نقاش:صفات الله في علم الكلام

تمهيد

الاتصاف الاتصاف أو علاقة الصفة بالذات من المسائل الكلامية التي تثار منهجيا في موضوع الصفات الثبوتية.

فيتساءل:

  • ما معنى اتصاف الذات بالصفة؟
  • هل هناك شيئان: ذات وصفة؟!.. أو شئ واحد؟!.
  • وعلى تقدير أنهما شئ واحد: ما معنى وحدتهما؟!.

ومثار هذا التساؤل: هو إذا كانت الذات بسيطة بكل معنى البساطة، وواحدة بكل معنى الوحدة، فما معنى أن يقال: اتصاف الذات بالصفة؟.. أو (الله عالم) و (الله قادر).. والخ[١].


وأهم الأقوال في المسألة قولان، هما:

أ - قول الحكماء والمتكلمين غير الأشاعرة:

وفحواه: ان الصفة والذات متحدتان في الحقيقة والخارج، ومتغايرتان في الاعتبار والذهن.

وبتعبير آخر: متحدتان مصداقا، متغيرتان مفهوما.

ومن هنا قالوا: الصفة عين الذات، والذات عين الصفة، ويعنون بهذا وحدتهما في المصداق.

فهو تعالى: عالم لذاته، قادر لذاته.. والخ.

وما يتصور من التغاير بين الذات والصفة، أو زيادة الصفة على الذات في مثل قولنا: (الله عالم) فإنه في الاعتبار والذهن، لا في الحقيقة والخارج.

واستدلوا لذلك:

1 - انه تعالى واجب الوجود - كما تقدم -.

ووجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كل شئ. فلا يفتقر في كونه عالما إلى صفة العلم، وكونه قادرا إلى صفة القدرة، لأن هذه المعاني (العلم) و (القدرة) و (الخ) مغايرة لذاته قطعا.

ومن البديهي: أن كل محتاج إلى غيره ممكن... هذا خلف.

2 - ان صفاته تعالى صفات كمال.

فلو قلنا: هو عالم بعلم، وقادر بقدرة - كما يقول الأشعري - لزم ان يكون ناقصا لذاته لاحتياجه إلى العلم والقدرة، مستكملا بغيره، وهو باطل بالاتفاق.

3 - ان الله تعالى قديم.

وصفة القديم لا بد أن تكون قديمة، لأنه متى لم تكن قديمة يلزم منه صيرورة القديم محلا للحوادث.

وإذا ثبت قدمها، لزم منه تعدد القدماء، وهو محال، لأنه يتنافى والوحدانية.

وفي توحيد الصدوق[٢].: عن الحسين بن خالد: «قال: سمعت الرضا علي بن موسى (ع) يقول: لم يزل الله تبارك وتعالى عليما قادرا حيا سميعا بصيرا. فقلت له: يا ابن رسول الله إن قوما يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالما بعلم وقادرا بقدرة وحيا بحياة وقديما بقدم وسميعا بسمع وبصيرا ببصر.

فقال (ع): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شئ.

ثم قال (ع): لم يزل الله عز وجل عليما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا».

والإمام الرضا (ع) يشير بقوله: (ليس من ولايتنا على شئ) إلى ما أشير اليه في حديث أبان بن عثمان الأحمر: «قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (ع) أخبرني عن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا بصيرا عليما قادرا؟ قال: نعم.

فقلت له: ان رجلا ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: ان الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا بسمع وبصيرا ببصر وعليما بعلم وقادرا بقدرة.

فغضب (ع)، ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك، وليس من ولايتنا على شئ، ان الله تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة»[٣]..

وعرف قولهم هذا بأنه قول المعتزلة.

واليه ذهب أيضا كل من الامامية والزيدية والأباضية[٤].

ب - قول الأشاعرة:

وهو: ان صفاته تعالى معان أزلية قائمة بذات الله تعالى.

قال أبو الحسن الأشعري: «الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة.... وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى»[٥].

وقالوا: لا يقال: هي هو.

ولا: هي غيره.

ولا: لا هو.

ولا: لا غيره.

بمعنى انه لا يصح أن يقال: الصفة هي الذات، ولا لا هي الذات.

ولا هي غير الذات، ولا لا هي غير الذات.

واستدلوا لذلك:

  1. ان مفهوم كونه عالما هو عين ذاته - كما يقول الآخرون - يلزم منه حمل الشئ على نفسه، وهو باطل. وإذا بطل كون الصفة عين الذات ثبت انها معنى زائد على الذات.
  2. لو كان العلم عين الذات، والقدرة عين الذات - كما يقول الآخرون - يلزم منه ان يكون مفهوم العلم ومفهوم القدرة واحدا، وهو ضروري البطلان.

وبثبوت بطلانه تثبت صحة رأينا.

والموازنة بين القولين تسلمنا إلى التالي:

  1. تقدير الأشاعرة بان الصفة ليست هي الذات ولا هي غير الذات أمر لا يعقل ولا يتصور ذهنيا. وما لا يتصور لا يمكن الحكم عليه، لأنه لا بد من أن يسبق التصديق بالتصور.
  2. ان دليل الأشاعرة الأول لا يفيد - كما يقول الإيجي[٦]. - إلا زيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات. وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا. نعم. لو تصورا بحقيقتهما وأمكن حمل أحدهما دون الآخر حصل المطلوب. ولكن انى ذلك؟.
  3. ان الدليل الثاني للأشعرية ينسق على دليلهم الأول تقريرا وايرادا.
  4. رد الإيجي دليل الحكماء الأول بقوله: «ان العالمية عندنا ليست أمرا وراء قيام العلم به، فيحكم عليه بأنها واجبة»[٧] وهو - كما ترى - لم يزد فيه إلا ترديد المدعي.
  5. ورد الإيجي دليل الحكماء الثاني بقوله: «ان أردتم باستكماله بالغير ثبوت صفة الكمال فهو جائز عندنا، وهو المتنازع فيه، وان أردتم غيره فصوروه وبينوا لزومه»[٨]. وهو كسابقه لا يعدو كونه ترديدا للمدعي.
  6. وأورد السيد الطباطبائي على قول الأشاعرة بما قرره من «أن هذه الصفات - وهي على ما عدوها: الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والإرادة والكلام - إما أن تكون معلولة أو غير معلولة لشئ. فإن لم تكن معلولة لشئ، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها، كانت هناك واجبات ثمان، وهي الذات والصفات السبع. وأدلة وحدانية الواجب تبطله. وان كانت معلولة، فاما أن تكون معلولة لغير الذات المتصفة بها، أو معلولة لها. وعلى الأول : كانت واجبة بالغير، وينتهي وجوبها بالغير إلى واجب بالذات غير الواجب بالذات الموصوف بها. وأدلة وحدانية الواجب تبطله كالشق السابق. على أن فيه حاجة الواجب الوجود لذاته في اتصافه بصفات كماله إلى غيره، وهو محال. وعلى الثاني: يلزم كون الذات المفيضة لها متقدمة عليها بالعلية، وهي فاقدة لما تعطيه من الكمال، وهو محال. على أن فيه فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال، وقد تقدم أنه صرف الوجود الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي. هذا خلف[٩].

ويحاول الشهرستاني أن يربط بين قول الأشاعرة وما قاله نسطور الحكيم من أن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو[١٠].[١١]

الخلاصة

اننا لا بد لنا بعد هذا من القول بان الصفات عين الذات، لئلا نقع فيما يتنافى وأصل التوحيد.

ونعني بعينية الصفة نفي الاثنينية بمعنى أنه لا يوجد في عالم الماصدق موصوف وصفة، وانما الموجود ذاته فقط. كما نعني بها نفي الغيرية بمعنى أن الصفة ليست غير الموصوف لأن الغيرية تستلزم الاثنينية، تعالى الله عن ذلك وتقدس.

والمعنى المذكور مستفاد من قول الإمام أمير المؤمنين (ع): «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».

وعن محمد بن عرفة قال: «قلت للرضا (ع): خلق الله الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة؟ فقال: لا يجوز ان يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك إذا قلت: خلق الأشياء بالقدرة، فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء، وهذا شرك.

وإذا قلت: خلق الأشياء بقدرة، فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار عليها وقدرة. ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج إلى غيره، بل هو قادر بذاته لا بالقدرة»[١٢].

وعلق عليه الشيخ الصدوق بقوله: «إذا قلنا: ان الله لم يزل قادرا، فإنما نريد بذلك نفي العجز عنه، ولا نريد اثبات شئ معه، لأنه عز وجل لم يزل واحدا لا شئ معه»[١٣].

وقد لا نستطيع أن نعبر عن المعنى الذي ينبغي أن يقال هنا بوضوح تام، وذلك لضيق نطاق الألفاظ الموضوعة سواء في اللغة أو في الاصطلاح عن استيعاب وأداء المعنى المراد.

وما أروع ما جاء في هذا عن الامام أمير المؤمنين (ع)، قال: «الحمد لله الواحد الأحد الصمد، المتفرد، الذي لا من شئ كان، ولا من شئ خلق ما كان، قدرة بان بها عن الأشياء، وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولا حد يضرب له الأمثال، كل دون صفاته تعبير اللغات، وضل هناك تصاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير»[١٤].[١٥]

المراجع والمصادر

  1.   عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام

الهوامش

  1. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 213.
  2. الشیخ الصدوق، التوحید، ص 140.
  3. الشیخ الصدوق، التوحید، ص 144.
  4. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 213 - 215.
  5. محمد بن عبد الکریم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 95.
  6. أنظر: المواقف، ص 280.
  7. عضد الدین الإیجي، المواقف، ص 280.
  8. عضد الدین الإیجي، المواقف، ص 280.
  9. السید محمد حسین الطباطبائي، بداية الحکمة، ص 226.
  10. محمد بن عبد الکریم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 224.
  11. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 215 - 218.
  12. الشیخ الصدوق، التوحید، ص 130.
  13. الشیخ الصدوق، التوحید، ص 41 - 42.
  14. الشیخ الصدوق، التوحید، ص 41 - 42.
  15. عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 218 - 219.
عُد إلى صفحة "صفات الله في علم الكلام".