نقاش:البداء في معارف الإمام الحسين وسيرته
أسس نظرية البداء
تتألف أسس نظرية البداء في المعارف الإسلامية من النقاط التالية:
1. علم الله وإحاطته بكل شيء في الاعتقاد الإسلامي، الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء، ومحيط بجميع الأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل. لا يخفى عليه شيء مهما كان صغيرًا أو كبيرًا، ظاهرًا أو باطنًا. الجهل لا سبيل له إلى الذات الإلهية المقدسة، ولا يمكن أن ينكشف لله أمرٌ لم يكن يعلمه. وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعتقد بوضوح في العديد من الآيات، وأعاد التأكيد عليه مرارًا (1). كما أن الأحاديث المتعلقة بعلم الله تعكس بوضوح هذا المعنى. ففي خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، نجد الإشارة إلى اتساع وشمول علم الله، حيث يقول:
- "لا يخفى على الله تعالى - سبحانه - شيء مما يفعله العباد في نهارهم ولياليهم؛ فهو بصيرٌ بأعمالهم الصغيرة والكبيرة، محيط بها، وعالم بها"* (2).
ويضيف قائلاً:
- "يعلم صوت الوحوش في البراري، ومعاصي العباد في الخلوات، وحركة الأسماك في البحار العميقة، واضطراب الماء بفعل الرياح العاصفة"* (3).
كما ورد عنه (عليه السلام): *"إنه عالم بلا اكتساب أو زيادة، ولا علم مستفاد من أحد"* (4).
2. استمرار الخلق والتدبير الإلهي الله عز وجل لم يتوقف يومًا عن خلقه وتدبيره، بل هو في كل يوم في شأن جديد (5). في خطبة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، رواها الكليني في كتابه "الكافي" (6)، يشرح الإمام علي (عليه السلام) مضمون الآية القرآنية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قائلاً:
- "لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن"*، في إشارة إلى الإبداع المستمر لله في الخلق.
إن تدبير الله للعالم لا يتوقف أبدًا، ولا يمكن أن يتسلل إليه تعب أو مشقة. يقول الإمام علي (عليه السلام):
- "لم يكن خلق ما ابتدأه صعبًا عليه، ولا تدبير ما خلقه مثقلًا عليه"* (8)، ويضيف: *"يقدر أمور العالم جميعًا دون حاجة إلى تفكير أو تأمل داخلي"* (9).
3. نقد الاعتقاد اليهودي بخصوص الخلق من أبرز الانتقادات التي وجهها القرآن الكريم إلى أتباع ملة اليهود هو اعتقادهم بأن الله قد أتم عملية الخلق، وأنه لم يعد هناك شيء جديد يمكن أن يحدث في العالم، وكل ما يحدث قد تم تقديره منذ البداية (10). في روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام الرضا (عليه السلام)، ورد أن اليهود كانوا يعتقدون أن الله قد فرغ من خلق العالم، فلا يضيف شيئًا جديدًا ولا ينقص منه شيئًا (11). ولكن التعبير القرآني: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (12)، يوضح أن الله مستمر في تدبيره للعالم، وأن إرادته الإلهية حاضرة دائمًا.
هذا الاعتقاد يتجلى أيضًا في خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، حيث يظهر بوضوح الإيمان بإرادة الله المستمرة وقدرته على التدبير الخالد (13).
4. تأثير أفعال البشر على أقدارهم مصير الإنسان وقدره، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، يتغير بناءً على أفعاله الفردية والجماعية. الأعمال الصالحة، مثل الصدقة، الإحسان، صلة الرحم، الاستغفار، التوبة، الشكر، وأداء حقوق الله، كلها تؤدي إلى تغييرات إيجابية في أقدار الأفراد والمجتمعات. في المقابل، السلوكيات السيئة، مثل كفران النعم، البخل، قطع الرحم، والإهمال لأحكام الشريعة، تؤدي إلى قصر العمر، وجلب الشقاء، وانعدام البركة والنعم.
القرآن الكريم يؤكد هذه العلاقة في مواضع عدة، منها دعوة النبي نوح (عليه السلام) لقومه بالاستغفار، حيث قال لهم:
- "استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يُرسل السماء عليكم مدرارًا، ويزيدكم أموالًا وبنين، ويجعل لكم أنهارًا"* (14).
كما يشير القرآن إلى قصة قوم يونس (عليه السلام)، الذين رفع عنهم العذاب بعد أن تضرعوا بالدعاء إلى الله (15). الأهم من ذلك، يذكر القرآن قاعدة عامة تؤكد أن الله لا يغير حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:
- "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"* (16).
5. تأكيد الإمام علي (عليه السلام) على دور الأفعال في تغيير الأقدار في خطب الإمام علي (عليه السلام)، نجد إشارات واضحة إلى تأثير أفعال الإنسان على مصيره. يقول (عليه السلام):
- "صلة الرحم تزيد المال وتطيل الأجل، والصدقة في السر تطفئ الخطيئة، والصدقة علانية تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف تقي مصارع الهوان"* (18).
ويضيف (عليه السلام): *"استنزلوا الرزق بالصدقة"* (19).
6. نفي الجبر وإثبات حرية الاختيار الإمام علي (عليه السلام) أكد في مواضع عدة أن القضاء والقدر الإلهي ليس حتميًا أو جابرًا. عندما عاد الإمام من معركة صفين، سأله رجل: "هل كان خروجنا إلى الشام بقضاء الله وقدره؟" فأجابه الإمام بالإيجاب، ولكنه أضاف:
- "هذا القضاء والقدر ليس حتميًا، لأنه لو كان كذلك، لانتفى معنى الثواب والعقاب، وأصبح المذنب مستحقًا للثناء، والمحسن مستحقًا للذم"* (20).
هذا البيان يُظهر أن القضاء والقدر الإلهي يتفاعل مع أفعال البشر، وأن مصير الإنسان قابل للتغيير بناءً على اختياراته وسلوكياته (21).