انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقل عند أهل السنة»

لا ملخص تعديل
سطر ٢٣٧: سطر ٢٣٧:
وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref>  سورة العنكبوت، الآية  ٤١.</ref>. «هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفهامهم»  <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٢٣٦.</ref>. «أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣١.</ref>. وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ العبرة من الأمثال.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}}<ref>  سورة العنكبوت، الآية  ٤١.</ref>. «هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفهامهم»  <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٢٣٦.</ref>. «أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣١.</ref>. وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ العبرة من الأمثال.


==ثمار استعمال العقل==
الحمد لله على نعمة العقل التي أنعم الله تعالى بها علينا، فبه عرفنا الله ربنا وبه عبدناه، ونسير كذلك أمرنا في الحياة الدنيا، وبه ميزنا عن سائر خلقه من الطيور والحيوانات، وبه نميز بين الحق والباطل، وبواسطته تعلمنا الحلال من الحرام، وتعلمنا العلوم الشرعية والدنيوية، وبه جاهدنا أنفسنا والشيطان.
===الهداية===
«إن القرآن هو كتاب العقل، وأنه بأكمله دعوة لتحرير العقل من عقاله، وأنه يدعونا -بعبارات تختلف في أسلوبها وتتحد في معناها- إلى استعمال العقل ووزن كل شيء بميزانه.
قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ }}<ref>  سورة الأنبياء، الآية  ٦٦-٦٧.</ref> «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} يعني: أليس لكم عقل تعقلون به أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ »  <ref>لباب التأويل، الخازن، ٣/٢٢٩.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} أن من ليس له ذهن ولا قوة ولا منفعة ولا مضرة أن لا تعبدوه»  <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٤٣١.</ref>. وقوله: «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} أي: أليس لكم عقل تعرفون هذا؟»  <ref>العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير اليماني، ١/١١٤.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟»  <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/٣٥١.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون قبح صنيعكم» <ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود ٦/٧٦.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلا تَعْقِلُونَ }} أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا يدين به إلا كل جاهل ظالم فاجر» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ١٧/٨٤.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}}<ref>  سورة الزمر، الآية  18.</ref>. « قوله: {{نص قرآني| أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ }} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة،(ڭ ڭ ۇ ۇ) أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة » <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٩٠.</ref>. «وقوله:{{نص قرآني| أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ }} أي: أرشدهم الله إلى الحق. وقوله: {{نص قرآني| وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}} أي: أولو العقول»  <ref>تفسير السمعاني، ٤/٤٦٤.</ref>. «{{نص قرآني| أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ }} لدينه، {{نص قرآني| وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}} العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/٣٩.</ref>.
مما سبق نجد أن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بالعقل، وبهذا العقل السليم اهتدى لوحدانية الله عز وجل، فأكرمه الله تعالى بالهداية والعلم، مما زاد تقواه وخشيته لله تعالى، وهذا فضل من الله ومنة لذوي العقول السليمة والفطرة الصافية.
=== مطابقة العلم للعمل===
من العار أن يكون الإنسان متعلمًا لأمر معين، ويعلمه لغيره، وهو أولى أن يقوم بالعمل بما يعلم، قال صلى الله عليه وسلم مادحًا من تعلم وعلم، أي: من عمل بعلمه، فالإنسان العاقل هو من يقوم بالعمل بما يعمل، عن عثمان رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{نص حديث|خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ اَلْقُرْآنَ وَ عَلَّمَهُ}}  <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، رقم ٥٠٢٧، ٦/١٩٢.</ref>.
«قال الحكماء: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، وحياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم الفهم، وحياة الفهم العمل، وحياة العمل القبول» <ref>المجالسة وجواهر العلم، الدينوري، ٤/٣٣٢.</ref>. و«قال بعض الحكماء: أفضل العقل معرفة الرجل نفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه»<ref>المجالسة وجواهر العلم، الدينوري، ٤/493.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  ٤٤.</ref>. «{{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} قيل: إن من وعظ الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب، فإذا خالف قوله فعله كان ذلك سبب تنفير القلوب عن قبول موعظته»  <ref>لباب التأويل، الخازن، ١/٤٢.</ref>.
«العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصا إذا كان عالما بذلك، قد قامت عليه الحجة»  <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥١.</ref>.
«وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم، أعلن تعالى عليهم بذلك نظمًا لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم، في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه، فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه»  <ref>انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١/٩٢.</ref>.
«وقوله: {{نص قرآني|أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهامًا مستعملًا في الإنكار والتوبيخ، نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأنكر عليهم ذلك، ووجه المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه وإهمال التفكر في صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه، قارب أن يكون منفيًّا عنه التعقل»  <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/٤٧٧.</ref>. وهكذا نجد التقريع والذم لمن لا يعمل بما يعلمه للناس.
قال تعالى: {{ نص قرآني | يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ }}<ref>  سورة الصف، الآية  ٢-٣.</ref>. «تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط » <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨/٧٩.</ref>. « هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه؟» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٥/٢٦١.</ref>. «أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر، وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٥٨.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ }}<ref>  سورة الأعراف، الآية  ١٧٥-١٧٦.</ref>. «قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٢/٢٧٢.</ref>. «أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة واتبع هواه، أي: اتبع ما يهواه، وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، وهو حطام الدنيا» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٢/٣٠٢.</ref>.
«وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان »  <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٨.</ref>. «هنا نفيٌ بضرب المثل للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد أن أيدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالمًا بها قادرًا على بيانها، لكنه لا يعمل بها، بل يأتي عمله مخالفًا لعلمه. لذا سلبه الله ما آتاه» <ref>تيسير التفسير، إبراهيم القطان، ٢/٨٩.</ref>. فالعمل المبارك المقبول هو ما كان عن علم، كذلك العمل الطيب المبارك هو الذي ينفع صاحبه ويعمل به، فيكون حجة له لا عليه، ويرفع الله درجاته في الجنة.
=== الامتناع عن المعاصي===
السعيد الذي منحه الله تعالى عقلًا سليمًا وقلبًا عامرًا بالتقوى والإيمان، فهو يكون بعيدًا كل البعد عن المعاصي؛ لأن قلبه مضاء بنور الإيمان، وعقله النير وفطرته السليمة يصد بهما كل خطرات الشيطان، كذلك نفسه التي بين جنبيه تكون مطمئنة، تدعوه للعمل الصالح والطاعة والسلوك القويم الذي يرضي الله تعالى عنه، فلا يسلك سبل الشيطان الملتوية، بل يبتعد عن كل ما يغضب الله تعالى، اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آمين.
قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  ١٥١.</ref>. {{نص قرآني| لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} أي: لكي تنتفعوا بعقولكم  <ref>انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤/٣١٥.</ref>. «{{نص قرآني| لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} أي: تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة»<ref>إرشاد العقل السليم،أبو السعود، ٣/١٩٩.</ref>. «وقوله: {{نص قرآني| لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} رجاء أن يعقلوا، أي: يصيروا ذوي عقول؛ لأن ملابسة بعض هذه المحرمات ينبئ عن خساسة عقل، بحيث ينزل ملابسوها منزلة من لا يعقل، فلذلك رجي أن يعقلوا» <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨ أ/١٦٢.</ref>. «ذلكم وصاكم به الله، وأرشدكم، لتعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، إذ هو مما تدركه العقول، وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه لا يعقل له معنى، ولا تظهر له فائدة عند ذوى العقول الراجحة» <ref>التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي، ١/٦٨٢.</ref>. «لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه، أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه»  <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٨/٩٨.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني | أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ  إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}}<ref>  سورة الزخرف، الآية  ٢١-٢٧.</ref>. أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عز وجل، ويجوز أن يكون {{نص قرآني| إِلاَّ }} بمعنى لكن، فيكون المعنى: لكن الذي فطرني فإنه سيهديني، أي: سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧/٦٢٩.</ref>. «يعني: بريء من معبودكم، إلا الذي خلقني، فإني لا أتبرأ منه، {{نص قرآني|فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}} يعني: يثبتني على دين الإسلام» <ref>تفسير السمرقندي، ٣/٢٥٥.</ref>. «قال ذلك ثقة بالله وتنبيهًا لقومه أن الهداية من ربه» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٢٢٢.</ref>. «لكن الذي فطرني هو معبودي الهادي المـنجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعة الله، وتطميع في رحمته» <ref>الجواهر الحسان، الثعالبي، ٥/١٧٨.</ref>. فصاحب العقل السليم والفطرة السليمة، يمنع نفسه من ارتكاب المعاصي والوقوع في المحرمات، وذلك لأن العقل معناه: الكف والحبس، فهو يحبس صاحبه ويكفه عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.
=== البعد عن التقليد المذموم===
أرسل الله تعالى الرسل لهداية الناس والأخذ بأيديهم من الظلمات إلى النور وهداية قلوبهم بنور الإيمان، بعد ما كانت مظلمة بظلمة الكفر، واتباعهم لتقاليد الآباء الكفرية والشركية التي هي بعيدة كل البعد عن شريعة الإسلام، ولكن بعضهم رفضوا الانقياد لمنهج الله القويم، فكان عقابهم جهنم وبئس المصير، فخسروا الدنيا والآخرة، وشبههم الله تعالى بالأنعام بل هم أضل سبيلًا؛ لتعطيلهم عقولهم عن الفهم والإدراك، وصمهم لآذانهم، وطمس أبصارهم عن نور الهداية والإيمان.
إن البشرية قد بلغت رشدها فأصبحت تقاد بالعقل وحده، ولم يعد ينفع معها مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه الملجئة، فجاء الإسلام دينًا منطقيًّا، رفع من قيمة العقل،، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم ورهبانهم  <ref>انظر: مجلة البحوث الإسلامية، محمد حسين الذهبي، ١/٥٩.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني | وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  ١٧٠-١٧١.</ref>. «{{نص قرآني|لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا }} يعني لا يعلمون شيئا من أمر الدين، لفظه عام ومعناه خاص، وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا {{نص قرآني| وَلاَ يَهْتَدُونَ }} أي: إلى الصواب» <ref>لباب التأويل، الخازن، ١/١٠٢.</ref>.
فقال الضحاك عن [[ابن عباس]]: {{ نص قرآني | وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ}} يعني: كفار قريش من بني عبد الدار، قالوا: {{نص قرآني| قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا }} من عبادة الأصنام. فقال الله: {{نص قرآني| أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا }} من التوحيد ومعرفه الرحمن {{نص قرآني| وَلاَ يَهْتَدُونَ }} للحجة البالغة لا يعقلون شيئًا من أمر الدين ولا يهتدون، معنى الآية في أحد الأقوال: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهي غير الصوت، فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكره، الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء فهم لا يعقلون  <ref>انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٢/٤٣.</ref>.
«يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه -فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز» <ref>جامع البيان، الطبري، ٣/٣٠٧.</ref>. «معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا فيتابعوهم بغير حجة؟ فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة» <ref>تفسير السمرقندي، ١/١١٢.</ref>.
«وفي هذا دلالة على ذم التقليد، وهو قبول الشيء بلا دليل ولا حجة. وحكى ابن عطية أن الإجماع منعقد على إبطاله في العقائد. وفي الآية دليل على أن ما كان عليه آباؤهم هو مخالف لما أنزل الله، فاتباع أبنائهم لآبائهم تقليد في ضلال. وفي هذا دليل على أن دين الله هو اتباع ما أنزل الله، لأنهم لم يؤمروا إلا به» <ref>البحر المحيط في التفسير، أبو حيان، ٢/١٠٣.</ref>. وهكذا نجد كيف أن الله تعالى ذم المقلدين للآباء أو الرؤساء الجهال، والمعرضين عن اتباع منهج الله تعالى وتعاليمه.
قال تعالى: {{ نص قرآني |أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }}<ref>  سورة الزخرف، الآية  ٢١-٢٣.</ref>.
«وفي هذا دليل على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/٧٥.</ref>. «أي: لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية بل اعترفوا بأن لا سند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٨/٤٣.</ref>.
«وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نَيِّر، ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٦٣٢.</ref>.
«أي: لم يأتوا بحجة عقلية، أو نقلية، بل اعترفوا بتقليد آبائهم الجهلة، وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على حالة عظيمة تقصد، وإنا مهتدون على أعمالهم، وكذلك، أي: والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد» <ref>مراح لبيد، محمد الجاوي، ٢/٣٨٢.</ref>. «وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من الباطل» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦٤.</ref>. « هذا الكلام مسوقًا مساق الذم لهم إذ لم يقارنوا بين ما جاءهم به الرسول وبين ما تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن يميز ما يلقى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار الحق» <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٥/١٨٧.</ref>. «ليست لهم حجة عقلية ولا حجة نقلية تبرر لهم أفعالهم، وإنما السبب الحقيقي أنهم يقلدون آباءهم تقليد الأعمى مع التعصب الشديد ولو كانوا على باطل»  <ref>التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي، ٣/٣٨٩.</ref>. « وهذا دليل على إبطال التقليد في العقائد والأصول، لأن الله ذمهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٢٥/١٣٩.</ref>.
«قال سبحانه عن أهل النار: {{ نص قرآني |وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}}<ref>  سورة الملك، الآية  ١٠.</ref>. فقد كانت لديهم عقول وأسماع لزمتهم بها الحجة عند الله تعالى» <ref>مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٧٦.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}}<ref>  سورة لقمان، الآية  ٢١.</ref>. « بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله وكلام العلماء بون عظيم، فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهال؟!» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٥/٤٥٥.</ref>. «{{نص قرآني| قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}} أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من دين. وهذا في غاية القبح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم. وهذا منع صريح من التقليد في أصول العقيدة، لذا وبخهم الله على سوء مقالتهم» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/١٦٠.</ref>.
«فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه، وأن يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف، ويتمسكوا بالأغلال والقيود. إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة في الشعور، وتَطَلُّعٌ إلى النور، ومنهج جديد للحياة، طليق من إسار التقليد والجمود. ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس، ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير» <ref>في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥/٢٧٩٣.</ref>. وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، فكان القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير  <ref>انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/٣٥٣.</ref>.
=== إدراك الحكمة من الأحكام الشرعية===
لقد مَنَّ الله علينا بنعمة العقل، لنهتدي به خلال رحلة الحياة، فعن طريقه نعبد الله تعالى على بصيرة، حيث نتدبر الأحكام الشرعية، نتعلمها ونفهمها ونتفقه ما بها من أوامر ونواهٍ، فبإدراكنا الحكمة يزداد اليقين، ويقوى الإيمان، وتتسع مدارك العقول كلما استنار الإنسان بعلم الله تعالى وهدايته لنا.
«إن الآيات التشريعية التي تبين فضل الله على الناس في تشريع الأحكام لهم كثيرة تكفل القسم المدني من القرآن بها، وجاءت وفق مبادئ الإسلام العظيم في التيسير ورفع الحرج وغيرها، مما ميز طبيعة التشريع الإسلامي عن غيره، وهنا فنحن أمام مجموعة من الآيات المتحدثة عن حكمة تحريم الخمر والميسر، وعن مشروعية النفقة والصدقة، وعن أهمية سنة الزواج، وهي أمور قليلة إن قورنت بمجموع ما تحدث عنه القرآن في مسائل التشريع، لكن طلب التفكير فيها ربما لأمور خفية قد لا تدرك بمجرد العقل أو السمع، فلا بد من إعمال الفكر فيها» <ref>مصطلح التفكر كما جاء في القرآن الكريم، مجلة الشریعة والقانون، د.محمد خازر المجالي، ص ٥٢.</ref>.
«القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيءٍ، خالق البشرية والخبير بما يصلحها ويفسدها، وما ينفعها ويضرها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة، قال تعالى: {{ نص قرآني |أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}}<ref>  سورة الملك، الآية  ١٤.</ref>.
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية، ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيلغون غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محل النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر» <ref>عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة، القحطاني، ١/٥٠.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  ٢٤٢.</ref>. «أي: لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم»  <ref>لباب التأويل، الخازن، ١/١٧٦.</ref>. «ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال: {{ نص قرآني |كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}، أي: حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٦.</ref>.
«فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب، لتعقلوا- أيها المؤمنون بي وبرسولي- حدودي، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم، فتعملوا به ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم» <ref>جامع البيان، الطبري، ٥/٢٦٦.</ref>. «وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشًا ومعادًا. لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/١٤٨.</ref>. «أي: مثل هذا التبيين الذي سبق من الأحكام، يبين لكم في المستقبل ما بقي من الأحكام التي يكلفها العباد. لعلكم تعقلون ما يراد منكم من التزام الشرائع والوقوف عندها، لأن التبيين للأشياء مما يتضح للعقل بأول إدراك، بخلاف الأشياء المغيبات والمجملات، فإن العقل يرتبك فيها، ولا يكاد يحصل منها على طائل» <ref>البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي، ٢/٥٥٥.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الأنعام، الآية  ١٥١.</ref>. «أي: لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا» <ref>مراح لبيد، محمد الجاوي، ١/٣٥٤.</ref>. «أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه»  <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٨/٩٨.</ref>. «أي: وصاكم الله بذلك لما فيه من إعدادكم، وباعث الرجاء في أنفسكم لأن تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به، فإن ذلك مما تدركه العقول الصحيحة بأدنى تأمل، وفيه دليل على الحسن الذاتي وإدراك العقول له بنظرها، وإذا هي عقلت ذلك كان عاقلا لها ومانعا من المخالفة. وفيه تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها، مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار الصحيحة فيه مصلحة» <ref>تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٨/١٦٦.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة النور، الآية  ٦١.</ref>. «فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعًا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدودًا، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحانًا للعباد، تمييزًا لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد»  <ref>نظم الدرر، البقاعي، ١٣/٣٢١.</ref>. «أي: ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام، وتعملون بموجبها، وتحوزون بذلك سعادة الدارين» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/١٩٧.</ref>. «تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٦٣.</ref>.
«{{نص قرآني| كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ}} الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، {{نص قرآني| لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٥.</ref>. «وكذلك يبين الله للناس آياته وحكمه لعلهم يدركون المنهج الإلهي، ولعلهم يعقلون ما في هذه الآيات والحجج» <ref>أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١/٢٧٣٤.</ref>. نجد أنه من الحكمة التدبر في الآيات والأحكام الشرعية، ونوقن بأن الله تعالى حد الحدود ووضع القيود، والفرائض والسنن لحكمة، بعضها أعلمنا بها، وبعضها أخفى سرها ولا يعلمها إلا هو سبحانه لغاية يريدها هو.
=== عدم اتباع الشيطان===
العاقل من ائتمر بأوامر الله عز وجل، حيث نهانا عن اتباع الشيطان؛ لأنه عدو لنا، ولا يريد لنا إلا الغواية والضلالة، لذا علينا أن نكون دائمًا يقظين، وعقولنا وقلوبنا متنبهة؛ لئلا يوقعنا في شركه، ونحن في غفلة فنخسر دنيانا وأخرانا، نسأل الله السلامة.
قال تعالى: {{ نص قرآني | أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }}<ref>  سورة يس، الآية  ٦٠-٦٢.</ref>. «أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله»  <ref>معالم التنزيل، البغوي، ٧/٢٣.</ref>. «قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة الشيطان، أفلم تعقلوا ذلك؟!» <ref>زاد المسير، الجوزي، ٣/٥٢٩.</ref>. «قوله عز وجل: {{نص قرآني|أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ }} أي: ألم آمركم وأوصيكم يا بني آدم {{نص قرآني|أَن لّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}} يعني: لا تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية الله {{نص قرآني| إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }} أي: ظاهر العداوة، {{نص قرآني| وَأَنْ اعْبُدُونِي }} أي: أطيعوني ووحدوني {{نص قرآني| هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ }} أي: لا صراط أقوم منه قوله تعالى: {{نص قرآني| وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا }} أي: خلقًا كثيرًا {{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} يعني: ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس»  <ref>لباب التأويل، الخازن، ٤/١١.</ref>.
هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ واتبعتم الشيطان فيما أمركم به، أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعدولكم إلى اتباع الشيطان؟!  <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، بن كثير، ٦/٥٨٤.</ref>.
ألم أوصكم يا بني آدم أن لا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من المعاصي، لأنه لكم عدو مبين واضح العداوة، ولقد أضل الشيطان منكم يا بني آدم أممًا كثيرة، أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم {{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} أنها لضلالهم، أو أفلم تكونوا تعقلون شيئًا أصلًا، فلذلك كفرتم ككفرهم واستحققتم العذاب مثلهم  <ref>انظر: التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ٨/٣٨٠.</ref>. «رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي» <ref>أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤/٢٧٢.</ref>. «فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية، فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله من رئاسة وجاه وغيرهما فهو صد، وهو يفضي إلى التولية؛ لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/٣٠١.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} عداوة الشيطان لكم» <ref>فتح القدير، الشوكاني، ٤/٤٣٣.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} أيها المشركون، إذ أطعتم الشيطان في عبادة غير الله، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله، وتعبدوا غير الله» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٠/٥٤٣.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل»  <ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٣/١٠٩.</ref>. «{{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} عداوته وتعلموا أن الواجب طاعة الله»  <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/٤٧.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }}<ref>  سورة البقرة، الآية  ١٦٨-169.</ref>. فهذا نهي عن اتباع وحي الباطل والشر، لأنه من إغواء الشيطان،ثم بين كيفية عداوته وفنون شره وإفساده فقال: {{نص قرآني|إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء }} أي: إنما يوسوس الشيطان ويتسلط عليكم، كأنه آمر مطاع بأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم وآخرتكم، وأن تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب قد ضلوا ضلالًا بعيدًا واتبعوا أمر الشيطان، ومثلهم من اتخذ رأي الرؤساء حجة في الدين من غير أن يكون بيانًا أو تبليغًا لما جاء عن الله، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن الله، وأهملوا نعمة العقل، واتخذوا من دون الله الأنداد، قال تعالى: {{ نص قرآني |مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ}}<ref>  سورة الأعراف، الآية  ١٨٦.</ref>.
{{نص قرآني| وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }} أي: ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد وتحريف الشرائع  <ref>انظر: تفسير المراغي، ٢/٤٤.</ref>، أي: لا تطيعوه. وهذا التوبيخ يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه.
{{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }} أي: فلا كان لكم عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان وعاديتم الرحمن وكذبتم بلقائه ووردتم القيامة دار الجزاء وحق عليكم القول بالعذاب  <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٩٨.</ref>.
«وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله: {{نص قرآني| أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }}، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي: يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون للإيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به» <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور،٢٣/٤٩.</ref>.
«ألا تطيعوه، والمراد: عبادة غير الله من الآلهة الباطلة، مما زين به الشيطان وأمر به، فهو لكم {{نص قرآني|عَدُوٌّ مُبِينٌ  }} بين العداوة، {{ نص قرآني |وَأَنِ اعْبُدُونِي}}<ref>  سورة يس، الآية  ٦١.</ref> وحدوني وأطيعوني، أي: ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان، وبعبادتي. {{ نص قرآني |هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  ٥١.</ref> أي: طريق معتدل قويم، وهو دين الإسلام، أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان وإضلاله لكم؟!»  <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ٢٣/٣٥.</ref>. «لقد عهدت إليكم يا بنى آدم عهدًا مؤكدا على ألسنة رسلي، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء»  <ref>التفسير الوسيط، طنطاوي، ١٢/٤٥.</ref>. وهكذا نجد أن النجاة في مخالفة الشيطان، ولا يكون ذلك إلا باستعمال العقل السليم الذي يعرف الله ويخشاه ويهتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.
=== الأدب والتوقير للرسول الكريم والعلماء===
لقد أرسل الله تعالى لنا الرسل لتنير عقولنا وقلوبنا بنور الهداية والإيمان، لذا علينا اتباعهم بالحسنى واحترامهم وتوقيرهم كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى، لأننا عن طريقه صلى الله عليه وسلم وصلنا القرآن، وتعرفنا على منهج الهداية والإيمان والشريعة الصحيحة السليمة، وعرفنا كيف نصد الشيطان ونستمر في طريق الهدى والتقوى، وكيفية التعامل مع الآخرين من أهل وأقارب وجيران.
أما الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أخل كثير من الناس بواجبهم تجاهه، بل هم يرون الغارات تشن وبشكل مستمر ومبرمج من اليهود والنصارى ومن لا أخلاق له، ولا يحركون ساكنًا، فقد دأب أعداء الله يملؤون الصحف والمنتديات الإلكترونية والكتب المدرسية الغربية بسمومهم وهجومهم الموبوء وإساءاتهم المتكررة، ولا زالوا منذ البعثة إلى يومنا هذا يتعاونون على الإثم والعدوان على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد كشف الله سبحانه حقيقتهم في القرآن الكريم، وفضح حقدهم الدفين في الصد عن شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}}<ref>  سورة الحجرات، الآية  ٢.</ref>. {{نص قرآني| لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ }} أي: إذا نطق ونطقتم، ولا تجهروا له بالقول إذا كلمتموه؛ لأن رتبة النبوة والرسالة يجب أن توقر وتجل، ولا يكون الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم كالكلام مع غيره، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحضرة العالم، وفي المساجد <ref>انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان الأندلسي، ٩/٥٠٧.</ref>. «أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه، ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ولا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا فيقول: يا محمد. بل يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٤/١٧٦.</ref>. «{{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}} يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت؛ لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام؛ لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير» <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٧/٥٢٣.</ref>. «هذه آداب أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٣٦٤.</ref>.
«يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي عند مخاطبتكم له، ولا تجهروا بمناداته كما يجهر بعضكم لبعض، وميزوه في خطابه كما تميز عن غيره في اصطفائه لحمل رسالة ربه، ووجوب الإيمان به، ومحبته وطاعته والاقتداء به؛ خشية أن تبطل أعمالكم وأنتم لا تشعرون ولا تحسون بذلك» <ref>التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ١/٥١٥.</ref>. «وفي هذا ما فيه من الحث على توقير العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وتعظيم الأتقياء والصلحاء؛ أسوة بتوقير سيد الأنبياء» <ref>أوضح التفاسير، محمد الخطيب، ١/٦٣٣.</ref>. « فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالنبوة والرسالة والكلام اللين، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العالم وفي المساجد، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا كحرمته حيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه» <ref>الجواهر الحسان، الثعالبي، ٥/٢٦٨.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الحجرات، الآية  ٤.</ref>. «وصفهم بالجهل وقلة العقل» <ref>لباب التأويل، الخازن، ٤/١٧٧.</ref>. {{نص قرآني|أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}} إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، سيما لمن كان بهذا المنصب. لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب <ref>انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/١٣٤.</ref>.
والكتاب العزيز مملوء بدعوة العقلاء إلى الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه الرحمة، وهو المثل، والهادي البشير، والسراج المنير، كيف لا وهو صلى الله عليه وسلم القدوة الكاملة والأسوة الحسنة لكل من كان يرجو الله واليوم الآخر؟!
قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}}<ref>  سورة الأحزاب، الآية  ٢١.</ref>. شرح الله صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره، وأوجب طاعته، وحرم خيانته، وما تخلف ركب الأمة اليوم إلا يوم أن تخلفت عن الأدب معه صلى الله عليه وسلم، وما تجرع أفراد الأمة مرارات البعد عن جمال الحياة وطيب معانيها إلا يوم أن بعدت نفوسهم عن سيرته الرائعة وعن هديه، فصاروا يركضون وراء كل من أوتى ظاهرًا من الحياة الدنيا، يخلعون عليه لباس العظمة والبهاء باسمه وقوله وشخصه زعمًا وزورًا! فكم من صفيق وجه صفقوا له، وكتبوا عنه الأسفار، وتناقلوا أقواله! وكم من سفيهٍ نصبوه إمامًا يقتدى به، فأضحى الذي أملوه سرابًا بقيعةٍ وأضغاث أحلام! فالبعد عن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم والاهتداء بغيره هو مستنقع الجهل وهوة الضلال وحياة الشقاء، وطاعته هداية وسعادة وفوز <ref>انظر: موسوعة الأخلاق، خالد الخراز، ١/١٣٧.</ref>.
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب، ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا: يا محمد، يا محمد، يا نبي الله، يا نبي الله، يا رسول الله. نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا وأمرهم أن يشرفوه ويعظموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٢٧٧.</ref>. «فذمهم الله بعدم العقل؛ حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله واحترامه، كما أن من العقل وعلامته استعمال الأدب» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٩.</ref>.
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
٢٦٬٨٣٧

تعديل