الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الكفر عند أهل السنة»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٨: | سطر ٨: | ||
===التعريف الاصطلاحي=== | ===التعريف الاصطلاحي=== | ||
عَرَّفه [[الراغب الأصفهاني]] بقوله: «الكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد [[الوحدانية]]، أو [[النبوة]]، أو [[الشريعة]]، أو ثلاثتها»<ref>المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧١٤، ٧١٥.</ref>. وقد قال: | عَرَّفه [[الراغب الأصفهاني]] بقوله: «الكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد [[الوحدانية]]، أو [[النبوة]]، أو [[الشريعة]]، أو ثلاثتها»<ref>المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧١٤، ٧١٥.</ref>. وقد قال: [[ابن حزم الظاهري]] بنفس التعريف السابق للكافر، فقال ما نصه:«جحد الربوبية وجحد [[نبوة]] [[نبي]] من [[الأنبياء]] صحت نبوته في [[القرآن]]، أو جحد شيء مما أتى به [[رسول الله]]{{صل}}، ما صح عند جاحده بنقل الكافة أو [[عمل]] شيء قام [[البرهان]] بأن [[العمل]] به [[كفر]]»<ref>الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم ٣/١١٨.</ref>. وعرفه [[ابن القيم]] فقال:«الكفر جَحْدُ ما عُلم أن [[الرسول]] جاء به، سواءٌ كان من المسائل التي تسمونها علميةً أو عمليةً، فمن جحد ما جاء به الرسول{{صل}} بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافرٌ في دق [[الدين]] وجله»<ref>مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، اختصره الموصلي، ص٥٩٦.</ref>. | ||
==الكفر في الاستعمال القرآني== | ==الكفر في الاستعمال القرآني== | ||
| سطر ٧٧: | سطر ٧٧: | ||
===الكفر الأكبر=== | ===الكفر الأكبر=== | ||
الكفر الأكبر هو الذي يُخرِج من الملة، ويجعل صاحبه خالدًا في النار [[يوم القيامة]]، ومن خلال النظر في [[آيات القرآن]] يمكن القول إن الكفر الأكبر ورد في القرآن على عدة أنواع: بيانها على سبيل المثال ما يلي: | الكفر الأكبر هو الذي يُخرِج من الملة، ويجعل صاحبه خالدًا في النار [[يوم القيامة]]، ومن خلال النظر في [[آيات القرآن]] يمكن القول إن الكفر الأكبر ورد في القرآن على عدة أنواع: بيانها على سبيل المثال ما يلي: | ||
#'''كفر التكذيب:''' وقد يسمى بكفر [[الجحود]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٩.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٨.</ref>. والمعنى: لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن [[كذب]] على [[الله]] فقال: إن الله أوحى إليه شيئًا، ولم يوح إليه شيءٌ. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. وهكذا لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كَذَّبَ بالحق لما جاءه، فالأول مفترٍ، والثاني مكذبٌ؛ ولهذا قال: {{نص قرآني|أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}} <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٥ - ٢٩٦.</ref>. قال ابن تيمية: «التكذيب أَخَصُّ من الكفر، فكل مكذبٍ لِما جاءت به الرسل فهو كافرٌ. وليس كل كافرٍ مكذبًا. والخارجون عن هذا الإيمان [[مشركون]] أشقياء. فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركًا، وكل مشركٍ مكذبٌ للرسل، وكل مشركٍ وكافرٍ بالرسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرسل وهو مشركٌ» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢/٧٩، ٩/٣٢.</ref>. | #'''كفر التكذيب:''' وقد يسمى بكفر [[الجحود]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٩.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٦٨.</ref>. والمعنى: لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن [[كذب]] على [[الله]] فقال: إن الله أوحى إليه شيئًا، ولم يوح إليه شيءٌ. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. وهكذا لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كَذَّبَ بالحق لما جاءه، فالأول مفترٍ، والثاني مكذبٌ؛ ولهذا قال: {{نص قرآني|أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}} <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٥ - ٢٩٦.</ref>. قال [[ابن تيمية]]: «التكذيب أَخَصُّ من الكفر، فكل مكذبٍ لِما جاءت به الرسل فهو كافرٌ. وليس كل كافرٍ مكذبًا. والخارجون عن هذا الإيمان [[مشركون]] أشقياء. فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركًا، وكل مشركٍ مكذبٌ للرسل، وكل مشركٍ وكافرٍ بالرسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرسل وهو مشركٌ» <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢/٧٩، ٩/٣٢.</ref>. | ||
#'''كفر [[الإباء]] أو [[الاستكبار]]:''' وهذا النوع من [[الكفر]] أول من اقترفه إبليس، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٤.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٣١.</ref>. والمعنى: لا شك أن إبليس كان مأمورًا بالسجود إنما منعه من ذلك [[الاستكبار]] والاستعظام <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٢٥.</ref>. | #'''كفر [[الإباء]] أو [[الاستكبار]]:''' وهذا النوع من [[الكفر]] أول من اقترفه إبليس، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٣٤.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٣١.</ref>. والمعنى: لا شك أن إبليس كان مأمورًا بالسجود إنما منعه من ذلك [[الاستكبار]] والاستعظام <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٢٥.</ref>. | ||
#[[كفر]] [[الشك]]: وهذا النوع أيضًا يقوم على عداوة أهل الكفر للرسل، وتشكيك [[الناس]] في [[الله تعالى]]، وعلى عدم [[الإيمان]] بالعقيدة، كإنكار البعث. كما قال تعالى حكاية عن صاحب الجنتين: {{ نص قرآني | وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا }}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٥-٣٨.</ref>. يقول: الشنقيطيوقوله في هذه الآية الكريمة: {{نص قرآني|أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ }}، بعد قوله: {{نص قرآني|وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً }}، يدل على أن الشك في البعث كفرٌ بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة | #[[كفر]] [[الشك]]: وهذا النوع أيضًا يقوم على عداوة أهل الكفر للرسل، وتشكيك [[الناس]] في [[الله تعالى]]، وعلى عدم [[الإيمان]] بالعقيدة، كإنكار البعث. كما قال تعالى حكاية عن صاحب الجنتين: {{ نص قرآني | وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا }}<ref> سورة الكهف، الآية ٣٥-٣٨.</ref>. يقول: الشنقيطيوقوله في هذه الآية الكريمة: {{نص قرآني|أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ }}، بعد قوله: {{نص قرآني|وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً }}، يدل على أن الشك في البعث كفرٌ بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول [[سورة الرعد]] في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}}<ref>سورة الرعد، الآية ٥.</ref>.<ref>أضواء البيان، الشنقيطي، ٣/٢٧٧.</ref> | ||
#كفر [[النفاق]]: وهذا يعد من أشد أنواع الكفر، لاسيما وقد أعد الله تعالى للمنافقين عذابًا في الدرك الأسفل من النار، ولقد بينت [[سورة البقرة]] فضائح أهل النفاق. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨-٩.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}}<ref> سورة المنافقون، الآية ٣.</ref>. | #كفر [[النفاق]]: وهذا يعد من أشد أنواع الكفر، لاسيما وقد أعد الله تعالى للمنافقين عذابًا في الدرك الأسفل من النار، ولقد بينت [[سورة البقرة]] فضائح أهل النفاق. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨-٩.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}}<ref> سورة المنافقون، الآية ٣.</ref>. | ||
| سطر ٩٤: | سطر ٩٤: | ||
##المسألة الرابعة: فيها اجتماع الضدين في [[القلب]]؛ الكفر والإيمان أخذًا من قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا}}<ref> سورة النحل، الآية ٨٣.</ref>. ففيها: اجتماع الإقرار والإنكار، والكفر والإيمان في القلب، فأيهما غلب على صاحبه صار من أصحابه. | ##المسألة الرابعة: فيها اجتماع الضدين في [[القلب]]؛ الكفر والإيمان أخذًا من قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا}}<ref> سورة النحل، الآية ٨٣.</ref>. ففيها: اجتماع الإقرار والإنكار، والكفر والإيمان في القلب، فأيهما غلب على صاحبه صار من أصحابه. | ||
##المسألة الخامسة: أن كفر النعمة يكثر وقوعه في [[الناس]]، وهو ما يجري على ألسنة الناس، فهذا مما يوجب الحذر منه، وأن [[الإنسان]] لا يجري على العوائد المخالفة للشرع <ref>إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ٢/١٥٣.</ref>. | ##المسألة الخامسة: أن كفر النعمة يكثر وقوعه في [[الناس]]، وهو ما يجري على ألسنة الناس، فهذا مما يوجب الحذر منه، وأن [[الإنسان]] لا يجري على العوائد المخالفة للشرع <ref>إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ٢/١٥٣.</ref>. | ||
#قتال [[المسلم]]: فيقتل المسلم أخاه بغير [[حق]]، ويدلل على ذلك ما جاء في [[القرآن الكريم]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}}<ref> سورة الحجرات، الآية ٩.</ref>. وفي الحديث عن زبيدٍ، قال: سألت أبا وائلٍ عن [[المرجئة]]، فقال: حدثني عبد الله أن [[النبي]] | #قتال [[المسلم]]: فيقتل المسلم أخاه بغير [[حق]]، ويدلل على ذلك ما جاء في [[القرآن الكريم]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}}<ref> سورة الحجرات، الآية ٩.</ref>. وفي الحديث عن زبيدٍ، قال: سألت أبا وائلٍ عن [[المرجئة]]، فقال: حدثني عبد الله أن [[النبي]]{{صل}} قال: {{نص حديث|سِبَابُ اَلْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ١/١٩، رقم ٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي{{صل}}: (سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)، ١/٨١، رقم ٦٤.</ref>. وبالجمع بين الحديث والآية يتضح أن قتال المسلم لا يخرج من [[الإيمان]]، كما أن قتال المسلم يعد من الكفر الأصغر، وليس من الكفر المخرج من [[الملة]]، فلم يتصفوا بخلاف الإيمان مع اقتتالهم. | ||
#الطعان في الأنساب: ففي القرآن الكريم جاءت سورة تذم هذا الصنف من الناس وهي سورة الهمزة قال [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}}<ref> سورة الهمزة، الآية ١.</ref>. والمعنى: ويل لكل طعان قبوح عياب في [[الناس]]، ومنه قول مقاتل بن | #الطعان في الأنساب: ففي القرآن الكريم جاءت سورة تذم هذا الصنف من الناس وهي [[سورة الهمزة]] قال [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}}<ref> سورة الهمزة، الآية ١.</ref>. والمعنى: ويل لكل طعان قبوح عياب في [[الناس]]، ومنه قول [[مقاتل بن سليمان]]: «يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اعتابه من خلفه، لمزةٍ، يعني: الطاغي إذا رآه طغى عليه في وجهه <ref>تفسير مقاتل بن سليمان، ٤/٨٣٧.</ref>. وبَيَّنتِ السُّنةُ [[كفر]] الطعان كما في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال [[رسول الله]]{{صل}}: (اثنتان في الناس هما بهم كفرٌ: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت، ١/٨٢، رقم ٦٧.</ref>. قال النووي معلقًا على الحديث: «وفيه أقوالٌ: أصحها أن معناه هما من [[أعمال]] الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنه يؤدي إلى [[الكفر]]، والثالث أنه كفر [[النعمة]] والإحسان، والرابع أن ذلك في المستحل، وفي هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة» <ref>المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ٢/٥٧.</ref>. | ||
#من ادعى إلى غير أبيه: قال تعالى: {{ نص قرآني |ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٥.</ref>. [[الإسلام]] جاء لينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه أبطل [[عادة]] التبني، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٨٢٥.</ref>. | #من ادعى إلى غير أبيه: قال تعالى: {{ نص قرآني |ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٥.</ref>. [[الإسلام]] جاء لينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه أبطل [[عادة]] التبني، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٨٢٥.</ref>. | ||
وأسبابها [[الحقيقة]] تقوم على البنوة الحقيقة من نحو الزواج والتناسل، فجاء الإسلام ليقضي على عادة التبني كما كان شائعًا في الجاهلية، فكان كل من أعجب بولد نسبه لنفسه، وكل من أعجب بواحد ينسب نفسه إليه ويقول: والدي، ونهى [[الرسول]] | وأسبابها [[الحقيقة]] تقوم على البنوة الحقيقة من نحو الزواج والتناسل، فجاء الإسلام ليقضي على عادة التبني كما كان شائعًا في الجاهلية، فكان كل من أعجب بولد نسبه لنفسه، وكل من أعجب بواحد ينسب نفسه إليه ويقول: والدي، ونهى [[الرسول]]{{صل}} عن هذه [[العادة]]. كما في الحديث عن أبي هريرة، عن [[النبي]]{{صل}}، قال: {{نص حديث|لَا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ، فمَن رَغِبَ عن أَبِيهِ فَهو كُفْرٌ}}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من ادعى إلى غير أبيه، ٨/١٥٦، رقم ٦٧٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، ١/٨٠، رقم ٦٢.</ref>. والمعنى وليس المراد بالكفر [[حقيقة]] الكفر التي يَخْلُدُ صاحبها في النار <ref>فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١٢/٥٥.</ref>. وعلى ذلك فإنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب [[الكفر]] -بالعبد- أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به [[كفر]]، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها [[اسم]] الكفر <ref>انظر ضوابط وأصول في التكفير، عبداللطيف آل الشيخ، ص ٤٥.</ref> | ||
وهناك أنواع كثيرة من الكفر الأصغر زيادة على ما سبق، لا يتسع المقام لذكرها. | وهناك أنواع كثيرة من الكفر الأصغر زيادة على ما سبق، لا يتسع المقام لذكرها. | ||
| سطر ١١١: | سطر ١١١: | ||
ومن خلال التعريف يتضح أن التقليد يقوم على اتباع الغير دون علم، وهذا النوع كان سببًا لاستمرار أهل الكفر على كفرهم، بدعوى اتباع من سبقهم حتى وإن كانوا على [[ضلال]]، فأدى بهم الأمر إلى الركون إلى الكفر، والمقلد [[الكافر]] هو الذي قال عنه [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٧٠.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أَلْفَيْنَا }}: صادفنا، فعنفهم الله وعاب عليهم تقليدهم آباءهم <ref>معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/٢٤١.</ref>. | ومن خلال التعريف يتضح أن التقليد يقوم على اتباع الغير دون علم، وهذا النوع كان سببًا لاستمرار أهل الكفر على كفرهم، بدعوى اتباع من سبقهم حتى وإن كانوا على [[ضلال]]، فأدى بهم الأمر إلى الركون إلى الكفر، والمقلد [[الكافر]] هو الذي قال عنه [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٧٠.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أَلْفَيْنَا }}: صادفنا، فعنفهم الله وعاب عليهم تقليدهم آباءهم <ref>معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/٢٤١.</ref>. | ||
وبسبب تقليدهم اتبعوا من أضلهم، فكان عاقبتهم [[الخسران]] في [[يوم القيامة]]، وأن خُلِّدوا في النار، وأصبحت أمنيتُهم أن لو أطاعوا [[الله]] والرسول | وبسبب تقليدهم اتبعوا من أضلهم، فكان عاقبتهم [[الخسران]] في [[يوم القيامة]]، وأن خُلِّدوا في النار، وأصبحت أمنيتُهم أن لو أطاعوا [[الله]] والرسول{{صل}} كما أخبرنا [[القرآن]] بذلك: قال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا }}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٦٤-٦٨.</ref>. | ||
والمُقَلِّدُ مذموم؛ لأنه انصرف من [[الحق]] إلى [[الباطل]]، ولم يفسح لعقله مجرد التفكير، فإذا سئل عن سبب كفره كان رده: {{ نص قرآني |قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٥٣.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٧٤.</ref>. | والمُقَلِّدُ مذموم؛ لأنه انصرف من [[الحق]] إلى [[الباطل]]، ولم يفسح لعقله مجرد التفكير، فإذا سئل عن سبب كفره كان رده: {{ نص قرآني |قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٥٣.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٧٤.</ref>. | ||
وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقًا في [[معصية]] الله: كان له نصيبٌ من هذا [[الذم]] والعقاب. والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله: إما أن يتبع [[الظن]]؛ وإما أن يتبع ما يهواه وكثيرٌ يتبعهما. وهذه حال كل من عصى [[رسول الله]] | وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقًا في [[معصية]] الله: كان له نصيبٌ من هذا [[الذم]] والعقاب. والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله: إما أن يتبع [[الظن]]؛ وإما أن يتبع ما يهواه وكثيرٌ يتبعهما. وهذه حال كل من عصى [[رسول الله]]{{صل}} من المشركين وأهل الكتاب من [[اليهود]] والنصارى، ومن أهل [[البدع]] والفجور من هذه [[الأمة]]. كما قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٢٣.</ref>. <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، ٤/١٩٨.</ref> | ||
=== [[الاستكبار]]=== | === [[الاستكبار]]=== | ||
الاستكبار هو الركون للهوى، ومنه قول [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ }}<ref> سورة يونس، الآية ٧٥-٧٨.</ref>. | الاستكبار هو الركون للهوى، ومنه قول [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ }}<ref> سورة يونس، الآية ٧٥-٧٨.</ref>. | ||
| سطر ١٣٧: | سطر ١٣٧: | ||
والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة [[السماع]] قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه. وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرةٍ وعداوةٍ لا عن [[اعتقاد]] كونه مكذوبًا. ثم إن عدم [[الإحاطة]] بعلمه متفاوتٌ: فمنه عدمٌ بحتٌ وهو حال الدهماء، ومنه عدمٌ في الجملة وهو ما يكون بضربٍ من [[الشبهة]] والتردد أو يكون مع رجحان صدقه، ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد [[العقاب]] <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/١٧٢.</ref>. | والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة [[السماع]] قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه. وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرةٍ وعداوةٍ لا عن [[اعتقاد]] كونه مكذوبًا. ثم إن عدم [[الإحاطة]] بعلمه متفاوتٌ: فمنه عدمٌ بحتٌ وهو حال الدهماء، ومنه عدمٌ في الجملة وهو ما يكون بضربٍ من [[الشبهة]] والتردد أو يكون مع رجحان صدقه، ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد [[العقاب]] <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/١٧٢.</ref>. | ||
أمر الله تعالى أن يوضح [[الرسول]] | أمر الله تعالى أن يوضح [[الرسول]]{{صل}} للمشركين [[حقيقة]] [[الإسلام]]، الذين طلبوا الأمن من [[رسول الله]]{{صل}}؛ وذلك لأنهم لا يعلمون عنه شيئًا، فإذا علموا فقد أقيمت عليهم [[الحجة]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٦.</ref>. ومعنى {{ نص قرآني |وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}} الذين أمرتك بقتلهم {{نص قرآني|اسْتَجَارَكَ}} طلب منك الأمان من [[القتل]] {{نص قرآني| فَأَجِرْهُ}} فاجعله في أمنٍ {{نص قرآني|حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ }} [[القرآن]] فتقيم عليه [[حجة]] [[الله]] وتبين له [[دين]] الله {{نص قرآني|ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}} إذا لم يرجع عن [[الشرك]] لينظر في أمره {{نص قرآني|ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}} يفعلون كل هذا؛ لأنهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده <ref>الوجيز، الواحدي ص ٤٥٤.</ref>. | ||
ومن آفات [[كفر]] [[الجهل]] في [[الدنيا]] أنه يزين لصاحبه أنه يفعل خيرًا، وهو في [[حقيقة]] الأمر لا يُقَدِّمُ إلا شرًّا، ومن هذه الشرور الإفساد في [[الأرض]]، والتهكم على المؤمنين. قال تعالى مبينًا حال الكافرين [[المفسدين]]: {{ نص قرآني | وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ }}<ref> سورة البقرة، الآية ١١-١٣.</ref>. | ومن آفات [[كفر]] [[الجهل]] في [[الدنيا]] أنه يزين لصاحبه أنه يفعل خيرًا، وهو في [[حقيقة]] الأمر لا يُقَدِّمُ إلا شرًّا، ومن هذه الشرور الإفساد في [[الأرض]]، والتهكم على المؤمنين. قال تعالى مبينًا حال الكافرين [[المفسدين]]: {{ نص قرآني | وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ }}<ref> سورة البقرة، الآية ١١-١٣.</ref>. | ||
| سطر ١٥٥: | سطر ١٥٥: | ||
#التكذيب: اعتاد أهل [[الكفر]] على محاربة الأنبياء والرسل بعدة أسلحة كان التكذيب أولها، فكانت عادتهم كلما جاءهم الأنبياء أو الرسل يقابلونهم بالتكذيب والأذى فأصبح التكذيب مطيتهم. قال تعالى: {{ نص قرآني |فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٤.</ref>. وقال تعالى مخبراً عن قوم [[صالح]] ـ أصحاب الحجر: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٨٠.</ref>. | #التكذيب: اعتاد أهل [[الكفر]] على محاربة الأنبياء والرسل بعدة أسلحة كان التكذيب أولها، فكانت عادتهم كلما جاءهم الأنبياء أو الرسل يقابلونهم بالتكذيب والأذى فأصبح التكذيب مطيتهم. قال تعالى: {{ نص قرآني |فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٤.</ref>. وقال تعالى مخبراً عن قوم [[صالح]] ـ أصحاب الحجر: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٨٠.</ref>. | ||
#الاستهزاء: التهكم والسخرية من الأنبياء والمرسلين [[عادة]] من عادات الكفار. قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}}<ref> سورة يس، الآية ٣٠.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}}<ref> سورة الزخرف، الآية ٦-٧.</ref>. والمعنى: وما يأتي شيعَ الأولين من [[رسول]] من [[الله]] يرسله إليهم بالدعاء إلى توحيده، والإذعان بطاعته، إلا كانوا به يستهزون: يقول: إلا كانوا يسخرون بالرسول الذي يرسله الله إليهم عتوًا منهم وتمردًا على ربهم <ref>جامع البيان، الطبري، ١٧/٦٩.</ref>، فإن الاستهزاء أو التقليل من شأن الأنبياء والرسل هو [[كفر]] مخرج عن [[الملة]]، قال السعدي: «فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن [[الدين]]؛ لأن أصل الدين مبني على [[تعظيم]] [[الله]]، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٤٢ - ٣٤٣.</ref>. | #الاستهزاء: التهكم والسخرية من الأنبياء والمرسلين [[عادة]] من عادات الكفار. قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}}<ref> سورة يس، الآية ٣٠.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}}<ref> سورة الزخرف، الآية ٦-٧.</ref>. والمعنى: وما يأتي شيعَ الأولين من [[رسول]] من [[الله]] يرسله إليهم بالدعاء إلى توحيده، والإذعان بطاعته، إلا كانوا به يستهزون: يقول: إلا كانوا يسخرون بالرسول الذي يرسله الله إليهم عتوًا منهم وتمردًا على ربهم <ref>جامع البيان، الطبري، ١٧/٦٩.</ref>، فإن الاستهزاء أو التقليل من شأن الأنبياء والرسل هو [[كفر]] مخرج عن [[الملة]]، قال السعدي: «فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن [[الدين]]؛ لأن أصل الدين مبني على [[تعظيم]] [[الله]]، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٤٢ - ٣٤٣.</ref>. | ||
#إيذاء الرسل: ومن صور الإيذاء الاعتداء عليهم باللسان واليد، فما من [[نبي]] جاء إلا وآذاه قومه، ولعل الأذى قد جاءهم من أقرب [[الناس]] إليهم. وذلك قال تعالى: {{ نص قرآني |لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٦.</ref>. ولقد تنوعت صور الإيذاء بين وصفهم بالسحرة وإلصاق الجنون بهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}}<ref> سورة ص، الآية ٤.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}}<ref> سورة الذاريات، الآية ٥٢.</ref>. والمعنى: يصبر رسوله | #إيذاء الرسل: ومن صور الإيذاء الاعتداء عليهم باللسان واليد، فما من [[نبي]] جاء إلا وآذاه قومه، ولعل الأذى قد جاءهم من أقرب [[الناس]] إليهم. وذلك قال تعالى: {{ نص قرآني |لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٦.</ref>. ولقد تنوعت صور الإيذاء بين وصفهم بالسحرة وإلصاق الجنون بهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}}<ref> سورة ص، الآية ٤.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}}<ref> سورة الذاريات، الآية ٥٢.</ref>. والمعنى: يصبر رسوله{{صل}} على أذاهم بنسبتهم إياه إلى [[السحر]] والجنون <ref>تأويلات أهل السنة، أبو منصور الماتريدي، ٩/٣٩٢.</ref>. | ||
#[[القتل]]: وهذا الأمر كان فاشيًا في الأمم السابقة وخاصة [[اليهود]]، ولقد سجل [[الله تعالى]] على اليهود ذلك فقال تعالى: {{ نص قرآني |ْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦١.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ }}<ref> سورة النساء، الآية ١٥٥.</ref>. وتعددت صور القتل فقد شُقَّ زكريا بالمنشار نصفين، وقُطعت رأسُ يحيى، وتآمر [[النصارى]] على صلب عيسى فنجاه الله ورفعه <ref>انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر، ١٩/٥٦.</ref>. | #[[القتل]]: وهذا الأمر كان فاشيًا في الأمم السابقة وخاصة [[اليهود]]، ولقد سجل [[الله تعالى]] على اليهود ذلك فقال تعالى: {{ نص قرآني |ْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦١.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ }}<ref> سورة النساء، الآية ١٥٥.</ref>. وتعددت صور القتل فقد شُقَّ زكريا بالمنشار نصفين، وقُطعت رأسُ يحيى، وتآمر [[النصارى]] على صلب عيسى فنجاه الله ورفعه <ref>انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر، ١٩/٥٦.</ref>. | ||
| سطر ١٧١: | سطر ١٧١: | ||
=== موقفهم من [[اليوم الآخر]]=== | === موقفهم من [[اليوم الآخر]]=== | ||
تعددت مواقف أهل الكفر من [[أصول العقيدة]]، فقابلوا البعث والحساب بالتكذيب والإنكار والكفر. | تعددت مواقف أهل الكفر من [[أصول العقيدة]]، فقابلوا البعث والحساب بالتكذيب والإنكار والكفر. | ||
#الكفر والتكذيب: قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٤٥.</ref>. والمعنى على ذلك {{نص قرآني| وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}} [[وهم]] على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرًا متأصلًا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابًا على جرمهم، ولا ذمًّا ولومًا على إنكارهم يوم البعث والجزاء <ref>تفسير المراغي ٨/١٥٨.</ref>. وقد سجل [[الله تعالى]] عليهم تكذيبهم وعدم تصديقهم في كثير من [[الآيات]] منها قول الله تعالى: {{ نص قرآني |مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}}<ref> سورة المدثر، الآية ٤٢-٤٧.</ref>. {{نص قرآني| وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }} أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب) <ref>التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/٤٥٦.</ref>. ومن ذلك ما جاء عن مسروقٍ، عن عائشة، | #الكفر والتكذيب: قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٤٥.</ref>. والمعنى على ذلك {{نص قرآني| وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}} [[وهم]] على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرًا متأصلًا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابًا على جرمهم، ولا ذمًّا ولومًا على إنكارهم يوم البعث والجزاء <ref>تفسير المراغي ٨/١٥٨.</ref>. وقد سجل [[الله تعالى]] عليهم تكذيبهم وعدم تصديقهم في كثير من [[الآيات]] منها قول الله تعالى: {{ نص قرآني |مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}}<ref> سورة المدثر، الآية ٤٢-٤٧.</ref>. {{نص قرآني| وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }} أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب) <ref>التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/٤٥٦.</ref>. ومن ذلك ما جاء عن مسروقٍ، عن عائشة، {{نص حديث|قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ}}<ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عملٌ، ١/١٩٦، رقم ٢١٤.</ref>. وفسر النووي معنى هذا الحديث: بـ«أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في [[الآخرة]] لكونه كافرًا، وهو معنى قوله{{صل}}: {{نص حديث|لَمْ يَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ}}}} أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافرٌ، ولا ينفعه عملٌ. قال القاضي عياضٌ رحمه [[الله تعالى]]: وقد انعقد [[الإجماع]] على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ» <ref>المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ٣/٨٧.</ref>. | ||
#التشكيك والاستهزاء: لم تسلم الأمور الغيبية أيضًا من سخرية واستهزاء القوم الكافرين. قال تعالى: {{ نص قرآني | وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ }}<ref> سورة سبأ، الآية ٧-٨.</ref>. والمعنى: كلما أخبر رسول الله | #التشكيك والاستهزاء: لم تسلم الأمور الغيبية أيضًا من سخرية واستهزاء القوم الكافرين. قال تعالى: {{ نص قرآني | وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ }}<ref> سورة سبأ، الآية ٧-٨.</ref>. والمعنى: كلما أخبر رسول الله{{صل}} [[الناس]] بأمر البعث كان أهل [[الكفر]] يستنفرون الناس استنفار تشويش واستنكار واستهزاء قائلين لهم تعالوا ندلكم على الرجل الذي ينبىء الناس أنهم سيخلقون خلقًا جديدًا بعد أن يموتوا وتبلى أجسادهم وعظامهم وتتفتت وتنتثر في [[الأرض]]، وكانوا يتساءلون على سبيل الاستنكار <ref>التفسير الحديث، محمد عزت، ٤/٢٦٨.</ref>. | ||
=== موقفهم من [[الشياطين]]=== | === موقفهم من [[الشياطين]]=== | ||
انكب أهل الكفر على [[اتباع]] الشياطين فسول لهم [[الشيطان]] وأملى لهم، فاتبعوه فكانت [[الموالاة]] والاستهواء، ولقد بينت كثير من [[آيات القرآن الكريم]] ذلك، منها ما يلي: | انكب أهل الكفر على [[اتباع]] الشياطين فسول لهم [[الشيطان]] وأملى لهم، فاتبعوه فكانت [[الموالاة]] والاستهواء، ولقد بينت كثير من [[آيات القرآن الكريم]] ذلك، منها ما يلي: | ||
#الموالاة: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ }}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٧.</ref>. فموالاة الكفار تعني [[التقرب]] إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا، ومعنى {{نص قرآني|أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ}} أي [[الشياطين]]. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع <ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب المالكي، ١/٨٥٥.</ref>. | #الموالاة: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ }}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٧.</ref>. فموالاة الكفار تعني [[التقرب]] إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا، ومعنى {{نص قرآني|أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ}} أي [[الشياطين]]. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع <ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب المالكي، ١/٨٥٥.</ref>. | ||
#التحاكم إلى الشياطين: قال تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٠.</ref>. والمعنى على ذلك: يريدون أن يتحاكموا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إلى الطاغوت المضل عن مقتضى [[الإيمان]] والكتب، والحال أنهم قد أمروا في الكتب المنزلة أن يكفروا به، أي: بالطاغوت، وما ذلك إلا أن يريد [[الشيطان]] الذي هو رئيس الطواغيت أن يضلهم عن طريق [[الحق]] ضلالًا بعيدًا، فالتحاكم إلى الطاغوت كفرٌ بالله تعالى. ولذلك قال | #التحاكم إلى الشياطين: قال تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٠.</ref>. والمعنى على ذلك: يريدون أن يتحاكموا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إلى الطاغوت المضل عن مقتضى [[الإيمان]] والكتب، والحال أنهم قد أمروا في الكتب المنزلة أن يكفروا به، أي: بالطاغوت، وما ذلك إلا أن يريد [[الشيطان]] الذي هو رئيس الطواغيت أن يضلهم عن طريق [[الحق]] ضلالًا بعيدًا، فالتحاكم إلى الطاغوت كفرٌ بالله تعالى. ولذلك قال [[الفخر الرازي]]: «يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانًا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفرٌ بالله، كما أن [[الكفر]] بالطغوت إيمانٌ بالله» <ref>مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٠/١٢١.</ref>. وعقب الفخر الرازي على قوله بآية أخرى تعقب آية التحاكم، وهي قول [[الله تعالى]]: {{ نص قرآني |فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٥.</ref>. فقال: «وهذا نصٌ في [[تكفير]] من لم يرض بحكم [[الرسول]] عليه [[الصلاة]] والسلام»<ref>مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٠/١٢١.</ref>. | ||
#أستحواذ الشيطان على أهل الكفر: قال تعالى: {{ نص قرآني |اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة المجادلة، الآية ١٩.</ref>. والمقصود بالاستحواذ: ([[الاستيلاء]] عليهم، من حاذ الإبل يحوذها إذا ساقها سوقًا عنيفًا) <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٠٦.</ref>. | #أستحواذ الشيطان على أهل الكفر: قال تعالى: {{ نص قرآني |اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}}<ref> سورة المجادلة، الآية ١٩.</ref>. والمقصود بالاستحواذ: ([[الاستيلاء]] عليهم، من حاذ الإبل يحوذها إذا ساقها سوقًا عنيفًا) <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٠٦.</ref>. | ||
| سطر ١٨٣: | سطر ١٨٣: | ||
يقف أهل الكفر صفًّا إلى صفٍّ، فعقيدتهم [[الموالاة]] والتبعية لبعضهم البعض، وفيما يلي بعض مواقفهم تجاه بعضهم البعض: | يقف أهل الكفر صفًّا إلى صفٍّ، فعقيدتهم [[الموالاة]] والتبعية لبعضهم البعض، وفيما يلي بعض مواقفهم تجاه بعضهم البعض: | ||
#الموالاة:ومعناها [[محبة]] أهل الكفر واتباعهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٧٣.</ref>. حذر [[الله تعالى]] أهل [[الإيمان]] أن يتخذوا من [[اليهود]] والنصارى أولياء، فقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥١.</ref>. وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يوالي كافرًا، لكن يجب على [[المسلم]] أن يبرأ إلى الله تعالى من أهل [[الكفر]]، وأن يوالي أهل الإيمان. وقد أمر الله تعالى بالبراءة من [[عبادة]] الكفار، فقال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }}<ref> سورة الكافرون، الآية ١-٦.</ref>. والله تعالى قد أخبر عن [[البراءة]] من المشركين والكافرين فقال تعالى: {{ نص قرآني |بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ١.</ref>. | #الموالاة:ومعناها [[محبة]] أهل الكفر واتباعهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٧٣.</ref>. حذر [[الله تعالى]] أهل [[الإيمان]] أن يتخذوا من [[اليهود]] والنصارى أولياء، فقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥١.</ref>. وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يوالي كافرًا، لكن يجب على [[المسلم]] أن يبرأ إلى الله تعالى من أهل [[الكفر]]، وأن يوالي أهل الإيمان. وقد أمر الله تعالى بالبراءة من [[عبادة]] الكفار، فقال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }}<ref> سورة الكافرون، الآية ١-٦.</ref>. والله تعالى قد أخبر عن [[البراءة]] من المشركين والكافرين فقال تعالى: {{ نص قرآني |بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ١.</ref>. | ||
#[[التقليد]]: قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }}<ref> سورة الزخرف، الآية ٢٢-٢٣.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أُمَّةٍ }} أي: [[دين]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٥٨٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٥/٩٧.</ref>، فيه [[دلالة]] على إبطال التقليد، لذمه إياهم على [[تقليد]] آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم [[الرسول]] عليه [[الصلاة]] والسلام إليه <ref>أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤/٣٦٩.</ref>، لأن أصل [[الأمة]] الجماعة، والصنف، كقوله: {{ نص قرآني |وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٣٨.</ref>. (ثم يستعار في أشياء منها: [[الدين]]. كقوله: | #[[التقليد]]: قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }}<ref> سورة الزخرف، الآية ٢٢-٢٣.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أُمَّةٍ }} أي: [[دين]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٥٨٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٥/٩٧.</ref>، فيه [[دلالة]] على إبطال التقليد، لذمه إياهم على [[تقليد]] آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم [[الرسول]] عليه [[الصلاة]] والسلام إليه <ref>أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤/٣٦٩.</ref>، لأن أصل [[الأمة]] الجماعة، والصنف، كقوله: {{ نص قرآني |وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٣٨.</ref>. (ثم يستعار في أشياء منها: [[الدين]]. كقوله: {{نص قرآني| إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ }} أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: [[أمة]] محمد{{صل}}، لأنهم على [[ملة]] واحدة، وهي [[الإسلام]]) <ref>انظر تفسير السمرقندي، ٣/٢٥٥.</ref>. وسبب [[تقليد]] أهل [[الكفر]] الألفة والعادة واتباع [[الهوى]] والجهل. يقول ابن كثير معلقًا على الآية: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}} «أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من [[الشرك]] سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها [[الدين]] هاهنا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٢٢٤.</ref>. | ||
==صفات الكافرين== | ==صفات الكافرين== | ||
| سطر ٢٥٦: | سطر ٢٥٦: | ||
والإملاء والإمهال له عدة أسباب في القرآن الكريم منها: | والإملاء والإمهال له عدة أسباب في القرآن الكريم منها: | ||
#بيان عاقبة الطغاة، وسوء مصيرهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}}<ref>سورة الأعراف، الآية ١٠٣.</ref>. وفي موضع آخر: {{ نص قرآني |فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}}<ref>سورة يونس، الآية ٣٩.</ref>. وفي موضع ثالث: {{ نص قرآني |ِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٦٩.</ref>. وفي الحديث عن أبي موسى، قال: قال [[رسول الله]] | #بيان عاقبة الطغاة، وسوء مصيرهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}}<ref>سورة الأعراف، الآية ١٠٣.</ref>. وفي موضع آخر: {{ نص قرآني |فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}}<ref>سورة يونس، الآية ٣٩.</ref>. وفي موضع ثالث: {{ نص قرآني |ِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٦٩.</ref>. وفي الحديث عن أبي موسى، قال: قال [[رسول الله]]{{صل}}: {{نص حديث|إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ}} قال: ثم قرأ: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}}<ref> سورة هود، الآية ١٠٢.</ref>. <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ إن أخذه أليمٌ شديدٌ)، ٦/٤٧، رقم ٤٦٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/١٩٩٧، رقم ٢٥٨٣.</ref> | ||
#ليميز [[الله]] الخبيث من الطيب، قال تعالى: {{ نص قرآني |مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ }}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٧٩.</ref>. | #ليميز [[الله]] الخبيث من الطيب، قال تعالى: {{ نص قرآني |مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ }}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٧٩.</ref>. | ||
#[[الإضلال]] والشقاء ليزدادوا إثمًا، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}}<ref>سورة التوبة، الآية ٥٥.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٧٨.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}}<ref> سورة الطارق، الآية ١٧.</ref>. والمعنى {{ نص قرآني |فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}} أي: قليلا فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم [[العقاب]]) <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩١٩.</ref>. | #[[الإضلال]] والشقاء ليزدادوا إثمًا، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}}<ref>سورة التوبة، الآية ٥٥.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٧٨.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}}<ref> سورة الطارق، الآية ١٧.</ref>. والمعنى {{ نص قرآني |فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}} أي: قليلا فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم [[العقاب]]) <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩١٩.</ref>. | ||
| سطر ٢٦٢: | سطر ٢٦٢: | ||
استدرج الله المرء: جره قليلًا قليلًا إلى [[العذاب]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٨٢.</ref>. (كلما جدَّدوا [[خطيئة]] جَدَّدْنا لهم [[نعمة]] وأنسيناهم [[شكر]] [[النعمة]] واستغفار [[الذنب]]) <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٩٢.</ref>. ولقد بينت [[آيات القرآن الكريم]] [[الهدف]] من الاستدراج، فتارة يكون الهدف [[التوبة]]، فيذكرهم [[الله تعالى]] بحال السابقين قبلهم وأن الله تعالى أهلكهم لما كذبوا الرسل، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٣.</ref>. ويذكرهم بحال الأخسرين أعمالًا حتى يستفيقوا من غفلتهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }}<ref> سورة الكهف، الآية ١٠٣-١٠٤.</ref>. وتارة يكون [[الهدف]] الإغواء والضلال، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٤.</ref>. والمعنى وقوله: {{نص قرآني| فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }} أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها<ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/٢٠٢٢.</ref>. | استدرج الله المرء: جره قليلًا قليلًا إلى [[العذاب]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٨٢.</ref>. (كلما جدَّدوا [[خطيئة]] جَدَّدْنا لهم [[نعمة]] وأنسيناهم [[شكر]] [[النعمة]] واستغفار [[الذنب]]) <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٩٢.</ref>. ولقد بينت [[آيات القرآن الكريم]] [[الهدف]] من الاستدراج، فتارة يكون الهدف [[التوبة]]، فيذكرهم [[الله تعالى]] بحال السابقين قبلهم وأن الله تعالى أهلكهم لما كذبوا الرسل، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}}<ref> سورة يونس، الآية ١٣.</ref>. ويذكرهم بحال الأخسرين أعمالًا حتى يستفيقوا من غفلتهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }}<ref> سورة الكهف، الآية ١٠٣-١٠٤.</ref>. وتارة يكون [[الهدف]] الإغواء والضلال، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٤.</ref>. والمعنى وقوله: {{نص قرآني| فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }} أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها<ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/٢٠٢٢.</ref>. | ||
وفي الحديث عن [[عقبة بن عامر]]، عن [[النبي]] | وفي الحديث عن [[عقبة بن عامر]]، عن [[النبي]]{{صل}} قال: {{نص حديث| إِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٍ }} ثم تلا [[رسول الله]]{{صل}}: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٤.</ref>.<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/٥٤٧، رقم ١٧٣١١، والطبراني في الأوسط، ٩/١١٠، وفي الكبير، ١٧/٣٣٠.</ref> | ||
المستدرجون في [[القرآن]]: أهل [[الكفر]] المكذبون بآيات [[الله تعالى]] ورسله، والمتكبرون، والظالمون، والله تعالى قد يغدق عليهم العطايا فيمتعهم بعض السنيين، ثم يأتيهم [[العذاب]] فما أغني عنهم ما تمتعوا به من ملذات [[الدنيا]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ }}<ref> سورة الشعراء، الآية ٢٠٥-٢٠٧.</ref>. (أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئًا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط) <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٨٨.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني | وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٢-٤٥.</ref>. والمعنى: إن [[الله تعالى]] إذا أغدق النعم على العبد المعرض عن طاعته المقيم على معصيته فهذا استدارج من الله تعالى، والمعنى تؤيده [[السنة النبوية]] كما في الحديث عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت [[رسول الله]] | المستدرجون في [[القرآن]]: أهل [[الكفر]] المكذبون بآيات [[الله تعالى]] ورسله، والمتكبرون، والظالمون، والله تعالى قد يغدق عليهم العطايا فيمتعهم بعض السنيين، ثم يأتيهم [[العذاب]] فما أغني عنهم ما تمتعوا به من ملذات [[الدنيا]]. قال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ }}<ref> سورة الشعراء، الآية ٢٠٥-٢٠٧.</ref>. (أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئًا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط) <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٨٨.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني | وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٢-٤٥.</ref>. والمعنى: إن [[الله تعالى]] إذا أغدق النعم على العبد المعرض عن طاعته المقيم على معصيته فهذا استدارج من الله تعالى، والمعنى تؤيده [[السنة النبوية]] كما في الحديث عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت [[رسول الله]]{{صل}} يقول: {{نص حديث| إِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدِ ، وَ هُوَ فِي ذَلِكَ مُقِيمُ عَلَى مَعَاصِيهِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٍ }}. ثم تلا قول الله: {{ نص قرآني |فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٤٤.</ref>.<ref>الحديث أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/٥٤٧، وابن جرير في تفسير ٧/١١٥.</ref> | ||
=== الأمر بمجاهدتهم=== | === الأمر بمجاهدتهم=== | ||
| سطر ٢٩٨: | سطر ٢٩٨: | ||
#الاستهزاء بالله أو بشيء من آياته أوبالرسول، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.</ref>. | #الاستهزاء بالله أو بشيء من آياته أوبالرسول، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.</ref>. | ||
#إنكار [[السنة]]، فمن آمن بالله واتبع رسوله، ثم فرق بين [[القرآن]] والسنة، فقد [[كفر]]، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا }}<ref> سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.</ref>. | #إنكار [[السنة]]، فمن آمن بالله واتبع رسوله، ثم فرق بين [[القرآن]] والسنة، فقد [[كفر]]، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا }}<ref> سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.</ref>. | ||
#من انتقص من مقدار [[رسول الله]] | #من انتقص من مقدار [[رسول الله]]{{صل}} فقد كفر، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٥٧.</ref>. | ||
==توبة [[الكافر]]== | ==توبة [[الكافر]]== | ||
جعل [[الله تعالى]] بابًا لا يغلق، أسماه باب [[التوبة]]، يغفر فيه الذنوب جميعًا، حتى من أشرك بالله وتاب إليه قبله. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٥٣.</ref>. (هذه الآية عامة في جميع [[الناس]] إلى [[يوم القيامة]] في [[كافر]] ومؤمن، أي: إن [[توبة]] [[الكافر]] تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه) <ref>المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٥٣٦.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦٠.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}}: من [[الكفر]]، {{نص قرآني| وَأَصْلَحُوا }}: أسلموا أو أصلحوا [[الأعمال]] فيما بينهم وبين ربهم، {{نص قرآني| وَبَيَّنُوا }}: ما كتموا، {{نص قرآني| فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ }}: أتجاوز عنهم جميع سيئاتهم وأقبل توبتهم، {{نص قرآني| وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}: الرجاع بقلوب عبادي) <ref>معالم التنزيل، البغوي ١/١٩٤.</ref>. | جعل [[الله تعالى]] بابًا لا يغلق، أسماه باب [[التوبة]]، يغفر فيه الذنوب جميعًا، حتى من أشرك بالله وتاب إليه قبله. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٥٣.</ref>. (هذه الآية عامة في جميع [[الناس]] إلى [[يوم القيامة]] في [[كافر]] ومؤمن، أي: إن [[توبة]] [[الكافر]] تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه) <ref>المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٥٣٦.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦٠.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}}: من [[الكفر]]، {{نص قرآني| وَأَصْلَحُوا }}: أسلموا أو أصلحوا [[الأعمال]] فيما بينهم وبين ربهم، {{نص قرآني| وَبَيَّنُوا }}: ما كتموا، {{نص قرآني| فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ }}: أتجاوز عنهم جميع سيئاتهم وأقبل توبتهم، {{نص قرآني| وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}: الرجاع بقلوب عبادي) <ref>معالم التنزيل، البغوي ١/١٩٤.</ref>. | ||
إذا تاب الكافر أو [[المشرك]] توبة نصوحة، غفر [[الله]] له، والمقصود بالشرك أن يجعل لله ندًّا - أي: مثلًا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو [[الشرك]] الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٣٨.</ref>. وهذا هو الذي قاتل عليه [[رسول الله]] | إذا تاب الكافر أو [[المشرك]] توبة نصوحة، غفر [[الله]] له، والمقصود بالشرك أن يجعل لله ندًّا - أي: مثلًا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو [[الشرك]] الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٣٨.</ref>. وهذا هو الذي قاتل عليه [[رسول الله]]{{صل}} مشركي [[العرب]]؛ لأنهم أشركوا في الإلهية. قال [[الله تعالى]]{{ نص قرآني |وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ }}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦٥.</ref>. <ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، ١/٩١.</ref> | ||
فإذا أحسن العبد بعد إسلامه لم يؤاخذ بفعاله قبل [[الإسلام]]، بل تبدل للحسنات. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}}<ref> سورة الفرقان، الآية ٧٠.</ref>. | فإذا أحسن العبد بعد إسلامه لم يؤاخذ بفعاله قبل [[الإسلام]]، بل تبدل للحسنات. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}}<ref> سورة الفرقان، الآية ٧٠.</ref>. | ||
| سطر ٣٠٨: | سطر ٣٠٨: | ||
وفي الحديث عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال:{{نص حديث|قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنُؤاخَذُ بما عَمِلْنا في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: مَن أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بما عَمِلَ في الجاهِلِيَّةِ، ومَن أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة، ٩/١٤، رقم ٦٩٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، ١/١١١، رقم ١٢٠.</ref>. | وفي الحديث عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال:{{نص حديث|قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنُؤاخَذُ بما عَمِلْنا في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: مَن أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بما عَمِلَ في الجاهِلِيَّةِ، ومَن أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة، ٩/١٤، رقم ٦٩٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، ١/١١١، رقم ١٢٠.</ref>. | ||
ومن [[أدلة]] مضاعفة الحسنات مكان السيئات التي كانت في الجاهلية بعد [[إسلام]] العبد. في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال [[رسول الله]] | ومن [[أدلة]] مضاعفة الحسنات مكان السيئات التي كانت في الجاهلية بعد [[إسلام]] العبد. في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال [[رسول الله]]{{صل}}: {{نص حديث|إِذَا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بعَشْرِ أمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بمِثْلِهَا}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حسن إسلام المرء، ١/١٧، رقم ٤٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنةٍ كتبت، وإذا هم بسيئةٍ لم تكتب، ١/١١٧، رقم ١٢٩.</ref>. | ||
==عاقبة [[الكفر]] == | ==عاقبة [[الكفر]] == | ||
جاء [[القرآن الكريم]] مبينًا لحال أهل الكفر في [[الدنيا]]، فبين أنهم لن يهتدوا لاتباعهم [[الهوى]] وسيرهم في ركاب من سبقهم من أهل الكفر، فاستحقوا اللعن والخذلان، والضيق والخسران، والعذاب المستأصل لهم في الدنيا، وشدة التنكيل بهم عند [[الاحتضار]]، والعذاب [[الدائم]] في [[القبر]]، والأمر لا ينتهي بعد، فعقاب [[الآخرة]] أشد وأبقى. | جاء [[القرآن الكريم]] مبينًا لحال أهل الكفر في [[الدنيا]]، فبين أنهم لن يهتدوا لاتباعهم [[الهوى]] وسيرهم في ركاب من سبقهم من أهل الكفر، فاستحقوا اللعن والخذلان، والضيق والخسران، والعذاب المستأصل لهم في الدنيا، وشدة التنكيل بهم عند [[الاحتضار]]، والعذاب [[الدائم]] في [[القبر]]، والأمر لا ينتهي بعد، فعقاب [[الآخرة]] أشد وأبقى. | ||
| سطر ٣٢٠: | سطر ٣٢٠: | ||
#الضيق والحرج الشديد، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢٥.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}} يوسع قلبه ويفتحه ليقبل [[الإسلام]] {{نص قرآني| وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا }} شديد الضيق {{نص قرآني| كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ }} إذا كلف [[الإيمان]] لشدته وثقله عليه {{نص قرآني| كَذَلِكَ }} مثل ما قصصنا عليك {{نص قرآني| يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ }} العذاب {{نص قرآني|عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}} <ref>الوجيز، الواحدي، ص ٣٧٤.</ref>. | #الضيق والحرج الشديد، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢٥.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}} يوسع قلبه ويفتحه ليقبل [[الإسلام]] {{نص قرآني| وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا }} شديد الضيق {{نص قرآني| كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ }} إذا كلف [[الإيمان]] لشدته وثقله عليه {{نص قرآني| كَذَلِكَ }} مثل ما قصصنا عليك {{نص قرآني| يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ }} العذاب {{نص قرآني|عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}} <ref>الوجيز، الواحدي، ص ٣٧٤.</ref>. | ||
#إغواء [[الشيطان]] لهم، فإن الشيطان قد سول ـ أي: مناهم وأغواهم ـ حتى يفتح لهم طرق [[الشر]]، فاقترفوا الكبائر، وهذا بسبب صدهم عن سبيل الله تعالى، واتباع الشيطان، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٢٥.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ}} أي: إلى ما كانوا عليه من [[الكفر]]. {{نص قرآني| مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى }} بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. {{نص قرآني| الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ }} سهل لهم اقتراف الكبائر، من السول وهو الاسترخاء، وقيل: حملهم على [[الشهوات]] من السول وهو [[التمني]]) <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٢٣.</ref>. | #إغواء [[الشيطان]] لهم، فإن الشيطان قد سول ـ أي: مناهم وأغواهم ـ حتى يفتح لهم طرق [[الشر]]، فاقترفوا الكبائر، وهذا بسبب صدهم عن سبيل الله تعالى، واتباع الشيطان، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٢٥.</ref>. والمعنى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ}} أي: إلى ما كانوا عليه من [[الكفر]]. {{نص قرآني| مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى }} بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. {{نص قرآني| الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ }} سهل لهم اقتراف الكبائر، من السول وهو الاسترخاء، وقيل: حملهم على [[الشهوات]] من السول وهو [[التمني]]) <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٢٣.</ref>. | ||
#[[العذاب]] المستأصل لهم في [[الدنيا]]، والمستأصل ـ أي: العذاب الذي يهلكهم جميعًا ـ فلا يبقيهم، بل يهلكهم بسبب كفرهم ـ وقد كان في الأمم السابقة، قبل بعثة [[رسول الله]] | #[[العذاب]] المستأصل لهم في [[الدنيا]]، والمستأصل ـ أي: العذاب الذي يهلكهم جميعًا ـ فلا يبقيهم، بل يهلكهم بسبب كفرهم ـ وقد كان في الأمم السابقة، قبل بعثة [[رسول الله]]{{صل}}، قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}}<ref> سورة غافر، الآية ٥.</ref>. أي: (فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًّا ولا نافخ [[نار]]، وصاروا كأمس الدابر) <ref>تفسير المراغي ٢٤/٤٥.</ref>. | ||
#إلقاء [[الرعب]] في قلوبهم في الحروب، من أشد العقوبات التي تلحق بالكافرين في الدنيا الهزيمة التي تقع عليهم من المسلمين، وعدم تمكينهم من أهل [[الإسلام]]، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ١٢.</ref>. | #إلقاء [[الرعب]] في قلوبهم في الحروب، من أشد العقوبات التي تلحق بالكافرين في الدنيا الهزيمة التي تقع عليهم من المسلمين، وعدم تمكينهم من أهل [[الإسلام]]، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ١٢.</ref>. | ||
#حرمانهم من [[الاستغفار]] لهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٨٠.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ }}<ref> سورة التوبة، الآية ١١٣-١١٤.</ref>. والمعنى: | #حرمانهم من [[الاستغفار]] لهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٨٠.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ }}<ref> سورة التوبة، الآية ١١٣-١١٤.</ref>. والمعنى: عن [[ابن عباس]] قوله: {{ نص قرآني |مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }} وكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار، ولم ينتهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: {{نص قرآني|وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ }} <ref>تفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٩٣.</ref>. | ||
#شدة حالهم عند [[الاحتضار]] وإهانة [[الملائكة]] لهم عند [[قبض]] أرواحهم، وتكون الإهانة بضرب الملائكة لأدبارهم ووجوههم لإذلالهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }}<ref> سورة الأنعام، الآية ٩٣.</ref>. والمعنى {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}} أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبِهِ الشنيعة -لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. {{نص قرآني| وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ }} إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من [[الأبدان]]: {{نص قرآني| أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ }} أي: [[العذاب]] الشديد، الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس [[العمل]])<ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٦٤.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٥٠.</ref>. | #شدة حالهم عند [[الاحتضار]] وإهانة [[الملائكة]] لهم عند [[قبض]] أرواحهم، وتكون الإهانة بضرب الملائكة لأدبارهم ووجوههم لإذلالهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }}<ref> سورة الأنعام، الآية ٩٣.</ref>. والمعنى {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}} أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبِهِ الشنيعة -لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. {{نص قرآني| وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ }} إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من [[الأبدان]]: {{نص قرآني| أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ }} أي: [[العذاب]] الشديد، الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس [[العمل]])<ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٦٤.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٥٠.</ref>. | ||
#العذاب [[الدائم]] في [[القبر]]، قال تعالى حكاية عن حال فرعون وجنوده: {{ نص قرآني |النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}}<ref> سورة غافر، الآية ٤٦.</ref>. والمعنى: هم في العذاب المقيم ليل نهار، وتفسير قوله تعالى: {{نص قرآني|يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا }} - أي: يعرضون على هذه النار فى الغدو، أي: أول النهار، وفى العشي، أي: آخر النهار.. وهذا العرض على النار هو فى حياتهم البرزخية، الواقعة بين [[الموت]] والبعث.. فهم فى هذه الفترة يفزعون بالنار التي سيصيرون إليها [[يوم القيامة]]، فيردونها صبحًا وعشيًّا؛ ليروا بأعينهم المنزل الذي سينزلونه يوم القيامة) <ref>التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، ١٢/١٢٤١.</ref>. | #العذاب [[الدائم]] في [[القبر]]، قال تعالى حكاية عن حال فرعون وجنوده: {{ نص قرآني |النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}}<ref> سورة غافر، الآية ٤٦.</ref>. والمعنى: هم في العذاب المقيم ليل نهار، وتفسير قوله تعالى: {{نص قرآني|يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا }} - أي: يعرضون على هذه النار فى الغدو، أي: أول النهار، وفى العشي، أي: آخر النهار.. وهذا العرض على النار هو فى حياتهم البرزخية، الواقعة بين [[الموت]] والبعث.. فهم فى هذه الفترة يفزعون بالنار التي سيصيرون إليها [[يوم القيامة]]، فيردونها صبحًا وعشيًّا؛ ليروا بأعينهم المنزل الذي سينزلونه يوم القيامة) <ref>التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، ١٢/١٢٤١.</ref>. | ||
| سطر ٣٣٩: | سطر ٣٣٩: | ||
#ثيابهم من النار، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}}<ref> سورة الحجر، الآية ١٩.</ref>. والمعنى (نيران تحيط بهم [[إحاطة]] الثياب، والحميم: الماء الحار يصهر به ما في بطونهم والجلود، أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم) <ref>انظر أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/٦٨.</ref>. | #ثيابهم من النار، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}}<ref> سورة الحجر، الآية ١٩.</ref>. والمعنى (نيران تحيط بهم [[إحاطة]] الثياب، والحميم: الماء الحار يصهر به ما في بطونهم والجلود، أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم) <ref>انظر أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/٦٨.</ref>. | ||
#عدم قبول الفدية منهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٦.</ref>. والفدية إعطاء شيء للإنقاذ <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٤/١٧٧.</ref>، ومعنى الآية(أخبر أن [[الكافر]] لو [[ملك]] [[الدنيا]] كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من [[العذاب]] لم يقبل منه ذلك الفداء، ولهم عذابٌ أليمٌ) <ref>معالم التنزيل، البغوي ٢/٤٦.</ref>. | #عدم قبول الفدية منهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٦.</ref>. والفدية إعطاء شيء للإنقاذ <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٤/١٧٧.</ref>، ومعنى الآية(أخبر أن [[الكافر]] لو [[ملك]] [[الدنيا]] كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من [[العذاب]] لم يقبل منه ذلك الفداء، ولهم عذابٌ أليمٌ) <ref>معالم التنزيل، البغوي ٢/٤٦.</ref>. | ||
#الحرمان من النصير، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}}<ref> سورة غافر، الآية ١٨.</ref>. ويوم الآزفة هو [[يوم القيامة]]، وسمي بذلك لقُرْبِهِ، والمعنى {{نص قرآني| مِنْ حَمِيمٍ }} محب مشفق {{نص قرآني|وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}} أي: يشفع، وهو مجاز عن [[الطاعة]]؛ لأن الطاعة [[حقيقة]] لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي [[الشفاعة]] والطاعة) <ref>مدارك التنزيل، النسفي ٣/٢٠٥.</ref>. | #الحرمان من النصير، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}}<ref> سورة غافر، الآية ١٨.</ref>. ويوم الآزفة هو [[يوم القيامة]]، وسمي بذلك لقُرْبِهِ، والمعنى {{نص قرآني| مِنْ حَمِيمٍ }} محب مشفق {{نص قرآني|وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}} أي: يشفع، وهو مجاز عن [[الطاعة]]؛ لأن الطاعة [[حقيقة]] لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي [[الشفاعة]] والطاعة) <ref>مدارك التنزيل، النسفي ٣/٢٠٥.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref> | ||
==المراجع== | ==المراجع== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | ||