ملتهبة، وأشار إلى جلاوزته: «إضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، وطفق الجلاوزة يضربون صيفياً بعصيهم على عاتقه، وهو واقف صامد قائم، واستمر الجلاوزة في الضرب، واستمر البطل في موقفه المؤلم، العظيم الألم إلى أن سال الدم، وجرح العائق، وأنهارت القوى، فوقع صيفي العظيم على الأرض، والتصق العائق بالأرض، وهنا أمر الطاغية جلاوزته أن يقلعوا عن صيفي، فاقلعوا والقوا العصي، وهرعوا إليه، وأقاموه في حالة يرثى لها، فقال إبن أبيه في جبروت الأمراء: «ايه ما قولك في علي».

فقال البطل، العظيم البطولة، وقد أشعلت الفعلة النكراء لهيب غضبه في تحدي: «والله لو شرحتني بالمواسي والمدي ما قلت إلا ما سمعت مني».

فقال: «لتلعننه أو لأضربن عنقك»، قال صيفي مستهيناً بالموت وبالتهديد الأهوج: «أذن والله تضربها قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله، وشقيت أنت».

قال: «إدفعوا في رقبته، أو قروه حديداً، وألقوه في السجن»[٥١].

وهكذا أثبت تلميذ الإمام، وخريج مدرسته في جدارة فائقة. إن الإيمان، والمبادئ الرائدة تعلو، وتعلو، وتتفوّق على الطغيان والجبروت، وصدق رسول الله: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. كان علي الإسلام كله، وكان عدوه الكفر كله.

وأثبت التلميذ المتفاني في سبيل إمامه واستاذه أن القوة لا شيء أمام الإيمان الصلب، وأمام العزيمة الصامدة، وضرب صيفي بن فيسل أروع الأمثلة في الوفاء لاستاذه العظيم، ومعلمه الكبير.

ومن العبر ان قيس بن عباد الشيباني الذي سعى بتلميذ الإمام: صيفي ابن فسيل كان قد خرج مع محمد بن الأشعث على الحجاج، فلما انتهت المعركة رجع وجلس في بيته، فسعى به حوشب الشيباني عند الحجاج، فاعتقله الحجاج، ثم قتله فقالت أسرة ابن عباد لأسرة حوشب: «سعيتم بصاحبنا»، فقالت أسرة حوشب، وتذكرت سعاية ابن عباد بصيفي بن فسيل: «وأنتم أيضاً سعيتم بصاحبناه»[٥٢].

٣.عبد الله بن خليفة الطائي:

من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن أبطال الدفاع عن المبادئ التي أعلنها حجر بن عدي ضد الظلمة، ولقد قاتل عبد الله «يوم المسجد» قتالاً شديداً، وكان أبي النفس عميق المذهب، شجاع القلب، وكان عابداً متهجداً قد أنضى جسمه في العبادة والنسك، وكان شاعراً من فحول الشعراء، ولقد أنشد قصيدة تأبينية في شهداء مرج عذراء هي آية في الروعة، وطول النفس، وشدة الأسر، وقوة السبك، وجزالة التعبير، وأشتهر عبد الله الطائي في المحافل السياسية بولائه العظيم للإمام أمير المؤمنين، وإندفاعه الملتهب نحو حركة حجر بن عدي، وتأييده المطلق لزعيم الحركة، ويعتبر عبد الله الطائي شاعر الانتفاضة.

وحينما جرد ابن أبيه طاقات الحكومة في كبح جماح الانتفاضة، وإعتقال زعمائها، ومطاردة مؤيديها كان عبد الله الطائي بعد إعتقال حجر بن عدي يرتاد مسجد الطائيين لا يخاف السلطة، ولا يرهب سطوة الطاغية، وكان المسجد متواجداً في حي الطائيين، وكان الطائيون يعقدون اجتماعاتهم في هذا المسجد، وفي ذات يوم، وكان ابن أبيه قد أهمه شاعر الانتفاضة لما كان يعرف من شعبية الشاعر، وشخصيته الاجتماعية والفكرية والسياسية، فجمع ابن أبيه عمال المدينة العاملين فيها، ومعظمهم من الحمراء وضم إليهم رئيس العمال، وزعيمهم الكبير بكير بن حمران الأحمري، وأرسلهم لالقاء القبض على عبد الله الطائي في حي الطائيين، وكانت المعلومات تشير إلى أن عبد الله الطائي متواجد في مسجد الحي، وكان الارهاب قد سيطر على جو المدينة، فكنت لا تسمع في المدينة صدى إلا صدى الارهاب والخوف الأمر الذي لاذ الرجال والناس عامة إلى دورهم حتى يأمنوا من مصيدة الحكومة، ولكي لا يشتبه في حالهم، فقد كانت الحكومة تلقي القبض على كل من يشتبه في حاله، أرتاد ابن حمران مع فريقه إلى مسجد الطائيين، وقد أعلمته الحكومة بمحل تواجد عبد الله، وكان عبد الله الطائي وحده في المسجد يصلي، ويبتهل إلى الله العلي القدير أن يكشف هذه الغمة المظلمة عن هذه الأمة، وكان يدعو لأخوانه، ويدعو للإسلام بالنصر والتأييد، ويدعو على أعداء الإسلام بالتفكك والانهيار والانفصام، كان مصلياً راكعاً وساجداً، وكان قد صحب معه سيفه ووضعه في ناحية من المسجد حتى إذا جد الجد كان معه سلاحه، وكان عبد الله في صلاته وإذا الجلاوزة يهجمون على المسجد، وعلى عبد الله الطائي بالذات، فما كان من عبد الله الا أن هرع إلى سيفه، وشهره في وجوه المهاجمين، وطفق يقاتلهم، ويحاربهم أشد قتال، وأقسى نضال حتى ألجأهم إلى خارج المسجد، وناضلهم، وكانوا يهربون من وجهه، فلما شاهد ابن حمران شجاعة عبد الله الفريدة، وقوة بأسه، وعزة نفسه أمر فريقه أن يحاربوه بالحجارة، ويرشقوه بالحصى حتى يضعف عن ملاحقتهم، وفعلا تجمهر الجلاوزة، ورشقوه بالحجارة حتى أدموا وجهه، وشجوا رأسه حتى خر على وجهه.

وفي حومة النضال الغير المتوازن، وإختلاط الأصوات، وصياح الجلاوزة انتبهت أخت عبد الله الطائي، وكانت تسمى «ميثاء»، وكانت كأخيها رابطة الجأش، قوية الجنان، متفوهة، فلما شاهدت هجوم الجلاوزة على أخيها، وإندلاع المعركة بينه وبينهم في قوى غير متكافئة خرجت ونادت بقومها، ملهبة فيهم الحماس، مثيرة في نفوسهم الشجاعة والحمية، وكانت تقول في هتافها الحماسي: «يا معشر طئ، أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم».

و يبدو قومها أنّ أحدا من قومها لم يخف لنجدتها، ونجدة أخيها إلا أن هتاف السيدة الطائية قد أثرت أثرها، وأعطت نتائجها حيث إن ابن حمران ما إن سمع هتافها في قومها حتى أنساب في كيانه، وكيان رفاقه الفزع، وخشى أن يجتمع رجال طي، ويخفوا لنجدة سيدة الحي ثم تكون الدائرة عليه وعلى رفاقه، ويهلك، ويهلك أصحابه الأمر الذي ترك إبن حمران ورفاقه عبد الله الطائي صريعاً في ساحة المعركة، وهربوا إلى دار الامارة يعتصمون فيها من ملاحقة الطائيين، وهناك وفي دار الامارة إنتحل ابن حمران لابن أبيه الأعذار في فراره، وفرار أصحابه، وقال: «إن طيئاً أجتمعت إلي، فلم أطقهم فأتيتك».

فأطرق ابن أبيه يفكر في الوسيلة التي يستطيع أن يلقى القبض على عبد الله الطائي، وكانت أنباء هذه المعركة قد بلغت عدي بن حاتم الطائي، رئيس الطائيين وكبيرهم، فأدرك أن الحكومة ستبعث إليه وتطالبه بتسليم عبد الله الطائي بصفته رئيسا للطائيين، ومسؤلا عنهم إلا أنه قد عزم على الصمود أمام هذه المطالبة، وكيف تريد منه أن يسلم شاعر الطائيين إلى الحكومة ثم تعدمه.

أتريد من عدي بن حاتم أن يشترك في دم حرام يراق من مؤمن متهجد مغوار؟ ان هذا لا يكون.

لقد فكر ابن أبيه في طريقة إلقاء القبض على عبد الله الطائي، وإعتقاله، فرأى أن أفضل طريقة هي أن يضغط على عدي بن حاتم رئيس الطائيين حتى يسلم عبد الله الطائي، ولأجل تنفيذ هذه الفكرة الجائرة أرسل إلى عدي بن حاتم وأحضره، فقال له في لهجة آمرة: «ائتني ب «عبد الله بن خليفة»، فقال عدي بن حاتم في لهجة ساذجة: وماله؟

فقيل لعدي عن قصة معركة عبد الله مع الشرطة، والجلاوزة، وفراره وإختفائه.

فقال عدي بن حاتم: «فهذا شيء كان في الحي لا علم لي به».

فقال ابن أبيه في نبرات غاضبة: «والله لتأتيني به».

فقال ابن حاتم في لهجة صادقة متحدية: «لا، والله لا آتيك به أبداً، أجيئك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه»[٥٣].

فغضب ابن أبيه، وأمر باعتقال عدي بن حاتم في السجن، وتسامع الشعب بإعتقال عدي بن حاتم الطائي، وانتشر خبر إعتقاله بين الأشراف وعلية الناس، وكان لعدي بن حاتم الطائي مكانة مرموقة، ومركزاً اجتماعياً كبيراً، وكان الأصدقاء والأعداء يحبونه على السواء، وذلك لما كان من خصائص قلما اجتمعت في غيره من الناس، وكان خبر إعتقاله من قبل السلطة قد أهمت زعماء أهل المدينة، ورأوا لو أنهم تهاونوا في قضية إعتقال ابن حاتم الطائي، فإن الحكومة سوف لا ترى ضيراً أن تفتعل حادثة، وتعتقلهم هم أنفسهم أيضاً طالما أنها اعتقلت ابن حاتم الطائي، وهو الشجاع الذكي الذي لم يكن ليدع الحكومة أن تمس ساحته أو تنعته بشيء، ومن هذا المنطلق أخذ اشراف المدينة من أهل اليمن، وربيعة، ومضر يختلفون إلى دار الامارة للتوسط بينها وبين ابن حاتم الطائي الذي كان لا يزال رهن الاعتقال[٥٤]، وكانوا يقولون للطاغية يذكروه بماضي ابن حاتم المجيد في لهجة معاتبة: «تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله»، وفي أثناء الوساطات كانت المراسلة تجري بين عبد الله الطائي الذي انتقل من حيه، وأختفي في حي «بحتر» وبين عدي بن حاتم الطائي الذي كان لا يزال رهن الاعتقال تجري تحت الستار، فحينما بلغت أنباء إعتقال ابن حاتم الطائي إلى عبد الله الطائي، وعرف أن إعتقاله كان بسبب إختفائه أمتعض أشد الامتعاض، وغضب من تصرفات الحكومة، وهو الأبي الشجاع، فعزم أن يسلم نفسه إلى الحكومة إلا أنه رأى أن يستشير زعيم الطائيين، فأرسل إليه رسولاً يقول لعدي: «إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت».

ولا يغني أن يضع عبد الله يده في يدي عدي، وهو معتقل إلا أن يعرض نفسه للحكومة، وبالتالي إعتقاله كما اعتقلت رفاقه في نضال الحريّة، ولكن عدي بن حاتم الطائي أجاب رسوله معبراً عن عواطفه تجاه أبناء قبيلته، والتزامه بمسؤلياته مهما تحمل في سبيل ذلك من تضحيات: «قل له والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك»، إذن عزم عدي بن حاتم أن يحافظ على حياة عبد الله الطائي، وأمره أن يبقى في إختفائه، ولو صادفه ما يصادفه من عنت الحكومة، ولقد علم ابن أبيه بنوايا عدي بن حاتم المتحدية، فأمسى ابن أبيه حائراً بين أسلوبين في المعاملة مع عدي بن حاتم، فهو إذا أصر على إعتقال عدي بن حاتم، وطالبه بتسليم عبد الله الطائي، فإن الأمر ربما يتطور إلى تطورات لا تحمد عقباها، فإن قبيلة طي ربما عاضدت زعيمها ثم تظهر على الساحة معاضدة القبائل الأخرى لعدي بن حاتم الأمر الذي يستلزم على الحكومة أن تدخل معتركا آخر مع عدي بن حاتم الأمر الذي سينتشر حبل التماسك، وأما أن يختار ابن أبيه أسلوب سياسة اللين في هذا المنعطف من حياة الكوفة السياسية، إن هذا الاسلوب هو الأحرى، فأرسل إلى عدي بن حاتم من أتى به إليه، فقال لعدي: «إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة، ولتسير به إلى الجبلين»[٥٥].

فاستجاب عدي بن حاتم لهذا الشرط، فاطلق سراحه، فبعث عدي إلى عبد الله الطائي من يبلغه شرط الحكومة في مقابل إطلاق سراحه، وهذا الشرط هو أن يرحل عبد الله الطائي إلى الجبلين منفيا، ووعده ابن حاتم انه سوف يسعى جهده إذا عادت الأمور السياسية إلى طبيعتها أن يحمل الحكومة على الترخيص في عودته من منفاه إلى البلد، قال ابن حاتم الطائي في رسالته إلى عبد الله الطائي بالحرف الواحد: «يابن أخي إن هذا قد لجّ في أمرك، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك مادام له سلطان، فألحق بالجبلين، فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله».

فاستجاب عبد الله الطائي مضطراً لهذا الاجراء القاسي، وخرج تحت ستار الليل إلى الجبلين تخب به الابل نحو الجبلين في قلب جريح، ونفس مكدودة.

لقد أمضى عبد الله الطائي شهورا في الجبلين بعيداً عن العمران، وكان يشتاق إلى بلده، فيكاتب عدي بن حاتم أن يتوسط لدى الحكومة لكي يجلب رضاها عنه، فكان عدي بن حاتم يمنيه، ويفتح أبواب الأمل في وجه المغترب الكاسف البال الحزين، وكان عدي بن حاتم يرى أن الأجواء لا تزال غائمة بينه وبين الحكومة، وإن نفسه عزفت عن الحكومة وحكامها، وخاصة بعد إستشهاد حجر بن عدي ورفاقه، فامست نفسه جريحة عميقة الجرح، أسيفة شديدة الأسف والأسى، ومن جهة ثانية كان عبد الله الطائي يلح على عدي بن حاتم في التوسط لدى الحكومة، فلما لم يستجب عدي ابن حاتم الطائي بصورة جدية لطلب عبد الله الطائي في مغتربه أنشد عبد الله من مغتربه قصيدة عصماء عبر عن عواطفه فيها، وأبن شهداء مرج عذراء وبعثها إلى عدي بن حاتم الطائي قال:

{{بيت|تذكرت ليلىٰ والشبيبة أعصرا|وذكر الصبا برح على من تذكرا {{بيت|و ولى الشباب فافتقدت غضونه|فيالك من وجد به حين أدبرا
فدع عنك تذكار الشباب وفقدهوآثاره إذ بان منك فأقصرا
وبك على الخلان لما تخرمواولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا
دعتهم مناياهم ومن حان يومهمن الناس فاعلم أنه لن يؤخرا
أولئك كانوا شيعة لي وموئلاإذ اليوم ألفى ذا احتدام مذكرا
وما كنت أهوى بعدهم متعللابشيء من الدنيا ولا أن أعمرا
أقول ولا والله أنسى أدّكارهمسجيس الليالي أو أموت فأقبرا
على أهل عذراء السلام مضاعفاًمن الله وليسق الغمام الكنهورا
ولاقى بها حجر من الله رحمةفقد كان أرضى الله حجر وأعذرا
ولا زال تهطال ملث وديمهعلى قبر حجر أو ينادى فيحشرا
فيا حجر من للخيل تدمى نحورهاوللملك المغزى إذا ما تغشمرا
و من صادع بالحق بعدك ناطقبتقوى ومن إن قيل بالجور غيّرا
فنعم أخو الإسلام كنت وإننيلأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا
وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقهوتعرف معروفا وتنكر منكرا
فيا أخوينا من هميم عصمتماويسرتما للصالحات فأبشرا
ويا أخوي الخندفيين أبشرافقد كنتما حييتما أن تبشّرا
ويا إخوتا من حضرموت وغالبوشيبان لقيتم حسابا ميسرا
سعدتم فلم أسمع بأصوب منكمحجاجاً لدى الموت الجليل وأصبرا
سأبكيكم ما لاح نجم وغردالحمام ببطن الواديين وقرقرا
فقلت ولم أظلم أغوث بن طيئمتى كنت أخشى بينكم أن أسيرا
هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكموقد ذبّ حتى مال ثم تحورا
ففرجتم عني فغودرت مسلماًكأني غريب في إياد وأعصرا
فمن لكم مثلي لدى كل غارةٍومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا
ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصتوأوضع فيها المستميت وشمرا
فها أنا ذا داري بأجبال طيئطريداً ولو شاء الاله لغيرا
نفاني عدوي ظالماً عن مهاجريرضيت بما شاء الاله وقدرا
وأسلمني قومي لغير جنايةٍكأن لم يكونوا لي قبيلاً ومعشرا
فإن ألف في دار بأجبال طيئوكان معانا من عصير ومحضرا
فما كنت أخشى أن أرى متغربالحا الله من لاحى عليه وكثرا
لحا الله قيل الحضرميين وائلاًولاقى الفنا من السنان الموفّرا
ولاقى الردى القوم الذين تحزّبواعلينا وقالوا قول زورٍ ومنكرا
فلا يدعني قومٌ لغوثٍ بن طيئلأن دهرهم أشقى بهم وتغيّرا
فلم أغزهم في المعلمين ولم أثرعليهم عجاجا بالكويفة أكدرا
فبلغ خليلي إن رحلت مشرقاجديلة والحيّين معنا وبحترا
ونبهان والأفناء من جذم وطيئألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا
ألم تذكروا يوم العذيب أليتيأمامكم ألا أرى الدهر مدبرا
وكرى على مهران والجمع حاسروقتلي الهمام المستميت المسورا
ويوم جلولاء الوقيعة لم ألمويوم نهاوند الفتوح وتسترا
وتنسونني يوم الشريعة والقنابصفين في أكتافهم قد تكسرا
جزى ربه عني عدي بن حاتمبرفضي وخذلاني جزاءً موفرا
أتنسى بلائي سادرا يابن حاتمعشية ما أغنت عديك حزمرا
فدافعت عنك القوم حتى تخاذلواوكنت أنا الخصم الألدّ العذورا
فولوا وما قاموا مقامي كأنمارأوني ليثا بالأباءة مخدرا
نصرتكم إذ خام القريب وأبعطالبعيد وقد أفردت نصراً مؤزّرا
فكان جزائي أن أجرد بينكمسجينا وأن أولى الهوان وأوسرا
وكم عدة لي منك أنك راجعيفلم تغن بالميعاد عني حبترا
فأصبحت أرعى النيب طوراً وتارةًاهرهر ان راعى الشويهات هرهرا
كأني لم أركب جوادا لغارةولم أترك الفرن الكمي مقطرا
ولم أعترض بالسيف خيلاً مغيرةًإذا النكس مشّى القهقرى ثم جرجرا
ولم أستحث الركض في إثر عصبةميممة عليا سجاس وأبهرا
ولم أدعر الأبلام مني بغارةكورد القطا ثم انحدرت مظفرا
ولم أر في خيل تطاعن بالقنابقزوين أو شروين أو أغز كندرا
فذلك دهر زال عني حميدهوأصبح لي معروفه قد تنكرا
فلا يبعدن قومي وإن كنت غائباوكنت المضاع فيهم والمكفرا
ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهموإن كنت عنهم نائي الدار محصر

ثم إن عبد الله الطائي لم تمض عليه طويلا في الجبلين حتى توفى هناك قبل موت ابن أبيه[٥٦].

٤. كريم بن عفيف الخثعمي:

وكان أحد كبار أعضاء حركة حجر بن عدي، وكانت الحكومة تطارده، وتتعقبه لتعتقله، وبعد جهود مكثفة بذلها رجال المباحث أستطاعوا أن يلقوا القبض عليه، فأقتادوه إلى ابن أبيه، فقال له في نبرة قاسية: «ما اسمك». قال: «أنا كريم بن عفيف».

قال ابن أبيه، وقد أعجبه الاسم، وغاضه اهتماماته التحررية، ومعتقداته العلوية: «ويحك ما أحسن اسمك، واسم أبيك، وأسوا عملك ورأيك».

فأهتبل كريم هذه الفرصة الكريمة التي أوحاها أسمه واسم أبيه ذات الظلال الكريمة، والعفيفة، فقال ساخراً وملوحاً: «أما والله إن عهدك برأيي لمنذ قريب»[٥٧].

إذا كان رأيي العلوي، وإتجاهاتي العلوية، وتحركاتي العلوية هي التي نغصت عليك الحياة، وبنا بك المضجع، وحاصرتك من أطرافك، وأشرقت بريقك، وأسهرت ليلك، وحملتك على التعسف المشين، والبغي بغير حدود، فإن رأيي الذي اعتنقه، وأناضل دونه، وفي سبيله، وأحوطه بطاقاتي ودمائي ما وسعتني القدرة والطاقة، فإن رأيي هذا كان إلى عهد قريب هو رأيك بالذات، ولكنك تنمرت لرأيك، وحلت الدنيا في عينيك، وتذوقت الرئاسة، فرحت تبغى في الأرض بغير الحق، وتطارد أصدقائك إلى عهد قريب، فإذا كان رأيي العلوي هذا يثير سخطك، فأسخط على نفسك.

وحينما عرض كريم بن عفيف، وبهذه اللباقة بابن أبيه أمام جمهور موظفي الحكومة، وأمام عيون جواسيس معاوية.

أقول حينما عرض كريم وقال: «أما والله إن عهدك برأيي لمنذ قريب» تغافل ابن أبيه وسكت، واشتغل بأمور أخرى لتغيير الأجواء الحاكمة على المجلس، والتي أثارها كريم بن عفيف الخثعمي.

٥. عمير بن يزيد الكندي:

الشهير ب «أبي العمرّطة» لقد أبا العمرطة دافع بسيفه «يوم المسجد» عن حجر بن عدي الكندي زعيم المعارضة، وفي لحظات الدفاع أقبل أبو العمرطة ووثب على فرسه في حومة النضال، وإذا بيزيد بن طريف المسلي، وهو أحد رجال الشرطة يقبل بعموده، ويهوى به على أبي العمرطة، فيصيب فخذه بألم وجراح، فيخترط أبو العموطة سيفه في عنف، ويهوى به على رأس ابن طريف المسلي، فيخر لوجهه. ثم ان المسلي وبعد أشهر يبرأ من شجته العميقة في رأسه.

فتصل أنباء هذه ا المعركة إلى الشاعر عبد الله بن همام السلولي، فينشد أبياتاً في هجاء ابن طريف المسلي، وكان ابن طريف هذا يغمز في نسبه، ويمدح أبا العمرطة، ويذكر مواقفه البطولية. قال الشاعر السلولي:

الؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسراًإلى بطل ذي جرأة وشكيم
معاود ضرب الدارعين بسيفهعلى الهام عند الروع غير لئيم
إلى فارس الغارين يوم تلاقيابصفين قرم خير نجل قروم
حسبت اين برصاء الختار قتالهقتالك زيداً يوم دار حكيم[٥٨]


وتوارى أبو العمرطة عن العيون، وكان أخوه قيس بن يزيد الكندي أيضاً مختفياً حيث كان أحد أصحاب حجر بن عدي الكندي، ومن المناضلين في ركابه، فراح رجال المباحث والتفتيش في تجوالهم مستقصين عن الصفوة من أصحاب حجر بن عدي الكندي فألقوا القبض على قيس بن يزيد الكندي، وكان قيس كما أسفلنا مؤيدا لحجر بن عدي، وقاتل دفاعاً عنه في معركة يوم المسجد، واقتاده رجال المباحث إلى ابن أبيه في دار الامارة، وأخبروه بإعتقاله، فقال ابن أبيه: «ما على قيس بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان، وبلاءه يوم صفين مع معاوية».

ثم إنه استدعى قيس الكندي فجاءوا به إليه، فلما رآه قال له: «إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك، وحسن بلائك، ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير».

قال: «أجيئك به إن شاء الله».

قال: «فهات من يضمنه لي معك».

قال: «هذا حجر بن يزيد[٥٩] يضمته لك معي».

قال حجر بن يزيد: «نعم أضمنه لك على أن تؤمنه على ماله ودمه».

قال: «ذلك لك».

ثم إن قيساً، وحجراً راحا إلى مكمن عمير أبي العمرطة، وكان قيس يعلم عن مكان إختفاء أخيه، فعرضا عليه أمان ابن أبيه على نفسه، وممتلكاته على أن يسلم نفسه للسلطة، وحببا إليه الانصياع لهما، وتسليم نفسه للحكومة، وذلك إن إختفائه عن أنظار الحكومة لا تجديه نفعاً، وإلى متى يستطيع أن يمكث تحت رهن الحذر والمواراة عن عيون الناس، ثم إن الحكومة منحته الأمان فلم الاصرار على المواراة؟ ثم إن إصراره على الاختفاء سيثير مشاكلاً أخرى هو وإخوانه في غنى عنها.

ولكن أبا العمرطة لم يطمأن إلى هذا الأمان، وكان يعرف غدر السياسة والسياسيين إذا ما انتكست الامور عليهم، ولم تكن الشؤون في صالحهم إلا ان أبا العمرطة سلم نفسه كارهاً لأخيه، ورفيقه الكندي رغم أنه كان مريضاً يعاني من جراح قد أصابه يوم المسجد في فخذه، فأتيا به إلى ابن أبيه في دار الامارة، وهما مطمئنان على وفاء ابن أبيه لهما، ومقدران سلامة أبي العمرطة من ان يصيبه ابن أبيه بسوء، ولكنهما كانا غفلة في عن النفس الحاقدة المريضة التي تعاني عقدة النقص في شرف النسب، والتي تضرب بعرض الجدار كل عهد أعطته، وكل أمان منحته.

لقد أوعز ابن أبيه إلى شرطته وجلاوزته أن يذيقوا أبا العمرطة ألوان العذاب، ويوقروه حديداً إذا ما صحب مبعوثيه، فلما دخل أبو العمرطة على ابن أبيه لم يكلمه الوالي بل تجهم في وجهه، واكفهر تصرفه، وأشار إلى زمرته أن تبدأ في العمل، فسحبته، وأوقرته حديدا، ثم حمله الرجال يرفعونه حتى إذا بلغ سررهم تركوه يقع على الأرض، وكان الرجال من الزمرة الخبيثة ينحنون على أبي العمرطة، وهو يعاني آلام جرحه، وآلام تعذيبه الوحشي، وأشد من كل الألام أنه كان يعاني إهدار كرامته أمام عيون الناس، أنحنى رجال الزمرة ثم حملوه ورفعوه، فتركوه فوقع على الأرض في شدة، وجلجلة الحديد، وكانت الأرض ترتج على أثر هذه الوقعات المتتابعة المتتالية مما اغمى على أبي العمرطة من شدة الألم، وأشفى على الموت، وأثارت هذه الظاهرة المفزعة حجر بن يزيد الكندي بل وأثارت إشفاق كل من كان هناك في ديوان الظلم والافتئات من المرتزقة والمتزلفين، فقام حجر بن يزيد الكندي إلى ابن أبيه وقال في لهجة مستخذية: «ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك الله»، فقال ابن أبيه ساخراً ومصطنعاً إبتسامة صفراء: «بلى قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دماً، ولا آخذ له مالا».

وشعر حجر بن يزيد بسخرية ابن أبيه وإستهزائه به، وبالبطل العقائدي أبي العمرطة الذي كان في حالة يرثى لها، فقال: «أصلحك أنه يشفي به على الموت»، وهنا نهضت جماعة من الأحياء اليمنية تعضد حجر بن يزيد، وتؤيد وجهات نظره، واقتربت من ابن أبيه وكلمته في أبي العمرطة، فقال: «أتضمنونه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثاً أتيتموني به».

قالت: «نعم».

قال: «وتضمنون لي أرش ضربة المسلي»[٦٠].

قالت: «ونضمنها»، فخلى سبيله[٦١].

ثم وبعد جهود من رجال المباحث، وتفتيش شديد في الأحياء والدور، وإستقصاء في البحث والمراقبة إستطاعوا أن يقبضوا على إثنا عشر رجلا من كبار قادة المقاومة الحجرية، فاعتقلوهم، وأودعوهم في السجن.

ثم إن ابن أبيه فرق الأموال على الزعماء والمرتزقة ممن اعتادت السلطة أن تستغلهم لصالحها، وكان ابن أبيه قد انتقل إلى المرحلة الثانية من سياسة القمع والارهاب تجاه حركة حجر بن عدي، وإنتفاضته الرائدة، فبعد أن فرق الأموال على مرتزقته استدعى كبار المرتزقة وكانوا زعماءً على الأحياء أو قل زعماء على الأرباع في البلد، وهؤلاء الزعماء هم:

  1. عمرو بن حريث، وكان على ربع أهل المدينة.
  2. خالد بن عرفطة، وكان على ربع تميم وهمدان.
  3. قيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة، وكان على ربع ربيعة وكندة.
  4. أبو بردة بن أبي موسى، وكان على مذحج وأسد.

وهؤلاء المرتزقة الكبار كانت السلطة قد فرضتهم على القبائل العربية التي كانت تقطن آنئذ في الكوفة يتزعموها، ويقودوها نحو مجاراة السلطة، لقد أوعز ابن أبيه إلى هؤلاء الرؤوس أن يشهدوا على حجر بن عدي، وقال لهم، وكان الأمر مبيتاً بينه وبينهم: «أشهدوا على حجر بما رأيتموه»، فاجتمع الشهود وكتبوا وثيقة شهدوا فيها على حجر بن عدي، وعلى كبار قادة الحركة تدينهم حسب طبيعة الحكومة القائمة، وحسب أعرافها ونظمها السياسية، وحسب إتجاهاتها المنحرفة عن الشريعة الإسلامية ومثلها العليا، وتتكون وثيقة الشهادة من المواد التالية:

  1. إن حجر بن عدي شكل حزبا مناوئ.
  2. إن هذا الحزب يستهدف إلى إنتقاد الحكومة القائمة بالكلام تارة، والسلاح تارة أخرى.
  3. إن هذا الحزب له ميول في إقامة حكومة يتزعمها أحد أفراد أسرة الإمام علي بن أبي طالب(ع).
  4. إن هذا الحزب يحمل مبادئ الإمام، ويعادي من يهاجم هذه المبادئ.
  5. إن الحزب تحرك في قوة محاولاً إخراج والي البلد.

ثم إن الشهود من مرتزقة الحكومة شهدوا وفقاً لهذه المواد التي تدين حجراً وحركته.

وإليك نص وثيقة الشهادة:

«إن حجراً جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه، وأهل حربه، وإن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤس أصحابه، وعلى مثل رأيه وأمره»[٦٢].

ثم إن كبار المرتزقة الأربعة وقعوا في أسفل الوثيقة، ورفعوها إلى الوالي، وهم محبورون يحسبون أنها ستقع من ابن أبيه موقع الرضا، وأنه سيزيد في رشوته، ولكن ابن أبيه نظر إلى نص الشهادة، وإلى عدد الشهود، ثم فكّر وقدّر في مواد الشهادة المدينة، ثم عبس وبسر، وكان المرتزقة ينظرون إلى ملامح وجه الطاغية ليقرأوا من خلالها أحاسيس الرضا أو الغضب، ولكنهم شعروا أن الوثيقة لم تقع عنده موقع الرضا، فلا الشهادة وموادها أرضته، ولا عدد الشهود أرضاه، وقال ابن أبيه في نبرات خائبة: «ما أظن هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة، فغضب أبو بردة الأشعري، وكان أحد الشهود الأربعة، وبادر وأخذ القلم وكتب:

«﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٦٣] هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين، شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عزوجل كفرة صلعاء»[٦٤].

وهكذا كانت صيغة الشهادة، ولقد أرضت هذه الصيغة الظالمة ابن أبيه رغم ان هذه الصيغة هي قريبة من وثيقة الشهادة السالفة الذكر إلا أن هذه الصيغة كانت أشد صراحة في «الخيانة العظمى» حسب التعبير الحديث، وأبعد في الادانة مع العلم انّ حجر بن عدي لم يخلع معاوية صراحة، ولم يدعو إلى خلعه، وقال: «ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة».

وحسبك أن تعرف أمراض أبي بردة بن أبي موسى الأشعري النفسية، وإنحرافه عن سلامة الضمير، أن تعرف أنه التقى يوماً بأبي الغادية قاتل عمار بن ياسر، فقال له: «أنت قتلت عماراً»، فلما قال: «نعم»، قال أبو بردة له: «إبسط يدك»، فلما بسط له يده أمسكها أبو بردة ثم قبّلها، وقال: «لا تمسك النار أبدا»[٦٥].

إن الجهاز الحاكم حبذت هذه الصيغة الملفقة التي تدين حجراً وأصحابه إلى حد الاعدام عند صاحب القصر، ومن هذا المنطلق قال ابن أبيه: «على مثل هذه الشهادة فاشهدوا»، ثم أردف قائلاً، وقد استبد به الغضب والحنق: «أما والله لا جهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق».

وكان ابن أبيه دعا الموظفين في الحكومة جميعاً، ودعا من يحمل لوناً من ألوان الولاء للسياسة القائمة لكي يشهدوا على حجر بن عدي، ورفاقه الكبار، ويوقعوا تحت وثيقة الشهادة التي كتبتها يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، تلك اليد الأئمة والموالية للسلطة، وسياستها الغاشمة، فقام رجل يقال له عناق بن شرحبيل التيمي - تيم الله بن ثعلبة - وهتف بالموظفين والكتاب: «اكتبوا إسمي»، فرمقه ابن أبيه وتفحصه بنظرات غريبة ساخرة ثم قال: «إبدؤا بأسامي قريش، ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود...».

فجلس عناق خائباً وقد غاضته هذه الاهانة التي صوبها إليه ابن أبيه. وهكذا من يسير في ركاب الحكومات الظالمة، فإن ظلمها لابد وإن يمس أذيالهم بل ويمس حياتهم وكرامتهم إن كان لهم كرامة. تتابع الشهود من المتزلفين للسلطة وكتبوا أسمائهم في قائمة الشهود، ثم إن الكتاب سردوا أسماءا مزورة ملفقة على أساس ان أصحاب هذه الأسماء شهدوا ووقعوا وثيقة الادانة. وإليك أسماء الشهود:

  1. عمرو بن حريث، وهو على ربع أهل المدينة.
  2. خالد بن عرفطة، وهو على ربع تميم وهمدان.
  3. قيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة، وهو على ربع ربيعة وكندة.
  4. أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو على ربع مذجح وأسد.
  5. إسحاق بنو طلحة بن عبيد الله
  6. موسى بنو طلحة بن عبيد الله
  7. إسماعيل بنو طلحة بن عبيد الله
  8. المنذر بن الزبير.
  9. عمارة بن عقبة بن أبي معيط.
  10. عبد الرحمن بن هنّاد. في الأغاني: هبار بدل هنّاد.
  11. عمر بن سعد بن أبي وقاص.
  12. عامر بن مسعود بن أمية بن خلف.
  13. محرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس.
  14. عبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرمي.
  15. عناق بن شرحبيل بن أبي دهم التيمي.
  16. وائل بن حجر الحضرمي.
  17. كثير بن شهاب بن حصين الحارثي.
  18. قطن بن عبد الله بن حصين.
  19. السري بن وقاص الحارثي. قال الطبري: وكتب شهادته، وهو غائب في عمله[٦٦].
  20. السائب بن الأقرع الثقفي.
  21. عبد الله بن أبي عقيل الثقفي.
  22. مصقلة بن هبيرة الشيباني.
  23. القعقاع بن شور الذهلي.
  24. ضرار بن هبيرة، ذكر هذا الاسم في الأغاني فقط.
  25. شداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي.
  26. حجار بن أبجر.
  27. عمرو بن الحجاج الزبيدي.
  28. لبيد بن عطارد التميمي.
  29. محمد بن عمير بن عطارد التميمي.
  30. سويد بن عبد الرحمن التميمي من بني سعد.
  31. أسماء بن خارجة الفزاري. قال الطبري: كان يعتذر من أمره[٦٧].
  32. شمر بن ذي الجوشن العامري.
  33. زحر بن قيس الجعفي.
  34. شبث بن ربعي. في الأغاني: شبيب.
  35. سماك بن مخرمة الأسدي صاحب مسجد سماك. جاء إسمه في الأغاني فقط.
  36. شداد بن الهيثم الهلالي
  37. مروان بن الهيثم الهلالي
  38. محفّز بن ثعلبة
  39. الهيثم بن الأسود النخعي، وكان يعتذر إليهم.
  40. عبد الرحمن بن قيس الأسدي
  41. الحارث بن الأزمع الهمداني الوادعي
  42. شداد بن الأزمع الهمداني الوادعي.
  43. كريب بن سلمة بن يزيد الجعفي.
  44. عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي.
  45. قدامة بن العجلان الأزدي.
  46. عزرة بن عزرة الأحمسي.
  47. عمر بن قيس ذو اللحية الوادعي.
  48. شريح بن الحارث القاضي.
  49. هاني بن أبي حية الوادعي.
  50. شريح بن هانئ[٦٨].

لقد كتب الكتّاب في قائمة الشهود أسماء سبعين رجلاً على أساس أنهم شهدوا وفقاً لمواد الادانة. ثم ان الكتاب حملوا قائمة الشهود إلى ابن أبيه لينظر فيها، ويحذف أو يزيد في الأسماء، فلما قرأها أمر بإلغاء أسماء رجال لم يكونوا بذي خطر لا في الحقل السياسي، ولا في الحقل الاجتماعي، وإنما كانوا من سواد المرتزقة ممن لا يؤبه بهم، فبلغ الذين الغيت أسمائهم من القائمة عشرون رجلاً أو ما يقاربه، وكان عبد الله بن الحجاج الثعلبي فيمن حذف اسمه[٦٩].

أضواء على الأسماء:

  1. شدّاد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي كان أحد الشهود الذين شهدوا على حجر بن عدي، وهو يحمل رقم (٢٥) في قائمة الشهود، وكان شداد هذا مشهوراً عند الناس ب «شداد بن بزيعة»، وبزيعة هذه هي أمه، وحينما عرضت أسماء الشهود على ابن أبيه فقرأها، فلما وصل إلى شداد بن بزيعة شعر بهوانه وضآلة شأنه عند الناس حيث إن الناس كانوا يعرفون زياداً منتسباً إلى أمه تماماً كما ان شداداً منتسب إلى أمه أيضاً، ولكن هذا الاحساس بالهوان وضآلة الشأن انقلب في نفس ابن أبيه إلى ثورة غاضبة، وزمجرة قاصفة، فصاح وهو يشير إلى اسم شداد بن بزيعة: «ما لهذا أب ينسب إليه». ثم أردف غاضباً: «ألقوا هذا من الشهود». ولكن لما كان شداد بن بزيعة من مشاهير البلد تقدم أحد رجال الحاشية إلى ابن أبيه وقال، وهو يشيد بشداد وشهرته: «إن شداد هذا هو أخو الحصين بن المنذر. فلما عرف ابن أبيه أن شدادا هذا له شأنه في زمرة الحكومة قال: «فانسبوه إلى أبيه»، فنسب إلى أبيه، وكتب في وثيقة الشهادة: شداد بن المنذر، فبلغت هذه القصة إلى شداد بن المنذر، وان الوالي حاول أن يلغي إسمه من قائمة الشهود لضالة اسمه، ونسبته إلى أمه، فغضب شداد بدوره هو الآخر من الوالي الذي يحمل العيب بالذات، فقال: «ويلي على ابن الزانية، أو ليست أمه أعرف من أبيه، والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية»[٧٠]. وهكذا يتراجع الرجلان حول النسب العالم.
  2. كان في الشهود جماعة من ربيعة، فغضبت قبيلة ربيعة، وخاصة بعد أن تطورت الاحداث إلى تلك المجزرة الرهيبة بمقتل حجر بن عدي، والصفوة من أنصاره. نعم بعد هذه التطورات غضبت ربيعة على هؤلاء الشهود من ربيعة، وقالوا لهم: «شهدتم على أوليائنا وحلفائنا». فقال الشهود الربعيون يبررون موقفهم من حجر بن عدي وجماعته: «ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير»[٧١].
  3. ولقد كتب في الشهود اسمان هما: شريح بن الحارث القاضي، وشريح بن هانئ، وكانت لهما مكانة في المجتمع، فلما رأى الشعب إسميهما في قائمة الشهود الذين شهدوا على حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه تلك الشهادة النكراء غضب الشعب عليهما، فإنهالوا عليهما بالنقد اللاذع، والسخرية الغاضبة. فأما شريح بن الحارث القاضي، فإنه أظهر برائته اللفظية إلى الناس وقال: «إن زياداً سألني عن حجر بن عدي، فأخبرته أنه كان صواما قواما»[٧٢]. وأما شريح بن هانئ، فإنه لم يحضر الشهود، وإنما كتب الموظفون إسمه في جملة الشهود بدون علمه، فلما عرف شريح بن هاني أنه قد ذكر إسمه في قائمة الشهود، وسمع قوارص القول من الناس بادر سريعاً، وكتب رسالة إلى معاوية ينكر الشهادة، ويشيد بحجر بن عدي. وجاء في الرسالة ما يلي: «أما بعد، فإنه بلغنى أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه[٧٣]. لقد كانت مغامرة من شريح بن هانئ أن يكتب هذه الرسالة في ذلك الجو المشحون بالذعر والارهاب، إنها شجاعة أدبيه تقدر من شريح بن هاني، وفي نفس الوقت وفاءاً لصديقه حجر بن عدي، ولا غرو فإن شريح بن هانئ من أصحاب أمير المؤمنين(ع)، ومن تلامذته المخلصين، ومن خريجي مدرسته. وهذه الرسالة، وهي رسالة من إنسان سليم الاتجاه تثير بدورها الشبهات، وعلامات الاستفهام على الشهادة، وعلى الشهود جميعا. ولم يكتف ابن هانئ بهذه الرسالة بل إرتاد دار الامارة وعاتب ابن أبيه، وكذب شهادته، ولقد قال ابن هانئ للناس عندما كانوا يذكرون شهادته المزورة: «ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي، فاكذبته ولمته»[٧٤].
  4. ونجد أنه ليس فحسب كتب إسم شريح بن هانئ في قائمة الشهود، وهو غائب عن الشهادة بل وساخط عليها، بل هناك رجل آخر سرد إسمه في قائمة الشهود وهو غائب في عمله، في وظيفته الحكومية، وهذا الرجل هو السري بن وقاص الحارثي، وهو يحمل رقم (١٩) في قائمة أسماء الشهود.
  5. ثم نجد رجلين آخرين من الشهود يعتذران إلى الناس من الشهادة بعد أن سددوا إليهما سهام النقد، وهذان الرجلان هما كما يذكرهما الطبري: أسماء بن خارجة الفزاري، ويحمل رقم (٣١)، و الهيثم بن الأسود النخعي، ويحمل رقم (٣٩).
  6. ونجد في الأسماء الذين شهدوا على حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه ناساً حضروا بعد ذلك بأعوام معركة كربلاء، وحاربوا الحسين(ع) سبط رسول الله (ص)، مثل عمر بن سعد بن أبي وقاص، ويحمل رقم (١١)، وشمر بن ذي الجوشن، ويحمل رقم (٣٢) وغيرهما.
  7. وكل الذين شهدوا يظهر عند الدراسة والفحص زيفهم ونفاقهم وفسقهم وإنحرافهم عن الإسلام، و آل البيت(ع). فهذا عناق بن شرحبيل بن أبي رهم التميمي كان منافقاً في عهد خلافة الإمام أمير المؤمنين(ع)، وشهد بعد ذلك على حجر بن عدي[٧٥]، وهو يحمل رقم (١٥). وهذا الهيثم بن الأسود أبو العريان المذحجي شاعر من خصوم آل البيت، وكان يوالى السلطة الحاكمة الأموية، ويكن لها الحب، وكان فاسقا، وشهد على حجر بن عدي[٧٦]. في حين يفرض في الشاهد والشهادة العدالة، ولو افترضنا أن عادلاً شهد على حجر بن عدي الذي يمثل العدالة والتجسيد الكامل للإسلام، لو افترضنا هذا، فإنه سيتحول إلى رجل فاسق، وتسقط عدالته، فكيف وإن الشهود بعد الفحص والدراسة يكشف عن تاريخهم الأسود، وماضيهم المتهرئ.
  8. كان ابن أبيه دعا المختار بن أبي عبيدة الثقفي، والمختار هذا هو الذي سطر بعد ذلك بأعوام تاريخاً مجيداً حافلاً بالبطولة، ودعا ابن أبيه أيضا عروة بن المغيرة بن شعبة، وهو ولد والي البلد السابق دعاهما ليشهدا ظلماً وعدواناً على حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه، ولكنهما أبيا ذلك[٧٧].

وإليك أسماء حجر وأصحابه الذين حملوا إلى دمشق:

  1. حجر بن عدي الكندي.
  2. الأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم.
  3. شريك بن شداد الحضرمي.
  4. صيفي بن فسيل.
  5. قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي.
  6. كريم بن عفيف الخثعمي من بني عامر بن شهراني.
  7. عاصم بن عوف البجلي.
  8. ورقاء بن سمي البجلي.
  9. كدام بن حيان العنزي من بني هميم.
  10. [[عبد الرحمن بن حسان العنزي من بني هميم.
  11. محرز بن شهاب التميمي من بني منقر[٧٨].
  12. عبد الله بن حوية السعدي من بني تميم.

إن ابن أبيه لما تهيأ له كل شيء، وأحكم حلقة الجريمة عزم أن يرسل حجر بن عدي ورفاقه الاثني عشر مع طابور من الشرطة والجلاوزة إلى معاوية في الشام، وشاع هذا النبأ في البلد فظهر على الساحة بعض التحركات المناوئة، وبث ابن أبيه بين الناس جواسيسه ليوافوه بأنباء ردود فعل الجماهير تجاه عزيمته في إرسال حجر ورفاقه إلى معاوية، وحينما شاع نبأ إنتقال حجر ورفاقه إلى الشام ظهر بعض ردود الفعل من قبل الجمهور تستهدف إختطاف حجر ورفاقه من أيدي الجلاوزة، فرفع الجواسيس تقريراً إلى ابن أبيه حول هذا الشأن، فأمر جلاوزته أن يحملوا حجر بن عدي ورفاقه إلى ساحة البلد في الرحبة متحدياً بهذا الاجراء المختطفين، وعلى إمتداد سحابة النهار كان المعتقلون في الساحة تحت المراقبة الشديدة، ولما كان جو البلد جو الارهاب والخوف والفزع والحذر، فإن أحدا لم يجترئ على أن يتقدم من حجر بن عدي فضلاً من أن يختطفه المختطفون، فكان الناس وأفراد قبائل المعتقلين ربما مروا من أمام المعتقلين أو تريثوا قليلا، فكان الجلاوزة يهيبون بهم أن يتنحوا عن النطاق المضروب حول المعتقلين، وكان هناك ناس يحذرون أن يمروا من الساحة خوفاً من أن يلقي الجلاوزة القبض عليهم،، فكانوا إذا ما اضطروا أن يمروا من الساحه، فإنهم كانوا يفضلون ملتويات السكك، ومنعرجات الدروب يسلكونها لكي يصلوا إلى حاجاتهم على المرور من الساحة حذراً وترقباً، وعلى إمتداد وجه النهار كان طابور من الجلاوزة يراقبون المعتقلين في الساحة، وفي آخر النهار، وكان جماعة من الناس وقفوا في الساحة يتفرجون على المعتقلين لما أطمأنوا بعض الاطمئنان على حياتهم من شراسة الجلاوزة.

ولما انقضى النهار وضرب الليل برواقه على الساحة، وعلى المدينة تحدى الجلاوزة الناس، ولم يكن أحد يجترئ على تحدى سلطة الارهاب والبطش أو يستطيع أن يختطف المعتقلين.

كان الليل قد تقدم أمامه، وهجع الناس، وكانت ليلة باردة من ليالي الواحدة والعشرين والثانية والعشرين من الشهر، وكان القمر يطلع بطيئاً من مطلعه وصدرت أوامر الحكومة بالحركة، فخرجت قافلة المعتقلين أو قل قافلة الشهداء إلى مرج الاستشهاد ترافق القافلة طوابير من الشرطة، والجلاوزة، وحرس ابن أبيه الخاص، وقدر اعدادهم بمائة رجل ممن يعتمد عليه في ولائه للسلطة، وعدائه الحجر ومبادئه[٧٩].

وكان ابن أبيه قد بعث برسائل إلى مسؤولي القرى والأرياف أو المدن والبلدان التي تقع في طريق قافلة الشهداء أن يتخذوا الاجراءات الأمنية للحفاظ على هذه القافلة من أن يختطفها مختطف، وأن يراقبوا الأوضاع في البلد أو القرية حتى إذا شاهدوا تحركاً مشبوهاً استطاعوا أن يطوقوه سريعاً. سارت القافلة من ساحة المدينة، وكان حجر بن عدي ورفاقه قد أقلتهم الركائب الصعبة، والابل القوية التي لا تكاد تلحق، وكان حجر بن عدي زعيم المعارضة قد أركب إحدى هذه الابل من جانب، وأرسل بقدميه، وسارت القافلة بقلوب دامية، ومشاعر مكلومة، وأحاسيس حزينة، وكان بعض المعتقلين لا يزال متفائلاً قد أشرق جانب من جوانب نفسه بالأمل في أن تخرج جماعة مسلحة وموالية، وتنقذه ورفاقه من أيدي الجلاوزة.

مرت القافلة في شوارع المدينة والمؤدية إلى خارجها، وكانت الأسر التي ترتبط بالمعتقلين قد وقفت على الطريق، وعلى سطوح المنازل ليلقوا النظرة الأخيرة على القافلة.

كانت البنت تريد أن ترى أباها، والابن يريد أن ينظر إلى أبيه أو عمه، والزوجة تريد أن تنظر إلى زوجها، والأخت تريد أن ترى أخاها، والأم تتلهف إلى إبنها.

كانت تلك القلوب الحزينة والملتاعة تترقب مطلع القافلة، ولقد وقفوا طويلاً، وانتظروا مديداً لمرأي تلك الوجوه الطيبة التي لم تكن لتعدو وجه الأب أو وجه الأخ أو وجه الخال أو وجه العم.

الأسر التي طالما نعمت بهذه الوجوه في نطاق الاسرة الدافئ، ولكن الآن، فإن تلك الوجوه معتقلة وأسيرة، ومعالم ملامحها معبرة وجريحة.

طلعت القافلة على الأسر، ورمقتها العيون الحزينة الباكية، والقلوب الملتاعة، وتقدمت القافلة في جبانة عرزم، وتأمل قبيصة بن ضبيعة العبسي، وهو واحد من المجاهدين المعتقلين من أفراد القافلة داره، فرأى ما أدمع عينيه، وأحزن قلبه، وأثارت مشاعره، والهبت أحاسيسه.

لقد رأى بناته مشرفات من شرفة الدار ينظرن إلى والدهن وحبيبهن وعزائهن ومعيلهن، وأكبر الظن أن قبيصة العبسي لم يكن قد انجب غلاماً أو كان قد أنجب ولكنه كان لا يزال طفلاً صغيراً لا يرجى منه تحمل مسؤولية الاسرة، ومن هذا المنطلق فإن قبيصة العبسي كان مستثار المشاعر، مضطرم النفس، مرتبك الأحاسيس الا أن قبيصة العبسي تذكر الله عزوجل الذي بيده الرزق والحياة، وتذكر مسيرته فرأها مسيرة فيها رضى الله، ورضى رسوله ورضى سيده، وإمامه، ورضى المؤمنين، فأطمأن باله، واستقرت لواعجه النفسية، وهدأت إضطراباته الفكرية.

وحينما نظر قبيصة العبسي الوالد والملاذ إلى أسرته وبناته انفطر قلبه عليهن، وكادت دمعة تطفر من عينيه لولا أنه تجلد، وكظم أحاسيسه.

ثم هتف بالمسؤولين عن القافلة، وطلب منهم أن يأذنوا له أن يدنو من بناته وأسرته، ويوصي إليهن، فأذن المسؤولون له، فنزل من راحلته ثم دنا من أهله وبناته، وهم يبكون، ويذرفون الدموع الساخنة، وكن البنات أكثر أمعاناً في البكاء، فتأثر الوالد الحبيب من هذا الجو الحزين، فضغط على نفسه، وتجلد في محاولة يائسة، لقد استطاع أن يضبط أعصابه، ولا ينجرف معهن في البكاء ثم قال لهن بعد جهاد عنيف مع مشاعره وأحاسيسه النفسية المضطرمة، وفي نبرات متقطعة أو تكاد أن تكون متقطعة قال: اسكتن لأحدثكن، فسكتن فقال: «اتقين الله عزوجل، واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين:

إما الشهادة، وهى السعادة؛

وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى، وهو حي يموت. أرجو ألا يضيعكن، وأن يحفظني فيكن».

ثم ألقى الأب نظراته الحانية على حبيبات قلبه، وعلى أهله وأسرته ثم مشى إلى راحلته أو حمل على المشي بنفس، الله يعلم بما كان يجول فيها، وكان الجلاوزة يحثونه على الاسراع وعدم التلبث، وكانت بعض الخواطر لا تزال في ذهنه، وبعض الكلمات على شفتيه يحاول أن يسكبها في قلوب أسرته وبناته الا أن الدعوات المتكررة من قبل الجلاوزة الغلاظ حالت دون ذلك، وكان قبيصة يستأني ويتريث عل نفراً من قومه يهاجمون الجلاوزة وينتزعوه من أيديهم إلا أن أحداً من قومه لم يتقدم رغم ان الكثير من العبسيين كانوا قياماً غير بعيدين ينتظرون مرور القافلة عليهم.

ولربما مر على خاطر بعضهم أن لو كان عنترة العبسي البطل الاسطوري حياً لانتزع قبيصة العبسي الذي نادى بضرورة العودة إلى خط الإمام والإمامة من أيدي الجلاوزة.

ثم ان القافلة مرت على قوم قبيصة فطفقوا يبتهلون إلى الله حينما شاهدوا قبيصة العبسي شريفهم وكبيرهم، ويدعون له بالعافية في رحلة الشهادة هذه، فخاض قبيصة العبسي هذا التهاون والتواني، وهذا الضعف والتخاذل من قومه، وهذا الهلاك المعنوي الذي يضطربون فيه، فقال في لهجة غاضبة وبائسة: «إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي».

والطريف إن جماعات من الناس كانت تنتظر القافلة لتمر عليها، وكان بين هذه الجماعات رجل متحمس ثائر على الضعف والتخاذل السائد بين الناس بفعل الارهاب المسيطر على أجواء البلد، وكان هذا الرجل الشجاع الذكي هو عبيد الله بن الحر الجعفي، وكان يحاول أن يكون عصابة من الناس ثم يهاجم بها الطابور المرافق للقافلة، فينتزع القافلة منهم ويختطفها إلى حيث الأمان والطمأنينة، ولكن أحداً من الناس لم يستجب لابن الحر الجعفي، ولم يعاضده في نواياه الطيبة، ولم يشد يده في هدفه العظيم. لقد مرت القافلة على جماعات من الناس، فطفق ابن الحر الجعفي يهتف، ويعاود هتافه، ويلوذ بالناس، ويهمس إليهم، ويناجيهم، ويسر إليهم إسراراً: «ألا عشرة رهط استنقذ بهم هؤلاء، ألا خمسة»[٨٠].

فلم يستجب واحد من الجماعات لتلهفه وهتافه وهمسه، فرأى ابن الحر أن القافلة تسير وتبتعد، فيعاود هتافه وهمسه: «ألا عشرة رهط، ألا خمسة رهط استنقذ بهم هؤلاء»، فمضت القافلة الهوينا، ولم يجترئ أحد أن يتقدم نحوها، ومضى ابن الحر الجعفي أسيفاً، كاسف البال، حزيناً يمضغ كلماته: «ألا عشرة رهط، ألا خمسة رهط استنقذ بهم هؤلاء».

وهذا يعبر عن روح الارهاب الذي سرى في قلوب الناس بحيث شل أيديهم وأرجلهم، وطبع أفكارهم إن كان لهم فكر على الانصياع رغم ان زعيمهم، والمعبر عن آرائهم، والمتفاني في سبيل قضاياهم السياسية، والاجتماعية، والثقافية والاقتصادية يقاد في الطريق البعيد نحو مرج الاستشهاد.

سارت القافلة في الليلة الباردة، وخرجت من الكوفة حتى أوغلت، فكنت لا تسمع في الصحراء الشاسعة سوى وقع أخفاف الابل، وبعض كلمات يتبادلها رجال الحرس إلى أن بلغت القافلة الغربيين أو أرض النجف الحالية، فإذا رجل يعدو على فرسه، ويهتف بالقافلة أن تقف، وشق صوت هتافه، ووقع حافر فرسه الفضاء، فسمع الجلاوزة النداء، فألتفت وائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب الحارثي في كثير من الحذر والقلق لخلفهما ليتبينا ملامح الرجل الهاتف، وكان وائل الحضرمي، وكثير الحارثي مسؤولين عن القافلة، وفي نفس الوقت كانا رئيسي طابور الجلاوزة، وبعد أن بلغ الفارس إلى القافلة، وفحصا في وجه الفارس في ذلك الجو الهادئ البارد، وكان القمر يرسل بأشعته الفضية، فيغمر الصحراء، والقافلة بهدوئه وطمأنينته.

لقد عرف الرجلان من الرجل الفارس. نعم أنه شريح بن هانئ الحارثي، ولمحا رسالة يحملها في يده. نزل الفارس توا، وتقدم نحو كثير الحارثي ليسلمه الرسالة حيث إن كثيراً هو من قومه، فليعط إذن رسالته له، وهنا ابتعد وائل الحضرمي عنهما ظنا منه أن لهما حديثاً خاصاً. تقدم ابن هانئ نحو كثير، وهو يقول: «بلغ كتابي هذا إلى معاوية»، فأخذ كثير الكتاب في كثير من الحذر، وقال متسائلاً: «ماذا فيه» فأبى ابن هانئ أن يعلم كثيراً بمحتوى الرسالة، وقال في كثير من الاشفاق: «لا تسألني، فيه حاجتي»، ولكن كثيراً الحارثي أبي أن يحمل الرسالة إلى معاوية، وردها إلى ابن هانئ، وهو يقول: «ما أحب أن اتي معاوية بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألّا يوافقه».

إن الحارثي لم يقبل كتاب الحارثي ابن هانئ إمعاناً منه في الاخلاص للسلطة أو هكذا ألقت الهواجس في نفسه أنه إذا لم يحتمل الرسالة، فإن إخلاصه سيظهر للسلطة أكثر فأكثر، فلما يأس ابن هانئ من رهطه هذا أخذ الكتاب إلى وائل الحضرمي وقدم كتابه له، وأشفق أن لا يقبله هذا بدوره، فيفوت عليه غرضه الهام عنده، ولشد ماسر ابن هانئ، وهو يرى أن يد وائل الحضرمي امتدت وأخذت الكتاب، ولم يسأله عن محتويات الكتاب بل قبل أن يحتمل الرسالة، ويوصلها إلى الجهة المعنية، فعاد ابن هانئ مسروراً من التوفيق الذي حالفه، وإن أحزن قلبه مرأى حجر بن عدي ورفاقه رضوان الله عليهم.

وعلى إمتداد توقف القافلة في الغربين أو أرض النجف الأشرف كان حجر بن عدي مشغولاً بتفكيره والتفاتاته الحذرة كأنه يبحث عن شيء. أبصر شيئا فتمتم مع نفسه مبتهجاً محتفلاً: ها هو ذا، ها هو ذا، وإذا كان أحد يراقبه في حالته تلك لكان يرى الدموع الرقراقة تنحدر على خديه، فتبل لحيته الناصعة، ولكان الناظر يرى أن حجر بن عدي يشير إلى أكمة ثم يسلم عليها بلغة القلب: «السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته».

ولكن احداً لم يراقب حالته تلك، وذلك لأن حجراً كان يتكلم بلغة القلب والعين.

ولندع حجراً ورفاقه المصفدين بالاغلال يسيرون في الطريق مع الجلاوزة ولنعود إلى البلد فنجد سيدة أنصارية تسمى هند بنت زيد بن مخرمة ملتاعة قلقة على مصير حجر بن عدي لا تكاد تستقر في مكانها فمرة تصعد على السطح، وتلقي ببصرها على الطريق المديد الذي يسير فيه حجر، وتارة تهبط إلى حجرتها فلا يكاد يستقر بها المكان حتى تقوم، وتصعد إلى السطح، وتنتابها الهواجس بعنف، وتلقي ببصرها إلى القمر، وهو يطلع ويصعد ببطء، فتقول منشدة:

ترفع أيها القمر المنيرتبصر هل ترى حجراً يسير
يسير إلى معاوية بن حربليقتله كما زعم الأمير
تجبرت الحبابر بعد حجروطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد بها محولاًكأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عديتلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عدياًوشيخاً في دمشق له زئير
يرى قتل الخيار عليه حقاًله من شر أمته وزير
الا يا ليت حجراً مات موتاًولم ينحر كما نحر البعير
فإن تهلك فكل زعيم قوممن الدنيا إلى هلك يصير[٨١]

ويظهر من سياق القصيدة أن السيدة الأنصارية انشدت البيتين الأخيرتين بعد استشهاد حجر بن عدي. إن السيدة الأنصارية التي عبرت عن هواجسها أبدع تعبير في هذه الأبيات، والتي ألقت الأضواء على سيرة الولاة والحاكمين الذين طفقوا ينعمون في ظل الخورنق والسدير، ويتقلبون على أموال الشعب، ويلبسون الدمقس والحرير، ويكبلون لشعب بالحديد إذا ما تحرك ونغص عليهم نعيمهم، واقض مضاجعهم. إن الأنصارية في هذه الأبيات البديعة المعبرة تكلمت بلسان نساء البلد، وسيدات الكوفة اللاتي كن يعشن ازمة من أضخم الأزمات وأعنفها، وينظرن إلى مستقبل أولادهن نظرة متشائمة في ظل تلك الظروف الصعبة المتأزمة.

وتابعت القافلة مسيرتها في الطريق الطويل الذي لا يكاد ينقضي، وأصابت أصحاب القافلة بالاعياء والارهاق العنيف، ولحق حجر بن عدي ضعف ووهن، وهو الرجل الشيخ المتقدم في السن، وفي ذات صباح أستيقظ حجر من تهويمته، فشعر أنه يحتاج إلى إستحمام، ولكن من أين له بالماء، وهذه صحراء قاحلة، فدعا الموكل به والمسؤول عنه، وكان معه يسقي الجماعة إذا احتاجت إلى الماء، وقال له: إعطني شرابي أتطهر به، ولا تعطني غداً شيئاً.

فكر المسؤول عنه في هذا الطلب ان حجرا يطلب منه حصته من الماء في ذلك اليوم، واليوم التالي أي ان حجرا طلب حصته من الماء مجموعاً على إمتداد يومين على أن لا يسقيه في هذه المدة الزمنية، وهي مدة طويلة ربما أصيب حجر بالعطش، فاعتذر المسؤول عن الاستجابة لطلبه وقال: أخاف أن تموت عطشاً، ويقتلني معاوية، وهنا ابتهل حجر بن عدي إلى الله تعالى ودعا بالغيث والمطر.

وما هي إلا لحظات حتى شاهدت الجماعة أن الجو الذي كان صاحيا مشرقا بأضواء الشمس الساطعة تلبد وتراكمت السحب من هنا وهناك، وغامت السماء ثم هطلت السماء في موجة عاصفة قوية، وما هي إلا دقائق حتى امتلأت الغدران بمياه المطر.

ثم انقطعت السماء عن الهطول، وانجابت السحب وعادت السماء إلى إشراقتها، ورجعت الشمس إلى عنايتها بالأرض، وبهذه القافلة الحزينة، فهدأت مسيرة القافلة ريثما يستحم حجر بن عدي في غدير مترع بالمياه، وطفق زملاء حجر يقولون: إن هذا كان آية من الله سبحانه وتعالى للعبد الصالح حجر بن عدي، وعلموا آنئذٍ بوضوح ان حجر بن عدي هو مستجاب الدعوة، فإذا دعا الله سبحانه فإنه سرعان ما يلبى دعوته، ويستجيب لابتهالاته[٨٢]، ومن هذه الحقيقة الناصعة عزم الأصحاب أن يطلبوا من حجر بن عدي أن يسأل الله سبحانه وتعالى بالخلاص من قيد الأسر والاعتقال والرحلة البعيدة، وحينما عاد حجر بن عدي من إستحمامه، وكان طابور الحرس قد نزلوا ليأخذوا قسطاً من الراحة والاستحمام وكان أصحاب حجر بن عدي يتداولون الرأي فيما بينهم، ويتجاذبون أطراف الحديث حول الدعاء، وعندما استقر حجر بن عدي في مكانه بأغلاله وحديده قال له أصحابه في نبرات مشرقة: «أدع الله أن يخلصنا»، فرفع حجر بن عدي العبد الصالح يديه إلى السماء وقال: «اللهم خر لنا»[٨٣].

وهكذا دعا حجر بن عدي ربه أن يختار له، ولأصحابه ما هو الخير لهم، فإذا كان الخير والسعادة في الشهادة فمرحاً مرحاً، وإن كان الخير والسعادة في إطلاق سراحهم، وعودتهم إلى أهليهم في سلامة وعافية، فمرحاً مرحاً.

إن حجر بن عدي كانت تحركاته وإنتفاضته ومعارضته للسلطة ونهجها السياسي في سبيل الله.

إذن فليكن الله العلي القدير يختار له ولهم ما هو الخير، وما هو الصلاح، وما هو الرشاد، فليختار الله سبحانه له ولأصحابه إحدى الحسنيين أما الشهادة وأما السلامة والعودة إلى البلد والأهلين.

وهكذا الرجل المؤمن المتصلب في إيمانه لا يرهب الموت، ولا يرهب في سبيل رأيه الذي آمن به أحداً من الناس.

سارت القافلة، وبلغت «مرج عذراء»، وهي قرية تبعد ٦٠ كيلومتراً من دمشق، والقرية في نفس الوقت فيها سجون للحكومة، فتسائل حجر بن عدي عن إسم هذه القرية، فلما قيل له: «مرج عذراء» قال: «الحمد لله أما والله إني لأول مسلم ذكر الله فيها، وأول مسلم نبح كلابها في سبيل الله، ثم أتي بي اليوم إليها مصفودا»[٨٤].

فترك وائل، وكثير المسؤولان عن حجر وأصحابه تركوهم في السجن محتجزين ثم طارا إلى القصر، وأعلما الخدم بوصولهما، والخدم أعلموا معاوية بوصولهما، ووصول المعتقلين، فإذن لهما بالحضور، فلما إمتثلا بين يديه قال وهو يبدي امتعاضه من أنصار الإمام المعتقلين: «لا أحب أن أراهم، ولكن أعرضوا علي كتاب زياد»[٨٥].

فسلماه رسالة ابن أبيه، ووثيقة الشهادة، وكان كبار رجال الحكومة قد اتخذوا مقاعدهم ينظرون بنهم واستغراق إلى ما يجري بين رسولي ابن أبيه وبين معاوية، فلما استلم الرسالة منهما فضّها ثم شرع يتلو بصوت عال ليسمعه رجال الحاشية، فإذا في الرسالة ما يلي: «أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوه، وكفاه مؤونة من بغي عليه. إن طواغيت من هذه الترابية السبئية[٨٦] رأسهم حجر ابن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فاظهرنا الله عليهم، وامكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر، وأشرافهم، وذوي السن والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا».

ثم طفق يقرأ أسماء الشهود، ولما إن قرأ الكتاب، وأسماء الشهود قال متسائلاً: «ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون». فقال له يزيد بن أسد البجلي: «أرى أن تفرقهم في قرى الشام، فيكفيكهم طواغيتها»[٨٧].

ثم إن وائل بن حجر الحضرمي خطر في باله رسالة شريح بن هانئ الحارثي التي سلمها له عندما كاد أن يخرج هو والقافلة من الغريين، وأوصاه أن يسلم كتابه إلى معاوية، وسرعان ما أحضر وائل كتاب ابن هانئ ثم سلمه إليه، ففضه فإذا في الكتاب تقريظ لحجر بن عدي، ونقد ضمني لواليه على الكوفة ابن أبيه، وتجريح لوثيقة، الشهادة فقال معاوية: «ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم».

لقد فكر معاوية، وقدر، وعبس وبسر حول القضية القائمة، والمعارضة العنيدة حتى أنها أقضت مضجعه، وأسهرت لياليه، وسلبت منه الراحة.

ولو أنه جارى نفسه، وجاري سياسته وشهواته، ولو أنه مشى مع ذكرياته عن حجر بن عدي متريثا، ولو أنه استقصى التقارير الواردة عن حجر بن عدي، وعن مناهجه الثورية، ولو أنه بحث عن نفسه وضغائنها وأحقادها، لو أنه فعل كل هذا، ونظر من جديد إلى هذه الملامح الدكناء لأسرع شاهراً سيفه لا يلوي على شيء حتى يقضي على حجر بن عدي، وعلى مؤيديه ومناصريه.

إنه لم ينس مواقف حجر بن عدي في المعارك التي كانت دائرة بينه وبين الإمام، المواقف الصلبة والمؤيدة لخطوات الإمام، المواقف التي ذاق منها ألوان العناء، وضروب العذاب، والتي أذاعت بنواياه وأهدافه الظالمة، ولوحت بسيرته وسلوكه المظلم، والتي نشرت صفحته على ملأ المسلمين والمؤمنين، وكشفت عن ماضيه الأسود لكلا الفريقين: مناصريه ومقاتليه على السواء.

ولقد قرأنا آنفاً عن أسلوب حجر بن عدي وزميله في التشهير بمعاوية في صفين ذلك الاسلوب الذي حمل الإمام على تبديله بأسلوب أفضل وأنجع.

ثم إنه لا ينسى قيادة حجر بن عدي لفيلق من الجيش في عهد الإمام يطارد به الضحاك المغير على الآمنين من المسلمين كما مر آنفاً، يطارده حتى يظفر به، ثم تلتحم معركة بين حجر وفيلقه وبين الضحاك وعصابته، فيمنى الضحاك بهزيمة منكرة.

ثم كيف ينسى مواقف حجر القتالية بعد إستشهاد الإمام، وفي عهد الإمام الحسن(ع)، ولا ينسى ذلك الهجوم الذي شنه حجر بن عدي على العير المثقلة بالأموال، والتي كان من المقرر أن تحمل تلك الأموال والأثقال إليه في الشام.

إن مواقف حجر بن عدي في عهد واليه الثاني هي أشد عليه وأنكى لسياسته.

إنه كيف يستطيع أن يغض بصره عن إتجاهات حجر بن عدي ورفاقه الأشاوس.

إن حجر بن عدي تقوم أسس إنتفاضته:

  1. على أن تبقى صورة الإمام(ع) ناصعة ومشرقة، وإن تستمر تعاليمه حية نابضة في وجدان الأمة، وفي سلوكها وتحركها.
  2. وعلى رفع مستوى الشعب الاقتصادي والثقافي.
  3. وعلى الاهتمام بمسألة حيوية بالغة الأهمية، وهي: «مسألة الحرية»، حرية الكلمة، حرية المعتقد والمذهب، وحرية الفكر والرأي، وكل هذا في نطاق الإسلام الناصع الكريم، الإسلام المحمدي العلوي.

وهذه الأسس التي كان يتابعها حجر بن عدي وأصحابه تصطدم في الصميم مع السياسة القائمة، وإتجاهات الحكومة التي يتزعمها معاوية. أنها على طرفي نقيض مع أحلامه الموحشة.

إن السياسة الحاقدة التي تريد إبعاد الإمام عن وجدان الامة كيف تستطيع أن تلتقي مع مسار حجر بن عدي، وآرائه.

إن السياسة السوداء التي تريد إذلال الشعب عن طريق إفقاره وتجويعه، وعن طريق محاربة الثقافة المتألقة، وإذا اقتضى الأمر فنشر ثقافة مزيفة تشيع الميوعة كيف تلتقي مع هتاف حجر بن عدي وتحركه الاقتصادي، وتبنيه رد الحقوق إلى أهلها لا إلى خزانة الحكومة وإحتكارها، وإحتجانها أموال الشعب التي هي من حق الشعب.

وأخيراً ان السياسة الأموية كيف تلتقى مع الحرية وإتجاهاتها الكريمة، السياسة التي تقوم على كبت الحريات، وعلى الحديد والنار، وقتل الأبرياء والأطفال فضلا عن الشيوخ والفقهاء.

إن سياسة معاوية لتساوي سياسة ميكيافيل في كل أساليبها.

أو قل أن سياسة أمية لتساوي السياسية الميكيافيلية في أساليبها بل وتترجمها في خداع العامة والدهماء بل والخاصة وأرباب العلم المزيفين.

إن معاوية أسرف في استجرار الذكريات، وأسرف في المقارنة بين إتجاهات الثقل المعارض وبين إتجاهات السياسة القائمة.

إنه قرأ ثانية وثالثة كتاب عامله على الكوفة، فتأمل في أسماء الشهود فأرتسمت على وجهه بسمة ماكرة، وعلم أن معظم الشهود هؤلاء يسيرون مع بريق الذهب والفضة، ويخبون مع جاه الوظائف الحكومية ولو أدى بهم هذا المسير السريع إلى مسخ ضمائرهم، وتغيير دينهم، ولو أدى بهم إلى جهنم.

نعم علم أن الشهود مأجورون ومتزلفون، وعلم أن هؤلاء الشهود إذا قدر وتغير نظام الحكم لصالح حجر بن عدي لساروا في ركابه، وشهدوا على كل من يرتبط بنظام الحكم الماضي بصلة حقاً أو باطلاً.

إذن هم شهود لا يعتمد عليهم تماماً كما أنه كان يعرف بوضوح سلوك عامله ابن أبيه وأهوائه وأخلاقياته المتأثرة بشهوات السياسة وأهواء الزعامة إذن ابن أبيه هو الآخر أيضاً لا يعتمد عليه في هذه القضية.

إن معاوية عطف بعنان تفكيره عن الظروف السياسية القائمة التي تعمل ضد حجر بن عدي إلى حجر نفسه إلى دراسات وخواطر في هذا الصدد، فرأى أن حجر بن عدي يعتبر العقل المفكر لتلامذة الإمام على إمتداد منطقة السواد، والرائد الكبير للقاعدة الشعبية العريضة.

ثم إن لحجر ماضيه المجيد فهو صحابي لرسول الله (ص)، وإنه كان أمينا على هذه الصحبة، وكان متفاعلا مع مستلزماتها وإتجاهاتها، وإنه لم ينحرف عن خط الرسول العظيم بعد وفاته صلوات الله عليه، فمن هذه الناحية فلحجر وزنه وثقله عند الامة.

وعلم وهو سادر في تفكيره محللاً النتائج التي ستتمخض عن إستشهاد حجر بن عدي إذا ما لططخ يده القذرة بدمه الزكي، فلمس من بعيد أن العالم الإسلامي يومئذٍ سيقوم ويقعد، ويصاب بهزة عنيفة من أعنف الهزات، وذلك لشهرة حجر بن عدي العلمية والفكرية والسياسية، وتضحياته البطولية أبان الفتح الإسلامي على إمتداد الوطن الكبير.

إن الصور ارتسمت أمام معاوية على إمتداد تفكيره في حجر بن عدي أن سلباً وإن إيجاباً، والملامح التي تلمسها عن حجر بن عدي.

لأن كل هذا كان خليقاً به أن يصرفه عن قتله لولا ان قلبه كان قاسياً جاسياً، فهو كالحجارة أو أشد قسوة.

أراد أن يحصل على أخبار جديدة عن حجر بن عدي، وعن التطورات التي ربما حصلت في الكوفة، وفي نفس الوقت أراد أن يتأكد من رأي عامله على الكوفة، ويستخرج ما تنطوى عليه نفسيته، ويستقصي رأيه حول حجر ابن عدي، ومن منطلق هذه الأهداف الماكرة كتب رسالة إلى عامله بالكوفة «ابن أبيه» مبدياً تردده في أمر حجر بن عدي: «أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة من قبلك عليهم، فنظرت في ذلك، فأحياناً أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحياناً أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم».

وحينما بلغت رسالته ليد عامله ابن أبيه، وقرأها وشاهد خلال سطورها التردد كتب إليه: «أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر، فلا تردن حجراً وأصحابه اليّ».

وأرسل الرسالة مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمي إلى معاوية.

لمس ابن حجية في الافق نذر أخرى ضد حجر بن عدي والصفوة من أصحابه لكنه سار فاغذ السير، وما هي إلا ليالي وأياما حتى وصل إلى مطالع دمشق، فرأى أن يعرج على حجر بن عدي والصفوة المجاهدة حتى يخبرهم عن السحب الجديدة السوداء، ويستلم منهم وصاياهم إن كانت لهم وصايا، فأرتاد المعتقل، وهناك التقى بحجر بن عدي وأصحابه، فقال في كلمات متوجسة ينبأهم عن رسالة ابن أبيه الخطيرة التي يحملها إلى ابن هند، وهذه الرسالة ليست من رسائل المجاملة أو من رسائل العفو والتبرئة عن المتهمين بل هي رسالة فيها قرارات خطيرة، ولقد عبر ابن حجية عن هواجسه هذه، فقال للمعتقلين الأفاضل: «يا هؤلاء أما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح، فمروني بما أحببتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم، وأنطق به».

فقال حجر بن عدي مؤكدا على أمرين هامين، وهو يعيش اللحظات الأخيرة من حياته البطولية:

  1. أكد حجر بن عدي وأصحابه أنهم لا يزالون متمسكين بميثاق البيعة للسلطة الحاكمة مستهدفا من وراء تصريحه هذا سحب دعوى السلطة بالخيانة العظمى ضدهم، وإن حجرا وأصحابه يعملون لقلب نظام الحكم.
  2. أكد حجر بن عدي على تجريح الشهود الذين شهدوا عليه، وعلى مرافقيه، وإن الشهود هؤلاء هم من الأعداء، والعدولا يستطيع أن يدلي بشهادته بنزاهة أو من الأظناء الحاقدين الذين يعملون بالظن، والظن لا يغنى من الحق شيئاً.

نعم قال حجر بن عدي: «أبلغ معاوية إنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء»[٨٨].

فطار ابن حجية باتجاه القصر، وهناك التقى بصاحب القصر، فسلمه رسالة عامله ابن أبيه، ففضها ابن هند وقرأها، ولما رفع رأسه نظر ابن حجية إلى ابن هند وقال مبلغا رسالة حجر بن عدي: «إنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء».

فحرك ابن هند رأسه، وقال وقد عزم على أشباع نهمه من دماء المؤمنين: «زياد أصدق عندنا من حجر».

وكانت حاشيته تصغى إلى الحوار الدائر بين ابن حجية وبين ابن هند، فقلق ابن أم الحكم الثقفي، وكان من الطغمة الفاسدة من كلمات حجر بن عدي التي تعبر عن حسن نواياه تجاه السلطة العليا، فقال وهو يصرف أسنانه بصرير كريه متزلفاً إلى السلطة، ومشدداً في القضاء على الصحابي العظيم حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه، حجر بن عدي وأصحابه الذين يعتبرون من كبار أعلام الخلافة العلوية.

قال: «جدادها جذاذها»[٨٩].

إنه يأمر ابن هند أن يستأصل الجذور القويمة التي تدعم الإمام، وتدعم تعاليمه، فبادر معاوية الذي لم يكن يحتاج إلى تحريض أو دوافع خارجية ليقضى على رجالات التحدى العلوي، فأحقاده وضغائنه ستغذيه، وتحفزه بحافز عنيف في إراقة دماء الصفوة من اصحاب الإمام، وقادة دولته فقال: «لا تعن أبرأه»[٩٠].

ومن أشارته هذه يقول: إنه عزم على السير في خوض الدماء الزكية إلى نهاية الشوط مهما صادفته في الطريق من معوقات، وإنه لا يمد حبل المداراة أو المسالمة بل ولا يحمل نفسه معاناة إصلاح النخلة الباسقة الصاعدة في السماء.

إن بطانة القصر سمعت هذه الكلمات المتبادلة أو هاذين المثلين المتبادلين بين الثقفي، والأموي ولكنها لم تستطع أن تكتشف نواياهما ومراميهما من ضرب هذه الأمثال، وإن كانت الطغمة قد استساغت مفردات المثلين.

ولأجل التوصل إلى نوايا ابن هند، وكانت أجواء القصر تنذر برعود قاصفة، وسحب سوداء كثيفة، وكان حديث القصر آنئذٍ هو حديث حجر بن عدي، وإنتفاضته المدوية بين المسؤولين في الحكومة، ولأجل التوصل إلى كشف النوايا ارتادت الطغمة الفاسدة دار النعمان بن بشير لعلمها أنه صاحب هذه الأمثال التي تدور حول النخل والنخيل، وحول الأمثال التي تنجم من الحياة الزراعية الممارسة لهذا اللون من الزراعة النخيلية.

ارتادت الطغمة دار النعمان بن بشير الأوسي، وعرضت عليه شؤون القصر، والحديث الذي دار في القصر حول حجر بن عدي، وما كان من ضرب الأمثال ذات الغايات السياسية البعيدة، فلما سمع ابن بشير المثلين «جذاذها، جذاذها»، و«لا تعن أبرأ» اطرق منصتاً مفكراً ثم رفع راسه وقال مقتضباً: «قتل القوم».

ولنعد إلى ابن أبيه في الكوفة، فإنه كان قد ضيق الحصار على الشعب وخاصة على رجال الانتفاضة أو المشكوك في تلاحمهم مع الانتفاضة أو المشتبه فيهم، فإنه كان يطاردهم ويرصدهم ويراقبهم إلى ان تحين له الفرصة فيقبض عليهم، وكانت الكوفة والسواد كله بل والعالم الإسلامي يراقبون الأحداث بيقظة، وبهواجس مرهفة، ومشاعر دقيقة، وقد شدت الأبصار والأسماع إلى القصر في الشام، وكان خبر الانتفاضة قد انتشر في البلاد.

وفي الدفعة الثانية وبعد محاولات مكثفة قبض رجال الشرطة على سعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، وعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وقيدهما ابن أبيه بالأغلال وأرسلهما مع عامر بن الأسود العجلي، وجعل تحت إمرته ثلة من الشرطة، وكان عامر هذا فظاً غليظاً، سيء الأخلاق، سليط اللسان، متجهم الملامح، فأقبل عامر وجماعة الشرطة مع المعتقلين إلى مرج عذراء، وزجهما في السجن مع الرفاق القدامى.

وحينما أبصر حجر بن عدي عامرا العجلي، وهو يتوفر لمتابعة الرحلة إلى دمشق والالتقاء بابن هند ليرفع إليه تقريرا عن المعتقلين الجديدين نهض حجر بن عدي متثاقلا يرسف في أغلاله إلى عامر العجلي محاولا أن يفضي إليه برسالة شفوية ليبلغها لمعاوية، وهذه الرسالة الشفوية هي مماثلة لرسائله الأخرى الشفوية التي كان يرسلها إلى معاوية صاحب القرار الأخير كلما حانت له فرصة، وفي هذه الرسالة يؤكد حجر على مسيرته السلمية، ويطالب حجر من معاوية أن يشكل محكمة قضائية نزيهة، وسليمة من الغايات والأغراض، وتنظر في قضيته، ولا يستعجل في سفك الدماء الزكية، وفي نفس الوقت يطالب أن يفى بميثاق الصلح الذي وقعه مع الإمام الحسن ابن علي(ع).

لقد قال حجر بن عدي العامر العجلي: «يا عامر إسمع، أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه، وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة، فيحل له دمائنا فليتق الله، ولينظر في أمرنا»[٩١].

كان حجر بن عدي يتكلم، ويلقى لعامر برسالته الشفوية، وكان عامر مشغولاً عن حجر، وعن كلماته بشؤونه الخاصة التي تهمه، وهو في لحظة إرتياد القصر الأمر الذي لم يكن يلقي بالاً للشيخ السجين المصفد بالاغلال والحديد، ولقد شعر حجر بن عدي بإستهانة عامر العجلي به وبرسالته الأمر الذي راح يؤكد ويكرر ويبدأ ويعيد في كلامه محاولاً تركيز كلامه في ذهن العجلي الفظ الغليظ، وكان عامر العجلي كلما أعاد حجر كلامه كلما أمعن عامر بالتهاون واللامبالاة، وعدم الاهتمام بالشيخ، ولكن الشيخ الكريم السجين أعاد خامسة وسادسة وإذا بعامر العجلي يضيق ذرعاً بالشيخ ويصرخ: «قد فهمت لك، أكثرت» فغضب حجر بن عدي وقال ساخراً: «إني ما سمعت بعيب، وعلى أية تلوم إنك والله تحبى وتعطى، وإن حجراً يقدم ويقتل، فلا ألومك أن تستثقل كلامي».

ثم قال في نبرة غاضبة امرة: «أذهب عنك».

واستحيا عامر العجلي من سخرية الشيخ السجين فقال: «لا والله ما ذلك بي، ولأبلغن، ولأجهدن».

ثم كان عامر العجلي يزعم بعد ذلك للناس أنه سعى عند معاوية لصالح حجر بن عدي، وأبلغه رسالته الشفوية، ولكنه أبى واستكبر، وأصرّ على غلوائه.

وأم عامر العجلي القصر - ولم يكن هناك قصر بالمعنى المألوف بل كان وكراً للتأمر على الإسلام والمسلمين - وهو محبور بالجوائز التي ستقدم إليه، والحفاوة والاكرام الذي سيتلقوه به أصحاب الشأن في القصر، وفي الديوان أجتمع بمعاوية، وأخبره عن المعتقلين الجديدين:

  1. سعيد بن نمران الهمداني.
  2. عتبة بن الأخنس الهوازني.

ثم ان عامر العجلي خرج من الديوان، فلمح صديقه وكان رجلاً من بجيلة، فسأل نفسه: ماذا يعمل صديقه هنا، وعهده به أنه في الكوفة، فيا ترى لم أقبل إلى دمشق، ولأجل ماذا رحل إليها، ولكي تتوضح الصورة لدى العجلي أسرع بفرسه باتجاه صديقه البجلي وحياه، وقال متسائلاً: «مهيم» فشرح البجلي له أهداف رحلته من الكوفة إلى دمشق، وأنه حمل رسالة من جرير بن عبد الله البجلي إلى صاحب القصر، فلما تسائل العجلي عن محتوى الرسالة ومضمونها أجاب البجلي: إن جماعة من قوم عاصم بن عوف البجلي، وثلة من قوم ورقاء بن سمي البجلي توسطتا لدى جرير بن عبد الله البجلي، وكانت له مكانة عند الحكومة أن يكتب رسالة إلى القصر حول البجليين المعتقلين، ويحسن حالهما عنده ويطيب خاطره عنهما، وأنهما لم يكن لهما في حركة حجر بن عدي لا ناقة ولا جمل، وأنهما بريئان مما الصق بهما، وصفحتهما نقية، وأنهما يواليان السلطة.

وأضاف البجلي قائلاً: لقد كان جرير البجلي يثق بي فحملني رسالته إلى معاوية، فرحلت مغذاً السير لا ألوي على شيء، وكنت لا أشفق على ضنى الطريق، وأوصابه، ولا أرفق بنفسي حتى وردت دمشق حذراً أن يقتلهما معاوية أو يصابان بمكروه أشد وأكبر مما أصيبا به، لقد كنت أسابق القدر وعندما وردت البلد سألت عن البجليين، فأخبرت أنهما لا يزالان يتمتعان بالحياة، فأسرعت إلى القصر حتى اجتمعت بمعاوية، وسلمته رسالة جرير بن عبد الله البجلي، ففض الرسالة وقرأ بصوت مسموع: «إن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد، فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد، وهما ممن لم يحدثا حدثاً في الإسلام[٩٢]، ولا بغياً على الخليفة، فلينفعهما ذلك».

وكان هناك ممن سمع بأمر المعتقلين، وهو يزيد بن أسد البجلي، وكان أثيرا عند معاوية، وكان البجلي هذا قد بلغته أخبار إعتقال «عاصم بن عوف البجلي» وهو يحمل رقم (٧)، و«ورقاء بن سمي البجلي» وهو يحمل رقم (٨)، وكان قد جاءه بعض أقارب الرجلين يطلبان منه الوساطة لدى معاوية بإطلاق سراحهما تماماً كما سعى قوم الرجلين لدى جرير البجلي لكي يكتب رسالة من قبله إلى معاوية يصف حالهما، وعندما حانت الفرصة ليزيد بن أسد البجلي في الديوان نهض وطلب من معاوية أن يهب له إبني عمه قائلاً: «هب لي إبني عمي»، وهنا تذكر معاوية الرسالة من جرير البجلي فقال: قد كتب إلي ابن عمك فيهما جرير. محسنا عليهما الثناء، وهو أهل أن يصدق قوله، وتقبل نصيحته، وقد سألتني إبني عمك فهما لك ...».

وكانت بطانة معاوية تتشكل من قبائل مختلفة، ولها صلات قربى ووشائج قبلية بالمعتقلين: بحجر بن عدي، والصفوة من أصحابه، وكانت العصبيات القبلية تتحكم في مثل هذه المواقف رغم التباعد الفكري والسياسي بين تلك البطانة وبين المعتقلين المجاهدين الأشاوس، وكانت البطانة قد علمت بالانتفاضة في الكوفة، وعلمت بمطاردة الحكومة بقادة الانتفاضة والقبض عليهم وإرسالهم إلى مقر الحكومة في الشام، وكانت البطانة قد جائتها الوفود من قبل أسر المعتقلين سواء بصورة خفية أو بصورة علنية تطلب منها أن تسعى في سبيل إطلاق سراح المعتقلين، وفي نفس الوقت كانت التربية القبلية تفرض على البطانة أن تعمل قصارى جهدها لإطلاق سبيل المسجونين، ولا مبرر للتهاون بشأن المعتقلين، ومن هذا المنطلق طفقت البطانه تراقب فرصة طيبة حتى تتوسط لدى الحكومة لاطلاق سراح المعتقلين أو إطلاق سراح بعضهم، فعندما قام ابن أسد البجلي في الديوان، وطلب أن يهب له رجلين من بني عمومته من المسجونين أرهفت البطانة أسماعها، وشدت عيونها إلى شفتي معاوية لترى بما ستنطقان به، فلما رأت أنه قد وهب الرجلين شاعت في نفوسها الأمل، فقام الواحد تلو الآخر من البطانة تطلب منه أن يهب له السجين من قومه.

فقام أبو الأعور السلمي وسأله أن يهب له عتبة بن الأخنس الهوازني، فوهبه له.

وقام حمزة بن مالك الهمداني وطلب منه أن يهب له سعيد بن نمران الهمداني، فوهبه له.

وقام حبيب بن مسلمة، وسأله أن يهب له عبد الله بن حوية السعدي التميمي، فوهبه له، وخلى سبيله.

وهنا قام وائل بن حجر الحضرمي، وهو الذي كان مسؤولاً عن قافلة المجاهدين السجناء من الكوفة إلى مرج عذراء، وطلب من معاوية أن يهب له الأرقم بن عبد الله الكندي، فتركه له، وأطلق سراحه.

إن الذين أطلق معاوية سراحهم شعر أنهم لا خطر لهم على الحكومة.

وحينما نهض من نهض يطلب من معاوية أن يطلق له سراح سجينه طمع مالك بن هبيرة السكوني، وهو أحد كبار بطانته أن يطلق سراح حجر بن عدي، ولكنه كان متردداً يقدم خطوة، ويحجم أخرى فهو يحاول أن ينهض ويطلب حاجته الكبيرة الخطيرة، ولكن أفكارا تساوره وتثبطه، فيعود إلى هدوئه وسكونه ثم يعود محاولاً النهوض ثم يتأخر في هدوء حذراً من أن يرده، ولا يسعفه بحاجته فتتضائل حرمته عند أصحابه، ولكن مالك بن هبيرة صمم بآخرة، وكاد المجلس أن ينفض أن يقوم ويطلب حاجته الخطيرة مهما كانت النتائج المتمخضة عن طلبه هذا، فقام وقال: «دع لي ابن عمي حجراً»، فقال: «إن ابن عمك حجراً رأس القوم، وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصري، فيضطرنا غداً إلى أن نشخصك وأصحابك إليه بالعراق».

فقال مالك بن هبيرة السكوني غاضباً مزمجراً وتحداه وقال: «والله ما انصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك، فتلقاني منهم يوم كيوم صفين حتى ظفرت كفك، وعلا كعبك، ولم تخف الدوائر ثم سألتك ابن عمي فسطوت وبسطت من القول بما لا انتفع به، وتخوفت فيما زعمت عاقبة الدوائره.

إن ابن هبيرة يذكر معاوية بمعارك صفين وأنه خاضها معه رغم ضراوة المعارك، ورغم الأسنة والسيوف التي تلقاها بصدره من أسود المعارك.

أما وبعد أن استتب لك السلطان، وظفرت كفك يا معاوية عبر ألوف القتلي، وعبر أبحر الدماء والدموع، وعبر الخدائع والمكائد اللئيمة، وانتهت مرحلة الدوائر والمفاجئات ولم تخفها أما الآن، فإنك تمنعني تخلية سبيل ابن عمي وجئت بمعاذير واهية، وتخوفت الدوائر والتحسبات، وأنت سند العصابات المغيرة والاغتيالات ضد حق الأبرياء.

إن مالك بن هبيرة صدق في قوله، فإن معاوية كان بإمكانه أن يخلي سبيل حجر بن عدي مع فرض شروط مشددة تصده دون التحرك والارتباط بالجماهير كفرض نفيه إلى منفى لا يستطيع معه النشاط والتحرك أو فرض رقابة قوية وحاسمة تدعه مطوقاً، ولكنه لا يريق دمه ويدع حياته سليمة إلى حد ما، ولكن معاوية كان قد قرر أراقة دم حجر بن عدي، وكيف يدع تفلت من يده هذه الفرصة، ويطلق سراح حجر.

إن أسلوب سياسته وماضيه اللئيم، وتكاثف الأحقاد لا تدعه أن يسمح بانقلاة حجر من القيود والاغلال بل والتمتع بدم الحياة.

إن حجر بن عدي يعتبر الاستاذ الكبير لبث تعاليم الإمام، وإذاعة مبادئه بجدارة، وفي نفس الوقت فإن حجر بن عدي يعتبر عند عدوه إمتداداً لتواجد الإمام في صفوف الجماهير، فهو يعبر عن آراء الإمام وتعاليمه القيمة، وهو تلميذ الإمام، وخريج مدرسته، وهو يؤيد الإمام الحسين(ع)، ويعتقد بامامته كما كان يعتقد بامامة الإمام الحسن(ع) ويصدر عن أوامره، وله الكلمة المسموعة عند الناس، وهو الشيخ الكبير قد جلله الشيب، فله مكانته في القلوب.

إذن كيف لمعاوية أن يطلق سراح حجر بن عدي، والأموي ينزع وباندفاع مسرف وشديد للعداء السافر لكل ما يمت إلى «آل البيت» بصلة، وخاصة إلى الإمام الزعيم القائد صلوات الله عليه.

إن العدو يحاول وبجد تصفية أصحاب الإمام، وتلامذته المخلصين، فكيف له أن يطلق سراح الرجل الذي يعتبر في القمة بين الأصحاب والتلامذة.

إن ابن هبيرة بعد كلامه الساخن، وغضبه على إهدار كرامته، وعدم إستجابة معاوية لطلبه قاطعه وترك ديوانه استنكاراً، وذهب وجلس في داره.

إن معاوية بعد أن خلى إلى نفسه طوقه القلق والخوف والحذر من مالك بن هبيرة السكوني، وله مكانته عند قومه، لقد أشفق من أن يجمع ابن هبيرة قومه، ويقودهم إلى سجن مرج عذراء، ويحطم السجن بالقوة، ويطلق سراح حجر بن عدي وأصحابه السجناء، وذلك بعد أن امتنع عليه، ولم يلبي طلبه في تخلية سرب حجر بن عدي، ومن منطلق هذا التفكير استدعا الطاغية الجزارين من جماعته الدموية الأموية، وألقى إليهم أن يحسموا قضية حجر بن عدي وأصحابه وأمرهم أن يرتبوا شؤونهم بصورة يصلون إلى مرج عذراء عند المساء حيث تكون العيون في غفلة عن إجراءات الحكومة ثم سلمهم قائمة فيها أسماء الذين شفعت بطانته لهم، وأدلى إليهم بتوصياته.

وتحركت عصابة الجزارين، وكان يتزعمها كل من هدبة بن فياض القضاعي، وكان أعور العين و الحصين بن عبد الله الكلابي، و أبي شريف البدي.

وكان السجناء في مرج عذراء يترقبون ليلاً ونهاراً إحدى الحسنيين: إما تخلية سبيلهم، وإطلاق سراحهم، وإما الشهادة، وكانوا إذا ما رأوا نفراً من شرطة الحكومة أو من رجال المخابرات والجواسيس حسبوا أن نهايتهم قد اقتربت، وكان السجناء البواسل قد وطنوا أنفسهم على الشهادة، وعدم مساومة الطاغية على حساب الإسلام ونصيره الفذ، وكان حجر بن عدي لا يخلو على إمتداد الأشهر التي قضاها في السجن من عبادة الله تعالى، والابتهال إليه، والصلاة والتهجد أو من إسداء النصيحة لأصحابه، وتشجيعهم على المضي حتى يكسروا شوكة الظالمين ولو عن طريق الشهادة، وكان رضوان الله عليه يتلو الآيات التي تصور جبهة الحق وأصحابه، وجبهة الباطل ومناصريه.

لقد ارهفوا مشاعرهم، وشدوا أبصارهم إلى أبواب السجن الحديدي، وهم مصفدون بالأغلال، ومكبلون بالحديد يراقبون تحركات عملاء الحكومة، وحينما وصلت عصابة الجزارين إلى السجن، ووقعت عيون السجناء عليهم سرى في نفوسهم هواجس مضطربة، وكأن أبطال الجهاد والبلاغ قد شعروا بوظيفة هذه العصابة الخطرة.

لقد كانت ملامح العصابة ملامحاً قاسيةً فجةً، كانت ملامحهم ملامح ذئبان الفيافي والغابات، وكان إذا ضحك أحدهم كانت ضحكته هستيرية لا تعبر عن روح السماح، وكان كريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر ابن عدي، ومن السجناء لما وقع بصره على الأعور هدبة بن فياض خطر في نفسه شيء ثم سال هذا الخاطر على لسانه، فقال لرفاقه: «إن صدقت الطيرة يقتل نصفنا، وينجو نصفنا».

فتسائل أصحابه وقالوا: «وكيف ذلك».

قال الخثعمي رضوان الله عليه: «أما ترون الرجل المقبل علينا مصابا بإحدى عينيه».

وكان بعض السجناء يلتمسون أسباب الحياة في خضم غياهب الليل المضطرب يلتمسونها من الله سبحانه، ويدعون أن لا يكون حياتهم ترد إليهم على حساب دين أو ضمير بل تكون هبة من الله سبحانه، ولكن بعضا آخر من السجناء الأبطال كانوا يسألون الشهادة في تلك اللحظات الحاسمة.

إن السجناء عندما شاهدوا الجزارين بتلك الملامح المرعبة قال سعيد ابن نمران الهمداني مبتهلاً، وداعياً، وكان لا يزال لا يعلم أن الحكومة قد أصدرت أوامرها بإطلاق سراحة: «اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض».

ولكن عبد الرحمن بن حسان العنزي، وهو من أبطال العقيدة، فقد قال مبتهلاً وداعياً في نفس مطمئنة راضية على مصير الشهادة المرتقبة، وغاضبة وعاصفة على العتاة المردة: «اللهم اجعلني ممن يكرم بهوانهم، وأنت عني راض؛ فطالما عرضت نفسي للقتل، فأبى الله إلا ما أراه».

تقدم الجلاوزة الثلاثة مع أعوانهم بإتجاه زنزانات السجناء الأبطال، ومعظمهم كانوا من ذوات الأسنان والشيوح، وكان السجناء قد تجمهروا أو ان أعوان الجلاوزة قد جمعوهم في مكان واحد في غيهب ذلك الليل الحالك الذي يكاد الطوفان المدوي أن يقلع السجن من أساسه.

كانت ساعات غير طبيعية، كانت لحظات مضطربة، حقاً كانت الرياح تدوى، وكانت الأشجار تضطرب وتتمايل بعنف، وكانت السماء منذرة بشيء خطير.

تقدم رئيس الجلاوزة، وكان قاسي الملامح، شديد النظرات إلى السجن، وبيده قائمة أسماء، وأمر أعوانه أن يفرزوا كل رجل سجين جاء إسمه في هذه القائمة التي بيده ثم طفق يقرأ الأسماء:

  1. عاصم بن عوف البجلي.
  2. ورقاء بن سمي البجلي.
  3. الأرقم بن عبد الله الكندي.
  4. عتبة بن الأخنس الهوازني السعدي.
  5. سعيد بن نمران الهمداني.
  6. عبد الله بن حوية التميمي.

ثم قال رئيس الجلاوزة ما معناه: إن معاوية قد أطلق سراح هؤلاء، وخلى سبيلهم. قد وهبهم لقبائلهم ثم أمر أعوانه أن تفك القيود والأغلال عنهم، فأسرع الأعوان إلى معالجت قيود السجناء وأغلالهم حتى استطاعوا أن يرفعوها عنهم، وكانت آثار جروح الأغلال والقيود بادية على الأيدي والأرجل بل، وفي الرقاب، وقد شاعت الطمأنينة في قلوبهم، وجرى دم الحياة في وجوههم، وكادت البسمة أن تطفو على شفاههم لولا أنهم رأوا أن إخوانهم ورفاقهم بل وزعيمهم وسيد الموقف حجر بن عدي لا يزالون مكبلين في الأغلال مصفدين في الحديد.

وزعم المسعودي في مروج الذهب: إن هؤلاء المخلي سربهم قد استجابوا لشروط السلطة. ولكن الحقيقة أنهم لم يستجيبوا بل ان الوساطات تدخلت في إطلاق سراحهم.

ولم يقرأ رئيس الجلاوزة أسماء إخوانهم، ورمقه المطلق سراحهم، فإذا بهم يرونه قد اجتمع بأعوانه يناجيهم، ويصدر إليهم بتعاليم قد نسيها أو هو يكررها عليهم ثم أنه وأعوانه تقدم إلى المطلق سراحهم وأخذ الأعوان بيد السجناء المخلى سربهم، وأخرجوهم من الزنزانة رغم ان نفوسهم المؤمنة كانت تأبى أن تطلق سراحها من دون إخوانهم ورفاقهم في الجهاد، وهكذا تحققت نبوءة كريم بن عفيف الخثعمي الذي قال: «إن صدقت الطير يقتل نصفنا، وينجو نصفنا».

لقد صدقت نبوءته في إخوانه، ولكن عفيف الخثعمي صاحب النبوءة لم ينجو من الشهادة.

ثم تقدم رئيس الجزارين، ورسول الطاغية مع أعوانه إلى حجر بن عدي وأصحابه الأبطال بعد أن نقل المطلق سراحهم إلى خارج السجن، ثم قال في لهجة شرسة، وفي صلف وخيلاء: «إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإن أمير المؤمنين يزعم إن دمائكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفا عن ذلك، فأبرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم».

فقال السجناء بعزيمه وتصميم، ونحدي وقوة بل وغضب عنيف سرى فيهم حينما سمعوا الرئيس الحقير يلقي عليهم شروط الطاغية في مقابل إطلاق سراحهم، لقد نطقوا، ونطقت معهم مشاعرهم، وقلوبهم وعقولهم، وأحاسيسهم كلها: «إن الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه.

ثم القدوم على الله، وعلى نبيه، وعلى وصيه أحب إلينا من دخول النار. اللهم لسنا فاعلين ذلك»[٩٣].

فاجتمع الجزارون لينفذوا أحكام الاعدام في الصالحين من أولياء الله الأبرار، ولكن الرئيس أوعز إليهم أن يمهلوا السجناء إلى الصباح على ظن ظنه، فخرج الجزارون والمجرمون من زنزانة السجناء الأبطال، وكان الليل قد ناهز الهزيع الأخير منه، فتوفر السجناء الأطهار على الصلاة والتهجد والعبادة بكل كيانهم وقلوبهم ومشاعرهم في خشوع شذي، ورهبة ندية، وتشوف إلى عالم النور، وبكاء ونشيج، فكنت ترى قطرات الدموع تتقاطر على الكرائم البيضاء الناصعة في صمت وهدوء إلا أن ترى إختلاف أضلاعهم أو قطرات دموعهم.

إن هي إلا ساعات يعيشونها على وجه هذه البسيطة، وفي دنيا المظالم ثم يودعونها إلى عالم الطهر والنور والشذى، ورضوان الله أكبر.

وعندما كاد أن ينبلج الفجر، وشاهد السجناء حركة الجلاوزة دعا حجر ابن عدي أهله، ويظهر إن بعضا من أهله قد جاؤا من الكوفة ليودعوا شيخهم من الوداع الأخير، وأوصاهم بما أراد أن يوصيهم به ثم قال لهم في نبرات حزينة: «لا تغسلوا عني دما، ولا تطلقوا عني قيدا، وادفنوني في ثيابي، فإني ملاق معاوية على الجادة».

صاح الجلاوزة بالسجناء الأكرمين أن يخرجوا إلى فناء السجن ثم قادوهم إليه، وهناك شاهد الشهداء الأبرار القبور المحفورة، والأكفان المنشورة، والسيوف المشهورة.

وهذه الظاهرة المرعبة كانت قد اخترعتها ذهنية رئيس الجزارين مستهدفا إرهاب السجناء، وإنذارهم إلى المصير المحتوم أن لم يستجيبوا لشروط معاوية في مقابل إطلاق سراحهم، وكان الجلاوزة والجزارون يودون لو يستجيب السجناء خاصة بعد أن شاهدوا بأم أعينهم صلاحهم، وصلاتهم، وخشوعهم، وتهجدهم في الليل على إمتدداده للشروط، ولكن هيهات هيهات أن يستجيب الأبرار للفجار، ولو استجاب الأبرار للفجار لما بقيت لهم تلك الهالة، هالة البر والتقوى والنور، لما استحقوا التكريم والثناء بل لنزلوا، ولهبطوا إلى منعرجات الشروط وعاشوها، وتلبسوا بها، وإن كانت قلوبهم تستنكر الشروط، فإن العفن والروائح الكريهة لابد أن تلصق بمن عاش أجوائها، ولابد أن تشبع رأته منها.

لقد اصطف السجناء الشيوخ الأبرار في الساحة، وكان بينهم شاب جميل الصورة، معتدل الخلق، غض الشباب، ناضر الوجه، مشرق الجبين، حلو قسمات الوجه، وكان عذب الصوت، حلو الحديث لا تكاد تقع عليه العين حتى تهواه النفس، ولا يكاد صوته يقع في الاذن حتى يصبو إليه القلب، وكان في أكبر الظن قد جاء مع أهله من الكوفة ليزور أباه الزعيم حجر بن عدي، فكان الشاب مع أبيه إلى أن جاء الجزارون في ذلك المساء المرعب، وحينما ألقى رئيس الجزارين شروط معاوية في مقابل تخلية سبيل السجناء، وجاء دور السجناء الشجاع القوي كان الشاب وإسمه: «همام بن حجر بن عدي» قدسمع تلك الشروط الحاقدة، وسمع هتاف السجناء المتحدي ملكه غضب عنيف، فساور رئيس الجلاوزة، ثم دخل مع الجلاوزة معركة عنيفة، ولكن الجلاوزة ببطشهم استطاعوا أن يكبحوا جماح الشاب، ويصفدوه في الأغلال، ويتركوه يئن من رضوضه وجراحه.

ثم إن رئيس الجلاوزة عرض عليه تلك الشروط الأموية، فأبى الشاب في تحدي شجاع، وشمم نابع من إيمان عميق، فتركه الجلاوزة في صفوف السجناء، وحينما اصطف السجناء في ساحة الشهادة أقبل الجلادون عليهم، وقالوا لهم في دهشة، وقد شاهدوا السجناء يصلون ويتهجدون الليل كله: «يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان»، فقال السجناء: «هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق».

فقال الجلاوزة صنائع الطاغية، وهم يهزون برؤسهم: «معاوية كان أعلم بكم».

ثم إن رئيس الجلاوزة عرض على السجناء الشروط المعروضة فقال: «تبرؤون من هذا الرجل» فقال السجناء الأكارم، وهم في اللحظات الأخيرة من حياتهم، وهم في نفس الوقت يشاهدون السيوف اللامعة، والوجوه النكراء المتحفزة لتنفيذ حكم الطاغية في الصالحين، وأولياء الله.

قال السجناء في شجاعة وإصرار على الحق: «بل نتولاه، ونتبرأ ممن تبرأ منه».

وهنا قسم الجلاوزة بين أنفسهم أولياء الله لتنفيذ حكم الطاغية بهم، فوقع قبيصة بن ضبيعة العبسي، وهو من المجاهدين المسجونين في يدي أبي شريف البدي من كبار الدمويين الأمويين، فأشفق العبسي من قاتله البدي هذا، وذلك لما بين عشيرتيهما من الاختلاف والتشاحن، وقد هدأ هذا الاختلاف وأرتفع هذا التشاحن نوعاً ما، فساد الصلح بين الفريقين، وعندما صار العبسي وله مكانته الكبيرة في العبسيين في يدي البدي أشفق من هذا المصير، وقلق على قومه، وقوم البدي أن تعود الحرب جذعة بينهما على أساس أن واحدا من رؤساء العبسيين قد قتله واحد من البديين، فيحاول العبسيون أن يثأروا لصاحبهم من البديين، ومن هذا المنطلق قال قبيصة العبسي لقائله البدي مشفقاً وناصحاً: «إن الشر بين قومي وبين قومك أمن، فليقتلني سواك».

فلما سمع الجلاد البدي كلمات العبسي القصيرة أرتاع، وكأنه قد استيقظ من كابوس، وارتسمت أمامه صراعات العشيرتين، فانصاع لهذه اللفتة الرحيمة من ضحيته، فقال: «برتك رحم»، فتبادل أبي شريف البدي، وهدية بن فياض القضاعي ضحيتيهما من أولياء الله، فسلم هدبة: شريك بن شداد الحضرمي إلى البدي، وهذا بدوره سلم قبيصة العبسي لهدبة، فضرب الجلاد أبو شريف البدي عنق شريك بن شداد الحضرمي، فذهب الحضرمي إلى ربه شهيداً، وشاهداً يشكو الطاغية والطغاة، وضرب الجلاد هدبة بن فياض القضاعي عنق قبيصة بن ضبيعة العبسي، فذهب الآخر إلى ربه شهيداً وشاهداً يئن من الطاغية والطغاة.

شهادة حجر بن عدي الكندي

ثم ان القتلة من الجلاوزة الأمويين أقبلوا على حجر بن عدي ببريق سيوفهم، فقال حجر بن عدي، وهو يحس أن روحه الكريمة سترفرف إلى بارئها العظيم الودود، فشعر أن نفسه الكريمة لا تزال لم تشبع من عبادة ربها العظيم رغم سني العبادة والتهجد، وكيف تستطيع الروح التي عرفت عظمة الله سبحانه وتعالى، واستشفت نوره في السماوات والأرض، وفي الأنفس والأرواح الطيبة كيف تستطيع مثل هذه الروح المغمورة بانوار ربها أن لا تكون ظمأى إلى الصلاة والتهجد والتأله، وعبادة الله تعالى.

طلب حجر بن عدي في تلك الدقائق الأخيرة من حياته من الجلاوزة ذلك الطلب الفريد، طلب أن يدعوه دقائقاً اخرى ليتوضأ ويصلي، ولتكون روحه المباركة إذا ما صعدت إلى خالقها العظيم على طهارة الوضوء، وإشراقة الصلاة. لقد تركه الجلاوزة، فتوضأ كأفضل ما يكون الوضوء في خشوع ورهبة ثم إذا ما أتم الوضوء هتف في جلاديه: «دعوني اصلي ركعتين، فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين».

فقال الجلادون في ضجر، واستخفاف: «لتصل».

فدخل حجر بن عدي في صلاة خاشعة متبتلة دامعة، ولقد استطالها الجلاوزة، وهم يهمون على أمر عظيم منكر، ولكن هذا الطول في وقت الصلاة التي احسها الجلاوزة لم يستشعرها حجر بن عدي المصلي المستغرق في صلاته بل كانت لحظة بل واقل من لحظة في حساب حجر ابن عدي. أتم صلاته وما أروعها من صلاة ثم أقبل على جلاديه، وقال في نبرات آسفة: «والله ما صليت صلاة قط أقصر منها، ولولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لاحببتُ أن استكثر منها».

ثم أن حجر بن عدي رفع يده إلى الله تعالى مبتهلاً وقال: «اللهم إنا نستعديك على امتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا».

ثم قال للجلادين يستحضر جهاده الكريم في رفع راية الإسلام خفاقةً على هذه الربوع: «أما والله لئن قتلتموني بها أني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها» [٩٤].

ثم ان حجر بن عدي القىٰ نظرة مشفقة على ابنه همام ثم التفت إلى الجلاد وقال: «إن كنت اُمرت بقتل ولدي، فقدمه» فما كانت إلا لفتة من سيف الجلاد حتى شوهد رأس همام المخضب بالدم يتدحرج على الأرض، فقال أحد الجلادين للوالد متندراً ساخراً: «لقد تعجلت الثكل»، فقال حجر بن عدي: «خفت أن يرىٰ هول السيف علىٰ عنقي، فيرجع عن ولاية علي(ع)، فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين» [٩٥].

ثم أن هدبة بن فياض القضاعي الجلاد أقبل بسيفه الذي كان يقطر منه الدم علىٰ حجر بن عدي، فأرعدت فصائله، فقال الأعور الجلاد ساخراً: «كلا زعمتَ أنك لا تجزع من الموت، فأنا أدعك فابرأ من صاحبك»، فقال حجر بن عدي يصور مشاهد الهول، ويرسم صورة عن أحاسيسه ومشاعره ثم موقفه الصامد أمام هذه الأحاسيس والمشاعر، وأمام الصور الخارجية المحيطة به، وانعكاساتها النفسية، واننا لنلمس الإيمان العظيم في هذه النفس العظيمة. لقد قال: «مالي لا أجزعُ، وأنا أرىٰ قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفاً مشهوراً، واني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب».

فقال أحد الجلاوزة: «مد عنقك». فقال حجر بن عدي: «إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه»[٩٦].

فرفع هدبة الجلاد سيفه، فأهوىٰ به كالرعد القاصف علىٰ رقبة ولي الله الشيخ الكبير حجر بن عدي، فإذا هي تتدحرج على الأرض مخضبة بدم الإباء ثم أقبل الجلادون يقتلون البقية الباقية من اصحاب حجر بن عدي واحداً واحداً، حتى استشهد ستة.

وكان هذا المشهد المروع الذي تضعف فيه عزائم الأبطال الأشداء، وترعد فيه الفرائص قد اثار الإشفاق والغضب بعنف في العنزي والخثعمي فتتبعا أسباب الحياة، ولو إلىٰ حين، فلم يبعثوا بهما إلى الطاغية، وفعلا طلب العنزي والخثعمي إلى الجلاوزة وقالا: «ابعثوا بنا إلى معاوية، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته»، فاستجاب رئيس الجلاوزة لطلبهما، فأمر فريقاً من الجلاوزة ان يقتادوهما إلى الطاغية، فلما أرادا ان يغادرا مثوىٰ الشهداء تلفت العنزي إلى مثوىٰ حجر بن عدي وقال رائياً ومعبراً عن خوالجه النفسية تجاه بطل الإسلام: «لا تبعد يا حجر، ولا يبعد مثواك، فنعم أخو الإسلام كنت».

وألتفت الخثعمي وقال في رثاء حجر بن عدي: «لا تَبعَد، ولا تُفقَد، فقد كنت تأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر».

ولما ابعدا في الطريق، وأوغلا فيه التفت العنزي وقال منفساً عن آهاته المكبوتة:

كفى بشفاة القبر بعدا لهالكوبالموت قطاعاً لحبل القرائن


فلما أدخلا على الطاغية المنتشي بالنصر أبتدر الخثعمي، وقال، وهو في فورة الحماس، واضطرام النفس، والتهاب المشاعر والاحاسيس من مشاهد مجزرة مرج عذراء وفي نبرات حاسمة وقوية: «الله الله يا معاوية، فانك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ثم مسؤول عما أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا».

وكانت لكلمات الخثعمي، وعلامات الاستفهام تلك من القوة والنفاذ، والحرقة اللاذعة بحيث اضطرب لها الطاغية، واشفق منها أن تنساب إلى بطانته التي تنتمي إلى نفس القبائل التي ينتمي إليها شهداء مرج عذراء فتثير في نفوسها ردود فعل ضده، وضد أعماله الوحشية، وانطلاقاً من هذه الفكرة القلقة سارع وألقى على الخثعمي سؤالاً طالما رسمت سياسته الطاغية تجاه الإمام، وتجاه الإسلام، وفي نفس الوقت محاولاً أن يقاطعه الحديث الذي يكرهه اشد الكره، ويشفق منه أشد الاشفاق واعنفه، فقال: «ما تقول في علي».

فقال الخثعمي في بساطة مبدعة، وعبقرية خلاقة: «أقول فيه قولك، أتبرأ من دين على الذي كان يدين الله به».

لقد وضع الطاغية في موضع حرج أمام هذا التساؤل من تلميذ الإمام، فلم يشأ الطاغية إلا أن يسكت في قبال لقمة الحجر الذي لا يكاد أن يستسيغها، هذا التساؤل الذي ألقاه تلميذ الإمام بعفوية، والذي يكشف عن خلفيات سياسة الطاغية، ويرسم علامة الإستفهام للشعب الذي يحكمه الطاغية؟ ويرسم الخطوط العريضة لدارسي التاريخ. لقد كان الطاغية حقاً في موضع محرج، فطأطأ براسه ينكت الأرض، ولقد أخرجه من موقفه المحرج أحد بطانته حيث هتف به «هب لي أبن عمي»، فرفع الطاغية رأسه، وقد احمرت عيناه، فقال راضياً على هذا الهتاف الذي نقله من الجواب للخثعمي للجواب لهذا المستوهب قال: «هولك غير أني حابسه شهرا»، فأمر اعوانه ان يقتادوا الخثعمي العبقري إلى السجن.

ثم أن الطاغية اقبل على البطل الآخر: عبد الرحمن العنزي الذي كان قد وضع روحه علىٰ كفه متحدياً الطاغية والطغات، ومستهيناً بكل ما يملكونه من سلطان، ومن أسباب القوة والظلم، والقىٰ عليه نفس السؤال، ولم يرتدع من الدرس القاسي الذي القاه الخثعمي عليه، فقال متودداً: «إيه يا أخا ربيعة ما قولك في علي»، فقال عبد الرحمن العنزي في ضجر: «دعني ولا تسألني، فإنه خير لك».

اذن الطاغية قد عزم أن يسمع رأي تلميذ الإمام العظيم من فيه في استاذه، وامامه المفدى. اذن فليسمع. قال: «أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً، ومن الأمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس»[٩٧].

فعاد الطاغية، وسأله عن شيخ بني امية المقتول محاولاً ان يكشف طويت العنزي لبطانته عن شيخه هذا ليتخذ ذالك ذريعة لقتله، فقال: «ما تقول في عثمان». فقال العنزي: «هو أول من فتح باب الظلم، وأرتج أبواب الحق». فقال الظاغية: «قتلت نفسك». فقال العنزي في بطولة متفوقة: «بل إياك قتلت» ثم التفت إلى المستطعمين حول الطاغية عله يجد منجداً من قبيلته، فلم يظفر أحداً، فأضاف قائلاً: «ولا ربيعة بالوادي».

ولقد غضب الطاغية أشد الغضب من هذا التحدي الشجاع، ومن هذا الموقف الذي اتخذه تلميذ الإمام في بلاطه، وفي مركز هو أشد المراكز استراتيجية لانتشار الأخبار. لقد فضحه تلميذ الإمام أمام بطانته، وكشف سياسته الملتوية قبال الإسلام، وقبال الشخصيات العملاقة التي تمثله اكمل تمثيل تماماً كما كشف سياسة سلفه الأموي.

ومن هذه المنطلقات التي تثير الواحدة منها ثائرة الطاغية، وتفجره تفجيراً، فكيف بها مجتمعة.

نعم من هذه المنطلقات أمر باعتقال العنزى بعنف، واضطهاده في المعتقل، وكتب رسالة إلى عامله على الكوفة ابن أبيه: «أما بعد، فإن هذا العنزى شر من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها، وأقتله شر قتلة».

إن هذه الرسالة لهي خير تعبير عن السخط العظيم الذي تركه تلميذ الإمام في نفس الطاغية.

ثم انه اصدر تعليماته الىٰ شرطته بنقل عبد الرحمن العنزي المغضوب عليه أعنف الغضب إلى الكوفة، وليكن رحلته خشنة مظطهدة، ولنترك العنزي في طريقه بين الشام وبين السواد.

لقد رأينا آنفا أن بطانة الطاغية قامت واستوهبت منه افراداً من المسجونين كانت تربطهم بهؤلاء المسجونين وشائجاً وصلات أو كانت الوساطات تعمل عملها، وكان في ذلك الديوان مالك بن هبيرة السكوني - والسكون هي قبيلة يمنية - فانه عندما شاهد هذه الظاهرة من إخوانه رأي أن يقوم هو أيضا، ويطلب من الطاغية أن يطلق سراح حجر بن عدي الكندي أليس ان حجراً تربطه به روابط قبلية، ووشائج في الدم والعرق، وفعلاً فإن ابن هبيرة السكوني نهض وطلب من الطاغية اخلاء سبيل ابن عمه حجر بن عدي، ولكن الطاغية لم ينصاع لهذا الطلب، واختلق معاذيراً تذرع بها، فقام ابن هبيرة غاضباً وخرج من المجلس إلى داره، وفي الدار عرف أهله غضبه، وانتشر هذا الخبر بين الناس وبين الجموع المنتمية للقبائل اليمنية، فاسرعوا إلى دار زعيم السكون ليعرفوا الأخبار عن كثب، وعندما اجتمع إليه قومه من كندة والسكون، وجماعات منتمية إلى قبائل يمنية أخرى رأى ابن هبيرة أن الفرصة مؤاتية ليصب جام غضبه على الطاغية فتكلم ولقد ألمح من بعيد أنهم في غنى عن الطاغية، وانهم سيجدون في قريش من يتزعم الحكومة، ولكن الطاغية لا يجد في الناس خلفاً عن السكون، والقبائل اليمنية في ولاء بعضها للحكومة، وكان الناس يصفون إلى ابن هبيرة، وكانوا يعلمون الكثير عن حجر بن عدي، وعن اعتقاله في مرج عذراء، وهنا حث ابن هبيرة الناس في أن يهاجموا سجن عذراء، ويستخلصوا السجناء بالقوة من يد الحكومة.

لقد قال ابن هبيرة في خطابه أمام قومه: «والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا، وإنا لنجد في قومه منه بدلاً، ولا يجد منا في الناس خلفاً سيروا إلى هذا الرجل، فلنخله من أيديهم».

واستجاب الناس جميعاً لابن هبيرة، وخرجوا يرتادون مرج عذراء في تظاهرة، وكانوا على يقين أن حجر بن عدي لا يزال على قيد الحياة، فساروا مسرعين على الجياد، وسجن مرج عذراء لا تبعد عن المدينة سوىٰ أميالاً معدودة.

هذا من جهة ابن هبيرة وغضبته ومحاولته لإطلاق سراح حجر بن عدي.

أما من جهة الجلاوزة في سجن مرج عذراء، فانهم كانوا قد قتلوا حجر بن عدي وجماعته، واقبلوا إلى المدينة ليخبرو الطاغية عن تنفيذ أوامره لكي يحصلوا على الجوائز، وفي منتصف الطريق التقى ابن هبيرة وجماعته بالقتلة والجلاوزة، ولما شاهد القتلة ابن هبيرة في جموع الناس عرفوا أنه انما جاء في جموع الناس ليخلصوا حجراً من أيديهم، فقال ابن هبيرة لهم: «ما ورائكم»، فقال الجلاوزة في خبث وحذر: «تاب القوم، وجئنا لنخبر معاوية»، فسكت ابن هبيرة، ثم تابع في جموع الناس مسيرته، وسار القتلة الهوينا حتى إذا ابتعدوا قليلا عن جموع الناس حملوا جيادهم على السرعة إلى أقصىٰ حد ممكن حتى ينجوا بانفسهم من موت زوام على يد ابن هبيرة وجماعته، وفي الطريق وكاد ابن هبيرة وجماعته أن يصلوا إلى مرج عذراء، وإذا بناس أقبلوا من مرج عذراء، والتقى ابن هبيرة بهم، فأخبروه عن الخبر الصدق، وقالوا له: «إن حجر بن عدي واصحابه قد قتلوا».

فغضب ابن هبيرة، وهتف بجماعته أن يطاردوا القتلة حتى يقبضوا عليهم، ويقتلوهم، وقال في غضب عنيف: «علي بالقوم»، فعطف جماعة ابن هبيرة اعنة الخيل، وتبعوا القتلة، واسرعت الخيل وراء القتلة، ولكن القتلة كانوا قد فاتوهم وسبقوهم إلى الطاغية، وهم يلهثون في قلوب واجفة، ونفوس مضطربة، وهناك أخبروه عن ابن هبيرة وجماعته في نبرات متقطعة، فقال لهم الطاغية: «اسكنوا، فانما هي حرارة يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئت».

ثم إن ابن هبيرة لما لم يظفر بحاجته قاطع الطاغية، وجلس في منزله، فارسل إليه الطاغية يدعوه إلى ديوانه ولكن ابن هبيرة أبي أن للدعوة أو أن يأتيه، فلما امسى المساء بعث إليه الطاغية ب «١٠٠٠٠٠» درهم مع رسالة، ولقد حظيت تلك الثروة الضخمة من أموال المسلمين عند ابن هبيرة، وطابت نفسه بها، ورضى عن الطاغية، فلما كان من الغد وفد هو في جموع من قومه إلى الطاغية ليعلنوا الولاء تحت ظل المائة ألف درهم.

وهكذا تبخرت غضبة ابن هبيرة لصالح حجر بن عدي، وعاد هو وقومه إلى السكون»[٩٨].

ولنعود الىٰ كريم بن عفيف الخثعمي الذي أمر الطاغية ان يسجن في غضون شهر واحد، وكان الطاغية قد أعجبته شخصية ابن عفيف الخثعمي، ولسانه المصاول، وعقله المبدع، واسلوبه الفذ في الحوار، فحاول أن يجره إلى فلكه، ويستخدم مواهبه الفكرية لصالح سلطانه، ولقد استخدم في هذا السبيل كل ألوان الإغراء: من مناصب ضخمة، وجاء عريض، وترف مغرى، وحياة ناعمة، فكان يدعوه بين كل يومين ويكلمه، ويقول له في كلمات معسولة معبراً عن إعجابه بشخصيته، وبمواهبه: «إني لأنفس بك علىٰ العراق أن يكون فيهم مثلك».

ويقول له كلمات مماثلة محاولاً أن يعالجه حتى يرضخ لإرادته، ويمثل سياسته بل وأمر أن يوسع عليه في السجن بحيث لا يشعر بمضايقة إلا ان ابن عفيف الخثعمي كان متصلباً برأيه، ماضياً في مواقفه المناصرة للإمام، والمشجبة لسياسة العدوان والغدر والمكر والخديعة، وعندما لم يظفر الطاغية من ابن عفيف الخثعمي بحاجته تركه في السجن حتى كاد أن ينساه، ولكن الرجل الذي طلب من الطاغية أن يهبه له عاد وذكره بابن عفيف، فذكر فبعث إليه ودعاه من السجن، واطلق سراحه شريطة أن لا يدخل بلدة الكوفة على امتداد حياة الطاغية، وقال له: «تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن اسيرك إليها».

فأطرق ابن عفيف الخثعمي مفكراً في المنفى الذي يختاره، وبعد تفكير طويل وجد نفسه تتجاوب مع مدينة الموصل فقال: «اني أخترت الموصل»، وهكذانفاه الطاغية إلى الموصل بعيدا عن وطنه وعشيرته، وعاش ابن عفيف في المنفى طويلاً، وكان يتلهف إلى مرابع صباه، ومراتع نشاطه، وكان شائقاً شديد الشوق إلى أن يزور بلده أو يلم به إلا أن أرصاد الطاغية لم يكن يدعه يبرح الموصل، وكان يمني نفسه بالانتقال إلى الكوفة، ويتمنى موت الطاغية، ويقول: «لو قد مات معاوية قدمت المصر»، ولكن الأجل وافى ابن عفيف الخثعمي قبل موت الطاغية بشهر واحد.

وهكذا ظلت لوعة زيارة المصر، وتلهفه إليها في نفسه حتى توفي، وكأن الله سبحانه وتعالى قد قبض ابن عفيف اليه ليجتمع هناك في ظل رحمته مع رفاقه الشهداء، وينتظروا الطاغية لترفع الدماء الزكية، والنفوس الكريمة الشكوى إلى الله تعالى من الطاغية الذي أوشك ان يهلك.

ولنعود إلى الكوفة لنستقبل فيها البطل الصامد عبدالرحمن العنزي الذي تركناه على ابواب دمشق مع الجلاوزة، وهم يزمعون أن يسوقوه إلى الكوفة ليسلموه إلى ابن ابيه لينفذ فيه ارادة الطاغية، وارادته كانت أقسى موت واعنفه كما جاءت في رسالته إلى ابن أبيه، ولم تكد الأبصار تقع على العنزي، فاذا بها تشك فيما ترى من شبح العنزى. كان العنزي قد هزل جسمه، ولوحت الرياح والشمس ملامح وجهه، وترك الطريق في أفخاده جروحاً بحيث اصبح غير قادر على المشي إلا ان يحبو وبصعوبة، وكان العنزي يود لو يلتقي بذويه واهله، ولو لحظة واحدة ليمتع عينيه بمرآهم، وليودعهم الوداع الأخير، وكان العنزى يعلم بالمصير الشاق الذي ينتظره، ولكن الجلاوزة لم يسمحوا له بزيارة أهله، وكانت المدينة ومعالمها تثير في نفسه المكدودة، وجسمه المكلوم ذكريات، وذكريات، وخواطر حبيبة إلى نفسه.

اسرع الجلاوزة في شوارع المدينة لكي يسلموا المعتقل إلى ابن ابيه حذرا من أن يقتطفه مقتطف منهم أو أن يثير الناس مشاكلا في وجوههم، وهناك وفي بيت الإمارة ذهبوا إلى ابن أبيه، وسلموا رسالة الطاغية، فلما قرأ ابن أبيه الرسالة نظر حوله وقال: «أين العنزى»، فقال الجلاوزة: «ها هو ذاك»، فقال: «علي به»، فحملوا العنزي المريض إلى ابن أبيه وهو في حالة يرثى لها، فشتمه ابن أبيه ما املته عليه طبيعته وتربيته، ثم أمر الجلاوزة أن يودعوا العنزي في السجن ثم أمر ابن أبيه جماعة من جلاوزته أن يقتادوا العنزي إلى «قس الناطف» في ضواحى الكوفة، ويحفروا له هناك، ويدفنوه حيا[٩٩].

وهكذا أستشهد عبد الرحمن العنزى بهذه الصورة المروعة، والقاسية، والتي تنبع من اسلوب سياسة الطغاة تجاه خصومهم والتحق عبد الرحمن العنزي برفاقه الشهداء صلوات الله عليهم.

وهكذا أستشهد حجر بن عدي، والصفوة المباركة من تلامذة الإمام، وجند الإسلام.

إن حجر بن عدي، والصفوة المباركة لم تكن لديها سلاح في نضالها ضد الخيانة المبرقعة، والخلافة الباطلة سوى استشهادها، وسوى دمها الزكي، وأنها لم تستطع أن تفك القيود عن الحرية المكبلة إلا عن طريق نفوسها التي ضحتها.

إن دماء الشهداء تمكنت من كسر حاجز الخوف والحذر، وتمكنت من انفتاح نوافذ الحرية، ولو بعد حين، وتمكنت من أن تمزق البراقع التي تتستر وراءها الدولة القائمة.

إن ثورة هذه الوجوه الناصعة، واصحاب الأفكار المستقيمة والشجاعة ثم استشهادها أدى إلى فضح الظلم والباطل، وان كانا قد انتصرا فانهما لم يستطيعا أن يختفيا تحت ستار العدل والحق، والخدمة الاجتماعية، ولم يتمكنا من أن يخدعا العيون، وأن يخضعا الأفكار، وتؤمن بالاكاذيب والرذائل.

إن هؤلاء الأبطال، وان استشهدوا في محكمة الظالمين إلا انهم بلوروا الأفكار، ودخلو في التاريخ كعمالقة وشهداء. والعدو وان انتصر على مسرح مرج عذراء إلا أنه لحقت به هزيمة منكرة في الآراء والأفكار الحرة.

إن استشهاد شهداء مرج عذراء أعطى قضية الإمام علي(ع) أبعادا واسعة استقطبت الأفكار الحرة في العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت أشاعت التذمر بين المفكرين المسلمين، وبين القطاعات الشعبية. إن انتفاضة حجر بن عدي، واستمرار اعتقاله مع صحبه الأشاوس في مدى أشهر في معتقلات النظام الحاكم انتشر اخبارها وبسرعة البرق في اطراف العالم المسلم، وتسامع بها رجال الفكر والسياسة الأحرار، وكانت الأفكار والعيون مشدودة إلى مرج عذراء لترى إلى أين تسير قضية المعتقلين الأحرار، وحينما شاهدت تلك العيون، وعرفت تلك الأفكار استشهاد حجر بن عدي ورفاقه المؤمنين الأشاوس راحت تستنكر على الطاغية، وعلى سياسته الدموية الأموية القمعية بألوان الاستنكار.

فهذا الربيع بن زياد الحارثي، وكان والياً على خراسان من قبل الدولة، وكانت تمر على إمارته سنتان واشهر، وكان فاضلا جليلا، وحينما سمع بأنباء مجزرة مرج عذراء، واستشهاد الثلة الطيبة أصيب بخيبة أمل اليمة من استقامة السياسة المتبعة، وقال متنبئ عن مستقبل العرب والمسلمين السياسي والاجتماعي، وعن جاهلية الدولة القائمة وفضائعها المرتقبة.

«لا تزال العرب تقتل صبرا بعد - اى بعد مقتل حجر بن عدي -، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرت فذلت»[١٠٠].

إن الربيع يدعو إلى الثورة ضد النظام الحاكم، وعاش أياماً حزيناً، كاسف البال، محتدم المشاعر والأحاسيس، وكان يرتقب يوم الجمعة، وصلاة الجمعة، وحينما حانت صلاة الجمعة خرج الربيع من دار الإمارة في ثياب بيضاء ناصعة. صعد الربيع عامل خراسان المنبر وخطب الناس، وهو من أنباء استشهاد حجر بن عدي والصفوة الطيبة، ثم رفع يديه إلى السماء، وقال للمسلمين: «أيها الناس انى قد مللت الحياة، وإني داع بدعوة، فأمنوا».

فرفع المصلون أيديهم استعدادا للدعاء، وشدوا عيونهم إلى واليهم، إلى شفتيه، فإذا بهم يسمعون ولا يشعرون: «اللهم ان كان للربيع عندك خير، فاقبضه إليك عاجلاً»[١٠١]. فدوى المسجد بصوت المصلين «آمين».

ولكن المصلين عندما استيقظوا من رقدة اللاشعور رأوا أنهم قد أمنوا على موت الربيع. ان الدعاء قد استجيب، فلم يكد ينتهي الربيع من الصلاة، ويذهب إلى داره حتى يسقط في وسط الطريق، فيخف إليه أعوانه، ويحتملونه إلى منزله، فإذا بهم يشاهدون أنه قد فارق الحياة، وكانه قد مر على وفاته أعوام طويلة.

ويحدد الطبري وفاة الربيع بعام (٥٣)[١٠٢].

وهناك جماعة موالية لحركة حجر بن عدي، وتعتبر الجماعة من اصدقاء رائد الحركة تتسامع عن استشهاد حجر ورفاقة، فتجمع في دار بعيدة عن عيون النظام الحاكم لتؤبن حجراً ورفاقه واصحابه، فقال واحد من الجماعة، وهو يبتهل إلى الله تعالى في لهفة: «أسأل الله أن يجعل قتله - أي قتل الطاغية - على أيدينا»، فقال مفكر الجماعة وألمعيها: «مه أن القتل كفارة، ولكننا نسأله تعالى أن يميته على فراشه»[١٠٣].

وفي المدينة، مدينة الرسول (ص) ينتشر خبر إعتقال حجر بن عدي بعد انتشار انتفاضته في العراق، فتبعث عائشة وفدا من قبلها إلى الطاغية في رسالة حول شأن المعتقلين، وكانت الرسالة حول إطلاق سراح حجر بن عدي، وتقول في الرسالة: «الله الله في حجر وأصحابه».

ولكن الوفد الذي كان يترأسه عبد الرحمن بن الحارث المخزومي لم يكد يصل إلى الشام حتى يسمع نبأ استشهاد حجر وأصحابه، فاجتمع الوفد بالطاغية، فقال رئيس الوفد له «اين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه. ألا حبستهم في السجون، وعرضتهم للطاعون».

فقال الطاغية بلغة السياسة: «فما اصنع كتب الي فيهم زياد يشدد أمرهم، ويذكر أنهم سيفتقون على فتقا لا يرقع». ثم اضاف قائلاً: «حين غاب عنى مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية، فاحتملت». فقال المخزومي: «والله لا تعد لك حلماً بعد هذا أبداً، ولا رأياً. قتلت قوماً بعث بهم إليك اسارى من المسلمين»[١٠٤].

ويعود الوفد إلى المدينة، ويخبر عائشة عن مقتل السادة الأبرار، فقالت: «لولا أنا لم نغير شيئاً إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر».

ثم اضافت قائلة: «أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجاجاً معتمراً»[١٠٥].

وقالت أيضا: «أما والله لو علم معاوية أن عند اهل الكوفة منعة ما اجترا على أن يأخذ حجرا واصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن أكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس.

أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عداً ومنعة وفقهاً. لله در لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجىٰ خيرهمويعاب قائلهم وإن لم يشغب[١٠٦]


وكانت عائشة تعاني آلاماً مبرحة من استشهاد أخيها «محمد»، فكانت تتحين الفرص لتصب جام غضبها علىٰ الطاغية، وعندما رحل الطاغية إلى مكة في موسم الحج زارها هناك، فقالت عائشة له: «أأمنت أن اخبأ لك من يقتلك بأخي محمد»، فقال الطاغية: بيت الأمان دخلت»، وهنا تذكرت حجراً وصحبه الأبرار فقالت: «يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر واصحابه».

فقال بلغة السياسة: «لست أنا قتلتهم إنما قتلهم مَن شهد عليهم»[١٠٧]. ثم قال: «فدعيني وحجراً حتى نلتقي عند ربنا».

فقالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: «سَيُقْتَلُ بِعَذْرَاءَ أُنَاسٌ يَغْضَبُ اَللَّهُ لَهُمْ وَ أَهْلُ اَلسَّمَاءِ»، أو قالت: «أَمَا وَ اللهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ سَيُقْتَلُ بِعَذْرَاءَ سَبْعَةَ رِجَالٍ يَغْضَبُ اللهُ، واهل السَّمَاءِ لَهُمْ».

ويعلق السيد الامين علىٰ مقالة المخزومي بقوله: «ثم ان عبد الرحمن رسول أم المؤمنين غاية ما كان عنده في عتاب معاوية أن قال له: اين عزب عنك حلم ابي سفيان، وان العرب لا تعد له حلماً بعد هذا ولا رأياً. ولو كان عبدالرحمن نافذ البصيرة، صادق اليقين لقال له: بماذا استحللت دماء حجر وأصحابه؟ أبأنهم لم يبرؤا من علي بن أبي طالب، ودينه الذي يدين الله به، وهل هذا يحل لك دمائهم. و لقال له بدل قوله: ان العرب لا تعد لك حلماً بعد هذا ولا رأياً: إن الله لا يغفر لك هذا الذنب أبدا، ولا بد أن يقتص منك، ويطلبك بدمائهم في الآخرة، وما قيمة ذم العرب في جنب عقاب الله وسخطه» [١٠٨].

ان الإمام الحسين(ع) تصله أخبار استشهاد أصحاب أبيه الإمام صلوات الله عليه في مرج عذارء، فيكظم غيظه، ويقوض أموره إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم ان الطاغية يرحل الىٰ مكة في موسم الحج في نفس العام الذي ارتكب تلك المجزرة الرهيبة في حق أولياء الله، وتلامذة الإمام فيشيع التذمر في عاصمتي الإسلام: مكة والمدينة، فيحاول أن يسيطر على هذا التذمر والسخط أو على الأقل يخفف من لهيبه، فيرحل إلى مكة، ويلتقي بالإمام الحسين(ع)، «هَلْ بَلَغَكَ مَا صَنَعْنَا بِحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَ أَصْحَابِهِ شِيعَةِ أَبِيكَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ مَا صَنَعْتَ بِهِمْ قَالَ قَتَلْنَاهُمْ وَ كَفَّنَّاهُمْ وَ صَلَّيْنَا عَلَيْهِمْ فَضَحِكَ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ خَصَمَكَ اَلْقَوْمُ يَا مُعَاوِيَةُ لَكِنَّا لَوْ قَتَلْنَا شِيعَتَكَ لَمَا كَفَّنَّاهُمْ وَ لاَ غَسَّلْنَاهُمْ وَ لاَ صَلَّيْنَا عَلَيْهِمْ وَ لاَ دَفَنَّاهُمْ .»

ثم إنه مر على استشهاد حجر واصحابه فترة طويلة أو قصيرة، فيرفع الوشاة، وجواسيس الطاغية إلى الطاغية تقريراً يفيد أن الإمام الحسين(ع) يعمل لإسقاط نظام الحكم، فيكتب الطاغية رسالة إلى الإمام(ع)، فيكتب الإمام الحسين صلوات الله عليه رسالة جوابية، وفي هذه الرسالة يستنكر الإمام على الطاغية مقتل حجر بن عدي، وإليك نص الرسالة:

«أَمَّا بَعْدُ - فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ، تَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَكَ عَنِّي أُمُورٌ أَنْتَ لِي عَنْهَا رَاغِبٌ وَ أَنَا بِغَيْرِهَا عِنْدَكَ جَدِيرٌ: فَإِنَّ اَلْحَسَنَاتِ لاَ يَهْدِي لَهَا وَ لاَ يُسَدِّدُ إِلَيْهَا إِلاَّ اَللَّهُ، وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَيْكَ عَنِّي: فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَقَاهُ إِلَيْكَ اَلْمُلاَقُونَ اَلْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمِ، وَ مَا أُرِيدُ لَكَ حَرْباً وَ لاَ عَلَيْكَ خِلاَفاً، وَ اَيْمُ اَللَّهِ إِنِّي لَخَائِفٌ لِلَّهِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَ مَا أَظُنُّ اَللَّهَ رَاضِياً بِتَرْكِ ذَلِكَ وَ لاَ عَاذِراً بِدُونِ اَلْإِعْذَارِ فِيهِ إِلَيْكَ وَ فِي أَوْلِيَائِكَ اَلْقَاسِطِينَ اَلْمُلْحِدِينَ حِزْبِ اَلظَّلَمَةِ وَ أَوْلِيَاءِ اَلشَّيَاطِينِ، أَ لَسْتَ اَلْقَاتِلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ أَخَا كِنْدَةَ وَ اَلْمُصَلِّينَ اَلْعَابِدِينَ اَلَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ اَلظُّلْمَ وَ يَسْتَعْظِمُونَ اَلْبِدَعَ وَ لاَ يَخَافُونَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ثُمَّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ اَلْأَيْمَانَ اَلْمُغَلَّظَةَ وَ اَلْمَوَاثِيقَ اَلْمُؤَكَّدَةَ لاَ تَأْخُذُهُمْ بِحَدَثٍ كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ لاَ بِإِحْنَةٍ تَجِدُهَا فِي نَفْسِكَ، أَ وَ لَسْتَ قَاتِلَ عَمْرِو بْنِ اَلْحَمِقِ صَاحِبِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ اَلَّذِي أَبْلَتْهُ اَلْعِبَادَةُ فَنَحِلَ جِسْمُهُ وَ صفرت [اِصْفَرَّتْ] لَوْنُهُ بَعْدَ مَا آمَنْتَهُ وَ أَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اَللَّهِ وَ مَوَاثِيقِهِ مَا لَوْ أَعْطَيْتَهُ طَائِراً لَنَزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَأْسِ اَلْجَبَلِ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرْأَةً عَلَى رَبِّكَ وَ اِسْتِخْفَافاً بِذَلِكَ اَلْعَهْدِ، أَ وَ لَسْتَ اَلْمُدَّعِيَ زِيَادِ اِبْنِ سُمَيَّةَ اَلْمَوْلُودِ عَلَى فِرَاشِ عُبَيْدِ ثَقِيفٍ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ اِبْنُ أَبِيكَ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اَلْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ لِلْعَاهِرِ اَلْحَجَرُ، فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَعَمُّداً وَ تَبِعْتَ هَوَاكَ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اَللّٰهِ، ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلَى اَلْعِرَاقَيْنِ يَقْطَعُ أَيْدِيَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَرْجُلَهُمْ وَ يَسْمُلُ أَعْيُنَهُمْ وَ يُصَلِّبُهُمْ عَلَى جُذُوعِ اَلنَّخْلِ كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ لَيْسُوا مِنْكَ، أَ وَ لَسْتَ صَاحِبَ اَلْحَضْرَمِيِّينَ اَلَّذِينَ كَتَبَ فِيهِمْ اِبْنُ سُمَيَّةَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دِينِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ أَنِ اُقْتُلْ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ! فَقَتَلَهُمْ وَ مَثَّلَ بِهِمْ بِأَمْرِكَ، وَ دِينُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَ اَللَّهِ اَلَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَبَاكَ وَ يَضْرِبُكَ، وَ بِهِ جَلَسْتَ مَجْلِسَكَ اَلَّذِي جَلَسْتَ، وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ لَكَانَ شَرَفُكَ وَ شَرَفُ أَبِيكَ اَلرَّحْلَتَيْنِ، وَ قُلْتَ فِيمَا قُلْتَ اُنْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لِدِينِكَ وَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ اِتَّقِ شَقَّ عَصَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ أَنْ تَرُدَّهُمْ إِلَى فِتْنَةٍ: وَ إِنِّي لاَ أَعْلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ عَلَى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مِنْ وَلاَيَتِكَ عَلَيْهَا وَ لاَ أَعْظَمَ نَظَراً لِنَفْسِي وَ لِدِينِي وَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَلَيْنَا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أُجَاهِدَكَ، فَإِنْ فَعَلْتُ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى اَللَّهِ وَ إِنْ تَرَكْتُهُ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِدِينِي وَ أَسْأَلُهُ تَوْفِيقَهُ لِإِرْشَادِ أَمْرِي، وَ قُلْتَ فِيمَا قُلْتَ إِنِّي إِنْ أَنْكَرْتُكَ تُنْكِرُنِي وَ إِنْ أَكِدْكَ تَكِدْنِي: فَكِدْنِي مَا بَدَا لَكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لاَ يَضُرَّنِي كَيْدَكَ فِيَّ وَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ أَضَرَّ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ، عَلَى أَنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ بِجَهْلِكَ وَ تَحَرَّضْتَ عَلَى نَقْضِ عَهْدِكَ، وَ لَعَمْرِي مَا وَفَيْتَ بِشَرْطٍ وَ لَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِكَ هَؤُلاَءِ اَلنَّفَرَ اَلَّذِينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ اَلصُّلْحِ وَ اَلْأَيْمَانِ وَ اَلْعُهُودِ وَ اَلْمَوَاثِيقِ، فَقَتَلْتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَاتَلُوا وَ قَتَلُوا، وَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ إِلاَّ لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنَا وَ تَعْظِيمِهِمْ حَقَّنَا، فَقَتَلْتَهُمْ مَخَافَةَ أَمْرٍ لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلْهُمْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا أَوْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا، فَأَبْشِرْ يَا مُعَاوِيَةُ بِالْقِصَاصِ وَ اِسْتَيْقِنْ بِالْحِسَابِ وَ اِعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كِتَاباً ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا[١٠٩]، وَ لَيْسَ اَللَّهُ بِنَاسٍ لِأَخْذِكَ بِالظِّنَّةِ وَ قَتْلِكَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى اَلتُّهَمِ وَ نَفْيِكَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ دُورِهِمْ إِلَى دَارِ اَلْغُرْبَةِ، وَ أَخْذِكَ لِلنَّاسِ بِبَيْعَةِ اِبْنِكَ غُلامٍ حَدَثٍ يَشْرَبُ اَلْخَمْرَ وَ يَلْعَبُ بِالْكِلاَبِ، لاَ أَعْلَمُكَ إِلاَّ وَ قَدْ خَسِرْتَ نَفْسَكَ وَ تَبَّرْتَ دِينَكَ وَ غَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ وَ أَخْرَبْتَ أَمَانَتَكَ وَ سَمِعْتَ مَقَالَةَ اَلسَّفِيهِ اَلْجَاهِلِ وَ أَخَفْتَ اَلْوَرِعَ اَلتَّقِيَّ لِأَجْلِهِمْ - وَ اَلسَّلاَمُ.»[١١٠]. فلما قرأ الطاغية كتاب الإمام الحسين(ع) قال: لقد كان في نفسه ضب ما اشعر به.

وهذه الرسالة كتبها الإمام الحسين(ع) بعد أعوام طويلة من استشهاد «شهداء مرج عذراء»، وهي رسالة قيمة احتفظ بها التاريخ لترسم لنا الحياة السياسية المعتمة التي كانت تعيش الأمة في دوامتها.

والرسالة توضح بعض اتجاهات الثورة الحسينية، تلك الثورة التي رفعت راية الإسلام علىٰ مدىٰ أجيال واجيال، ولا تزال كذلك، ونكست راية الجاهلية.

سأل عمرو بن بشير الهمداني أبا إسحاق السبيعي: «متى ذل الناس». قال أبو إسحاق السبيعي: «حين مات الحسن(ع)، وادعي زياد، وقتل حجر بن عدي».

وكان السبيعي يكرر هذا القول، فيقول تارة اخرى: «أدركت الناس وهم يقولون: إن اول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي(ع)، وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد»[١١١].

وكان ابن سيرين إذا سئل عن الركعتين عند القتل قال: «صلاهما خبيب، وحجر، وهما فاضلان» [١١٢].

والعجيب أن الشهيد خبيباً قتلته قريش، وهم مشركون، وان الشهيد حجراً قتلته قريش، وهم يزعمون ما يزعمون، وكلاهما: خبيب وحجر صحبا الرسول (ص).

وقال الحسن البصري: «أربع خصال كن في معاوية. لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبِقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى أبتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه يزيد: سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، يزوج بين الدب والذئب، والكلب والضبع. ينظر ما يخرج بينهما، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (ص): «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر، ويا ويلاً له من حجر واصحاب حجر – مكرراً[١١٣]-.

إن استشهاد حجر بن عدي أحدث في العالم الإسلامي هزة عنيفة، وخاصة في العواصم الإسلامية، ولقد رأينا مشاهد من مظاهر تلك الهزة، وذكر المؤرخون نبذاً من تلك المشاهد، وكان الطاغية في رحلاته يسمع دوي الاستنكار بألوان وصور مختلفة، يشاهده في الوجوه، في النبرات، في التلميحات، في التصريحات، ونفس الطاغية، فإن مجزرة مرج عذراء كانت قد أقضت مضجعه، وأسهرت ليله، وأمست المجزرة كابوساً في حياته، فإذا نام أنتبه فزعاً، وإذا أنتبه أو غل في الهواجس والتوجسات، وكان يقول: «ما قتلت أحداً إلا وأنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجر فإني لا أعرف بأي ذنب قتلته».

و لأجل أن يبدد هواجسه أو أن يعرف حقيقة المجزرة الرهيبة التي أرتكبها، وفيم أرتكبها، وعلى مقاد إليها الثلة الطيبة المؤمنة، بعث إلى عامله على الكوفة ابن أبيه رسالة جاء فيها: «... إنه قد تلجلج في صدرى شيء من أمر حجر بن عدي، فابعث إلىّ رجلا من أهل المصر له فضل ودين وعلم...».

ففكر ابن ابيه في الرجل الذي طلبه الطاغية ليبعثه أليه، إن الرجل يجب أن يكون متميزاً ب «الفضل والدين والعلم»، فقاده تفكيره إلى عبدالرحمن بن أبي ليلىٰ، وعبدالرحمن هذا هو الآخر من تلامذة الإمام، ومن خريجي مدرسته العالية. دعا ابن أبيه عبد الرحمن هذا، فلما أمتثل بين يديه قال له: «إن معاوية كتب إلي يأمرني أن أوجه إليه برجل من اهل المصر له دين وفضل وعلم ليسأله عن حجر بن عدي، فكنت عندي ذلك الرجل، فأياك أن تقبح له رأيه في حجر، فأقتلك».

وهكذا فإن ابن أبيه أنذر ابن أبي ليلىٰ إن ذكر عند الطاغية الحقائق الساطعة من سيرة حجر بن عدي التقى الأواب، فانه سيذيقه ريب المنون.

ثم إن ابن ابيه حاول أن يجعل في عنق ابن أبي ليلىٰ يداً، فأحسن إليه، وأعطاه ألفي درهم، وكساه حلتين، وحمله على راحلتين، ورحل ابن أبي ليلىٰ مع جمهرة من الخدم جعلهم ابن أبي في رفقته، وكان ابن أبي ليلىٰ تنتابه الهواجس ويسيطر عليه الحذر والخوف فهو لا يدري ماذا يفعل في هذه السفارة؟ أينعي على الطاغية في ما جنت يداه في مرج عذراء، ويقبح رأي الطاغية في أحكامه الظالمة، وفي هذا الموت أو السجن على أقل تقدير، فإن كل حوار يجري بينه وبين الطاغية، فلا بد أن يصل صداه إلى ابن أبيه في الكوفة، وقد أنذره ابن ابيه بالموت أو يزيره شعوب.

أو أن يهون على الطاغية فيما أرتكبه في حق حجر، واصحاب حجر في مرج عذراء، ويختلق له المعاذير والمبررات في سياسته القمعية في حق أولياء الله، والصالحين من عباد الله، وفي هذا غضب الله سبحانه وتعالى، وانتهاك لحرمة الصداقة التي كانت بينه وبين شهداء مرج عذراء، وكبت لضميره اليقظ، فانه سيدوس ضميره إذا ما اختلق المبررات. ثم إنه سيشعر بالتجني على مدرسته التي خرجته وعلمته وثقفته، والتنمر لها، وهذه المدرسة هي التي أستشهد حجر بن عدي وصحبه الأبرار في سبيل رفع رايتها، فكيف يستطيع هو أن يشينها بالوحل، وينعي على طلابها الفقهاء الأعلام. وابن أبي ليلىٰ هو الذي يشرح لنا هواجسه، ومشاعره المحتدمة، وأفكاره المضطربة، فيقول: «فسرت، وما في الأرض خطوة أشد علي من خطوة تدنيني من معاوية».

ويشرح لنا ابن أبي ليلىٰ لقائه بالطاغية، والحوار الذي دار بينه وبينه، فيقول: «فقدمت بابه، فاستأذنت، فأذن لي، فدخلت، فسألني عن سفري، وما خلفت من أهل المصر، وعن خبر العامة والخاصة. ثم قال لي: انطلق فضع ثياب سفرك، وألبس الثياب التي لحضرك، وعد».

قال ابن أبي ليلىٰ: «فانصرفت إلى منزل أنزلته، ثم رجعت إليه، فذكر حجر، فقال: «أما والله لقد تلجلج في صدري منه شيء، ووددت ان لم أكن قتلته». قال ابن أبي ليلى: قلت: «وأنا والله يا معاوية وددت أنك لم تقتله»، فبكىٰ الطاغية، فقال ابن أبي ليلىٰ: فقلت: «لوددت انك حبسته»، فقال الطاغية: «وددت أني كنت فرقتهم في كور الشام فيكفينيهم الطواعين»، فقال ابن أبي ليلىٰ: فقلت: «ووددت لك ذلك». ثم أن الطاغية انهى الحوار وقال: «كم اعطاك زياد»، فقال ابن أبي ليلىٰ: «اعطاني الفين، وكساني حلتين، وحملني على راحلتين»، فقال الطاغية، وهو يتوجس من ابن أبي ليلىٰ أن يبقى في عاصمته، وقد عرف هواه وميوله النبيلة تجاه شهداء مرج عذراء، فخاف أن مكث في البلد أن يغير مشاعر الموظفين أو احاسيس أهل البلد أو ميول الذين يلتقي بهم الامر الذي امره أن يخرج، ويرحل الىٰ الكوفة بقوله: «فلك مثل ما اعطاك. أخرج إلى بلدك».

وكما نرى في الحوار، فان ابن أبي ليلىٰ لم يقل شيئاً سوىٰ انه كان يؤكد أماني الطاغية «وددت كذا، ووددت كذا». ويرجع ذلك لتوجساته ومخاوفه من بطش ابن أبيه أو بطش نفس الطاغية، وهنا وقد شد ابن أبي ليلىٰ رحاله متجها نحو الكوفة تظهر هواجس ابن أبي ليلىٰ مرة ثانية من ابن أبيه، وهو أعني ابن أبي ليلىٰ يعلم بأن كل الأمور التي جرت له مع الطاغية، وكل الكلمات التي تفوه بها ستصل إلى ابن أبيه، فكل حركاته وسكناته وكلماته سيطلع عليها ابن أبيه.

وكان ابن أبي ليلىٰ يلاحظ الجواسيس من الخدم، وموظفي البلاط. اذن ما ان يصل إلى الكوفة حتى يقاد إلى السجن أو إلى ساحة الكناسة، ولكن تلك الهواجس لم تتحقق، وتلك المخاوف لم تجد على الساحة معينا. لقد هلك ابن أبيه قبل أن يصل ابن أبي ليلىٰ إلى الكوفة، وكان الحدث مفاجئة سارة بالنسبة لابن أبي ليلىٰ.

ولندع ابن أبي ليلىٰ يحدثنا عن عودته، وعن المفاجئة الطيبة، فيقول: «فخرجت وما في الأرض شيء اشد عليّ من أمر يدنيني من زياد، مخافة منه، فقلت في نفسي: آتي أحياء اليمن في البلدة، فأختفى فيها. ثم فكرت فقلت لا أخفي بها عن عيون جواسيس زياد، فأجمعت على أن أتي بعض عجائز الحي، فأتوارىٰ عندها إلى أن يأتى الله بالفرج. يقول ابن أبي ليلىٰ: وقدمت الكوفة، فأمر بحي جهينة حين طلع الفجر، ومؤذنهم يؤذن، فقلت في نفسي: لو صليت، فنزلت من راحلتي ثم دخلت المسجد حتى أقام المؤذن، ولما قضينا الصلاة إذا رجل فى مؤخر الصف يقول: «هل علمتم ما حدث البارحة»، قالوا: «وما حدث». قال: «مات الامير زياد»، قال ابن أبي ليلىٰ: «فما سررت بشيء كسروري بذلك»[١١٤].

وكانت مجزرة مرج عذرء لم تكن لتدع الطاغية يرتاح إلى ملاذ الدنيا، وصولة الحكم، وكانت الأحلام المزعجة تراوده، وكانت الذكريات المريرة تراوده، وحتى في لحظة الموت كانت الدماء الزكية التي أراقها الطاغية تلح عليه.

في لحظة الموت حيث إن الإنسان - كل إنسان- يذكر كل الجرائم التي أرتكبها، يتذكر كل الأخطاء التي عمل بها، يذكر الصغائر من الذنوب، والكبائر من السيئات، يتذكر كل شيء، يتذكر ما لم يذكره إطلاقاً لولا لحظة الموت، لولا سكرات الموت، هذه اللحظة التي يؤمن فيها الملحد، ويخضع فيها الجبار، ويخنع ويتطامن فيها المتكبر.

إن لحظة الموت هي من أشد للحظات علىٰ الإنسان علىٰ امتداد حياته، في هذه اللحظة تمر في ذهن الإنسان اعماله كلها كشريط كاسيت، وينشط ذهن الإنسان في الأعمال السيئة خاصة، فانها تظهر بأسوء مثال، واقبح صورة، وذلك لإنه يرىٰ في تلك اللحظات أموراً لم يكن ليراها، وهو سليم معافى، وذلك إن كان خبيثاً، فيقول الإنسان: ياليتني كنت ترابا.

والطاغية في لحظة الموت تذكر أعماله كلها، ومظالمه كلها، ورأىٰ أن مجزرة مرج عذراء هي اشدها هولاً عليه، وذلك لإن المجزرة حدثت على إثر أباء الشهداء من أن يمسوا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه من قريب أو بعيد، وتمسكوا بولايته أشد التمسك، وهتفوا والسيوف كانت تحصدهم حصداً: «نشهد أن علياً أمير المؤمنين حجة الله، نشهد أن عليا ولي الله».

نعم أن جريمة الطاغية كانت أشد هولاً عليه، وهو في لحظة الموت، في سكرات الموت، في شدائده وأهواله، فكان الطاغية يغرغر بصوته ويقول: «يومي منك يا حجر يوم طويل».

قال ابن عساكر: وقال قيس بن فهدان يرثىٰ حجراً، وهي في النسخة مغلوطه وأصلحناها بقدر الإمكان:

{{بيت|فلذاك قلبي مسعر كمداً|ولذاك دمعي ليس بالنزر
يا حجر يا ذا الخير والحجريا ذا الفضال (الفعال) ونابه الذكر
كنت المدافع عن ظلامتناعند الظلوم ومانع الثغر
أما قتلت فانت خيرهمفي العسر ذي العصا - كذا - وفي اليسر
ياعين بكى خير ذي يمنوزعيمها في العرف والنكر
فلأبكين عليك مكتئبافلنعم ذو القربى وذو الصهر
يا حجر من للمعتفين إذارم الشتاء وقل من يقرى
من لليتامى والأرامل إنحقن الربيع وضن بالوفر
أم من لنا بالحرب ان بعثتمستبسلاً يفرى كما تفري
فسعدت ملتمس التقى وسقىقبراً أجنك مسبك القطر
كانت حياتك إذ حييت لناعزاً وموتك قاصم الظهر
وتريشنا في كل نازلةنزلت بساحتنا ولا تبرى
يا طول مكتأبىٰ لقتلهمحجراً وطول حزازة الصدر
قد كدت أصعق جازعاً أسفاًوأموت من جزع علي حجر
فلقد خذلت وقد قتلت ومنلم تشعبنه حوادث الدهر
ولذاك نسوتنا حواسريستبكين بالأشراق والظهر
ولذاك رهطى كلهم أسفجم التأوه دمعه يذرى[١١٥]

وقال الطبري: وقال عبيدة الكندي ثم البدي، وهو يعير محمد بن الأشعث بخذلانه حجراً:

[١١٦]
أسلمت عمك لم تقاتل دونهفرقا ولولا أنت كان منيعاً
وقتلت وافد آل بيت محمدوسلبت اسيافا له ودروعاً
لو كنت من أسد عرفت كرامتيورأيت لي بيت الحُباب شفيعا

قال الأمين: المراد بوافد آل محمد: مسلم بن عقيل بن أبي طالب(ع).

من روايات حجر بن عدي

وروىٰ ابن قانع بسنده عن حجر بن عدي: رجل من اصحاب النبي، عن النبي (ص) قال: «سَيَشْرَبُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِيَ اَلْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اِسْمِهَا»[١١٧].

شراحيل بن مرة الهمداني أو الكندي من صحابة رسول الله (ص)، روىٰ عنه حجر بن عدي الكندي انه سمع رسول الله (ص) يقول لعلي(ع): «ابشر فإن حياتك، وموتك معي»[١١٨].

الحاكم بسنده عن يخشى أو غشىٰ، عن أبيه حجر بن عدي انه قال: «إن نبي الله (ص) خطبهم فقال: أي يوم هذا. قالوا: يوم حرام. قال: فاي بلد هذا. قالوا: بلد حرام. قال: فاي شهر هذا. قالوا: شهر حرام. قال: فإن دمائكم وأموالكم، واعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»[١١٩].

الصحيفة تأليف حجر بن عدي

إن حجر بن عدي كان من الفقهاء، ومن كبار خريجي مدرسة الإمام(ع)، وقد ألف حجر بن عدي كتاباً في الفقه أدرج فيه محاضرات الإمام وأحاديثه، وسمى كتابه هذا ب «الصحيفة».

قال عمير بن قميم: حدثني غلام لحجر قال: قلت لحجر: «إني رأيت ابنك دخل الخلاء، ولم يتوضأ. قال حجر بن عدي: «ناولني الصحيفة من الكوة»، فلما ناوله الغلام «الصحيفة» من الكوة نشرها حجر، وطفق يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[١٢٠] هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر: «أن الطهور نصف الإيمان»[١٢١].

وهكذا كان حجر بن عدي يربي أبناءه على السيرة الطيبة، والسلوك الحسن، والإتجاه السليم.

مع اسرة حجر بن عدي

وكان الحجر بن عدي الشهيد العظيم اخوين، وكانا من اشراف الكوفة. والأخوان هما:

  1. هانئ بن عدي
  2. الجعد بن عدي،

وكانت أسرة حجر بن عدي واخوانه وابناء اخوته قد سرىٰ فيهم روح التضحية والفداء وخاصة بعد استشهاد زعيم الأسرة، وكمن في قلوبهم الامتعاض العنيف، والحرد الشديد على الدولة القائمة... القائمة على الاستهانة بالحريات، والإزدراء بالشعب، والتهاون بالدين، وكانت اسرة حجر بن عدي وخاصة ولديه: عبد الله بن حجر بن عدي، وعبد الرحمن بن حجر بن عدي تجهد أن تثأر للدين، ولشهيد الأسرة، فكانت تتحين الفرص الثورية للأنضمام إليها، والعمل في سبيل رفع رايتها، والنضال تحت ظلها.

وكانت ثورة المختار الثورة المباركة التي اجتاحت العراق، وطردت العصابات المجرمة التي كانت تسبح في دماء الشعب، وتأكل أمواله، وتغتصب حرياته خير حافز لمعاضدة أحرار الشعب والثورة، وتحمس عوائل الشهداء لها واندفع ابنائها في اتجاهها، فكانوا يعاضدونها، ويسهرون على سلامتها، ويبذلون الأموال والنفوس في سبيل الحفاظ عليها.

وكان عبد الله، وعبد الرحمن شبلا الشهيد حجر بن عدي، واسرتهما، واعمامهما جميعاً يعملون لصالح الثورة بل وتقدموا في الصفوف القيادية، وذلك لما كانوا يتمتعون به من أخلاص لا ريب فيه، وحماس لا فتور فيه، وجهد مستمر على سلامة الثورة ومنجزاتها ولقد حفلت الثورة بالمكاسب العظيمة، والمنجزات الكبيرة رغم الزمان القصير الذي طلعت فيه الثورة على الساحة الإسلامية، وكانت عواصم العالم الإسلامي آنذاك يسودها الصراعات على السلطة فغزا مصعب بن الزبير الكوفة في جيش جرار محاولة منه القضاء على ثورة المستضعفين، واستعد جيش الثوار للتصدي لمصعب وجيشه، والتحم الفريقان في معركة دامية استشهد في خلالها عبد الله، وعبدالرحمن شبلا حجر بن عدي، ويقال انهما اسرا، فقتلهما مصعب صبراً تماما كما استشهد أبو هما، الشهيد الكبير، حجر بن عدي.

وعندما استتبت الأمور لمصعب كان يتتبع فلول الثورة، فهرب ابن عم الشهيدين معاذ بن هانئ بن عدي إلى الشام، ولكن الأمور لم تطل بمصعب ابن الزبير طويلاً، وذلك أن عبد الملك بن مروان قاد جيشاً لمحاربة مصعب، والتحم الفريقان، وقتل مصعب بن الزبير، فأحتز جنود عبدالملك رأسه، وقدموا الرأس في صحن هدية لعبد الملك بن مروان

وكان ابن اخي حجر بن عدي من أشراف الكوفة، وله مكانة ممتازة عند الناس.

ضريح شهداء عذراء

ان ضريح شهداء عذراء كان معروفا مزوراً في عهد ابن عساكر المتوفىٰ سنة ٥٧٣، فقد قال: «حجر بن عدي... وفد على النبي وكان مع الجيش الذي فتح الشام، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب، وقتل بعذراء من قرىٰ دمشق، وهنا - في مرج عذراء - مسجد قبره بها معروف».

وكان الضريح أيضاً معروفاً في عصر محمد بن مكي الشهير بالشهيد الأول، والمستشهد عام ٧٨٦، فقد قال: «الشهداء الذين بعذراء دمشق الذين قتلهم معاوية بعد أن بايعوه، وأعطاهم العهود والمواثيق: وكان الضريح أيضاً معروفاً في عصر محمد بن مكي الشهير بالشهيد الأول، والمستشهد عام ٧٨٦، فقد قال: «الشهداء الذين بعذراء دمشق الذين قتلهم معاوية بعد أن بايعوه وأعطاهم العهود والمواثيق: حجر بن عدي الكندي حامل راية رسول الله (ص)، وولده همام بن حجر بن عدي الكندي، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وصيفي بن فسيل، وشريك بن شداد الحضرمي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكرام بن حيان العبدي. وكلهم في ضريح واحد في جامع عذراء.

واضاف الشهيد الأول قائلاً وقد زرت شهداء مرج عذراء: انشدني خادمهم هذه الأبيات:

بثرى عذراء قد دفنواوهم صحاب لهم فضل وإعظام
جر، قبيصة، صيفي شريكهمومحرز ثم همام وكرام - كدام –
عليهم ألف رضوان ومكرمةتترىٰ تدوم عليهم كلما داموا


قال الشهيد الأول: فزدت:

ومثلها لعنات للذى سفكوادمائهم وعذاب بالذي ساموا


وقال السيد محسن الأمين: وفي سنة ١٣٥١ ونحن بدمشق قصدنا عذراء لزيارة قبر حجر وأصحابه، فوجدناهم مدفونين في ضريح واحد، وعليهم قبة ببنيان محكم تظهر عليه آثار القدم في جانب مسجد واسع فيه منارة عظيمة قديمة، وقبتهم التي فيها ضريحهم الشريف مهملة مهجورة قد نسجت عليها العناكب، وتراكمت فيها الأتربة، وليس في أرضها إلا تراب، وزيارتها متروكة عند أهل هذه البلاد، ولو كانت منسوبة لأحد المتصوفين أو من تدعى لهم الولاية وخوارق العادات والجذبة أو كانوا من المجانين لكانت معظمة مخدومة مزورة. وقال الأمين: ويظهر من كلام الشهيد المتقدم: أنها كانت في عصره مزورة، ورأينا مكان صخرة كانت على باب القبة، وقلعت وبقي محلها ظاهرا، ولا شك أنه كانت عليها كتابة كما أخبرنا بذلك أهل القرية، وأرونا صخرة غيرها صغيرة مطروحة في أرض القبة مكتوبة بخط قديم لا تاريخ فيها، وهذه صورة ما كتب فيها:

«﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[١٢٢]، سكان هذا الضريح أصحاب رسول الله (ص): حجر بن عدي حامل راية رسول الله (ص)، و صيفي بن فسيل الشيباني، و قبيصة بن ضبيعة العبسي، و كدام بن حيان، و محرز بن شهاب السعدي، و شريك بن شداد الحضرمي. والصواب كما عرفت أنه ليس فيهم من الصحابة غير حجر بن عدي [١٢٣].

وجاء في كتاب دائرة معارف الإسلام المؤلف باللغتين: الفرنسية، واللغة الانجليزية: إن مقبرة حجر بن عدي لا يزال في ذلك المحل مرج عذراء محفوظاً، ولكن بناء المقبرة هو بناء صغير وقديم ومتداعي، وأهل القرية يطلقون على تلك المقبرة ب «مقبرة الشيخ عدي»[١٢٤].

وفي معجم البلدن: عذراء بالفتح، والسكون، والمد قرية بغوطة دمشق من أقليم خولان معروفة، وإليها ينسب مرج عذراء، وإذا انحدرت من ثنية العقاب، وأشرفت على الغوطة، فتأملت على يسارك رأيتها أول قرية تلي الجبل، وبها منارة، وبها قتل حجر بن عدي الكندي، وبها قبره.

اكليل ورود من ايران: قال ناصر كمرأى مؤلف كتاب: «حجر بن عدي» ما ترجمته: هذا الكتاب الذي يستعرض الوفاء، التضحية، الإستقامة، والإيمان باروع صورها هدية من ايران لضريح ذلك الشهيد العظيم، وصحبه الشهداء.

أيها الشهداء: إن ايران تعلن في كل المواقع عن استعدادها لتحقيق نواياكم واهدافكم المقدسة. أنتم الذين استشهدتم واتخذتم مضاجعكم في تربة مرج عذراء، وان ايران قد أثبتت عبر المئات المرات عن حبها، ووفاءها، وتعاطفها معكم أيها الرجال القادة، إنّ ايران لو نسيت كل شيء، فإنها لا تنساكم يا من رفعتم رآية علي، وآل علي، ودافعتم عنها، وناضلتم في سبيلها.

إن ثورة المختار تلك الثورة العظيمة التي كان الإيرانيون يشكلون أكبر مجموعة في جيش الثورة اندلعت وسارت تؤيدكم، وتحقق اتجاهاتكم، إن ثورة ابي مسلم الخراساني التي اشرقت من أفق ايران كانت تؤيدكم، وثارت تجاوبا لاهدافكم.

وإن الثورة الثانوية التي قادتها ايران، والتي تمخضت عن انتقال الإمام الرضا(ع) إلى ايران، وتتويجه بولاية العهد. إن هذه الثورة استهدفت احياء مبادِئكم.

وإن الثورة الصفوية، وتأسيس الدولة الصفوية كانت تسير مع اتجاهاتكم، وتركز على مبادِئكم واهدافكم.

إن الايرانيين غير مستقرين، ولا يزالون يتحينون الفرص لتحقيق أهدافكم، ومعتقداتكم على مستوى عالمى. إنهم يطمحون أن تخفق راية مبادئكم على سطح العالم.

وآمل من كل رجل مسلم، وأمرأة مسلمة ان يحتذوا هذا الشهيد العظيم، وهذا العملاق المسلم الفذ في تضحيته، وإيثاره في ثباته، واستقامته، في موته واستشهاده، وأن يسيروا رجالاً ونساء يتتبعون خطاه. ومع رفع راية شهداء مرج عذراء نكون قد حظينا برضا رسول الله أبي الأمة، والإمام على القائد الطليعي لرجال الإسلام. يا من تمر على مرج عذراء بلغ سلامنا لذلك «العقيد» الباسل، وقدم له هذه الهدية المزجاة، واصبر قليلا أمام تربة الشهيد، وتعلم دروس التضحية، والوفاء، والإيمان، والخير من حجر الخير. ثم قمين أن تكون مثل حجر في لسانه وقلمه، وسيفه، واستقامته مدافعاً عن الحق، وذائداً عن الأنوار لكي تحظى بتحية العالم، وتقديره، واحترامه.

وآمل أن تحظى هذه الوريقات عند ذلك الجندي الشجاع.......[١٢٥]

قال السيد كاظم الطباطبائي الناشر لكتاب حجر بن عدي

تأليف: ناصر الكمرأي في مقدمة الكتاب، وهو يستعرض ذكرياته عن رحلته إلى مرج عذراء، وزيارة حجر بن عدي شهيد الإمامة.. قال ما ترجمته: وفي عام ١٣٧٤ من شهر الأول ربيع وفقني الله تعالى أن أزور أنا واسرتي ووالدتي العتبات المقدسة، وفي كربلاء اصيبت والدتي بمرض الأمر الذي لزم أن تمكث في المدينة فترة اطول من الفترة المقررة، فعزمت أنا أن أسافر إلى الشام، والى فلسطين، فرحلت أولا إلى القدس فزرتها، ثم زرت مدينة الخليل وبيت لحم، ثم عرجت على دمشق، وهناك زرت مقام السيدة زينب(س)، وأمضيت أياما في دمشق، وفي إحدى الأيام قال لي سماحة حجة الإسلام الشيخ علي الجمال إمام مسجد المرحوم آية الله السيد محسن العاملي: هل زرت ضريح حجر بن عدي، فقلت كلا لم أزره ولكني حريص على زيارة حجر بن عدي رضوان الله عليه، وذلك لاني سمعت من سماحة الكمرأي موجزاً من حياة حجر بن عدي، وعندها قرر سماحة الشيخ علي الجمّال أن نزور شهداء مرج عذراء، فبعد أن أدينا فريضة صلاتي الظهر والعصر أقلتنا سيارة ثم طارت بأتجاه مرج عذراء وحينما بلغنا أرض الشهداء راعنا جمال قرية مرج عذراء الساحر، وشاهدنا في مطلع القرية مقبرة، ورأينا أمام المقبرة مسجداً كبيراً في مساحة أربعمائة متر، وهناك استقبلنا خادم المسجد في حفاوة بالغة، ثم طفق يدلنا على معالم المسجد، فدخلنا إلى رواق المسجد، وعلى يمين الرواق لفت نظري بابا صغيرا، وحينما دخلت من الباب أنا وصحبي إلى الداخل رأينا ضريحاً يعلو عن سطح الأرض متراً واحداً. ان هذا الضريح هو ضريح حجر بن عدي، ولفت انتباهي على بوابة المسجد مواد البناء والتشييد، فسالت الخادم: من الذي يشيد هذه المباني هنا، فقال الخادم: إن ثلاثة رجال اغنياء من الإيرانيين قد أضطلعوا بمشروع تشييد ضريح حجر بن عدي مماثلاً لهندسة مبنى ضريح السيدة رقية بنت الإمام الحسين(ع)، فسررت لهذه البادرة الطيبة، ولما سألت عن اسماء المشيدين فقيل لي انهم: الحاج مهدي البهبهاني، وهو الممول للمشروع، وسماحة الحاج آغا رفيع، وسماحة شيخ العرقين وهما المشرفان على المشروع، فلاحت لي في تلك اللحظة فكرة طيبة، ثم عزمت على تنفيذ الفكرة.

لقد خطر لي انه طالما بدئ في مشروع تشييد ضريح حجر بن عدي تلك الشخصية الكبيرة، فانه من اللازم إحياء ذكرى هذا الشهيد الذي يعتبر في قمة الفداء والتضحية، وعندما عدت من رحلتي إلى طهران اجتمعت بسماحة الكمرأي، وطلبت منه تأليف كتاب حول شخصية حجر بن عدي، ولكن لما كان سماحته مستغرقاً في تأليف كتاب له في علم الحديث، فإنه طلب من نجله الشيخ محمد حسن ناصر الكمرأي الذي كان يقضي عطلته الصيفية في طهران بعد إنتهاء السنة الدراسية في الحوزة العلمية في قم، فان سماحته طلب من نجله تلبية طلبي، وهو تأليف كتاب حول شخصية حجر ابن عدي.

و فعلاً فإن نجله ناصراً قد استجاب لطلبي، وألف هذا الكتاب الذي هو بين يديك، وكم أنا مسرور الآن بان الفكرة التي لاحت لي أمام ضريح حجر بن عدي قد تحققت إلى واقع ملموس[١٢٦].

المؤلفات حول حجر بن عدي

  1. حجر بن عدي. تأليف: عبد الله السبيتي. من منشورات سلسلة «حديث الشهر»، ويحمل رقم ١٣ من السنة الثانية. وهذا الكتاب هو بحجم الجيب في ١٦٤ صفحة، ومطلع الكتاب إلى صفحة ٦٤ هو بحوث في الإمامة، وتبتدأ أحداث حجر بن عدي رضوان الله عليه من صفحة ٦٥ إلى نهاية الكتاب أو الرسالة.
  2. حجر بن عدي، درخششي در تاريكي (اى ومضة في الظلام). تأليف: حسن مرزناك. والكتاب باللغة الفارسية، وبالحجم الوزيري، وفي ١٤٤ صفحة. وفي مطلع الكتاب تقريظ بقلم الدكتور علي شريعتي يستوعب مساحة ٢٣ صفحة.
  3. حجر بن عدي در آسمان خونين (في سماء الدم) باللغة الفارسية. تأليف: ناصر كمرأي. طبع في طهران في مطبعة المصور عام ١٣٧٥ ه بأهتمام الحاج السيد كاظم الطباطبائي، والكتاب في حجم الجيب في ١٣٤ صفحة.
  4. حجر بن عدي. تأليف: علي رضا الله ياري. من منشورات دفتر نشر فرهنگ إسلامي». (اي مكتب نشر الثقافة الإسلامية) من عام ١٣٥٤ شمسي، والكتاب هو بحجم الجيب في ٢١٥ صفحة.
  5. حجر بن عدي الكندي، شهيد الإيمان الصابر. تأليف: محمد جواد فضل الله. من منشورات دار التراث الإسلامي - بيروت. من عام ١٩٧٤. والكتاب في ١٨٩ صفحة، وهو أصغر من حجم الوزيري، وأكبر من حجم الجيب.
  6. چهرهاي ديگر از حجر بن عدي (اى صورة اخرىٰ من حجر بن عدي). من منشورات النور - ايران عام ١٣٦٠ ه ش، في ١٣٥ صفحة. وهذا الكتاب هو ترجمة كتاب حجر بن عدي، شهيد الأيمان الصابر لفضل الله إلى اللغة الفارسية إلا أن المترجم لم يذكر اسمه بل ذكر اسم المؤلف للكتاب بلغته العربية: محمد جواد فضل الله.
  7. حجر بن عدي الثائر الشهيد. تأليف: محمد فوزي. من منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - لبنان من عام ١٣٩٧ ه، الطبعة الأولى في ٥٥ صفحة.
  8. حجر بن عدي انقلابي شهيد (أي الثائر الشهيد). ترجمة: صادق آئينه وند والكتاب هو ترجمة كتاب: حجر بن عدي الثائر الشهيد تألف محمد فوزي إلى اللغة الفارسية. من منشورات: مؤسسة «أنجام كتاب» من عام ١٣٥٩ شمسي. في ٥٦ صفحة. وليس للمترجم كلمة أو مقدمة بل ترجم الكتاب من اللحظة الأولىٰ بدون أن يذكر لنفسه مقدمة أو كلمة.
  9. وترجم الكتاب أيضا إلى اللغة الفارسية صادق خرمرودى طبع الإحياء في ٥٣ صفحة، حجم الرقعي.

فهل صادق خرمرودي هو صادق آئينه وند، أم انه مترجم آخر. والظاهر انه مترجم آخر[١٢٧].

  1. مقتل حجر بن عدي. تأليف: نصر بن مزاحم المنقري المتوفىٰ عام ٢١٢.
  2. اخبار حُجر بن عدي. تأليف: ابن عماد أحمد الكاتب. نقلتُ هذا من هامش كتاب «الفهرست» تأليف ابن النديم صفحة ٢١٢. والهامش هو مكتوب بخط أغا بزرك الطهراني مؤلف «الذريعة» حفظه الله وابقاه حيث إن نسخة الفهرست التي كنت اطالع فيها هي نسخة أغا بزرگ استعرتها من مكتبته العامرة. انتهىٰ ما في الفيش.
  3. الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حجر بن عدي أول شهداء آل البيت. تأليف: كمال الدين الحلبي. تحقيق الدكتور سهيل زكار. من منشورات حسان للطباعة والنشر - دمشق ١٤١٠ ه والكتاب هو نحو ١٦٠ صفحة: نحو ثلاثين صفحة حول حجر بن عدي، وقد استل الكتاب من ترجمتين في كتاب بغية الطلب لكمال الدين، وقد حققه، وطبع اجزاء منه، وبقي نصف الكتاب لم يطبع بعد كما ذكر المحقق الزكار في المقدمة.

وبغية الطلب هو حول اسرة آل ابي جرادة صاحب امير المؤمنين(ع) كما جاء في المقدمة، وكان هو واحفاده في البصرة، وفي منتصف القرن الثالث هاجر أحد احفاده الىٰ حلب، وكانوا شيعة، وكانت حلب من حواضر الشيعة، واصبحوا من وجهاء البلد.[١٢٨]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. يراجع: أسد الغابة ٥: ٥١، طبقات ابن سعد ٦: ٢١٧ - ٢٢٠، الاستيعاب ١: ٣٥٥، الإصابة ١: ٣١٣.
  2. المحر: ٢٩٢، طبقات ابن سعد ٦: ٢١٧ – ٢١٨.
  3. المحر: ٢٥٢، الطبقات ٦: ٢١٧.
  4. يراجع أسد الغابة ١: ٣٥١ .
  5. أسد الغابة ١: ٣٥١، الطبقات ٦: ٢١٨.
  6. أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٨، الاصابة ١: ٣١٣.
  7. سورة التوبة: ٤١.
  8. تاريخ الطبري ٤: ٤٨٥، اعيان الشيعة ٢٠: ١٥٦.
  9. يراجع تاريخ الطبري ٤: ٥٠٠.
  10. يراجع: الأخبار الطوال: ١٤٦، الطبقات ٦: ٢١٨.
  11. أعيان الشيعة ٢٠: ١٥٦.
  12. صفين: ٣٨١، شعر المدعوة الإسلامية ١٥١، جمع عبد الله الحامد.
  13. صفين: ١٠٤.
  14. صفين: ٢٠٥، الاستيعاب ١: ٣٥٥، الطبقات ٦: ٢١٨.
  15. صفين: ١١٧.
  16. مصادر نهج البلاغة ٣: ١٠٢، كلام رقم: ٢٠٤، مصباح البلاغة ٣: ٢٧٧.
  17. صفين: ١١٥.
  18. صبح الأعشى ١٤: ٨٢، وقعة صفين: ٥٨١.
  19. تاريخ الطبري ٥: ٨٥، الاستيعاب ١: ٣٥٥، وفيه كان حجر على الميسرة يوم النهروان.
  20. عمارة بن عقبة بن أبي محيط هذا هو عفة أخو الوليد بن ن أبي معيط الذي نحته القرآن بالفسق: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، والذي شرب الخمر وهو والي الكوفة ثم صلى بالناس صلاة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم؟
  21. الجريدة: خيل لا رجالة فيها، أي أن الجيش أو السرية كلها فرسان ليس فيها مشاة.
  22. الغارات ٢: ٤٣١ – ٤٣٢.
  23. سورة التوبة: ٥١.
  24. الغارات ٢: ٤١٦ – ٤٣٨، أعيان الشيعة ٢٠: ١٦١.
  25. أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٤.
  26. سورة البروج: ٨.
  27. شذرات الذهب ١: ٥٧.
  28. أعيان الشيعة ٢٠: ٢١٣.
  29. الكامل في التاريخ ٣: ٢١٥.
  30. سورة النساء: ١٣٥.
  31. تاريخ الطبري ٥: ٢٥٤، الأغاني ١٦: ٢، طبعة بولاق.
  32. تاريخ الطبري ٥: ٢٥٤، الأغاني ١٦: ٢.
  33. تاريخ الطبري ٥: ٢٥٤، الأغاني ١٦: ٢. وفيه: ان أكثر من ثلاثين رجلا قاموا مع حجر وهو تحريف ظاهر.
  34. تاريخ الطبري ٥: ٢٥٥.
  35. مروج الذهب٣: ٣٣، تحقيق عبد الحميد.
  36. وفي الحديث: «إن حب الدنيا رأس كل خطيئة».
  37. ويشير ابن أبيه كلامه هذا إلى أنه وحجراً كانا يعملان في كادر خلافة الإمام، وإنهما كانا يتعاطفان مع الإمام، ولكن الدنيا قد تغيرت، والسياسة قد تبدلت، ومن هذا المنطلق جاء إنذاره. إن ابن أبيه كان رجل دنيا وتغيراتها، وكان حجر رجل عقيدة وثباتها.
  38. الطبقات الكبرى ٦: ٢١٨.
  39. مصادر نهج البلاغة ٣: ٢٤٢، كتاب رقم: ٢٠.
  40. الطبقات ٦: ٢١٨.
  41. أعيان الشيعة ٢٠: ١٧٥.
  42. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٤، الطبقات ٦: ٢١٩.
  43. تاريخ الطبري ٢٦٦: ٥.
  44. مرجع: الكامل في المتاريخ ٢٣٦: ٣، تاريخ طبري: ٢٨٧.
  45. لاستيعاب ٣٥٥.
  46. إن لفظة البخارية جاءت في الطبيقات ٦: ٢١٩.
  47. تاريخ الطبري -٢٦٠: ٥. ويراجع شعر في هجا لس طريف ومديح أبي العميطة.
  48. هذا مثل: «على أهلها تحني براقش».
  49. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٦.
  50. إن الجهاز الحاكم أتخذ هذه الكنية العظيمة والكريمة «أبا تراب» سبة وعيبا، وهكذا استشعر الناس، ومن منطلق هذا الشعور الذي اختلقه الجهاز الحاكم عن طريق إعلامه القذر نفي صيفي عن معرفته برجل يكنى بهذه الكنية مع العلم ان هذه الكنية كانت من أحب الكني إلى الإمام وان رسول الله (ص) هو الذي كنى الإمام بهذه الكنية «أبي تراب» صلوات الله عليه، وعلى ابن عمه.
  51. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٧، الأغاني ١٧: ١٨، طبعة دار الثقافة ١٩٥٩، تحقيق عبد الستار، الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٦.
  52. يراجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٦، تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.
  53. تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.
  54. يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٦٧.
  55. الجبلان هما أجا وسلمى من جبال طئ.
  56. تاريخ الطبري، ٥: ٢٨١ – ٢٨٥؛ الكامل في التاريخ، ٣: ٢٣٧.
  57. تاريخ الطبري، ٥: ٢٦٨.
  58. الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٥.
  59. وهو كندي أيضاً.
  60. الأرش دية الجراحات.
  61. يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٦٣ - ٣٦٤، الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٥.
  62. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٨.
  63. سورة الفاتحة، الآية 1.
  64. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩، الأغاني ١٧: ٨٩، ط دار الثقافة.
  65. الغارات ٢: ٢٦٦.
  66. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩.
  67. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.
  68. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩ - ٢٧٠، الأغاني ١٦: ٨٨ - ٨٩، أعيان الشيعة ٣٠: ١٨٤ – ١٨٦.
  69. يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.
  70. تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩ – ٢٧٠. الأغاني ١٦: ٨٩، طبع دار الثقافة، تحقيق عبد الستار فراج.
  71. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.
  72. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.
  73. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٢.
  74. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠، الأغاني: ١٧: ٩٠، ط دار الثقافة.
  75. الغارات ٢: ٥٢٨.
  76. الغارات ٢: ٥٤٥.
  77. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.
  78. نعلم أن نصر بن مزاحم - أحد مؤرحي الخلافة العلوية - هو أيضاً منقري، فلاحظ الترابط في الاتحاه السليم، فذاك يسير في درب الشهادة، وهذا تسير في درب الثقافة والتأليف.
  79. أعيان الشيعة ٢٠: ١٨٧.
  80. تاريخ الطبري ٥: ٢٧١.
  81. تاريخ الطبري ٥: ٢٨٠، الأغاني ١٧: ٩٥ طبعة دار الثقافة - بيروت، مروج الذهب ٣: ١٢، الطبقات الكبرى ٦: ٢٢٠.
  82. جاء في الاستيعاب ١: ٣٥٧، قال أحمد: قلت لابن سليمان: أبلغك أن حجرا كان مستجاب الدعوة قال: نعم، وكان من أفاضل أصحاب النبي (ص).
  83. اعيان الشيعة ٢٠: ١٥٢، الاصابة ١: ٣١٤.
  84. الطبقات ٦: ٢١٩.
  85. الطبقات ٦: ٢١٩.
  86. يقصد أن الثوار هم من أهل اليمن قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. والترابية، ويقصد أن الثوار هم من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).
  87. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٣.
  88. تاريخ الطبري ۵: ٢٧٣.
  89. الجذاذ بالفتح: فصل الشيء عن الشيء. والجذاذ بالضم: المقطع والمكسر. قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ.
  90. يريد: لا تنجشم إصلاحاً والأبر: إصلاح النخل.
  91. تاريخ الطبري ٥: ٢٣٧، الكامل في التاريخ ٣: ٢٤٠.
  92. في الأصل: لا يحدث حدثا والصحيح ما اثبتناه.
  93. مروج الذهب ٣: ١٣، تاريخ الطبري ٥: ٢٧٥.
  94. الطبري ٢٧٥: ٥: فيه «هلك» بدلاً من «سلك»، وهو بالتأكيد تصحيف. يراجع: الأغاني ١٦: ١٠، طبعة بولاق.
  95. أعيان الشيعة ٢٠: ٢٠٠ - ٢٠١. قال: ولم يذكر قتل ولده غير المرزباني.
  96. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٥ - ٢٧٦، طبقات ابن سعد ٦: ٢١٩، طبعة دار صادر - بيروت، الاغاني ١٦: ١٠، طبعة بولاق، مروج الذهب ٣: ١٣.
  97. الكامل في التاريخ: ٣: ٢٤١.
  98. يراجع: تاريخ الطبري ٥: ٢٧٨.
  99. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٧.
  100. تاريخ الطبري ٥: ٢٩١.
  101. تاريخ الطبري ٥: ٢٩١، الإستيعاب ١: ٣٥٨.
  102. تاريخ الطبري ٥: ٢٩١.
  103. أعيان الشيعة ٢٠: ٢١٠.
  104. الاستيعاب: ١: ٣٥٦.
  105. تاريخ الطبري: ٥: ٢٧٩.
  106. الاستيعاب: ١: ٣٥٨.
  107. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٩.
  108. اعيان الشيعة ٢٠: ٢١٧.
  109. سورة الكهف، الآية ٤٩.
  110. البحار ١٠: ١٤٩، الطبعة الحجريه طبعة امين الضرب، الاحتجاج ٢: ٢٠.
  111. تاريخ الطبري ٥: ٢٧٩، الخصال - للصدوق – ١: ١٨١ باب ٣: ٢٤٨، وفيه: حين قتل الحسين بن علي(ع)...
  112. الاستيعاب ١: ٣٥٧.
  113. الاستيعاب ١: ٣٥٧، اعيان الشيعة ٢٠: ٢١٨، تاريخ الطبري ٥: ٢٧٩ - ٢٨٠.
  114. يراجع: أعيان الشيعة ٢٠: ٢١٢، نقلاً من مخطوطة كتاب الفرج بعد الشدة والضيقة للقاضي التنوخي، ونقلتها الأعيان بتصرف لتوضيح المعنىٰ.
  115. اعيان الشيعة ٢٠: ٢٢٣ – ٢٢٤.
  116. تاريخ الطبري ٥: ٢٨٥.
  117. الإصابة: ١: ٣١٣.
  118. اسد الغابة ٢: ٣٩٠.
  119. مستدرك الحاكم النيسابوري ٣: ٤٧٠ ط: بيروت.
  120. سورة الفاتحة، الآية ١.
  121. يراجع طبقات ابن سعد ٦: ٢٢٠.
  122. سورة الفاتحة، الآية ١.
  123. اعيان الشيعة: ٢٠: ٢٠٥ – ٢٠٧.
  124. يراجع كتاب: حجر بن عدي: درخششي در تاريكي: تأليف: مرزناك، والقطعة الآنفة مترجمة من الفارسية.
  125. حجر بن عدي: تأليف ناصر كمرأي: ١٣٢ - ١٣٤.
  126. حجر بن عدي، المقدمة بقلم الناشر الطباطبائى.
  127. يراجع راهنماي (أي دليل) مطالعات وتحقيقات. تأليف: عليرضا برازش، ٣٩: رقم ٣١٣.
  128. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٢١٥-٣٩٣.