نقاش:الأمّة في القرآن

تمهيد

ليس من المُلتَبس أو المبُهَم تأثير رسالة الإسلام ومفاهيم الدِّين على المُسلِمين وأفكارهم ومبتنياتهم، حيث أنّه وبجانب تحويل كثيرٍ من المفاهيم عن مسارِها التاريخيّ السابق، إستطاع خلق مفاهيم أُخرى تحوّلت فيما بعد عن المنظور الدّينيّ إلى مضمونٍ إجتماعيّ وثقافيّ عام.

ولا يمكنُ تكوين فكرةٍ متينةٍ عن المكانة التي تتمتَّع بها فكرة الأُمَّة في القرون الوسطى العربيّة والإسلاميِّة بحسب ناصيف نصّار وبالتالي لا يُمكن فهم الاشكاليَّة التي تُحيط بفكرة الأُمَّة في العالم العربيّ المعاصر دون دراسة مضمونها وموقعها في النصِّ القُرآني، والسبب في ذلك هو أنّ النصَّ القُرآنيَّ كان النصَّ الأساسيَّ الأعلى على امتداد العصور الوسطى العربيَّة والإسلاميِّة. أمَّا محاولةُ تصوّرِ الأُمَّة في الإيديولوجيَّة القوميَّة من حيث أنَّها نتاج فكريّ حديث يُحاول تجاوز النصِّ القُرآني، يقع تحت تأثير هذا التصوّر من جهة أسبقيَّته في التراث وتأصُّله في النفوس[١].

ذُكِرت كلمةُ (الأُمَّة) في ٤٩ آية بصيغة المفرَد، وآيتين بصيغة الجمع المخاطَب، وبمعنى الجمع غير المُعرَّف في ١٣ آية، وقد تعدَّدت معاني الكلمة بحسب سياقها في النصّ[٢].

يُعرِّف صاحبُ مفردات ألفاظ القُرآن الراغب الأصفهانيّ الأُمَّة بأنَّها كلُّ جماعة يجمعهم أمر ما، إمَّا دينٌ واحد أو زمانٌ واحد أو مكانٌ واحد، سواء كان ذلك الأمرُ الجامعُ تسخيراً أو إختياراً[٣]، لكنَّه يعترف بوجود معانٍ أخرى في إستعمَالات القُرآن.

ويتّفق المفسّرون على ذلك المعنى الأساسيّ لمدلول الكلمة مع جواز إستعمَالها في معانٍ أخرى، فيذكر السيِّد الطباطبائي أنّها بمعنى القوم حيث يختلف في السعة والضيق حسب موردها الذي استُعمِل فيه لفظها أو أُرِيد فيه معناها[٤].

ويمكن إيراد استعمَال المفردة في القُرآن التي جاءت بمعاني:

  1. الجماعة أو القوم،غالباً ما يكون لهم مقصدٌ واحدٌ، ويُقال للمنفرد أُمَّة أي مقصده غير مقصد الناس[٥]. أمّا باقي المعاني التي استُعمِلَت فيها الأُمَّة كجماعة بشريَّة مقيَّدة بصفاتٍ محدّدة، فهي معاني تطفو على المعنى الرئيس، أي القوم ذَوو المقصد، والصفات عارضةٌ عليه. ومن تلك الصفات:
    1. الدِّين الواحد: حيث يقول الله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً[٦]، أي متَّفقين على دينٍ واحد. ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً[٧] أي متَّفقون على شريعةٍ واحدة، و ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً[٨] أي أهل مِلَّة واحدة.
    2. الحالة والطريقة: ومنها ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ[٩] أي على نعمة وحالة حسنةٍ أو دين واحد. وأيضاً ﴿لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ[١٠] أي جماعة يعملون في الرعي.
    3. أهل عصر معيّن: فقوله ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ[١١]، و ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ[١٢] أي لكلِّ أهل عصر.
  2. الحين والزمان: كقوله ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ[١٣]، و ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ[١٤] أي بعد زمن ووقت.
  3. كلُّ المخلوقات المتحرِّكة: كقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ[١٥]، حيث يُطلق على كلِّ نوعٍ منهم أُمَّة حتَّى ولو لم يكونوا بشر، ويتّفق مع المعنى الأوّل بأنَّ لهم مقصد واحد.

يمكنُ أن نعرِفَ أنّ المعاني المتداوَلة قرآنيّاََ للكلمة المزبورة خصَّت الجماعة البشريّة بمدلول أكثر إستعمَالاً من غيره، لكنّ هذا المفهوم ولو أنَّه أُطلق عامّاً للجماعة المتوحِّدة في القصد، إلاّ أنّه خَصَّ المُسلِمين بالخطاب، حيث تجدُ ذلك في كثير من الآيات، فيصفهم بصفةٍ دالةٍ على الجماعة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[١٦]، ويمتدحهم لاعتبار تلبُّسِهم بالدين الذي هو خاتم الأديان ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[١٧]، ويُحفِّزُهُم على الاعتدال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ[١٨].

هذا الخطابُ المباشِر، بما يحمل من تفجُّرٍ عاطفيٍّ ودلالاتٍ رمزيّةٍ، ناشدَ فيها المُسلِمين بمفردةِ الأُمَّة دونَ غيرهم، جعلَ من هذه المفردةِ مفهوماً ساكِناً في ذاكرة المُكَلَّفين، يُسَتعادُ في كلِّ أزمةٍ أو ضعفٍ يصيبهم ليحفزّهم على النهوض، أو يُسترجَع للدلالة على التاريخ المجيد والناصع لهم. هذا الارتباط جعل مفهوم الأُمَّة مرتبطاً ببعده الدّيني أي الإسلام وملتصقاً به، وكان العلَّة الأساس في ذلك الخطاب القُرآني السالف.

  1. نصّار، ناصيف، مفهوم الأُمَّة بين الدين والتاريخ، م.س، ص١١.
  2. الحديثي، نزار، الأُمَّة والدولة، ط١، بغداد، لا.ن.، ١٩٨٧، ص١٣١.
  3. الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القُرآن، ط١، قم، طليعة النور، ١٤٢٦ه، ص٨٦.
  4. طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القُرآن، ج١، بيروت، الأعلمي، ١٩٧٤م، ص٢٩٧.
  5. النحّاس، معاني القُرآن، ج١، جامعة أمُّ القرى، السعودية، ١٤٩ه، ص١٦١.
  6. سورة البقرة، الآية 213.
  7. سورة المائدة، الآية 48.
  8. سورة الأنبياء، الآية 92.
  9. سورة الزخرف، الآية 22.
  10. سورة القصص، الآية 23.
  11. سورة الأعراف، الآية 34.
  12. سورة يونس، الآية 47.
  13. سورة يوسف، الآية 45.
  14. سورة هود، الآية 8.
  15. سورة الأنعام، الآية 38.
  16. سورة الأنبياء، الآية 92.
  17. سورة آل عمران، الآية 110.
  18. سورة البقرة، الآية 143.
عُد إلى صفحة "الأمّة في القرآن".