غزوة خيبر في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

قال ابن إسحاق المطلبي: ثم أقام رسول الله(ص) - حين رجع من الحديبية - ذاالحجة وبعض المحرم، وولي تلك الحجة المشركون، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر، وقال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب(ع)، وكانت بيضاء[١].

وكان رسول الله(ص) حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر[٢]، فبني له فيها مسجد، ثم على الصهباء[٣]، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له: الرجيع، فنزل بينهم غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله(ص)[٤].

وروي عن أبي معتب بن عمرو أن رسول الله لما أشرف على خيبر، قال لأصحابه وأنا فيهم: «قفوا»، ثم قال: «اَللَّهُمَّ رَبَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعِ وَ مَا أَظْلَلْنَ وَ رَبَّ اَلْأَرَضِينَ اَلسَّبْعِ وَ مَا أَقْلَلْنَ وَ رَبَّ اَلشَّيَاطِينِ وَ مَا أَضْلَلْنَ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ وَ خَيْرَ مَا فِيهَا وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَ شَرِّ مَا فِيهَا». قال: وكان يقولها(ع) لكل قرية دخلها[٥]. وتدنى رسول الله(ص) الأموال يأخذها مالا مالاً، ويفتتحها حصناً حصناً. ولما افتتح رسول الله من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز، انتهى إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحاً، فحاصرهم رسول الله(ص) بضع عشرة ليلة، وكان رسول الله قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم[٦].

أقول: وفي هذه الغزاة ظهرت منقبة من مناقب أميرالمؤمنين(ع) لم تكن ولا تكون الأحد مثلها، وهي أنه فتح الله على يده بعض حصون خيبر الناعم والقموص بعدما بعث رسول الله(ص) أبابكر برايته فرجع ولم يك فتح، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فرجع ولم يك فتح[٧]، فقال رسول الله(ص): « لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ اَلرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ»، وتتمة الحديث في السيرة النبوية لابن هشام، وغيرها: «يَفْتَحُ اَللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرَّارٍ ».

وفي مصادر أخرى: «كَرَّارٌ لَيْسَ بِفَرَّارٍ ». فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(ص) كلهم يرجو أن يُعطاها. قال: «أين علي بن أبي طالب؟»، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينه. قال: «فأرسلوا إليه»، فأتى به فبصق رسول الله(ص) في عينيه، ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية وقال: «خُذْ هَذِهِ اَلرَّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتَّى يَفْتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكَ »، فقال علي: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا»، فقال عليه الصلاة والسلام: « اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى اَلْإِسْلاَمِ وَ أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اَللَّهِ فِيهِ فَوَ اَللَّهِ لَئِنْ يَهْدِيَ اَللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ اَلنَّعَمِ »، فخرج بها يهرول هرولة حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، وما رجع حتى فتح الله على يديه[٨].

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله(ص) قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب(ع) حين بعثه رسول الله(ص) برايته فلما دنا من الحيصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي(ع) باباً كان عندالحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاء من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم. نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه[٩].

قال المفيد في الإرشاد: ولما فتح أميرالمؤمنين(ع) الحصن، وقتل مرحباً، وأغنم الله المسلمين أموالهم استأذن حسان بن ثابت الأنصاري رسول الله أن يقول شعراً فقال له: «قل»، فأنشأ يقول:

وكان علي أرمد العين يبتغيدواء، فلما لم يحس مُداويا
شفاه رسول الله منه بتفلةفبورك مرقيا وبورك راقيا
وقال سأعطي الراية اليوم صارماكميا محبا للرسول مواليا
يحب إلهى والإله يُحبهبه يفتح الله الحصون الأوابيا
فأصغى بها دون البرية كلهاعليا وسماه الوزير المواخيا[١٠]


قال اليعقوبي: وقدم جعفر بن أبي طالب في ذلك اليوم من أرض الحبشة، فقام إليه رسول الله(ص) فقبل ما بين عينيه، ثم قال: «والله ما أدري بأيهما أنا أشد سروراً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» واصطفى صفية بنت حيي بن أخطب، وأعتقها وتزوجها وقسم بين بني هاشم نسائهم ورجالهم، أوساق التمر والقمح والشعير، ثم قسم بين الناس كافة[١١].[١٢]

المراجع والمصادر

  1. محمد ابراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة

الهوامش

  1. السيرة لابن هشام ٣: ٣٤٢.
  2. عصر: جبل بين المدينة ووادي الفرع. انظر معجم البلدان ٤: ١٢٨.
  3. الصهباء: موضع بينه وبين خيبر روحة. انظر معجم البلدان ٣: ٤٣٥.
  4. السيرة لابن هشام ٣: ٣٤٤.
  5. السيرة لابن هشام ٣: ٣٤٣.
  6. السيرة لابن هشام ٣: ٣٤٤، ٣٤٧، ٣٥٢.
  7. عن بريدة الأسلمي قال: أعطى رسول الله(ص) اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس للقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يُجبنه أصحابه ويجبنهم تاريخ الطبري ٢: ٣٠٠.
  8. الصحيح للبخاري ٣: ٣٥، والسيرة لابن هشام ٣: ٣٧٨-٣٨٦، وانظر حديث الرابية في: صحيح مسلم ٧: ١١٩، والمصنف لعبدالرزاق ٣: ٥٨٧ / ٦١٦٧، والمصنف لابن أبي شيبة ٢: ٣٣٧/ ٣٢٥٩، والمسند لأحمد بن حنبل ١: ١٦/ ٧٨٠، وسنن ابن ماجة ١: ٤٣ - المقدمة - حديث ١١٧، وكتاب الولاية لابن عقدة ١٦٩، والجامع الصحيح للترمذي ١٣: ١٧١، والطبقات الكبرى ٢: ١١١، والروض الأنف للسهيلي ٢: ٢٢٩، وتاريخ الطبري ٢: ٣٠١، والمستدرك على الصحيحين ٣: ٣٩، والخصائص النسائي ٧، والمعجم الكبير للطبراني ٦: ٥٨١٨، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩: ٤٣، وتاريخ بغداد ٨: ٥، وحلية الأولياء ١: ٦٢، والمغازي ٢: ٦٥٤، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢: ١٩٤ والاستيعاب ٣: ٢٣، وتهذيب الكمال للمزي ٢٠: ٤٨٥، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ١٧٦-١٨٩، الأحاديث ٢١٣-٢٢٤ والمناقب للخوارزمي ١٢٥، وتذكرة الخواص ٣٢، وكفاية الطالب ٩٨، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ١٦: ٢١٦، وأسد الغابة ٤: ٩٨، والإصابة ٢: ٥٠٨، ومجمع الزوائد ٩: ١٢٤، وصبح الأعشى للقلقشندي ١٠: ١٧٤، ومختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٤٤، وتهذيب التهذيب ٣: ٢٣٧ و٧: ٤٨، وميزان الاعتدال ١: ٢٦٣، ولسان الميزان ٢: ٣٢٤، والبداية والنهاية ٤: ١٨٨.
  9. السيرة لابن هشام، ٣: ٣٤٩، والمغازي ٢: ٦٥٥، وتاريخ الطبري ٢: ٣٠١.
  10. الإرشاد للمفيد ٦٧.
  11. تاريخ اليعقوبي ٢: ٥٦.
  12. محمد ابراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة، ص ٣٢٠.