الكفر عند أهل السنة
التعريف
التعريف اللغوي
جاءت لفظة الكفر في المعاجم اللغوية بمعنى التغطية والجحود، والزرع والستر، قال ابن منظور: «وأصل الكفر تغطية الشيء وكَفَّرَ الرجلَ: نسبه إلى الكفر. وكل من ستر شيئًا، فقد كَفَرَهُ وكَفَّرَهُ. والكافر الزارع لستره البذر بالتراب. والكفار: الزراع. وتقول العرب للزارع: كافر؛ٌ لأنه يكفر البذر المبذور بتراب الأرض المثارة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾[١].
سُمِّيَ الكافر كافرًا؛ لأنه ستر نعم الله عز وجل[٢]. يقول الرازي: والكفر ضد الإيمان، وجمع الكافر؛ «كَفَّارٌ» و «كَفَرَةٌ» و «كِفَارٌ»، وجمع الكافرة؛ «كَوَافِرُ». و «الكفر» أيضًا جحود النعمة وهو ضد الشكر، وقد كفره من باب دخل، وكُفْرانًا أيضًا بالضم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾[٣]. أي: جاحدون[٤].
التعريف الاصطلاحي
عَرَّفه الراغب الأصفهاني بقوله: «الكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها»[٥]. وقد قال: ابن حزم الظاهري بنفس التعريف السابق للكافر، فقال ما نصه:«جحد الربوبية وجحد نبوة نبي من الأنبياء صحت نبوته في القرآن، أو جحد شيء مما أتى به رسول الله(ص)، ما صح عند جاحده بنقل الكافة أو عمل شيء قام البرهان بأن العمل به كفر»[٦]. وعرفه ابن القيم فقال:«الكفر جَحْدُ ما عُلم أن الرسول جاء به، سواءٌ كان من المسائل التي تسمونها علميةً أو عمليةً، فمن جحد ما جاء به الرسول(ص) بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافرٌ في دق الدين وجله»[٧].
الكفر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كفر) في القرآن الكريم (٥٠٤) مرات [٨].
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| الفعل الماضي | ٢٣٠ | ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾[٩] و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾[١٠] |
| الفعل المضارع | ٥٧ | ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾[١١] |
| الفعل الأمر | ٢ | ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[١٢] |
| المصدر | ٣٧ | ﴿ُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾[١٣] |
| مصدر سماعي | ١٥ | ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾[١٤] |
| اسم فاعل | ١٥٨ | ﴿ٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[١٥] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾[١٦] |
| صيغة مبالغة | ٥ | ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾[١٧] |
وجاء الكفر في القرآن على خمسة أوجه [١٨]:
- الإنكار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[١٩]. يعني:أنكروا توحيد الله عز وجل.
- كفران النعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾[٢٠]. يعني:لا تكفروا النعمة.
- البراءة: ومنه قول الشيطان: ﴿َّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾[٢١]. يعني:إني تبرأت.
- الجحود: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾[٢٢]. يعني:جحدوا به.
- التغطية: ومنه قوله تعالى: ﴿ِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾[٢٣]. يعني:الزراع الذين يغطون الحب.
الألفاظ ذات الصلة
الشرك
الشرك لغة: مأخوذ من شرك، ومنه: أشرك بالله: كفر، أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك [٢٤]، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.
الشرك اصطلاحاً: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه [٢٥].
الصلة بين الشرك والكفر: ومن خلال التعريف في اللغة والاصطلاح يتضح مدى التقارب بين اللفظتين، أعني: الكفر والشرك، يقول النووي: «إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنًى واحدٍ وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريشٍ فيكون الكفر أعم من الشرك» [٢٦]، فالمراد بالكفر جحود الله سبحانه وتعالى أما الشرك فهو جعل شريك لله سبحانه وتعالى من خلقه، ولذا جاء في القرآن الكريم: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾[٢٧]، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾[٢٨]. فالكفر إنكار للربوبية، والشرك تنقيص من الألوهية [٢٩].
الإلحاد
الإلحاد لغة: مادة (ل ح د) تدل على معنى ميل عن استقامة، فيقال:لحد السهم عن الهدف، أي:عدل عنه، ولحد الرجل في الدين:طعن وحاد عنه وعدل وجادل ومارى. ولحد، أي: مال عن طريق القصد، وجار وظلم [٣٠]. والملحد: «الطاعن في الدين المائل عنه»[٣١].
الإلحاد اصطلاحاً: هو:«الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان» [٣٢].
الإلحاد المعاصر: الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر، يعني:إنكار وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة [٣٣].
الصلة بين الإلحاد والكفر: إن الإلحاد بمفهومه يعد من صور الكفر؛ فالكافر لا يؤمن بالله، ويميل عن الحق إلى الباطل كذا الملحد.
الردة
الردة لغةً: «من ردد بمعنى: رجع، وارتد الشخص، أي:رد نفسه إلى الكفر» [٣٤].
الردة اصطلاحًا: «الرجوع من الإسلام إلى الكفر» [٣٥].
وقيل: قطع الإسلام بنية كفرٍ أو قول كفرٍ أو فعل مُكَفِّرٍ سواءٌ في القول، قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقاداً [٣٦]، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾[٣٧].
الصلة بين الردة والكفر: ومن خلال التعريف فإن لفظة الردة مرادفة للفظة الكفر، فمن ارتد فقد كفر، لكن الاختلاف أن المرتد كان مسلمًا ثم انقلب للكفر، لكن الكافر لم يُسلم أصلًا فبينهما عموم وخصوص، ولذلك فهي (كفر المسلم بقولٍ صريحٍ، أو لفظٍ يقتضيه، أو فعلٍ يتضمنه، أو هي: قطع الإسلام بنية الكفر، أو قول الكفر، أو فعلٍ مُكَفّرٍ، سواءٌ قاله استهزاءً، أم عنادًا، أم اعتقادًا، والردة أفحش الكفر وأغلظه حكمًا) [٣٨].
الإيمان
الإيمان لغة: الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان [٣٩]. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معنى لغويًا آخر للإيمان؛ وهو أن يكون الإيمان بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد [٤٠].
الإيمان اصطلاحاً: «التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا» [٤١].
فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية [٤٢]؛ «ويشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله» [٤٣].
الصلة بين الإيمان والكفر: بينهما علاقة تضاد، والمقصود بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج من الملة، الذي يخلد صاحبه في النار.
أنواع الكفر
جاء الكفر في القرآن على قسمين، قسم اشتمل على التكذيب والإباء والشك والنفاق، وهذا هو المسمى بالكفر الأكبر، والكفر الأكبر هو المخرج للملة والموجب للخلود في النار، ثم النوع الثاني وهو الكفر الأصغر وهو غير مُخرِج من الملة وهو المسمى عند العلماء بكفر دون كفر وهذا النوع ينقص من إيمان العبد الذي اقترف شيئًا من هذا النوع.
الكفر الأكبر
الكفر الأكبر هو الذي يُخرِج من الملة، ويجعل صاحبه خالدًا في النار يوم القيامة، ومن خلال النظر في آيات القرآن يمكن القول إن الكفر الأكبر ورد في القرآن على عدة أنواع: بيانها على سبيل المثال ما يلي:
- كفر التكذيب: وقد يسمى بكفر الجحود. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾[٤٥]. والمعنى: لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كذب على الله فقال: إن الله أوحى إليه شيئًا، ولم يوح إليه شيءٌ. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. وهكذا لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كَذَّبَ بالحق لما جاءه، فالأول مفترٍ، والثاني مكذبٌ؛ ولهذا قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [٤٦]. قال ابن تيمية: «التكذيب أَخَصُّ من الكفر، فكل مكذبٍ لِما جاءت به الرسل فهو كافرٌ. وليس كل كافرٍ مكذبًا. والخارجون عن هذا الإيمان مشركون أشقياء. فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركًا، وكل مشركٍ مكذبٌ للرسل، وكل مشركٍ وكافرٍ بالرسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرسل وهو مشركٌ» [٤٧].
- كفر الإباء أو الاستكبار: وهذا النوع من الكفر أول من اقترفه إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[٤٨]. قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾[٤٩]. والمعنى: لا شك أن إبليس كان مأمورًا بالسجود إنما منعه من ذلك الاستكبار والاستعظام [٥٠].
- كفر الشك: وهذا النوع أيضًا يقوم على عداوة أهل الكفر للرسل، وتشكيك الناس في الله تعالى، وعلى عدم الإيمان بالعقيدة، كإنكار البعث. كما قال تعالى حكاية عن صاحب الجنتين: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾[٥١]. يقول: الشنقيطيوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾، بعد قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾، يدل على أن الشك في البعث كفرٌ بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٥٢].[٥٣]
- كفر النفاق: وهذا يعد من أشد أنواع الكفر، لاسيما وقد أعد الله تعالى للمنافقين عذابًا في الدرك الأسفل من النار، ولقد بينت سورة البقرة فضائح أهل النفاق. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾[٥٤]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾[٥٥].
الكفر الأصغر
وهو كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفراً، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج عن ملة الإسلام، والذي يخلد صاحبه في النار، والكفر الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لا يكون صاحبه كافرًا يترتب عليه ما يترتب على الكافر الجاحد أو أحكام الكفر الأكبر، بل هذا النوع من الكفر يعمل على نقص الإيمان عند صاحبه وضعفه، والذي جاء بشيء من الكفر الأصغر له ما للمسلمين من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات.
ولذا قيل في تعريفه: وهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: كفر دون كفر ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله عز وجل إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب [٥٦]. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[٥٧]. وقوله تعالى: ﴿ِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾[٥٨].
والمعنى هنا كفران النعمة، قال مقاتل: «ومن كفر النعم فلم يوحد ربه عز وجل فإن الله غنيٌ عن عبادة خلقه حميدٌ» [٥٩]، وللكفر الأصغر عدة أنواع من أبرزها ما يلي:
- كفر النعمة: معناه: جحودها وعدم شكرها، ولقد دلل القرآن على هذا النوع. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[٦٠]. والمعنى: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ولئن كفرتم، أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها [٦١]. فكفرهم ليس كفر ملة بل كفر نعمة لم يشكروا ربهم، وكفر النعمة فيه خمس مسائل كما ذكر الفوزان في شرحه لكتاب التوحيد فقال ما نصه:
- المسألة الأولى: أن إضافة النعم إلى الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالله.
- المسألة الثانية: أن إضافة النعم إلى غير الله من الكفر بالله سبحانه وتعالى.
- المسألة الثالثة: في الآية وأقوال السلف دليلٌ على عدم جواز نسبة الأشياء إلى أسبابها، وأن ذلك من كفر النعمة، لأنه معلومٌ أن الريح الطيبة سببٌ لجريان السفينة، وأن حذق الملاح سبب لجريان السفينة، ولكن إذا أضاف النتيجة الطيبة إلى هذين السببين صار ذلك من الكفر بنعمة الله.
- المسألة الرابعة: فيها اجتماع الضدين في القلب؛ الكفر والإيمان أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾[٦٢]. ففيها: اجتماع الإقرار والإنكار، والكفر والإيمان في القلب، فأيهما غلب على صاحبه صار من أصحابه.
- المسألة الخامسة: أن كفر النعمة يكثر وقوعه في الناس، وهو ما يجري على ألسنة الناس، فهذا مما يوجب الحذر منه، وأن الإنسان لا يجري على العوائد المخالفة للشرع [٦٣].
- قتال المسلم: فيقتل المسلم أخاه بغير حق، ويدلل على ذلك ما جاء في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾[٦٤]. وفي الحديث عن زبيدٍ، قال: سألت أبا وائلٍ عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي(ص) قال: «سِبَابُ اَلْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ»[٦٥]. وبالجمع بين الحديث والآية يتضح أن قتال المسلم لا يخرج من الإيمان، كما أن قتال المسلم يعد من الكفر الأصغر، وليس من الكفر المخرج من الملة، فلم يتصفوا بخلاف الإيمان مع اقتتالهم.
- الطعان في الأنساب: ففي القرآن الكريم جاءت سورة تذم هذا الصنف من الناس وهي سورة الهمزة قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾[٦٦]. والمعنى: ويل لكل طعان قبوح عياب في الناس، ومنه قول مقاتل بن سليمان: «يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اعتابه من خلفه، لمزةٍ، يعني: الطاغي إذا رآه طغى عليه في وجهه [٦٧]. وبَيَّنتِ السُّنةُ كفر الطعان كما في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(ص): (اثنتان في الناس هما بهم كفرٌ: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) [٦٨]. قال النووي معلقًا على الحديث: «وفيه أقوالٌ: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنه كفر النعمة والإحسان، والرابع أن ذلك في المستحل، وفي هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة» [٦٩].
- من ادعى إلى غير أبيه: قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾[٧٠]. الإسلام جاء لينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه أبطل عادة التبني، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية [٧١].
وأسبابها الحقيقة تقوم على البنوة الحقيقة من نحو الزواج والتناسل، فجاء الإسلام ليقضي على عادة التبني كما كان شائعًا في الجاهلية، فكان كل من أعجب بولد نسبه لنفسه، وكل من أعجب بواحد ينسب نفسه إليه ويقول: والدي، ونهى الرسول(ص) عن هذه العادة. كما في الحديث عن أبي هريرة، عن النبي(ص)، قال: «لَا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ، فمَن رَغِبَ عن أَبِيهِ فَهو كُفْرٌ»[٧٢]. والمعنى وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يَخْلُدُ صاحبها في النار [٧٣]. وعلى ذلك فإنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر -بالعبد- أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر [٧٤]
وهناك أنواع كثيرة من الكفر الأصغر زيادة على ما سبق، لا يتسع المقام لذكرها.
أسباب الكفر
تعددت أسباب الكفر فمنها ما هو نابع من داخل صاحبه، وهي تتعلق بالقلب وتسمى بالأسباب الاعتقادية، أو أسباب شكية، وتتمثل في إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، وأيضًا جحود الأنبياء، وعدم الإيمان بالكتب المنزلة، ولقد حمل على ذلك عدة أسباب منها التقليد، والاستكبار، والحسد والجهل.
التقليد
عرفه ابن تيمية فقال: هو قبول قول الغير بغير حُجَّةٍ، كالذين ذكر الله عنهم أنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾[٧٥]. قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[٧٦]. وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾[٧٧].
ونظائر هذا في القرآن كثيرٌ، فمن اتبع دين آبائه وأسلافه لأجل العادة التي تعودها وترك اتباع الحق الذي يجب اتباعه فهذا هو المقلد المذموم، وهذه حال اليهود والنصارى؛ بل أهل البدع والأهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم في غير الحق [٧٨].
ومن خلال التعريف يتضح أن التقليد يقوم على اتباع الغير دون علم، وهذا النوع كان سببًا لاستمرار أهل الكفر على كفرهم، بدعوى اتباع من سبقهم حتى وإن كانوا على ضلال، فأدى بهم الأمر إلى الركون إلى الكفر، والمقلد الكافر هو الذي قال عنه الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[٧٩]. ومعنى ﴿ أَلْفَيْنَا ﴾: صادفنا، فعنفهم الله وعاب عليهم تقليدهم آباءهم [٨٠].
وبسبب تقليدهم اتبعوا من أضلهم، فكان عاقبتهم الخسران في يوم القيامة، وأن خُلِّدوا في النار، وأصبحت أمنيتُهم أن لو أطاعوا الله والرسول(ص) كما أخبرنا القرآن بذلك: قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴾[٨١].
والمُقَلِّدُ مذموم؛ لأنه انصرف من الحق إلى الباطل، ولم يفسح لعقله مجرد التفكير، فإذا سئل عن سبب كفره كان رده: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾[٨٢]. وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[٨٣].
وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقًا في معصية الله: كان له نصيبٌ من هذا الذم والعقاب. والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله: إما أن يتبع الظن؛ وإما أن يتبع ما يهواه وكثيرٌ يتبعهما. وهذه حال كل من عصى رسول الله(ص) من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة. كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾[٨٤]. [٨٥]
الاستكبار
الاستكبار هو الركون للهوى، ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾[٨٦].
والاستكبار ينتج عنه كفر الإباء، وأول من تزعم وتسربل بهذا الاستكبار كان إبليس، يقول ابن القيم: «وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءً واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾[٨٧]. [٨٨]
والاستكبار أو التكبر من أشد الصفات ذمًّا، طُرِدَ إبليس بسببه وأصبح من الصاغرين. قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾[٨٩]. وبه خالف أمر ربه، ومن وقتها ناصب العداء لبني آدم، يقول البغوي: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ ﴾، بمخالفة الأمر، ﴿ فِيهَا ﴾، أي: في الجنة، ولا ينبغي أن يسكن الجنة ولا السماء متكبرٌ مخالفٌ لأمر الله، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، من الأذلاء، والصَّغَاُر: الذل والمهانة» [٩٠].
ومن آفات الاستكبار الصد ومحاربة دين الله تعالى، واستحلال المحرمات، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[٩١]. والمعنى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: تكبر وتجبر وطغى. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ أي: أصنافًا، قد صرف كل صنفٍ فيما يريد من أمور دولته. وقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ﴾ يعني: بني إسرائيل. وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم. هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانةً لهم واحتقاراً [٩٢]، والله تعالى أعد لمن يَتَكَبَّرُ عذابًا أليمًا قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾[٩٣].
الحسد
والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، لعن إبليس بسبب حسده؛ لأنه عندما أمر بالسجود لآدم (ع) حسده، قال تعالى:﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾[٩٤]. والمعنى: يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له، وتشريفه إياه بأمره الملائكة بالسجود له. ويذكر تخلف عدوه إبليس عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدًا وكفرًا، وعنادًا واستكبارًا، وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾[٩٥]. [٩٦]
وتوارث هذا الحسد من بعده أهل الكفر، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[٩٧].
يخبر تعالى المؤمنين بنفسية كثير من أهل الكتاب، وهي الرغبة الملحة في أن يتخلى المسلمون عن دينهم الحق ليصبحوا كافرين، ومنشأ هذه الرغبة الحسد الناجم عن نفسية لا ترغب أن ترى المسلمين يعيشون في نور الإيمان بدل ظلمات الكفر) [٩٨]. ويبين ابن القيم سبب عداء اليهود الدائم للمسلمين، فيقول: «فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه» [٩٩]. ويذكر ابن القيم أركان الكفر فيقول: «أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة، فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة» [١٠٠].
قال تعالى أيضًا مدللاً على حسد أهل الكفر: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾[١٠١]. وسبب هذا الحسد الدائم فيهم أنهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم اختصوا بالنبوة دون غيرهم من الناس، وقد بين الله سبحانه أن ذلك وهم، فقال تعالت كلماته: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[١٠٢]. أي: إذا كنتم تحسدون الناس لما توهمتم أن النبوة فيكم، وأنكم أهل الوحي دون غيركم، فقد كذبتم على أنفسكم) [١٠٣]. فكان وقوع الحسد منهم هو طريقهم للكفر بسبب أضغان قلوبهم.
الجهل
كفر الجهل يقوم على عدم التصديق بسبب جهل صاحبه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾[١٠٤]. والمعنى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهو القرآن الكريم؛ والناس دائمًا أعداء لما جهلوا [١٠٥].
والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه. وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرةٍ وعداوةٍ لا عن اعتقاد كونه مكذوبًا. ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوتٌ: فمنه عدمٌ بحتٌ وهو حال الدهماء، ومنه عدمٌ في الجملة وهو ما يكون بضربٍ من الشبهة والتردد أو يكون مع رجحان صدقه، ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد العقاب [١٠٦].
أمر الله تعالى أن يوضح الرسول(ص) للمشركين حقيقة الإسلام، الذين طلبوا الأمن من رسول الله(ص)؛ وذلك لأنهم لا يعلمون عنه شيئًا، فإذا علموا فقد أقيمت عليهم الحجة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾[١٠٧]. ومعنى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتلهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ طلب منك الأمان من القتل ﴿ فَأَجِرْهُ﴾ فاجعله في أمنٍ ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ القرآن فتقيم عليه حجة الله وتبين له دين الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ إذا لم يرجع عن الشرك لينظر في أمره ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يفعلون كل هذا؛ لأنهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده [١٠٨].
ومن آفات كفر الجهل في الدنيا أنه يزين لصاحبه أنه يفعل خيرًا، وهو في حقيقة الأمر لا يُقَدِّمُ إلا شرًّا، ومن هذه الشرور الإفساد في الأرض، والتهكم على المؤمنين. قال تعالى مبينًا حال الكافرين المفسدين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾[١٠٩].
وقد بين اللهُ حالَ هؤلاء الجهلة في يوم القيامة، فكان عقابهم أن يحشروا أفواجًا، ثم يساقون كالأنعام. قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾[١١٠].
والمعنى على ذلك: كذبتم بآياتي غير عالمين بها. يعني: ولم تتفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين غير مستدلين، لا عن خبرة ولا عن معرفة ببطلانها، أماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فيها؟ [١١١].
مواقف أهل الكفر
تعددت مواقف أهل الكفر من الله تعالى فجحدوا وجوده، وكذبوا بآياته، وكفروا برسله، وأنكروا كتبه المنزلة على أنبيائه، واتخذوا آيات الله هُزوًا، ولم يسلم رسل الله من محاربة أهل الكفر لهم، بل منهم من قتل، ومنهم من هاجر ومنهم من لحقه الأذى بسبب الدعوة، وأنكروا اليوم الآخر، والبعث والنشور، وتهكموا بقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[١١٢]. كما سجل عليهم القرآن ذلك، وقتلوا وباروزا أهل الإيمان بالحرب الضروس إلى يوم الدين، واتبعوا الشياطين فزينوا لهم أعمالهم، كل هذا من أجل صدهم عن دين الله تعالى.
موقفهم من الله تعالى
من أشد مواقف الكفار موقفهم من الله تعالى خالقهم، ومن أبرز مواقفهم كما حكى القرآن ما يلي:
- الكفر: وأهل الكفر يصرون عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾[١١٣]. والمعنى: يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة؛ إذ الحق لا يختلف فإن الإيمان بالله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بَلَّغُوا عنه تفصيلًا أو إجمالًا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال [١١٤].
- التكذيب: وهو افتراء الكذب على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[١١٥]. وقد عبر القرآن عن كذب أهل الكفر بالظلم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[١١٦]. والمعنى: من أَشَدُّ ظلمًا ممن اختلق على الله قول الباطل، أو جحد آياته وأدلته، إنه لا يفلح الظالمون أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل[١١٧].
- اليأس من رحمة الله: القنوط صفة لازمة لأهل الكفر. قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾[١١٨]. وقال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[١١٩]. والمعنى ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ يقول: لا يقنط من فَرَجِه ورحمته ويقطع رجاءه منه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، يعني: القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء [١٢٠]، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين؛ إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى [١٢١].
- جحود النعم: وهو إنكار نعم الله تعالى، وعدم مقابلتها بالشكر، ومقابلة الجحود بالإهلاك. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[١٢٢].
موقفهم من الأنبياء والرسل
- التكذيب: اعتاد أهل الكفر على محاربة الأنبياء والرسل بعدة أسلحة كان التكذيب أولها، فكانت عادتهم كلما جاءهم الأنبياء أو الرسل يقابلونهم بالتكذيب والأذى فأصبح التكذيب مطيتهم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾[١٢٣]. وقال تعالى مخبراً عن قوم صالح ـ أصحاب الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾[١٢٤].
- الاستهزاء: التهكم والسخرية من الأنبياء والمرسلين عادة من عادات الكفار. قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾[١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾[١٢٦]. والمعنى: وما يأتي شيعَ الأولين من رسول من الله يرسله إليهم بالدعاء إلى توحيده، والإذعان بطاعته، إلا كانوا به يستهزون: يقول: إلا كانوا يسخرون بالرسول الذي يرسله الله إليهم عتوًا منهم وتمردًا على ربهم [١٢٧]، فإن الاستهزاء أو التقليل من شأن الأنبياء والرسل هو كفر مخرج عن الملة، قال السعدي: «فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة» [١٢٨].
- إيذاء الرسل: ومن صور الإيذاء الاعتداء عليهم باللسان واليد، فما من نبي جاء إلا وآذاه قومه، ولعل الأذى قد جاءهم من أقرب الناس إليهم. وذلك قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾[١٢٩]. ولقد تنوعت صور الإيذاء بين وصفهم بالسحرة وإلصاق الجنون بهم، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾[١٣٠]. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾[١٣١]. والمعنى: يصبر رسوله(ص) على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون [١٣٢].
- القتل: وهذا الأمر كان فاشيًا في الأمم السابقة وخاصة اليهود، ولقد سجل الله تعالى على اليهود ذلك فقال تعالى: ﴿ْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾[١٣٣]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾[١٣٤]. وتعددت صور القتل فقد شُقَّ زكريا بالمنشار نصفين، وقُطعت رأسُ يحيى، وتآمر النصارى على صلب عيسى فنجاه الله ورفعه [١٣٥].
موقفهم من الكتب المنزلة
- التكذيب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[١٣٦]. والمعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله عز وجل تعجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم تعجبًا [١٣٧]. لذلك أعد الله تعالى لمن كذب بشيء من آياته العذاب الأليم، وسماهم بالظالمين. قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾[١٣٨].
- الاستهزاء بالآيات: ولقد ذم الله تعالى هؤلاء الذين يتخذون آيات الله هزوًا، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[١٣٩]. يقول ابن كثير: «أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريًا وهزوًا، أولئك لهم عذابٌ مهينٌ، أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به». سئل الشافعي عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى فقال: «هو كافر» [١٤٠]. واستدل بقول الله تعالى: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾[١٤١] .
- التحريف: وهو بمعنى التبديل والتغيير، أخبرت آيات القرآن عن حال اليهود والنصارى وما فعلوه من تحريف في التوراة والإنجيل، فقال تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[١٤٢]. يقول القرطبي: «هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالًا والحلال حرامًا اتباعًا لأهوائهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عرفوه وعلموه. وهذا توبيخٌ لهم، أي: إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوءٍ وعنادٍ، فهؤلاء على ذلك السنن» [١٤٣]. ليس هذا بل كتبوا كلامًا بأيديهم وزعموا كذبًا نسبته إلى الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾[١٤٤].
- قولهم أساطير الأولين: أي: أباطيل قصص من سبق. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾[١٤٥]. فتحداهم الله تعالى بقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴾[١٤٦]. ثم خفف عنهم بأن يأتوا بعشر سور من القرآن فقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾[١٤٧]. فعجزوا، فخفف عنهم التحدي على أن يأتوا بسورة: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾[١٤٨]. فعجزوا عن الإتيان بأقصر سورة من سور القرآن.
موقفهم من المؤمنين
- المعاداة والقتل: يحاول أهل الكفر دائمًا قتال أهل الإسلام، حتى يردوهم عن دينهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾[١٤٩]. والمعنى:إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم [١٥٠].
- الاستهزاء والسخرية: قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[١٥١]. والمعنى: ويسخرون من ضعفاء المسلمين، يوهمونهم أنهم على حق، والمراد بذلك علماء اليهود، أو مشركو العرب، والذين اتقوا فوق الكفار [١٥٢]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾[١٥٣]. الغمز: الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاءً. ﴿وَإِذَا انقَلَبُواْ﴾ - يعني الكفار - ﴿ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴾، معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.[١٥٤]
- الحسد وكراهية الخير: فأهل الشرك لا يحبون أن يصاب المؤمن بخير أبدًا من ربه، ولذلك قال تعالى فاضحًا إياهم: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[١٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[١٥٦]. الحسد: كراهية نعمة على مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه، والعفو ترك العقوبة على المذنب، وفي الآية تنبيه أن كثيرًا من أهل الكتاب يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسدًا، وقوله: « مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » أي: من عند هواهم [١٥٧].
- الصد عن الحق: قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾[١٥٨]. أي: في الكفر شرعا سواء [١٥٩].
موقفهم من اليوم الآخر
تعددت مواقف أهل الكفر من أصول العقيدة، فقابلوا البعث والحساب بالتكذيب والإنكار والكفر.
- الكفر والتكذيب: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾[١٦٠]. والمعنى على ذلك ﴿ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وهم على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرًا متأصلًا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابًا على جرمهم، ولا ذمًّا ولومًا على إنكارهم يوم البعث والجزاء [١٦١]. وقد سجل الله تعالى عليهم تكذيبهم وعدم تصديقهم في كثير من الآيات منها قول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾[١٦٢]. ﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب) [١٦٣]. ومن ذلك ما جاء عن مسروقٍ، عن عائشة، «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ»[١٦٤]. وفسر النووي معنى هذا الحديث: بـ«أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله(ص): «لَمْ يَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ»}} أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافرٌ، ولا ينفعه عملٌ. قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ» [١٦٥].
- التشكيك والاستهزاء: لم تسلم الأمور الغيبية أيضًا من سخرية واستهزاء القوم الكافرين. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ﴾[١٦٦]. والمعنى: كلما أخبر رسول الله(ص) الناس بأمر البعث كان أهل الكفر يستنفرون الناس استنفار تشويش واستنكار واستهزاء قائلين لهم تعالوا ندلكم على الرجل الذي ينبىء الناس أنهم سيخلقون خلقًا جديدًا بعد أن يموتوا وتبلى أجسادهم وعظامهم وتتفتت وتنتثر في الأرض، وكانوا يتساءلون على سبيل الاستنكار [١٦٧].
موقفهم من الشياطين
انكب أهل الكفر على اتباع الشياطين فسول لهم الشيطان وأملى لهم، فاتبعوه فكانت الموالاة والاستهواء، ولقد بينت كثير من آيات القرآن الكريم ذلك، منها ما يلي:
- الموالاة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾[١٦٨]. فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا، ومعنى ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع [١٦٩].
- التحاكم إلى الشياطين: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[١٧٠]. والمعنى على ذلك: يريدون أن يتحاكموا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إلى الطاغوت المضل عن مقتضى الإيمان والكتب، والحال أنهم قد أمروا في الكتب المنزلة أن يكفروا به، أي: بالطاغوت، وما ذلك إلا أن يريد الشيطان الذي هو رئيس الطواغيت أن يضلهم عن طريق الحق ضلالًا بعيدًا، فالتحاكم إلى الطاغوت كفرٌ بالله تعالى. ولذلك قال الفخر الرازي: «يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانًا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفرٌ بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمانٌ بالله» [١٧١]. وعقب الفخر الرازي على قوله بآية أخرى تعقب آية التحاكم، وهي قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[١٧٢]. فقال: «وهذا نصٌ في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام»[١٧٣].
- أستحواذ الشيطان على أهل الكفر: قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[١٧٤]. والمقصود بالاستحواذ: (الاستيلاء عليهم، من حاذ الإبل يحوذها إذا ساقها سوقًا عنيفًا) [١٧٥].
موقفهم من بعضهم بعضًا
يقف أهل الكفر صفًّا إلى صفٍّ، فعقيدتهم الموالاة والتبعية لبعضهم البعض، وفيما يلي بعض مواقفهم تجاه بعضهم البعض:
- الموالاة:ومعناها محبة أهل الكفر واتباعهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[١٧٦]. حذر الله تعالى أهل الإيمان أن يتخذوا من اليهود والنصارى أولياء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[١٧٧]. وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يوالي كافرًا، لكن يجب على المسلم أن يبرأ إلى الله تعالى من أهل الكفر، وأن يوالي أهل الإيمان. وقد أمر الله تعالى بالبراءة من عبادة الكفار، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾[١٧٨]. والله تعالى قد أخبر عن البراءة من المشركين والكافرين فقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[١٧٩].
- التقليد: قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾[١٨٠]. ومعنى ﴿ أُمَّةٍ ﴾ أي: دين [١٨١]، فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه [١٨٢]، لأن أصل الأمة الجماعة، والصنف، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾[١٨٣]. (ثم يستعار في أشياء منها: الدين. كقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ﴾ أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد(ص)، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام) [١٨٤]. وسبب تقليد أهل الكفر الألفة والعادة واتباع الهوى والجهل. يقول ابن كثير معلقًا على الآية: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ «أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها الدين هاهنا» [١٨٥].
صفات الكافرين
أخبر القرآن الكريم في كثير من آياته عن صفات الكافرين، ولعل من أبرزها الضلال والغرور، فلا يريدون السير في الطريق المستقيم، وظنهم أنهم على الحق وما سواهم على الباطل، أنعم الله تعالى عليهم بالجوارح فلم ينتفعوا بها، بل سخروها في محاربة الإسلام وأهله، فظلموا مَنْ تمسَّكَ بدينه، كل هذا بسبب الحسد والهوى الذي تمكن من قلوبهم، بل كانوا يتبعون الباطل ويجادلون به، فركنوا إلى هواهم، ولقد دلت آيات القرآن كما سأبين فيما يلي.
الضلال والإضلال
يُقَسِّمُ الراغب الأصفهاني الضلال إلى قسمين فيقول:
- ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[١٨٦].
- وضلالٌ في العلوم العملية، كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات، والضلال البعيد إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[١٨٧].[١٨٨]
ويذكر الفيروزآبادي قسمي الإضلال فيقول: «والإضلال أيضًا على قسمين:
- أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: إما أن يضل عنك الشىء، كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني؛ وإما أن يحكم بضلاله. فالضلال فى هذين سبب للإضلال.
- أن يكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل، كقوله تعالى: ﴿ُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾[١٨٩]. أي: يتحرون أفعالًا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم [١٩٠].
ومن مظاهر الضلال:
- الشرك بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[١٩١].
- اتباع قرين السوء والشيطان، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا ﴾[١٩٢].
- عبادة الأصنام، قال تعالى على لسان الخليل إبراهيم (ع): ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[١٩٣].
- التقليد دون تفكير، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾[١٩٤].
- الصد عن الحق، واستحباب الدنيا على الآخرة، قال تعالى: ﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾[١٩٥].
الغرور
مدار الغرور الجهل، يقول العز بن عبدالسلام: «ومدار الغرور كله على الجهل، فما اغتر الكفار بعبادتهم إلا جهلًا منهم بحبوطها، وما اغتر المبتدعة ببدعهم إلا جهلًا منهم ببطلانها، وما اغتر الأغنياء بغناهم إلا جهلًا منهم بأنه فتنة ومحنة، وظنًّا منهم أنه كرامة ونعمة، وكذلك اغترار العابد بعبادته والزاهد بزهادته، والعارف بمعرفته، وربما أقدم هؤلاء على معصية ربهم ظنًّا منهم أن الله عز وجل لا يؤاخذهم بقربهم إليه وكرامتهم عليه» [١٩٦].
وأسباب غرور الكفار:
- شدة إعجابهم بالدنيا، وحرصهم عليها، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[١٩٧]. والمعنى: (أراد الكفار بالله، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، وأكثر حرصًا عليها) [١٩٨].
- الاستكبار والإعجاب بالنفس، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾[١٩٩]. والمعنى(استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا، وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات الله عز وجل وكفروا بها) [٢٠٠].
- عدم تعجيل العذاب للكافرين في الدنيا، فيجعلهم يتمادون في الغرور قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[٢٠١].
- كثرة المال والعطاء، يجعل الكافر في غرور شديد، ولا ينسب العطاء لله تعالى، قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾[٢٠٢].
عدم الانتفاع بالعقل والجوارح
إن الكافر لا يشغل عقله بما ينفعه، ولا يستخدم جوارحه إلا في الذي يضره، وفي تقليد الأنعام. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾[٢٠٣].
ولقد ذم القرآن الكريم أهل الكفر بسبب عدم تعقلهم وتدبرهم، ومن أمثلة ذلك كما جاء في القرآن ما يلي:
- عدم تعقلهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾[٢٠٤]. يقول البغوي: «لأن العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود» [٢٠٥].
- عدم إبصارهم رغم وجود أعينهم، قال تعالى: ﴿أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾[٢٠٦].
- عدم سماعهم رغم وجود آذانهم، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[٢٠٧]. والمعنى: (وصفهم بأنهم لا يبصرون بعيونهم ولا يعقلون بقلوبهم. جعلهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه، بمنزلة من لا يبصر ولا يعقل. ثم قال جل وعز ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. وذلك أن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما لا تبصره) [٢٠٨].
- عدم استخدام حواسهم إلا في خدمة أغراضهم، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾[٢٠٩]. وعدم استخدام الحواس في الطاعة والتفكر والتدبر يدل على عدم عمل العقل، مما لا ينتفع الكفار به.
- عدم عظة الكافر ممن كان قبله، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[٢١٠]. وعدم الاعتبار أو العظة يدل بالحال على فساد العقل، والمعنى (فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أو آذانٌ يسمعون بها التخويف. ﴿ فَإِنَّهَا ﴾، أي: النظرة بغير عبرة، ويقال: كلمة الشرك. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد) [٢١١] والدليل على أن الكافرين لم يجعلوا للعقل حظًّا من التفكير، ولم يجعلوا لجوارحهم نصيبًا من النظر والسمع قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[٢١٢]. نسمع سماع من يميز ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وينظر ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ والمعنى: إنَّا لم نسمع الحق ولم نعقله، أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا) [٢١٣].
الظلم
الظلم في اللغة معناه: (الجور ومجاوزة الحد، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه)[٢١٤].
وعرف الظلم في الاصطلاح بأنه: (وضع الشىء فى غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو زيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه) [٢١٥].
وفسر الشرك بالظلم، قال تعالى: ﴿ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[٢١٦].
تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كلٌّ على ما يليق به [٢١٧].
ويدلل على هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾[٢١٨]. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾[٢١٩]. بَشَّرَكَ، أَوْلَمَ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾»[٢٢٠].[٢٢١].
وأسباب الظلم: دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الظلم منها:
- الكفر، قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[٢٢٢]. دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه [٢٢٣]
- الكبر والغرور، ويتجلى ذلك في قصة النمروذ، عندما قال لنبي الله إبراهيم (ع) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[٢٢٤]. فحمله غروره وكبره على مجادلة نبي الله إبراهيم، فنسب لنفسه الموت والحياة، وبأنه يقدر على فعل ما يفعله الله تعالى [٢٢٥].
- الكذب على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[٢٢٦]. والمعنى: (لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، كمن زعم أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن غيره يَدَّعي معه أو من دونه أو يتخذ وليًّا له يقربه إليه زلفى ويشفع للناس عنده، أو زاد فى دينه ما ليس منه، أو من كذب بآياته المُنَزَّلَةِ كالقرآن، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته) [٢٢٧].
- موالاة أعداء الله تعالى، والمقصد اتباع أرباب الكفر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[٢٢٨].
- السخرية من المرسلين، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾[٢٢٩].
اتباع الباطل والمجادلة به
والباطل ضد الحق، ومقصوده هنا الكفر والانحراف، ولقد جاءت آيات القرآن الكريم كثيرة في هذا المعنى تبين أساليب الكافرين، في المجادلة الباطلة عن عقيدتهم بغية الانتصار للنفس، دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الباطل والمجادلة به، فجاءت الآيات مبينة ومؤكدة لحال الكافرين في الصد عن دين الله تعالى، وفي اقترافهم للسبل التي اتخذوها ليكذبوا الرسل، ومن هذه الآيات القرآنية ما يلي:
- المجادلة في الدين، وهو بمعنى الخصام في الدين، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[٢٣٠]. والمعنى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾، علامة تدل على صدقك ﴿ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ هذا حالهم في البعد عن الإيمان ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ ﴾ مخاصمين معك في الدين) [٢٣١].
- جحود الحق، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾[٢٣٢]. والمعنى: جحود الحق بعد وضوح برهانه علم لاستكبار صاحبه، وهو- فى الحال- فى وحشة غَيِّه معاقب بالصد وتنغص العيش، يَمَلُّ حياته ويتمنى وفاته [٢٣٣]، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾[٢٣٤]. يعني: يجحدون بآيات الله [٢٣٥].
- إيحاء الشياطين للكافرين بالجدال، قال تعالى: ﴿ٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[٢٣٦]. والمعنى(أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل) [٢٣٧].
- خصام الرسل وتكذيبهم، ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾[٢٣٨]. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾[٢٣٩]. والمعنى ﴿وَجَادَلُوا ﴾ أي: خاصموا رسولهم ﴿ بِالْبَاطِلِ ﴾ من القول ﴿ لِيُدْحِضُوا﴾ أي: ليزيلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ومنه مكان دحض، أي: مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزول فلا يستقر، جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان [٢٤٠].
سنة الله في الكافرين
أرسل الله الأنبياء والرسل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإذا أطاعوهم فقد اهتدوا، وإن تولوا فقد أقيمت عليهم الحجة، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[٢٤١].
وقد أمهلهم الله تعالى عساهم أن يتوبوا وأن يأخذوا العظة والعبرة ممن سبقهم، وتارة تكون سنة الله تعالى الاستدراج، ولعلها أيضًا تفتح لهم طريق الهداية، فلما أصروا على كفرهم وعنادهم أمر الله تعالى بمجاهدتهم، ولقد جاءت آيات القرآن الكريم تبين عدم التسوية بين المؤمن والكافر أبدًا، فالمؤمن في معية الله تعالى يأتمر بما أمره الله به، وينتهي بنهيه، والله تعالى ترك بابًا لا يغلق هو باب التوبة، فالكافر لو تاب إلى الله توبة نصوحة بَدَّلَ ما كان عليه من سيئات وذنوب إلى حسنات، ولا أدل على ذلك من رحمة الله تعالى بعباده، فالله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، لكنهم لما اتبعوا أهواءهم حل ما حل بهم من الركون إلى الشياطين.
إقامة الحجة عليهم
أخبر سبحانه وتعالى بأنه غني عن العباد جميعًا، وتعددت إقامة الحجة في القرآن على الكافرين منها:
- إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[٢٤٢] والمعنى ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذرٍ عذرٌ) [٢٤٣].
- الدعوة إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[٢٤٤].
- المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[٢٤٥]. هدف الدعوة الأول هو إدخال الناس في الإسلام؛ ولذا فإن الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما الهدف الأول للجدال والمحاججة، فهو دفع الخصوم وإقامة الحجة، وبعدها يأتي هدف اقتناع المجادل بالحق؛ ألا ترى - رحمك الله - أن المسلمين يفرحون عند إفحام خصومهم من الكفار ولو لم يهتد منهم أحد؛ لأنهم حققوا الهدف الأول من الجدال)[٢٤٦]،كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾[٢٤٧]. فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون، عليهما السلام، حين بعثهما إلى فرعون فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[٢٤٨]. [٢٤٩]
- بيان عاقبة الأمم الكافرة، حَفَلَ القرآن الكريم ببيان عاقبة المكذبين في الدنيا، ومن ذلك قوم نوح وقوم عاد وثمود وغيرهم، قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾[٢٥٠]. فأقام الله تعالى عليهم الحجج بعد إخبارهم بعاقبة من كفر قبلهم.
الإملاء والإمهال
والمقصود من الإملاء: التأخير. قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾[٢٥١]. والمعنى قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أمهل لهم وأؤخر لهم) [٢٥٢]. فعلى ذلك فإن المقصود بالإملاء إطالة المدة، يقول الواحدي معلقًا على قوله تعالى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: أي: أطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي» [٢٥٣]. لذلك وقت الله تعالى العذاب بأجل مسمى، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾[٢٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾[٢٥٥].
والإملاء والإمهال له عدة أسباب في القرآن الكريم منها:
- بيان عاقبة الطغاة، وسوء مصيرهم، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[٢٥٦]. وفي موضع آخر: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾[٢٥٧]. وفي موضع ثالث: ﴿ِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾[٢٥٨]. وفي الحديث عن أبي موسى، قال: قال رسول الله(ص): «إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قال: ثم قرأ: ﴿كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[٢٥٩]. [٢٦٠]
- ليميز الله الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾[٢٦١].
- الإضلال والشقاء ليزدادوا إثمًا، قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[٢٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[٢٦٣]. وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾[٢٦٤]. والمعنى ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي: قليلا فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب) [٢٦٥].
الاستدراج
استدرج الله المرء: جره قليلًا قليلًا إلى العذاب. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾[٢٦٦]. (كلما جدَّدوا خطيئة جَدَّدْنا لهم نعمة وأنسيناهم شكر النعمة واستغفار الذنب) [٢٦٧]. ولقد بينت آيات القرآن الكريم الهدف من الاستدراج، فتارة يكون الهدف التوبة، فيذكرهم الله تعالى بحال السابقين قبلهم وأن الله تعالى أهلكهم لما كذبوا الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾[٢٦٨]. ويذكرهم بحال الأخسرين أعمالًا حتى يستفيقوا من غفلتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾[٢٦٩]. وتارة يكون الهدف الإغواء والضلال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾[٢٧٠]. والمعنى وقوله: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها[٢٧١].
وفي الحديث عن عقبة بن عامر، عن النبي(ص) قال: « إِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٍ » ثم تلا رسول الله(ص): ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾[٢٧٢].[٢٧٣]
المستدرجون في القرآن: أهل الكفر المكذبون بآيات الله تعالى ورسله، والمتكبرون، والظالمون، والله تعالى قد يغدق عليهم العطايا فيمتعهم بعض السنيين، ثم يأتيهم العذاب فما أغني عنهم ما تمتعوا به من ملذات الدنيا. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾[٢٧٤]. (أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئًا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط) [٢٧٥]. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[٢٧٦]. والمعنى: إن الله تعالى إذا أغدق النعم على العبد المعرض عن طاعته المقيم على معصيته فهذا استدارج من الله تعالى، والمعنى تؤيده السنة النبوية كما في الحديث عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله(ص) يقول: « إِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدِ، وَ هُوَ فِي ذَلِكَ مُقِيمُ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٍ ». ثم تلا قول الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾[٢٧٧].[٢٧٨]
الأمر بمجاهدتهم
أمر الله تعالى نبيه بمجاهدة الكافرين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[٢٧٩].
ولذلك فإن أصل القتال المشروع هو الجهاد، حتى يكون الدين كله لله تعالى، يقول ابن تيمية: «أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين» [٢٨٠]، ولذلك كان الأمر بمجاهدة الكفار لأسباب كثيرة منها ما يلي:
- أن يكون الجهاد تنفيذًا لأمر الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾[٢٨١].
- أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[٢٨٢]. والمعنى: (حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يعبد دونه أحدٌ، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان) [٢٨٣]، وفي الحديث عن أبي موسى، قال: « جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما القِتَالُ في سَبيلِ اللَّهِ؟ فإنَّ أحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ، قالَ: وما رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَّا أنَّه كانَ قَائِمًا، فَقالَ: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، فَهو في سَبيلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ» [٢٨٤].
- أن يكون دفاعًا عن النفس، وردًّا لاعتداء الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[٢٨٥].
- إذا تقابل الصفان، فلا يجوز التولي بل يجب مجاهدة الكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾[٢٨٦]. والمعنى: (إذا التقى الزحفان في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، فلا تولوهم الأدبار بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله) [٢٨٧].
غنى الله تعالى عنهم
إن الله تعالى غني عن الخلق أجمعين، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا يضره كفر الكافرين، ولقد جاءت الآيات القرآنية تبين ذلك، وتوضح أن الله تعالى لا يبالي بخلقه إن لم يعبدوه، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾[٢٨٨]. والمعنى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرةً وأصيلًا، لولا إيمانكم) [٢٨٩].
بين الله سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض، ولقد أخذ العهد والميثاق على الأمم السابقة أن يعبدوه ولا يكفروا به، فإن كفروا فإنه سبحانه وتعالى غني عن الخلق أجمعين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾[٢٩٠]. والمعنى: (وإن تكفروا كما كفر أهل الكتاب فإن لله ما في السموات وما في الأرض إنه لا يضره كفرهم؛ إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ أي: غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا) [٢٩١].
أخبر الله تعالى على لسان بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أنه غني عن جميع الخلائق إنسهم وجنهم، قال تعالى على لسان موسى (ع): ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾[٢٩٢]. والمعنى: إن تكفروا وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ ﴾ سبحانه ﴿لَغَنِيٌّ﴾ عن شكركم لا يحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: مستوجب للحمد لذاته؛ لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة، وتنطق بنعمه ذرات الكائنات) [٢٩٣].
إن الله سبحانه وتعالى غني عن جميع خلقه مسلمهم وكافرهم، فكيف حال أهل الكفر والجحود، فإن الله تعالى أرسل الرسل بالبيانات والهدى من أجل الخلق جميعًا، فمنهم من صد وجحد فاستغنى الله عنهم. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾[٢٩٤]. ولذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[٢٩٥].
لا يستوي المؤمن والكافر
فرق الله تعالى بين الظلمات والنور، فالظلمات هي الكفر، والنور هو الإيمان، والكفر هو العمى، والإيمان هو البصر. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[٢٩٦].
ولذلك يقول ابن القيم: «فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه؛ فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن؛ فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [٢٩٧]
وأهل الإيمان هم أهل الهداية، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾[٢٩٨]. وأهل الكفر هم أهل الضلال، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾[٢٩٩]. وأهل الإيمان هم أهل الفلاح، الذين آمنوا بالله ورسله. قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[٣٠٠]. وأهل الكفر هم أهل الخسران. قال تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾[٣٠١]. وأهل الإيمان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قال تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[٣٠٢]. وأهل الكفر عليهم ذلة ومسكنة وغضب من الله ومن الناس. قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾[٣٠٣]. وتارة أخرى يصف الله تعالى حال أهل الكفر والجحود بأهون البيوت بيت العنكبوت. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[٣٠٤]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: (الأصنام يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها ﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسها كيما يكنها، فلم يغن عنها بناؤها شيئًا عند حاجتها إياه، فكما أن بيت العنكبوت لا يدفع عنها بردًا ولا حرًّا، كذلك هذه الأوثان لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضًًّا ولا خيرًا ولا شرًا)[٣٠٥]، وأهل الإيمان يثبتهم الله تعالى في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾[٣٠٦].
الكفر بعد الإيمان
الدخول في الإيمان ثم الخروج منه يطلق على الرِّدَّةِ، والرِّدَّةُ لها ركن أساسي وهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الدخول في الإيمان، يقول «الكاساني الحنفي»: «أما ركنها، فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان، إذ الرِّدَّةُ عبارةٌ عن الرجوع عن الإيمان، فالرجوع عن الإيمان يسمى رِدَّةً في عرف الشرع [٣٠٧].
وأهل الكفر دائمًا يتربصون بأهل الإيمان ليردوهم عن دينهم، قال الله تعالى حكاية عن قوم شعيب (ع) ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾[٣٠٨]. والمعنى: (لنخرجنك يا شعيب ومن آمن بك من بين أظهرنا، أو لترجعن أنت وهم إلى ديننا، قال شعيب مجيبًا لهم قال: ﴿ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي: أتجبروننا على الخروج من الوطن، أو العودة في ملتكم، ولو كنا كارهين لذلك؟ والاستفهام للإنكار) [٣٠٩].
وللكفر بعد الإيمان عدة صور في القرآن الكريم منها:
- الكفر الصريح بعد الدخول في الإيمان والاستمرار عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾[٣١٠]. (يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا، ولا طريقًا إلى الهدى) [٣١١]
- الاستهزاء بالله أو بشيء من آياته أوبالرسول، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾[٣١٢].
- إنكار السنة، فمن آمن بالله واتبع رسوله، ثم فرق بين القرآن والسنة، فقد كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾[٣١٣].
- من انتقص من مقدار رسول الله(ص) فقد كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾[٣١٤].
توبة الكافر
جعل الله تعالى بابًا لا يغلق، أسماه باب التوبة، يغفر فيه الذنوب جميعًا، حتى من أشرك بالله وتاب إليه قبله. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[٣١٥]. (هذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة في كافر ومؤمن، أي: إن توبة الكافر تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه) [٣١٦]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[٣١٧]. والمعنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: من الكفر، ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾: أسلموا أو أصلحوا الأعمال فيما بينهم وبين ربهم، ﴿ وَبَيَّنُوا ﴾: ما كتموا، ﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾: أتجاوز عنهم جميع سيئاتهم وأقبل توبتهم، ﴿ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: الرجاع بقلوب عبادي) [٣١٨].
إذا تاب الكافر أو المشرك توبة نصوحة، غفر الله له، والمقصود بالشرك أن يجعل لله ندًّا - أي: مثلًا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾[٣١٩]. وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله(ص) مشركي العرب؛ لأنهم أشركوا في الإلهية. قال الله تعالى﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾[٣٢٠]. [٣٢١]
فإذا أحسن العبد بعد إسلامه لم يؤاخذ بفعاله قبل الإسلام، بل تبدل للحسنات. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[٣٢٢].
وفي الحديث عن ابن مسعودٍ، قال:«قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنُؤاخَذُ بما عَمِلْنا في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: مَن أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بما عَمِلَ في الجاهِلِيَّةِ، ومَن أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ» [٣٢٣].
ومن أدلة مضاعفة الحسنات مكان السيئات التي كانت في الجاهلية بعد إسلام العبد. في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(ص): «إِذَا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بعَشْرِ أمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بمِثْلِهَا» [٣٢٤].
عاقبة الكفر
جاء القرآن الكريم مبينًا لحال أهل الكفر في الدنيا، فبين أنهم لن يهتدوا لاتباعهم الهوى وسيرهم في ركاب من سبقهم من أهل الكفر، فاستحقوا اللعن والخذلان، والضيق والخسران، والعذاب المستأصل لهم في الدنيا، وشدة التنكيل بهم عند الاحتضار، والعذاب الدائم في القبر، والأمر لا ينتهي بعد، فعقاب الآخرة أشد وأبقى.
عاقبته في الدنيا
تعددت أصناف العقوبات للكفار في الدنيا، ولقد ذكرت آيات القرآن الكثير من هذه العقوباتما يلي:
- حرمانهم من الهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾[٣٢٥].
- اللعن، قال تعالى:﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾[٣٢٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾[٣٢٧]. ويفهم من الآية أن الله تعالى لعن الكافرين، ومِنْ لَعْنِ اللهِ لهم طردُهُمْ مِنْ رحمته، وأعدَّ لهَم في الآخرة نارًا موقدة شديدة الحرارة [٣٢٨]
- الغضب الشديد، قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[٣٢٩]. والمعنى: (فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغيًا وحسدًا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله، وغضب عليهم غضبًا بعد غضب، لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم) [٣٣٠]ز
- الحسرة على إنفاق أموالهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾[٣٣١]. وهم يكثرون من الإنفاق لصد الناس عن دين الله تعالى، لكن ينقلب الأمر عليهم فتصبح هذه الأموال حسرة عليهم، يقول: السمرقندي: ﴿ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: ليصرفوا الناس عن دين الله وطاعته، ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ يعني: تكون نفقاتهم عليهم حسرة وندامة، لأنها تكون لهم زيادة العذاب [٣٣٢].
- الضيق والحرج الشديد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[٣٣٣]. والمعنى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يوسع قلبه ويفتحه ليقبل الإسلام ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ شديد الضيق ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ إذا كلف الإيمان لشدته وثقله عليه ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل ما قصصنا عليك ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ ﴾ العذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [٣٣٤].
- إغواء الشيطان لهم، فإن الشيطان قد سول ـ أي: مناهم وأغواهم ـ حتى يفتح لهم طرق الشر، فاقترفوا الكبائر، وهذا بسبب صدهم عن سبيل الله تعالى، واتباع الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾[٣٣٥]. والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ أي: إلى ما كانوا عليه من الكفر. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ﴾ بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. ﴿ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ سهل لهم اقتراف الكبائر، من السول وهو الاسترخاء، وقيل: حملهم على الشهوات من السول وهو التمني) [٣٣٦].
- العذاب المستأصل لهم في الدنيا، والمستأصل ـ أي: العذاب الذي يهلكهم جميعًا ـ فلا يبقيهم، بل يهلكهم بسبب كفرهم ـ وقد كان في الأمم السابقة، قبل بعثة رسول الله(ص)، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾[٣٣٧]. أي: (فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًّا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر) [٣٣٨].
- إلقاء الرعب في قلوبهم في الحروب، من أشد العقوبات التي تلحق بالكافرين في الدنيا الهزيمة التي تقع عليهم من المسلمين، وعدم تمكينهم من أهل الإسلام، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[٣٣٩].
- حرمانهم من الاستغفار لهم، قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[٣٤٠]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾[٣٤١]. والمعنى: عن ابن عباس قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ وكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار، ولم ينتهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [٣٤٢].
- شدة حالهم عند الاحتضار وإهانة الملائكة لهم عند قبض أرواحهم، وتكون الإهانة بضرب الملائكة لأدبارهم ووجوههم لإذلالهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾[٣٤٣]. والمعنى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبِهِ الشنيعة -لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. ﴿ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ ﴾ إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان: ﴿ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ أي: العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس العمل)[٣٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾[٣٤٥].
- العذاب الدائم في القبر، قال تعالى حكاية عن حال فرعون وجنوده: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾[٣٤٦]. والمعنى: هم في العذاب المقيم ليل نهار، وتفسير قوله تعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾ - أي: يعرضون على هذه النار فى الغدو، أي: أول النهار، وفى العشي، أي: آخر النهار.. وهذا العرض على النار هو فى حياتهم البرزخية، الواقعة بين الموت والبعث.. فهم فى هذه الفترة يفزعون بالنار التي سيصيرون إليها يوم القيامة، فيردونها صبحًا وعشيًّا؛ ليروا بأعينهم المنزل الذي سينزلونه يوم القيامة) [٣٤٧].
عاقبة الكفر في الآخرة
كما تعددت أنواع العقوبات للكافرين في الدنيا، تنوعت أيضًا أنواع العقوبات للكافرين في الآخرة، ومن هذه العقوبات المدخرة للكافرين يوم القيامة ما يلي:
- حبط الأعمال، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٣٤٨].
- الحسرة والندامة، في مشهد من مشاهد يوم القيامة يتمنى الكافر بعد ندمه أن لو كان من المهتدين، وقد سجل القرآن الكريم هذا الموقف، فقال تعالى: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾[٣٤٩].
- سواد الوجه، ومن العقوبات التي تتعلق بالكافرين في يوم القيامة سواد وجوههم، فيفتضح أمرهم، وينظر إليهم جميع الخلق، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾[٣٥٠]. والمعنى ﴿ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم. وقوله: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: أليست جهنم كافيةً لهم سجنًا وموئلًا، لهم فيها دار الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق) [٣٥١].
- خروجهم من القبور أذلاء مسرعين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾[٣٥٢].
- شخوص أعينهم، أعين الكفار في يوم القيامة لا تقوى على ثباتها، بل تتقلب لعدم قدرتها على الثبات من هول ما ترى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾[٣٥٣]. والمعنى: ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى) [٣٥٤].
- سوقهم كالبهائم، إن أهل الكفر في يوم القيامة يساقون كالبهائم كما أخبر بذلك القرآن، قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾[٣٥٥]. والمعنى: ﴿نَسُوقُ ﴾ يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانةٍ واستخفافٍ كأنهم نعمٌ عطاشٌ تساق إلى الماء، والورد اسمٌ للعطاش، لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش. وحقيقة الورود السير إلى الماء، فسمي به الواردون) [٣٥٦].
- جَرُّهُم بالسلاسل والأغلال، عبر القرآن الكريم عن حال أهل الكفر في يوم القيامة وهم يجرون بالسلاسل إلى نار جهنم، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾[٣٥٧]. وفي آية أخرى يبين الله تعالى حال أهل الكفر، حيث يغلون بالسلاسل، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾[٣٥٨].
- الخلود الأبدي في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴾[٣٥٩].
- شرابهم الحميم ـ أي: الماء شديد السخونة الذي يقطع أمعائهم ـ، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾[٣٦٠]. و(الحميم: هو الماء الذي تناهى في الحر، وفي التفسير: إنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت، فإذا قربه الكافر إلى وجهه للشرب شوى وجهه، وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه)تفسير القرآن، السمعاني، ٥/١٧٤..
- أكلهم الزقوم، قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾[٣٦١]. والمعنى (الزقوم: شجرةٌ مسمومة يخرج لها لبنٌ، متى مس جسم أحدٍ تورم فمات. والتزقم: البلع بشدة وجهدٍ للأشياء الكريهة) [٣٦٢]، وبيان معنى هذه الآية: (قال تعالى مخبرًا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ ﴾[٣٦٣] والأثيم: أي: في قوله وفعله، وهو الكافر) [٣٦٤].
- ثيابهم من النار، قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾[٣٦٥]. والمعنى (نيران تحيط بهم إحاطة الثياب، والحميم: الماء الحار يصهر به ما في بطونهم والجلود، أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم) [٣٦٦].
- عدم قبول الفدية منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[٣٦٧]. والفدية إعطاء شيء للإنقاذ [٣٦٨]، ومعنى الآية(أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، ولهم عذابٌ أليمٌ) [٣٦٩].
- الحرمان من النصير، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾[٣٧٠]. ويوم الآزفة هو يوم القيامة، وسمي بذلك لقُرْبِهِ، والمعنى ﴿ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ محب مشفق ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: يشفع، وهو مجاز عن الطاعة؛ لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي الشفاعة والطاعة) [٣٧١].[٣٧٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٠.
- ↑ انظر لسان العرب، ابن منظور، ٥/١٤٥ ـ١٤٧ بتصرف.
- ↑ سورة القصص، الآية ٤٨.
- ↑ مختار الصحاح، الرازي، ص ٢٧١.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧١٤، ٧١٥.
- ↑ الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم ٣/١١٨.
- ↑ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، اختصره الموصلي، ص٥٩٦.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٠٢٣-١٠٣٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٢.
- ↑ سورة القمر، الآية ١٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٧٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٨.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٦١.
- ↑ سورة ق، الآية ٢٤.
- ↑ انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٥١٦-٥١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٥٢.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨٩.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٠.
- ↑ تاج العروس، الزبيدي، ٢٧/٢٢٤.
- ↑ أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص ٥٨.
- ↑ المنهاج، شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ٢/٧١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٩١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٩٢.
- ↑ انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري، ٤/٤٦١.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/١٩٠، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٩٥، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤٧، لسان العرب، ابن منظور، ٣/٣٣٨، المصباح المنير، الفيومي ص٣٢٧، المعجم الوسيط، ٢/٨٥٠.
- ↑ المعجم الوسيط، ٢/٨٥٠.
- ↑ انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٩/١٧٢.
- ↑ مراجع كلمة الإلحاد: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٤٨، مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/٢٣٦، جامع البيان، الطبري ٢١/٤٧٦، التعريفات الاعتقادية، سعد آل عبد اللطيف ص ٥٨، الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، آمال العمرو ص ٣٢٧.
- ↑ المصباح المنير، الفيومي ص١٣٧.
- ↑ المفردات، الأصفهاني ص٢١٣.
- ↑ حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، الشيخ محيي الدين النووي أحمد سلامة القليوبي، وأحمد البرلسي عميرة، ٤/١٧٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف ٤٢/٣٥٠.
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري ٥/٢٠٧١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٥١٨، لسان العرب، ابن منظور، ١٣/٢١.
- ↑ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/٢٩١، الإيمان، عبد الله بن عبدالحميد، ص١٩-٢١.
- ↑ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١.
- ↑ انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص١٦١.
- ↑ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي ص٤١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٩.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٦٨.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٩٥ - ٢٩٦.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢/٧٩، ٩/٣٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٤.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٣١.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/٢٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣٥-٣٨.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٥.
- ↑ أضواء البيان، الشنقيطي، ٣/٢٧٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨-٩.
- ↑ سورة المنافقون، الآية ٣.
- ↑ الإيمان، عبد الله بن عبدالحميد ص ٢٤٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٧١.
- ↑ سورة لقمان، الآية ١٢.
- ↑ تفسير مقاتل بن سليمان، ٣/٤٣٤.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٧.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٤٧٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٨٣.
- ↑ إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ٢/١٥٣.
- ↑ سورة الحجرات، الآية ٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ١/١٩، رقم ٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي(ص): (سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)، ١/٨١، رقم ٦٤.
- ↑ سورة الهمزة، الآية ١.
- ↑ تفسير مقاتل بن سليمان، ٤/٨٣٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت، ١/٨٢، رقم ٦٧.
- ↑ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ٢/٥٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٥.
- ↑ انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٨٢٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من ادعى إلى غير أبيه، ٨/١٥٦، رقم ٦٧٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، ١/٨٠، رقم ٦٢.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١٢/٥٥.
- ↑ انظر ضوابط وأصول في التكفير، عبداللطيف آل الشيخ، ص ٤٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧٠.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٦٩-٧٠.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية، ٤/١٩٧ - ١٩٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧٠.
- ↑ معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/٢٤١.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٦٤-٦٨.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٥٣.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٧٤.
- ↑ سورة النجم، الآية ٢٣.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية، ٤/١٩٨.
- ↑ سورة يونس، الآية ٧٥-٧٨.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٤٧.
- ↑ مدارج السالكين، ابن القيم ١/٣٤٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٣.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي، ٢/١٨٢.
- ↑ سورة القصص، الآية ٤.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/٢٢٠.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٧٢.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٣٢-٣٥.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٦٢.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٥٣٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٩.
- ↑ انظر أيسر التفاسير، الجزائري، ١/٩٨.
- ↑ إغاثة اللهفان، ابن القيم، ٢/٣٦٦.
- ↑ الفوائد، ابن القيم، ص ١٥٧.
- ↑ سورة النساء، الآية٥٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٤.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٤/١٧١٨.
- ↑ سورة يونس، الآية ٣٩.
- ↑ انظر: أوضح التفاسير، محمد عبداللطيف الخطيب، ٢٥٢.
- ↑ التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/١٧٢.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦.
- ↑ الوجيز، الواحدي ص ٤٥٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١١-١٣.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨٣-٨٤.
- ↑ التفسير البسيط، الواحدي ١٧/٣٠٧.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.
- ↑ أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/١٠٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٧٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢١.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/١٩٨٢ ـ١٩٨٣.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٥٦.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٧.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ١٦/٢٣٢.
- ↑ الجواهر الحسان، الثعالبي، ٣/٣٤٨.
- ↑ سورة النحل، الآية ١١٢.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٤.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٨٠.
- ↑ سورة يس، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٦-٧.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ١٧/٦٩.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٤٢ - ٣٤٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٦.
- ↑ سورة ص، الآية ٤.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٥٢.
- ↑ تأويلات أهل السنة، أبو منصور الماتريدي، ٩/٣٩٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦١.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٥٥.
- ↑ انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر، ١٩/٥٦.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٩.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن طالب ٥/٣٧٨٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٩.
- ↑ الصارم المسلول، ابن تيمية، ص٥١٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٧٥.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٧٩.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٥.
- ↑ سورة الطور، الآية ٣٣-٣٤.
- ↑ سورة هود، الآية ١٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/١٣٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٢.
- ↑ تفسير القرآن، العز بن عبدالسلام، ١/٢٠٦.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٩-٣٦.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي، ٥/٢٢٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٩.
- ↑ تفسير الراغب الأصفهاني ١/٢٩١.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٩.
- ↑ تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/٣٩٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٤٥.
- ↑ تفسير المراغي ٨/١٥٨.
- ↑ سورة المدثر، الآية ٤٢-٤٧.
- ↑ التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/٤٥٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عملٌ، ١/١٩٦، رقم ٢١٤.
- ↑ المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ٣/٨٧.
- ↑ سورة سبأ، الآية ٧-٨.
- ↑ التفسير الحديث، محمد عزت، ٤/٢٦٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب المالكي، ١/٨٥٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٠.
- ↑ مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٠/١٢١.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٥.
- ↑ مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٠/١٢١.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ١٩.
- ↑ بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٠٦.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٧٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥١.
- ↑ سورة الكافرون، الآية ١-٦.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٢٢-٢٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٥٨٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٥/٩٧.
- ↑ أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤/٣٦٩.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٣٨.
- ↑ انظر تفسير السمرقندي، ٣/٢٥٥.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٢٢٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٧.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥١٠.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١٣.
- ↑ انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٤٨٢،٤٨٣ بتصرف.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١٦.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٢٧-٢٩.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٦٩-٧٠.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢-٣.
- ↑ مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل، العز بن عبدالسلام ص ١٥٦.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٠.
- ↑ التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ٢/٣٤٧.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٥.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٠/٦٤٩٨.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٢.
- ↑ سورة مريم، الآية ٧٧-٧٨.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي، ١/١١٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ معاني القرآن، الزجاج، ٢/٣٩٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧١.
- ↑ سورة الحج، الآية ٤٦.
- ↑ تفسير السمرقندي، ٢/٤٦٣.
- ↑ سورة الملك، الآية ١٠.
- ↑ انظر تفسير القرآن، السمعاني، ٦/١٠.
- ↑ انظر: النهاية، ابن الأثير، ٣/١٦١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١١٣٤، المصباح المنير، الفيومي، ص ١٤٦.
- ↑ بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤١.
- ↑ سورة لقمان، الآية ١٣.
- ↑ فتح الباري، ابن حجر ٨/٣٥٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨٢.
- ↑ سورة لقمان، الآية ١٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا)، ٤/١٤١، رقم ٣٣٦٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٤.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ٢/٨٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٨.
- ↑ انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢١.
- ↑ انظر: تفسير المراغي ٧/٩٥.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٤٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٢٥.
- ↑ الوجيز، الواحدي، ص ٣٤٨.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٦.
- ↑ لطائف الإشارات، القشيري، ١/٦٠٤.
- ↑ سورة غافر، الآية ٦٩.
- ↑ تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤/١٤٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٢/٢٨٧.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٥٦.
- ↑ سورة غافر، الآية ٥.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ١٢/١٦٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٥.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٤٧٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٦٤.
- ↑ سورة النحل، الآية ١٢٥.
- ↑ التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني، سامي القدومي ص ٢٥١.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٤٦.
- ↑ سورة طه، الآية ٤٤.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/٦١٣.
- ↑ سورة الحج، الآية ٤٢-٤٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٨٣.
- ↑ انظر تفسير القرآن، السمعاني ٢/٢٣٦.
- ↑ انظر الوجيز، الواحدي، ١/٤٢٣.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٥٣.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٩.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٠٣.
- ↑ سورة يونس، الآية ٣٩.
- ↑ سورة النمل، الآية ٦٩.
- ↑ سورة هود، الآية ١٠٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ إن أخذه أليمٌ شديدٌ)، ٦/٤٧، رقم ٤٦٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/١٩٩٧، رقم ٢٥٨٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٧٩.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٥٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٧٨.
- ↑ سورة الطارق، الآية ١٧.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩١٩.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٨٢.
- ↑ بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٩٢.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٣.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٣-١٠٤.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٤٤.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٣/٢٠٢٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٤٤.
- ↑ أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/٥٤٧، رقم ١٧٣١١، والطبراني في الأوسط، ٩/١١٠، وفي الكبير، ١٧/٣٣٠.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢٠٥-٢٠٧.
- ↑ اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٨٨.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٤٢-٤٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٤٤.
- ↑ الحديث أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/٥٤٧، وابن جرير في تفسير ٧/١١٥.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٧٣.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٨/٣٥٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٩٣.
- ↑ جامع البيان، الطبري، ٣/٥٧٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من سأل، وهو قائمٌ، عالمًا جالسًا،١/٣٦ رقم ١٢٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ٣/١٥١٢، رقم ١٩٠٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ١٥-١٦.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣١٧.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٧٧.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/١٣٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣١.
- ↑ الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢/١٤٩١.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٨.
- ↑ فتح البيان، صديق خان ٧/٨٨.
- ↑ سورة التغابن، الآية ٥-٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٩٧.
- ↑ سورة هود، الآية ٢٤.
- ↑ إعلام الموقعين، ابن القيم،ـ ١/١١٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٥.
- ↑ سورة الروم، الآية ٤٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٥٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦١.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٤١.
- ↑ انظر الكشف والبيان، الثعلبي، ٧/٢٧٩.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٢٧.
- ↑ انظر بدائع الصنائع، الكاساني ٧/١٣٤.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٨٨.
- ↑ صفوة التفاسير، الصابوني، ص ٤٢٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٧.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/٤٣٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٥٧.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٥٣.
- ↑ المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٥٣٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٦٠.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ١/١٩٤.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٦٥.
- ↑ مجموع فتاوى ابن تيمية، ١/٩١.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٧٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة، ٩/١٤، رقم ٦٩٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، ١/١١١، رقم ١٢٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حسن إسلام المرء، ١/١٧، رقم ٤٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنةٍ كتبت، وإذا هم بسيئةٍ لم تكتب، ١/١١٧، رقم ١٢٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨٨.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٦٤.
- ↑ انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد، ص ٤٢٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٩٠.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٨.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٦.
- ↑ تفسير السمرقندي ٢/٢٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢٥.
- ↑ الوجيز، الواحدي، ص ٣٧٤.
- ↑ سورة محمد، الآية ٢٥.
- ↑ أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٢٣.
- ↑ سورة غافر، الآية ٥.
- ↑ تفسير المراغي ٢٤/٤٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ١٢.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٨٠.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٣-١١٤.
- ↑ تفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٩٣.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٩٣.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٦٤.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٥٠.
- ↑ سورة غافر، الآية ٤٦.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، ١٢/١٢٤١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٥٦-٥٩.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٠.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/١١١.
- ↑ سورة المعارج، الآية ٤٣-٤٤.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٤٢.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ٢/١٧٨.
- ↑ سورة مريم، الآية ٨٦.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/٥٦٥.
- ↑ سورة غافر، الآية ٧٠-٧٢.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٣٠-٣٤.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٦٤-٦٥.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ سورة الصافات، الآية ٦٢.
- ↑ الدر المصون، السمين الحلبي، ٩/٣١٤.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٤٣-٤٤.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٢٣٩.
- ↑ سورة الحجر، الآية ١٩.
- ↑ انظر أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/٦٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣٦.
- ↑ بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٤/١٧٧.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي ٢/٤٦.
- ↑ سورة غافر، الآية ١٨.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ٣/٢٠٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم