دليل الفطرة
تمهيد
أحد طرق معرفة الله هو "طريق القلب". وأول مرتبة معرفية أو قدم يخطوها الإنسان في طريق الاعتقاد بوجود الله تتجلى فطرياً، قد تُسمى بطريق الفطرة، ولهذا الطريق بطون ومراتب أعمق يُعبَّر عنها بالسير والسلوك العرفاني، وتختص بمجموعة خاصة من أهل القلب والعرفاء، أوّلئك الذين شاهدوا بالعين القلبية في ظلال العبودية وتهذيب النفس صفات الله الجمالية والجلالية[١].
معنى الفطرة
كلمة الفطرة من مادة "فطْر" بمعنى شقّ الشيء من طوله، ثم استعملت في كل أنواع الشق، ولأن في الخلق شق حُجُب العدم، فأحد معاني الفطر هو الخلق.
الفطرة مصدر على وزن فِعلَه وتدل على كيفية الفعل، كنحوٍ خاص من الخلق، فعندما نتحدث عن الفطرة نقصد ذلك الخلق الخاص الذي تكون له لوازمه وآثاره ومقتضياته الخاصة.
و يظهر استلهام المحققين الإسلاميين هذا المصطلح بالمعنى المذكور من القرآن المجيد، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[٢]. يرى الإسلاميون أن الله الجليل أودع الإنسان عدة ميول ورؤى فطرية، وبحثنا هنا يبحث أحدها وهو التصديق بوجود الله، أو ما يُسمى بالاعتقاد الفطري بوجود الله[٣].[٤]
معنى الاعتقاد الفطري بوجود الله
بعد اتضاح معنى الفطرة ينبغي أن نبحث باختصار عن معنى الوجود الفطري الله، وبعبارة أخرى: السؤال الأساسي هو ما المقصود بفطرية الاعتقاد بوجود الله؟ توجد هنا عدة آراء، أهمها:
قضية "الله موجود" من البديهيات الأولية
و بذلك فإن معنى «الاطلاع على وجود الله أمر فطري» هو أن القضية «الله موجود» تقع في زمرة الأوليات "البديهيات الأولية". حيث تُقسم القضايا البديهية في علم المنطق إلى عدة أقسام منها:
القضايا الأولية أو الأوليات، والقضية الأولية هي القضية التي يُصدِّق بها الإنسان بمجرد تصور الموضوع والمحمول والنسبة بينهما وبدون الحاجة إلى تصور أو تصديق أمر آخر، من القضايا الأولية مثلاً: الكل أكبر من الجزء واجتماع النقيضين مُحال، فعلى أساس هذا البيان يكون المقصود من أن وجود الله أمر فطري هو اندراج هذه القضية (الله موجود) في زمرة القضايا الأولية[٥].
القضية «الله موجود» من الفطريات المنطقية
تُعد القضايا الفطرية أحد أقسام القضايا البديهية، والمقصود منها في اصطلاح المناطقة "هي القضايا التي قياساتها معها، أي: أن العقل لا يُصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات، بل لا بد أن يكون لها دليل، إلا أن هذا الدليل ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر، فكلما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الدليل معه". تُعد بعض قضايا علم الحساب مثل الاثنين نصف الأربعة من القضايا الفطرية، فالمقصود من أن الاعتقاد بوجود الله فطري، أي: بمجرد التوجه إلى القضية «الله موجود» يحضر دليل في الذهن، الأمر الذي يؤدي إلى التصديق بوجوده تعالى مباشرة، ويمكن أن يكون هذا الدليل أصل "حاجة الممكنات إلى واجب الوجود، أو ما أشبه ذلك[٦].
على كل تقدير، فالمقصود من أن وجود الله أمر فطري بمعناه الثاني هو أن الوجود الله أدلة واضحة وبينه تحصل في الذهن بمجرد توجه الإنسان إليها فيذعن بوجود الله.
الله الجليل عرَّف نفسه للإنسان قبل خلقه في هذه الدنيا
فالإنسان قبل الدخول في عالم الطبيعة كان موجوداً في عوالم أخرى وهناك عرف الله نفسه وصفاته الجمالية والجلالية للإنسان في مواجهة روحانية ومعنوية نتج عنها أن صدق كل الناس بوجود الله الخالق للعالم.
لاشك أن الإنسان – وبعد الدخول في عالم الطبيعة - قد نسيَ جزئيات تلك المواجهة الروحية، ولكن أصل تلك المواجهة بقيت محفوظة عنده، ويتمسك أصحاب هذا التفسير بالعديد من الروايات والآيات والتي من أهمها الآية المعروفة بآية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[٧].
كل الناس تعرف الله جل جلاله بالعلم الحضوري
معنى الاعتقاد الفطري بوجود الله هو العلم الحضوري بالله الخالق، ولدرك هذا المعنى يلزم ذكر الفرق بين العلم الحضوري والعلم الحصولي.
من المتعارف تقسيم علم الإنسان إلى نحوين: حصولي وحضوري.
العلم الحصولي: يحصل عن طريق المفاهيم والصور الذهنية، بمعنى أننا ندرك الشيء بحصول صورة الشيء في أذهاننا، أما في العلم الحضوري: فلا أثر للصورة أو المفهوم الذهني، بل إن الشيء المعلوم بنفسه حاضر عند العالم، ومن الاختلافات الأخرى بين هذين النحوين للعلم أنه في العلم الحصولي يوجد احتمال للخطأ، أما في العلم الحضوري ينتفي فيه احتمال الخطأ بالكامل؛ لأن المعلوم نفسه حاضر عند العالم وليس مجرد صورته الذهنية.
بالتأمل في هذه الفروق فإن التفسير الأخير لفطرية وجود الله أن الإنسان لديه معرفة حضورية بالله في عمق روحه ووجدانه، ومنشأ هذه المعرفة ليس هو المفاهيم الذهنية أو الأدلة العقلية، بل ملاكها تعلق وجود الإنسان بالله المتعال [٨].
فالإنسان بالتوجه إلى أعماقه يجد الله ويشاهده بعين قلبه. هنا لايبقى معنى التصور مفهوم الله والتصديق بالقضية «الله موجود» والتي تعد جميعها من العلم الحصولي، بل الحديث هنا عن المشاهدة والحضور.
أشرنا إلى تصورات مختلفة لفطرية وجود الله مع الاختلافات فيما بينها[٩]، فكل التصورات تشترك في أن معرفة الإنسان واعتقاده بوجود الله لا يحتاج إلى استدلالات عقليةٍ مُعقدةٍ وكل هذه التصورات تكشف عن طريق موجود في أعماق الإنسان لمعرفة الله، ولعل هذا هو سبب تقديم القرآن الكريم لأصل وجود الله كأصل واضح وبيِّن، بل إن القرآن انطلق في التعريف بالله من الأوصاف والأفعال الإلهية. في الختام، يجدر الإشارة إلى بعض النقاط:
فطرية الاعتقاد بوجود الله بأي معنى من المعاني المذكورة لا يستلزم إذعان كل الناس بوجود الله وعدم وجود أي ملحد أو مشكك.
إن بعض الناس ينكر البديهيات حتى أكثرها بداهةً ولذلك قالوا أن بداهة القضية لا تمنع من أن يُخالفها البعض أو يشكك في صحتها لذلك فإن التصور الأول والثاني لفطرية الاعتقاد بوجود الله لا ينافي وجود بعض الملحدين والمشككين، وكذلك التصور الثالث والرابع فإنه وإن كان عند الإنسان معرفة مسبقة أو حضورية بالله ولكن بدليل الأنس والألفة بعالم الطبيعة يسلب منه ذلك التوجه للمعرفه! تماماً كما ينسى المريض ألمه الشديد لسماعه خبراً ساراً مع أن عوامل الألم موجودة كما كانت، من هنا فإن الإنسان عندما يكون في حالات قلق وخوف وينقطع أمله من كل الأسباب الطبيعية فإنه في قرارة نفسه يتوجه إلى القدرة الإلهية الأزلية ويطلب منه العون ويتوسل له من دون اختياره. النتيجه أن وجود الملحدين والمشككين لا ينقض مدعى فطرية الاعتقاد بوجود الله.
كما مر، الاعتقاد الفطري بوجود الله قد لا يظهر نتيجة حجاب أنس وألفة الإنسان بالطبيعة فيضعف مصباح الفطرة، في هذه الحالة يحتاج الإنسان إلى عوامل إيقاظ حتى تحرره من المشغلات الخارجية وتجعله يلتفت إلى أعماقه ويرفع حجب الغفلة. وعوامل الإيقاظ هذه متنوعة بعضها لها بعد معرفي وبعضها الآخر لها بعد روحي – كأن يقع في مشكلة يصعب علاجها-، وتعتبر الأدلة العقلية المتقنة على وجود الله من العوامل المعرفية المؤثرة لإخراج الإنسان من حجب الغفلة، بناءً على هذا فإن فطرية وجود الله لا يستلزم عدم جدوى وعدم فائدة الاستدلال العقلي على وجود الله ولا يوجب عدم صحة هذه الاستدلالات، فلا ينبغي أن يُنتقد العلماء المعتقدون بفطرية وجود الله من جهة، ثم يجتهدون في إقامة الأدلة العقلية المُتقنة من جهة أخرى.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١.
- ↑ سورة الروم: ۳۰.
- ↑ يُعد بحث الفطرة أحد أركان علم النفس الإسلامي الذي يحوي على عدة تحقيقات. للمطالعة حول هذا الموضوع (في المنابع الفارسية) راجع: الشهيد المطهري، الفطرة؛ مصباح اليزدي، محمد تقي، معارف القرآن، ج۱-۳، ص۲۶-۴۷؛ شيرواني، علي، سرشت إنسان؛ التحقيق في المعرفة الفطرية لله.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١-٣٢.
- ↑ ينبغي القول أن إثبات فطرية معرفة الله بهذا المعنى، هو من الأبحاث الصعبة ويحتاج إلى مبادئ وأصول فلسفية خاصة، لا يسع المجال هنا لبيانها.
- ↑ يطلق على هذه القضايا في علم المنطق بالإضافة إلى مصطلح «الفطريات» مصطلح آخر: «القضايا التي قياساتها معها»؛ يعني تلك القضايا التي تحتاج إلى إثبات؛ لكن القياس الذي يثبتها يصاحبها في الذهن.
- ↑ سورة الأعراف: ۱۷۲؛ اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، يمكن مراجعة الآراء المختلفة، راجع: مكارم الشيرازي، ناصر، بيام قرآن، ج۳، ص۱۰۷-۱۱۲.
- ↑ المبنى الفلسفي لعلم الإنسان الحضوري بالله، عبارة عن: كل معلول حسب سعته الوجودية يعلم بعلته بالعلم الحضوري، ولأن نفس الإنسان مجرده فهو يعلم بعلته الوجودية ومبدأ خلقته علماً حضورياً.
- ↑ مثلاً، بناء للتفسير الأول والثاني، معرفة الإنسان الفطرية بوجود الله، عبارة عن معرفة حصولية، والحال أنه في التفسير الرابع يتم التأكيد على أن المعرفة هذه حضورية.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٢-٣٧.