غزوة ذي قرد
تمهيد
غزوة ذي قرد[١] في ربيع الأول من سنة ست.
ويقال لها: غزوة الغابة، و غزوة الفزع، لما سيجيء. وسببها أن لقاح[٢] رسول الله(ص) - وكانت عشرين لقحة - منها ما أصاب في ذات الرقاع، ومنها ما قدم به محمد بن مسلمة من نجد، وكانت ترعى البيضاء[٣]، فقربوها إلى الغابة، وكان الراعي يؤوب بلبنها كل ليلة عند المغرب، فاستأذن أبوذر جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار الغفاري رسول الله(ص) في الخروج إلى لقاحه، فقال: «إني أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك. ونحن لا نأمن عيينة بن حصن وذويه وهو في طرف من أطرافهم»، فلما ألح عليه أبوذر قال: «لكاني بك قد قتل ابنك. وأخذت امرأتك، وجنت تتوكاً على عصاك»[٤]. فلما قدم رسول الله(ص) من غزوة بني لحيان المدينة لم يقم بها إلا ليالي قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غطفان على لقاح رسول الله(ص) بالغابة[٥].
قال المقريزي: وكانت لقاح رسول الله قد روحت وعطنت وحلبت عتمتها[٦]، وأحدق بهم عبدالرحمن بن عيينة بن حصن في أربعين فارساً من بني عبد الله بن غطفان (وذكر ابن الكلبي أن الذي أغار على سرح المدينة عبد الله بن عيينة بن حصن) وهم نيام فأشرف لهم ابن أبي ذر فقتلوه وساقوا اللقاح، فجاء أبوذر إلى النبي(ص) فأخبره، فتبسم[٧].
وقال ابن إسحاق: وفيهما رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح[٨].
وقال الحلبي: وفيها رجل من بني غفار هو ولد أبي ذر الغفاري وزوجة لأبي ذر.... فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة مع اللقاح[٩].
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، غدا يريد الغابة متوشحاً قوسه ونبله، ومعه غلام الطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع، نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع، ثم صرخ: واصباحاه! ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى:
| خُذها وأنا ابن الأكوَع | واليوم يوم الرُّضَّع[١٠] |
وبلغ رسول الله(ص) صباح بن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع! ويقال: نادي سلمة: الفزع ثلاثاً، ونودي: يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة، وكان أول ما نودي بها. فراحت الخيول! إلى رسول الله(ص)، وكان قد طلع في الحديد مقنعاً، وقيل: ركب فرساً عرياً لأبي طلحة يقال له: مندوب، فلما انصرف قال: إن وجدناه لبحراً، فخرج رسول الله(ص) يوم الأربعاء الأربع خلون من شهر ربيع الأول!، فاستنقذ بعضها، وصلى يومئذ صلاة الخوف، وأقام بذي قرد يوماً وليلة، وقسم في كل مائة من أصحابه جزوراً ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال: كانوا سبعمائة. وعاد إلى المدينة ليلة الاثنين، وكان استخلف عليها عبد الله بن أم مكتوم، وكانت غيبته خمس ليال، فأقبلت امرأة أبي ذرّ على ناقته القصواء، وكانت في السرح، فدخلت عليه فأخبرته من أخبار الناس، ثم قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فآكل من كبدها وسنامها. فتبسم وقال: «بئس ما جزيتها، أن حملك الله عليها، ونجاك بها ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية الله، ولا في ما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة الله»[١١].[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ بفتحتين، ويقال: قرد بضمتين، ويقال أيضاً: بضم الأول وفتح الثاني، من طريق خيبر على ليلتين من المدينة.
- ↑ اللقاح: الإبل ذات اللبن القريبة المهد بالولادة.
- ↑ موضع بقرب حمى الربذة.
- ↑ كما في المغازي للواقدي ٢: ٥٣٨.
- ↑ كما في السيرة لابن هشام ٣: ٢٩٣.
- ↑ روحت: أي ردت إلى مراحها الذي تبيت فيه، وعطنت: أي سقيت ثم رجعت إلى مأواها، والعتمة: ثلث الليل الأول، وكانوا يحلبون لقاحهم وقت العتمة، فسمّوا الحلاب في ذلك الوقت عتمة.
- ↑ إمتاع الأسماع ١: ٢٥٨.
- ↑ السيرة لابن هشام ٣: ٢٩٤.
- ↑ السيرة الحلبية ٢: ١٤٢.
- ↑ الرضع: جمع راضع، أي اللئيم. انظر لسان العرب ٨: ١٢٧.
- ↑ التنبيه والإشراف ٢١٨، والسيرة لابن هشام ٣: ٢٩٤-٣٣٣، وإمتاع الأسماع ٢٥٧-٢٦٤، وإنسان العيون ٣: ٣-١٠.
- ↑ محمد إبراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة، ص ٣٠٧.