ط
استبدال النص - 'غضب' ب'غضب'
لا ملخص تعديل |
ط (استبدال النص - 'غضب' ب'غضب') |
||
| سطر ١٣٠: | سطر ١٣٠: | ||
ثم ان عبد [[الرحمن]] بعد هذه المجابهة الفذة جلس وهو يتمتم: «أيفتخر علينا بما صنع في بلادنا أول ما قدم، وأيم [[الله]] لأذكرته أبغض مواطنه تلك إليه». | ثم ان عبد [[الرحمن]] بعد هذه المجابهة الفذة جلس وهو يتمتم: «أيفتخر علينا بما صنع في بلادنا أول ما قدم، وأيم [[الله]] لأذكرته أبغض مواطنه تلك إليه». | ||
لم يكن من المتوقع أن يسمع [[الأمير]] المغرور هذه [[الكلمة]] المفاجئة، لقد فاجأه عبد الرحمن وهو - أي [[الضحاك]] - في ساعة | لم يكن من المتوقع أن يسمع [[الأمير]] المغرور هذه [[الكلمة]] المفاجئة، لقد فاجأه عبد الرحمن وهو - أي [[الضحاك]] - في ساعة غضب وزمجرة خطابية الأمر الذي هدأ قليلا، وأصغى إلى كلمات عبد الرحمن، وكل كلمة من كلماته كانت طعنة في الصميم بل وان كلمات عبد الرحمن ذكرت الأمير كشريط كاسيت بكل أحداث تدمر المخزية بالنسبة إليه مما أشعرت الأمير بالخزي يغلقه بخلافه، فبعد أن كان محموما في خطابه [[شعر]] أن البرد يسري إليه، فقطع [[الخطاب]]، وطفق ينزل من منصة [[الخطابة]]، وهو يقول في كلمات ضعيفة: «نعم كان ذلك اليوم بآخرة». | ||
ولقد أعجب الجمهور هذه المجابهة الفذة العملاقة، فلما أن انقض [[الناس]] التقى [[محمد]] بن مخلف بعبد الرحمن بن عبيد وقال له في اعجاب وتقدير: «لقد اجترأت حين تذكره ذلك اليوم، وتخبره أنك كنت فيمن لقيه». فقال: {{نص قرآني|قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا}}<ref>سورة التوبة: ٥١.</ref><ref>الغارات ٢: ٤١٦ – ٤٣٨، أعيان الشيعة ٢٠: ١٦١.</ref>. | ولقد أعجب الجمهور هذه المجابهة الفذة العملاقة، فلما أن انقض [[الناس]] التقى [[محمد]] بن مخلف بعبد الرحمن بن عبيد وقال له في اعجاب وتقدير: «لقد اجترأت حين تذكره ذلك اليوم، وتخبره أنك كنت فيمن لقيه». فقال: {{نص قرآني|قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا}}<ref>سورة التوبة: ٥١.</ref><ref>الغارات ٢: ٤١٦ – ٤٣٨، أعيان الشيعة ٢٠: ١٦١.</ref>. | ||
| سطر ٣٧٧: | سطر ٣٧٧: | ||
وهنا تكمن نقطة عقدة [[النقص]] في [[نفسية]] الوالي، ولأجل أن يثبت ابن أبيه ولائه للحكومة، ويثبت أنه من أبي سفيان راح يطارد حجر بن عدي وأركان حركته. | وهنا تكمن نقطة عقدة [[النقص]] في [[نفسية]] الوالي، ولأجل أن يثبت ابن أبيه ولائه للحكومة، ويثبت أنه من أبي سفيان راح يطارد حجر بن عدي وأركان حركته. | ||
وكان ابن أبيه حاول عن طريق المفاوضات الثنائية أن يستتبع حجراً إلى مركز الحكومة حيث يستطيع أن يلقى عليه [[القبض]] بأهون سبيل، ولكن عندما أمتنع حجر بن عدي أن يفاوض الوفد مبدئياً، فإنه امتنع بطبيعة الحال أن يرافق الوفد إلى دار الامارة، ومن هذه [[الحقيقة]]، فإن ابن أبيه | وكان ابن أبيه حاول عن طريق المفاوضات الثنائية أن يستتبع حجراً إلى مركز الحكومة حيث يستطيع أن يلقى عليه [[القبض]] بأهون سبيل، ولكن عندما أمتنع حجر بن عدي أن يفاوض الوفد مبدئياً، فإنه امتنع بطبيعة الحال أن يرافق الوفد إلى دار الامارة، ومن هذه [[الحقيقة]]، فإن ابن أبيه غضب واشتد غضبه على حجر بن عدي، وكبار أعضاء [[الحركة]]، وفي اليوم التالي رأى [[الناس]] أن ابن أبيه يخرج من دار الامارة إلى المسجد في وسط حراسة مشددة، وكان المسجد آنئذٍ مشحوناً بالجماهير المطالبة بحقوقها، وكان حجر بن عدي قد توسط الجماهير يصدر إليهم بتعاليمه وإرشاداته القويمة، وربما [[تكلم]] إليهم عن الوفد الذي أرسلته الحكومة للتفاوض، وردود فعله تجاهه. | ||
توافد المسؤولون في الحكومة إلى المسجد ليؤدوا إلى الوالي تحية الصباح في وسط الأجواء المتوترة السائدة في البلدة. | توافد المسؤولون في الحكومة إلى المسجد ليؤدوا إلى الوالي تحية الصباح في وسط الأجواء المتوترة السائدة في البلدة. | ||
| سطر ٥٥١: | سطر ٥٥١: | ||
وهو من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن المؤيدين لتحركه التحرري، فأرسل ابن أبيه [[مدير]] [[الشرطة]] مع فريق من الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، وسار مدير الشرطة مع فريقه مثيرين [[الرعب]] في قلوب الناس إلى دار قبيصة، فوصلت أنباء الشرطة إلى قبيصة فثار إلى سيفه، وبعث من يدعو له الناس في حيه [[حي]] [[بني عبس]]، فلم يخف إلى نجدته إلا قلة من العبسيين. | وهو من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن المؤيدين لتحركه التحرري، فأرسل ابن أبيه [[مدير]] [[الشرطة]] مع فريق من الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، وسار مدير الشرطة مع فريقه مثيرين [[الرعب]] في قلوب الناس إلى دار قبيصة، فوصلت أنباء الشرطة إلى قبيصة فثار إلى سيفه، وبعث من يدعو له الناس في حيه [[حي]] [[بني عبس]]، فلم يخف إلى نجدته إلا قلة من العبسيين. | ||
كان قبيصة وجماعته متحفزين للقتال، وما إن وصل مدير الشرطة مع فريقه حتى وثب قبيصة مجرداً سيفه محاولاً [[النضال]] ضد عناصر [[البغي]]، وهنا تقدم مدير الشرطة إلى قبيصة مبديا إشفاقه على قبيصة، وقال له معبرا له عن صيغة [[الأمان]]: «أنت آمن على دمك، ومالك، فلم تقتل نفسك، فلم يقبل قبيصة وحاول أن يهاجمهم الا ان العبيسين اعترضوه وقالوا له مستنكرين، وقد شاع فيهم [[الضعف]] والخور، ولمسوا قلة عددهم أمام سطوة الحكومة: «قد أو مِنتَ فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك»، فقال قبيصة وقد سرت فيه موجة | كان قبيصة وجماعته متحفزين للقتال، وما إن وصل مدير الشرطة مع فريقه حتى وثب قبيصة مجرداً سيفه محاولاً [[النضال]] ضد عناصر [[البغي]]، وهنا تقدم مدير الشرطة إلى قبيصة مبديا إشفاقه على قبيصة، وقال له معبرا له عن صيغة [[الأمان]]: «أنت آمن على دمك، ومالك، فلم تقتل نفسك، فلم يقبل قبيصة وحاول أن يهاجمهم الا ان العبيسين اعترضوه وقالوا له مستنكرين، وقد شاع فيهم [[الضعف]] والخور، ولمسوا قلة عددهم أمام سطوة الحكومة: «قد أو مِنتَ فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك»، فقال قبيصة وقد سرت فيه موجة غضب: «ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني». | ||
فقال العبسيون وقد استشعروا ألم [[الموت]] لو انهم حاربوا وناضلوا: «كلا». | فقال العبسيون وقد استشعروا ألم [[الموت]] لو انهم حاربوا وناضلوا: «كلا». | ||
| سطر ٨٦٠: | سطر ٨٦٠: | ||
#شدّاد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي كان أحد [[الشهود]] الذين شهدوا على حجر بن عدي، وهو يحمل رقم (٢٥) في قائمة الشهود، وكان شداد هذا مشهوراً عند [[الناس]] ب «شداد بن بزيعة»، وبزيعة هذه هي أمه، وحينما عرضت أسماء الشهود على ابن أبيه فقرأها، فلما وصل إلى شداد بن بزيعة [[شعر]] بهوانه وضآلة شأنه عند الناس حيث إن الناس كانوا يعرفون زياداً منتسباً إلى أمه تماماً كما ان شداداً منتسب إلى أمه أيضاً، ولكن هذا الاحساس بالهوان وضآلة الشأن انقلب في نفس ابن أبيه إلى [[ثورة]] غاضبة، وزمجرة قاصفة، فصاح وهو يشير إلى [[اسم]] شداد بن بزيعة: «ما لهذا [[أب]] ينسب إليه». ثم أردف غاضباً: «ألقوا هذا من الشهود». ولكن لما كان شداد بن بزيعة من مشاهير [[البلد]] تقدم أحد رجال الحاشية إلى ابن أبيه وقال، وهو يشيد بشداد وشهرته: «إن شداد هذا هو أخو الحصين بن المنذر. فلما عرف ابن أبيه أن شدادا هذا له شأنه في زمرة [[الحكومة]] قال: «فانسبوه إلى أبيه»، فنسب إلى أبيه، وكتب في وثيقة [[الشهادة]]: شداد بن المنذر، فبلغت هذه [[القصة]] إلى شداد بن المنذر، وان [[الوالي]] حاول أن يلغي إسمه من قائمة [[الشهود]] لضالة اسمه، ونسبته إلى أمه، فغضب شداد بدوره هو الآخر من الوالي الذي يحمل العيب بالذات، فقال: «ويلي على ابن الزانية، أو ليست أمه أعرف من أبيه، والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩ – ٢٧٠. الأغاني ١٦: ٨٩، طبع دار الثقافة، تحقيق عبد الستار فراج.</ref>. وهكذا يتراجع الرجلان حول [[النسب]] [[العالم]]. | #شدّاد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي كان أحد [[الشهود]] الذين شهدوا على حجر بن عدي، وهو يحمل رقم (٢٥) في قائمة الشهود، وكان شداد هذا مشهوراً عند [[الناس]] ب «شداد بن بزيعة»، وبزيعة هذه هي أمه، وحينما عرضت أسماء الشهود على ابن أبيه فقرأها، فلما وصل إلى شداد بن بزيعة [[شعر]] بهوانه وضآلة شأنه عند الناس حيث إن الناس كانوا يعرفون زياداً منتسباً إلى أمه تماماً كما ان شداداً منتسب إلى أمه أيضاً، ولكن هذا الاحساس بالهوان وضآلة الشأن انقلب في نفس ابن أبيه إلى [[ثورة]] غاضبة، وزمجرة قاصفة، فصاح وهو يشير إلى [[اسم]] شداد بن بزيعة: «ما لهذا [[أب]] ينسب إليه». ثم أردف غاضباً: «ألقوا هذا من الشهود». ولكن لما كان شداد بن بزيعة من مشاهير [[البلد]] تقدم أحد رجال الحاشية إلى ابن أبيه وقال، وهو يشيد بشداد وشهرته: «إن شداد هذا هو أخو الحصين بن المنذر. فلما عرف ابن أبيه أن شدادا هذا له شأنه في زمرة [[الحكومة]] قال: «فانسبوه إلى أبيه»، فنسب إلى أبيه، وكتب في وثيقة [[الشهادة]]: شداد بن المنذر، فبلغت هذه [[القصة]] إلى شداد بن المنذر، وان [[الوالي]] حاول أن يلغي إسمه من قائمة [[الشهود]] لضالة اسمه، ونسبته إلى أمه، فغضب شداد بدوره هو الآخر من الوالي الذي يحمل العيب بالذات، فقال: «ويلي على ابن الزانية، أو ليست أمه أعرف من أبيه، والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٦٩ – ٢٧٠. الأغاني ١٦: ٨٩، طبع دار الثقافة، تحقيق عبد الستار فراج.</ref>. وهكذا يتراجع الرجلان حول [[النسب]] [[العالم]]. | ||
#كان في الشهود جماعة من ربيعة، فغضبت [[قبيلة]] ربيعة، وخاصة بعد أن تطورت الاحداث إلى تلك المجزرة الرهيبة بمقتل حجر بن عدي، والصفوة من أنصاره. نعم بعد هذه التطورات غضبت ربيعة على هؤلاء الشهود من ربيعة، وقالوا لهم: «شهدتم على أوليائنا وحلفائنا». فقال الشهود الربعيون يبررون موقفهم من حجر بن عدي وجماعته: «ما نحن إلا من [[الناس]]، وقد شهد عليهم [[ناس]] من قومهم كثير»<ref> تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.</ref>. | #كان في الشهود جماعة من ربيعة، فغضبت [[قبيلة]] ربيعة، وخاصة بعد أن تطورت الاحداث إلى تلك المجزرة الرهيبة بمقتل حجر بن عدي، والصفوة من أنصاره. نعم بعد هذه التطورات غضبت ربيعة على هؤلاء الشهود من ربيعة، وقالوا لهم: «شهدتم على أوليائنا وحلفائنا». فقال الشهود الربعيون يبررون موقفهم من حجر بن عدي وجماعته: «ما نحن إلا من [[الناس]]، وقد شهد عليهم [[ناس]] من قومهم كثير»<ref> تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.</ref>. | ||
#ولقد كتب في الشهود اسمان هما: شريح بن الحارث [[القاضي]]، وشريح بن هانئ، وكانت لهما مكانة في [[المجتمع]]، فلما رأى الشعب إسميهما في قائمة الشهود الذين شهدوا على حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه تلك الشهادة النكراء | #ولقد كتب في الشهود اسمان هما: شريح بن الحارث [[القاضي]]، وشريح بن هانئ، وكانت لهما مكانة في [[المجتمع]]، فلما رأى الشعب إسميهما في قائمة الشهود الذين شهدوا على حجر بن عدي، والصفوة من أصحابه تلك الشهادة النكراء غضب الشعب عليهما، فإنهالوا عليهما بالنقد اللاذع، والسخرية الغاضبة. فأما شريح بن الحارث القاضي، فإنه أظهر برائته اللفظية إلى الناس وقال: «إن زياداً سألني عن حجر بن عدي، فأخبرته أنه كان صواما قواما»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠.</ref>. وأما شريح بن هانئ، فإنه لم يحضر الشهود، وإنما كتب الموظفون إسمه في جملة الشهود بدون علمه، فلما عرف شريح بن هاني أنه قد ذكر إسمه في قائمة الشهود، وسمع قوارص القول من الناس بادر سريعاً، وكتب [[رسالة]] إلى [[معاوية]] ينكر [[الشهادة]]، ويشيد بحجر بن عدي. وجاء في [[الرسالة]] ما يلي: «أما بعد، فإنه بلغنى أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم [[الصلاة]]، ويؤتي [[الزكاة]]، ويديم [[الحج]] والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن [[المنكر]]، [[حرام]] الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٧٢.</ref>. لقد كانت مغامرة من شريح بن هانئ أن يكتب هذه الرسالة في ذلك الجو المشحون بالذعر والارهاب، إنها [[شجاعة]] أدبيه تقدر من شريح بن هاني، وفي نفس الوقت وفاءاً لصديقه حجر بن عدي، ولا غرو فإن شريح بن هانئ من [[أصحاب أمير المؤمنين]]{{ع}}، ومن تلامذته المخلصين، ومن خريجي مدرسته. وهذه الرسالة، وهي رسالة من [[إنسان]] سليم الاتجاه تثير بدورها [[الشبهات]]، وعلامات [[الاستفهام]] على الشهادة، وعلى [[الشهود]] جميعا. ولم يكتف ابن هانئ بهذه الرسالة بل إرتاد دار الامارة وعاتب ابن أبيه، وكذب شهادته، ولقد قال ابن هانئ للناس عندما كانوا يذكرون شهادته المزورة: «ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي، فاكذبته ولمته»<ref>تاريخ الطبري ٥: ٢٧٠، الأغاني: ١٧: ٩٠، ط دار الثقافة.</ref>. | ||
#ونجد أنه ليس فحسب كتب إسم شريح بن هانئ في قائمة الشهود، وهو [[غائب]] عن الشهادة بل وساخط عليها، بل هناك رجل آخر سرد إسمه في قائمة الشهود وهو غائب في عمله، في وظيفته الحكومية، وهذا الرجل هو [[السري بن وقاص الحارثي]]، وهو يحمل رقم (١٩) في قائمة أسماء الشهود. | #ونجد أنه ليس فحسب كتب إسم شريح بن هانئ في قائمة الشهود، وهو [[غائب]] عن الشهادة بل وساخط عليها، بل هناك رجل آخر سرد إسمه في قائمة الشهود وهو غائب في عمله، في وظيفته الحكومية، وهذا الرجل هو [[السري بن وقاص الحارثي]]، وهو يحمل رقم (١٩) في قائمة أسماء الشهود. | ||
#ثم نجد رجلين آخرين من الشهود يعتذران إلى [[الناس]] من الشهادة بعد أن سددوا إليهما سهام النقد، وهذان الرجلان هما كما يذكرهما [[الطبري]]: أسماء بن خارجة الفزاري، ويحمل رقم (٣١)، و [[الهيثم بن الأسود النخعي]]، ويحمل رقم (٣٩). | #ثم نجد رجلين آخرين من الشهود يعتذران إلى [[الناس]] من الشهادة بعد أن سددوا إليهما سهام النقد، وهذان الرجلان هما كما يذكرهما [[الطبري]]: أسماء بن خارجة الفزاري، ويحمل رقم (٣١)، و [[الهيثم بن الأسود النخعي]]، ويحمل رقم (٣٩). | ||
| سطر ١٬١٧٣: | سطر ١٬١٧٣: | ||
وهذه الظاهرة المرعبة كانت قد اخترعتها ذهنية رئيس الجزارين مستهدفا [[إرهاب]] السجناء، وإنذارهم إلى المصير المحتوم أن لم يستجيبوا لشروط [[معاوية]] في مقابل إطلاق سراحهم، وكان الجلاوزة والجزارون يودون لو يستجيب السجناء خاصة بعد أن شاهدوا بأم أعينهم صلاحهم، وصلاتهم، وخشوعهم، وتهجدهم في [[الليل]] على إمتدداده للشروط، ولكن هيهات هيهات أن يستجيب الأبرار للفجار، ولو استجاب الأبرار للفجار لما بقيت لهم تلك الهالة، هالة [[البر]] والتقوى والنور، لما استحقوا التكريم والثناء بل لنزلوا، ولهبطوا إلى منعرجات الشروط وعاشوها، وتلبسوا بها، وإن كانت قلوبهم تستنكر الشروط، فإن العفن والروائح الكريهة لابد أن تلصق بمن عاش أجوائها، ولابد أن تشبع رأته منها. | وهذه الظاهرة المرعبة كانت قد اخترعتها ذهنية رئيس الجزارين مستهدفا [[إرهاب]] السجناء، وإنذارهم إلى المصير المحتوم أن لم يستجيبوا لشروط [[معاوية]] في مقابل إطلاق سراحهم، وكان الجلاوزة والجزارون يودون لو يستجيب السجناء خاصة بعد أن شاهدوا بأم أعينهم صلاحهم، وصلاتهم، وخشوعهم، وتهجدهم في [[الليل]] على إمتدداده للشروط، ولكن هيهات هيهات أن يستجيب الأبرار للفجار، ولو استجاب الأبرار للفجار لما بقيت لهم تلك الهالة، هالة [[البر]] والتقوى والنور، لما استحقوا التكريم والثناء بل لنزلوا، ولهبطوا إلى منعرجات الشروط وعاشوها، وتلبسوا بها، وإن كانت قلوبهم تستنكر الشروط، فإن العفن والروائح الكريهة لابد أن تلصق بمن عاش أجوائها، ولابد أن تشبع رأته منها. | ||
لقد اصطف السجناء الشيوخ الأبرار في الساحة، وكان بينهم شاب جميل [[الصورة]]، معتدل [[الخلق]]، غض الشباب، ناضر الوجه، مشرق الجبين، حلو قسمات الوجه، وكان عذب الصوت، حلو الحديث لا تكاد تقع عليه العين حتى تهواه [[النفس]]، ولا يكاد صوته يقع في الاذن حتى يصبو إليه [[القلب]]، وكان في أكبر [[الظن]] قد جاء مع أهله من [[الكوفة]] ليزور أباه الزعيم حجر بن عدي، فكان الشاب مع أبيه إلى أن جاء الجزارون في ذلك المساء المرعب، وحينما ألقى رئيس الجزارين شروط معاوية في مقابل [[تخلية]] سبيل السجناء، وجاء دور السجناء [[الشجاع]] [[القوي]] كان الشاب وإسمه: «[[همام بن حجر بن عدي]]» قدسمع تلك الشروط الحاقدة، وسمع هتاف السجناء المتحدي ملكه | لقد اصطف السجناء الشيوخ الأبرار في الساحة، وكان بينهم شاب جميل [[الصورة]]، معتدل [[الخلق]]، غض الشباب، ناضر الوجه، مشرق الجبين، حلو قسمات الوجه، وكان عذب الصوت، حلو الحديث لا تكاد تقع عليه العين حتى تهواه [[النفس]]، ولا يكاد صوته يقع في الاذن حتى يصبو إليه [[القلب]]، وكان في أكبر [[الظن]] قد جاء مع أهله من [[الكوفة]] ليزور أباه الزعيم حجر بن عدي، فكان الشاب مع أبيه إلى أن جاء الجزارون في ذلك المساء المرعب، وحينما ألقى رئيس الجزارين شروط معاوية في مقابل [[تخلية]] سبيل السجناء، وجاء دور السجناء [[الشجاع]] [[القوي]] كان الشاب وإسمه: «[[همام بن حجر بن عدي]]» قدسمع تلك الشروط الحاقدة، وسمع هتاف السجناء المتحدي ملكه غضب عنيف، فساور رئيس الجلاوزة، ثم دخل مع الجلاوزة معركة عنيفة، ولكن الجلاوزة ببطشهم استطاعوا أن يكبحوا جماح الشاب، ويصفدوه في الأغلال، ويتركوه يئن من رضوضه وجراحه. | ||
ثم إن رئيس الجلاوزة عرض عليه تلك الشروط [[الأموية]]، فأبى الشاب في [[تحدي]] شجاع، وشمم نابع من [[إيمان]] عميق، فتركه الجلاوزة في صفوف السجناء، وحينما اصطف السجناء في ساحة [[الشهادة]] أقبل الجلادون عليهم، وقالوا لهم في دهشة، وقد شاهدوا السجناء يصلون ويتهجدون الليل كله: «يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم [[الصلاة]]، وأحسنتم [[الدعاء]]، فأخبرونا ما قولكم في عثمان»، فقال السجناء: «هو أول من جار في [[الحكم]]، وعمل بغير [[الحق]]». | ثم إن رئيس الجلاوزة عرض عليه تلك الشروط [[الأموية]]، فأبى الشاب في [[تحدي]] شجاع، وشمم نابع من [[إيمان]] عميق، فتركه الجلاوزة في صفوف السجناء، وحينما اصطف السجناء في ساحة [[الشهادة]] أقبل الجلادون عليهم، وقالوا لهم في دهشة، وقد شاهدوا السجناء يصلون ويتهجدون الليل كله: «يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم [[الصلاة]]، وأحسنتم [[الدعاء]]، فأخبرونا ما قولكم في عثمان»، فقال السجناء: «هو أول من جار في [[الحكم]]، وعمل بغير [[الحق]]». | ||
| سطر ١٬٢٣٢: | سطر ١٬٢٣٢: | ||
ثم التفت إلى المستطعمين حول الطاغية عله يجد منجداً من قبيلته، فلم يظفر أحداً، فأضاف قائلاً: «ولا ربيعة بالوادي». | ثم التفت إلى المستطعمين حول الطاغية عله يجد منجداً من قبيلته، فلم يظفر أحداً، فأضاف قائلاً: «ولا ربيعة بالوادي». | ||
ولقد | ولقد غضب الطاغية أشد [[الغضب]] من هذا [[التحدي]] [[الشجاع]]، ومن هذا الموقف الذي اتخذه تلميذ الإمام في بلاطه، وفي مركز هو أشد المراكز استراتيجية لانتشار الأخبار. لقد فضحه تلميذ الإمام أمام بطانته، وكشف سياسته الملتوية قبال [[الإسلام]]، وقبال الشخصيات العملاقة التي تمثله اكمل تمثيل تماماً كما كشف [[سياسة]] سلفه [[الأموي]]. | ||
ومن هذه المنطلقات التي تثير الواحدة منها ثائرة الطاغية، وتفجره تفجيراً، فكيف بها مجتمعة. | ومن هذه المنطلقات التي تثير الواحدة منها ثائرة الطاغية، وتفجره تفجيراً، فكيف بها مجتمعة. | ||
| سطر ١٬٢٥٢: | سطر ١٬٢٥٢: | ||
أما من جهة الجلاوزة في سجن مرج عذراء، فانهم كانوا قد قتلوا حجر بن عدي وجماعته، واقبلوا إلى [[المدينة]] ليخبرو الطاغية عن تنفيذ أوامره لكي يحصلوا على الجوائز، وفي منتصف الطريق التقى ابن هبيرة وجماعته بالقتلة والجلاوزة، ولما [[شاهد]] القتلة ابن هبيرة في جموع [[الناس]] عرفوا أنه انما جاء في جموع الناس ليخلصوا حجراً من أيديهم، فقال ابن هبيرة لهم: «ما ورائكم»، فقال الجلاوزة في خبث وحذر: «تاب [[القوم]]، وجئنا لنخبر [[معاوية]]»، فسكت ابن هبيرة، ثم تابع في جموع الناس مسيرته، وسار القتلة الهوينا حتى إذا ابتعدوا قليلا عن جموع الناس حملوا جيادهم على السرعة إلى أقصىٰ حد ممكن حتى ينجوا بانفسهم من [[موت]] زوام على يد ابن هبيرة وجماعته، وفي الطريق وكاد ابن هبيرة وجماعته أن يصلوا إلى مرج عذراء، وإذا بناس أقبلوا من مرج عذراء، والتقى ابن هبيرة بهم، فأخبروه عن [[الخبر]] [[الصدق]]، وقالوا له: «إن حجر بن عدي واصحابه قد قتلوا». | أما من جهة الجلاوزة في سجن مرج عذراء، فانهم كانوا قد قتلوا حجر بن عدي وجماعته، واقبلوا إلى [[المدينة]] ليخبرو الطاغية عن تنفيذ أوامره لكي يحصلوا على الجوائز، وفي منتصف الطريق التقى ابن هبيرة وجماعته بالقتلة والجلاوزة، ولما [[شاهد]] القتلة ابن هبيرة في جموع [[الناس]] عرفوا أنه انما جاء في جموع الناس ليخلصوا حجراً من أيديهم، فقال ابن هبيرة لهم: «ما ورائكم»، فقال الجلاوزة في خبث وحذر: «تاب [[القوم]]، وجئنا لنخبر [[معاوية]]»، فسكت ابن هبيرة، ثم تابع في جموع الناس مسيرته، وسار القتلة الهوينا حتى إذا ابتعدوا قليلا عن جموع الناس حملوا جيادهم على السرعة إلى أقصىٰ حد ممكن حتى ينجوا بانفسهم من [[موت]] زوام على يد ابن هبيرة وجماعته، وفي الطريق وكاد ابن هبيرة وجماعته أن يصلوا إلى مرج عذراء، وإذا بناس أقبلوا من مرج عذراء، والتقى ابن هبيرة بهم، فأخبروه عن [[الخبر]] [[الصدق]]، وقالوا له: «إن حجر بن عدي واصحابه قد قتلوا». | ||
فغضب ابن هبيرة، وهتف بجماعته أن يطاردوا القتلة حتى يقبضوا عليهم، ويقتلوهم، وقال في | فغضب ابن هبيرة، وهتف بجماعته أن يطاردوا القتلة حتى يقبضوا عليهم، ويقتلوهم، وقال في غضب عنيف: «علي بالقوم»، فعطف جماعة ابن هبيرة اعنة الخيل، وتبعوا القتلة، واسرعت الخيل وراء القتلة، ولكن القتلة كانوا قد فاتوهم وسبقوهم إلى الطاغية، وهم يلهثون في قلوب واجفة، ونفوس مضطربة، وهناك أخبروه عن ابن هبيرة وجماعته في نبرات متقطعة، فقال لهم الطاغية: «اسكنوا، فانما هي حرارة يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئت». | ||
ثم إن ابن هبيرة لما لم يظفر بحاجته قاطع الطاغية، وجلس في منزله، فارسل إليه الطاغية يدعوه إلى ديوانه ولكن ابن هبيرة أبي أن للدعوة أو أن يأتيه، فلما امسى المساء بعث إليه الطاغية ب «١٠٠٠٠٠» درهم مع [[رسالة]]، ولقد حظيت تلك [[الثروة]] الضخمة من أموال المسلمين عند ابن هبيرة، وطابت نفسه بها، ورضى عن الطاغية، فلما كان من الغد وفد هو في جموع من قومه إلى الطاغية ليعلنوا [[الولاء]] تحت ظل المائة ألف درهم. | ثم إن ابن هبيرة لما لم يظفر بحاجته قاطع الطاغية، وجلس في منزله، فارسل إليه الطاغية يدعوه إلى ديوانه ولكن ابن هبيرة أبي أن للدعوة أو أن يأتيه، فلما امسى المساء بعث إليه الطاغية ب «١٠٠٠٠٠» درهم مع [[رسالة]]، ولقد حظيت تلك [[الثروة]] الضخمة من أموال المسلمين عند ابن هبيرة، وطابت نفسه بها، ورضى عن الطاغية، فلما كان من الغد وفد هو في جموع من قومه إلى الطاغية ليعلنوا [[الولاء]] تحت ظل المائة ألف درهم. | ||