صفات الله في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

  1. المعرفة الحضورية التي تنبع من العلاقة العلية بين واجب الوجود (الله) وممكن الوجود الإنسان ومقتضى التعلق الوجودي لكل إنسان بالله الجليل.
  2. المعرفة الحصولية التي تتحقق بواسطة قوى الإدراك النظرية الإنسانية وعن طريق المفاهيم.

أن هكذا معرفة لا تدل على كنه ذات الله، بل إن متعلقها الصفات والأفعال الإلهية. فمعرفتنا الحصولية بالله تحصل عبر المفاهيم الصرفة المتصلة بالصفات والأفعال الإلهية.

من هنا يُمكن أن ننتقل إلى أهمية بحث الصفات الإلهية وأثرها في معرفة الله؛ لأنه بمقدار عمق وجامعية معرفتنا بأوصاف الله، فإننا سوف نعرف الله بشكل أفضل وأكمل. بالطبع نحن تعرفنا على الله في بحث إثبات وجود الله بصفات، مثل: وجوب الوجود، وعرفنا الله بالصفات المذكورة؛ لكن ينبغي الالتفات إلى أن لله صفات متعددة وكثيرة تُعد معرفتها ضرورية لمعرفة الله بشكل أكمل، على هذا لا ينبغي الاكتفاء بمعرفة بعض الصفات فقط.

الملاحظة الأخرى التي توضح أهمية بحث صفات الله هي أن أكثر الموحدين على الرغم من اعتقادهم بالمبدأ المُتعال الواحد (الله) فإنهم يختلفون فيما بينهم في صفات هذا المبدأ، وقد تكون هذه الاختلافات عميقة إلى حد أنه يترائي للناظر أن لكل منهم معبوداً مستقلاً! مثلاً: من يعتقد بأن الله أعضاء وجوارح وأنه يتنقل بين السماء والأرض يختلف بالكامل عمن يعتقد بتنزيه الله عن الجسمانية.

أيضاً، معرفة الله لمن يتصور أن قدرة الله محدودة أو أنه لا يعلم الحوادث الآتية يختلف اختلافاً لا يمكن إنكاره مع من يعتقد بعلم وقدرة الله المطلقة. فمع الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف الشديد في الآراء بين المتألهين والمؤمنين بالله في بحث الصفات الإلهية فإن البحث الدقيق فيه له دور مؤثر في الحصول على تصور أصح وأكثر جامعية لله سبحانه.[١]

ومن مسلمات الدين الحنيف، أنه لا سبيل للمخلوق إلى معرفة ذات الخالق والإحاطة به ومعرفة حقيقته. فقد قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا[٢].

وورد في دعاء المشلول المروي عن أمير المؤمنين(ع): "يَا هُوَ يَا مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَ لَا كَيْفَ هُوَ وَ لَا أَيْنَ هُوَ وَ لَا حَيْثُ هُوَ إِلَّا هُوَ"[٣].

وفي دعاء مولانا السجاد(ع): "وَ لَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إِلَى مَعْرِفَتِكَ، إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ"[٤].

وقد قام البرهان ودل الوجدان وأدرك العقل بعيان أنه لم يُعط للمخلوق وسيلة يعرف بها ذات خالقه، إذ الأعضاء والحواس الإنسانية على دقتها وعظمتها هي مقاييس مادية نحس بها المخلوقات والماديات فقط.

فالعين مثلاً التي هي من أدق الوسائل لرؤية الأعيان بما أنها خلقة مادية نشاهد بها الماديات فقط، بل لا يمكننا أن نشاهد بها حتى بعض الماديات، كالأمور اللطيفة مثل الهواء، فكيف يمكن مشاهدة خالق الماديات؟

وهناك بيان لطيف في أحاديث أهل بيت العصمة(ع) في بيان إبطال رؤية الله تعالى، وعدم إمكانها نظير الأحاديث التالية:

  1. ما رواه أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (الإمام الهادي(ع)) أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس فكتب: "لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَ الْمَرْئِيِ هَوَاءٌ لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَ الْمَرْئِيِّ لَمْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ وَ كَانَ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ لِأَنَّ الرَّائِيَ مَتَى سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ وَ كَانَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبَّبَاتِ"[٥].
  2. "ما رواه هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِأَمْرَيْنِ بِالْحَوَاسِّ وَ الْقَلْبِ وَ الْحَوَاسُّ إِدْرَاكُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ إِدْرَاكاً بِالْمُدَاخَلَةِ وَ إِدْرَاكاً بِالْمُمَاسَّةِ وَ إِدْرَاكاً بِلَا مُدَاخَلَةٍ وَ لَا مُمَاسَّةٍ. فَأَمَّا الْإِدْرَاكُ الَّذِي بِالْمُدَاخَلَةِ فَالْأَصْوَاتُ وَ الْمَشَامُّ وَ الطُّعُومُ. وَ أَمَّا الْإِدْرَاكُ بِالْمُمَاسَّةِ فَمَعْرِفَةُ الْأَشْكَالِ مِنَ التَّرْبِيعِ وَ التَّثْلِيثِ وَ مَعْرِفَةُ اللَّيِّنِ وَ الْخَشِنِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ. وَ أَمَّا الْإِدْرَاكُ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَ لَا مُدَاخَلَةٍ فَالْبَصَرُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَ لَا مُدَاخَلَةٍ فِي حَيِّزِ غَيْرِهِ وَ لَا فِي حَيِّزِهِ. وَ إِدْرَاكُ الْبَصَرِ لَهُ سَبِيلٌ وَ سَبَبٌ فَسَبِيلُهُ الْهَوَاءُ وَ سَبَبُهُ الضِّيَاءُ فَإِذَا كَانَ السَّبِيلُ مُتَّصِلًا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَرْئِيِّ وَ السَّبَبُ قَائِمٌ أَدْرَكَ مَا يُلَاقِي مِنَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَشْخَاصِ فَإِذَا حُمِلَ الْبَصَرُ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لَهُ فِيهِ رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكَى مَا وَرَاءَهُ كَالنَّاظِرِ فِي الْمِرْآةِ لَا يَنْفُذُ بَصَرُهُ فِي الْمِرْآةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ رَجَعَ رَاجِعاً يَحْكِي مَا وَرَاءَهُ وَ كَذَلِكَ النَّاظِرُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي يَرْجِعُ رَاجِعاً فَيَحْكِي مَا وَرَاءَهُ إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُ فِي إِنْفَاذِ بَصَرِهِ فَأَمَّا الْقَلْبُ فَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْهَوَاءِ فَهُوَ يُدْرِكُ جَمِيعَ مَا فِي الْهَوَاءِ وَ يَتَوَهَّمُهُ فَإِذَا حُمِلَ الْقَلْبُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي الْهَوَاءِ مَوْجُوداً رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكَى مَا فِي الْهَوَاءِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَحْمِلَ قَلْبَهُ عَلَى مَا لَيْسَ مَوْجُوداً فِي الْهَوَاءِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ جَلَّ اللَّهُ وَ عَزَّ فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَهَّمْ إِلَّا مَا فِي الْهَوَاءِ مَوْجُودٌ كَمَا قُلْنَا فِي أَمْرِ الْبَصَرِ تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُشْبِهَهُ خَلْقُهُ"[٦].

على أن الحواس الأخرى أيضاً إنما نحسُّ بها المخلوقات فقط، فكيف يمكن مشاهدة الخالق بهذه الوسائل المادية؟ وهل يُرى بالجسم غير الأجسام؟

كلا!! المادي لا يمكنه التوصل إلا إلى المادي فقط باقتضاء السنخية.

بل لم يتوصل الإنسان إلى بعض نفس الماديات المماثلة له في جوهر المادة، فتراه لم يعرف بَعْدُ حقيقة المواد الأولية، والعناصر الأساسية الموجودة في هذا الكون، بالرغم من أنه يشاهدها ويحسُّها وهومتكيِّف معها ويعيش إلى جنبها... وترى الإنسان – وهوأشرف المخلوقات السالك بنفسه في مرامي علم الكائنات، والمبتكر لعظيم المصنوعات- لم يتوصل إلى معرفة حقيقة روحه هو، بينما هومشتمل عليها وعائش بركتها ومتقارن في حياته دائماً مع وجودها... بأقرب تقارن وأمس ارتباط.

فإذا كان عاجزاً عن معرفة روحه المنطوية معه، فما بالك بمعرفة خالق الأرواح الذي هوفوق إدراكه.

إنا لا نملك إلا الإعتراف بالعجز عن معرفة ذاته المقدَّسة بحكومة العقل وشهادة الوجدان.

وحين لم يمكننا ولن نتمكَّن من معرفة ذاته، فلابد على صعيد معرفة الله من معرفة صفاته ومعالي أوصافه وعظيم خلقه وباهر صنعته.

وحتى في نفس الصفات لا نتمكَّن من معرفة كنهها خصوصاً الصفات التي هي عين ذاته، كعلمه وقدرته وحياته و... .

فتكون معرفتنا لها بالمقدور المستطاع وبقدر إدراك البصائر، وبالمقدار الذي بينه هوتعالى في كتابه الباهر، وأبان عنه على لسان نبيه وأوصيائه المعصومين (ع).

فالله تعالى هوالعالم بذاته وصفاته، لذلك يلزم علينا أن نستمد منه المعرفة بنعوته وأوصافه.

وقد ورد الحديث العلوي الشريف المتقدم: "اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ..."[٧].

وفي خطبته المباركة: "هُوَ الدَّالُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَ الْمُؤَدِّي بِالْمَعْرِفَةِ إِلَيْهِ"[٨].

وعلى الجملة فالمذهب الصحيح في المعارف الحقة هو: معرفة صفات الله تبارك وتعالى بواسطة بيان كتابه الكريم وأحاديث مهابط وحيه، النبي وآله المعصومين(ع)، كما نُصّ على الاهتداء بهما والتمسك بكليهما في عموم حديث الثقلين: "كِتَابِ اللَّهِ وَ الْعِتْرَةِ" وخصوص أحاديث أهل البيت(ع) التي منها ما يلي:

  1. "حَدِيث سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ(ع): إِيَّاكُمْ وَ التَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ[٩] فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ لَا يَزِيدُ إِلَّا تَيْهاً[١٠] إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ[١١] وَ لَا يُوصَفُ بِمِقْدَارٍ"[١٢].
  2. "حَدِيث عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) بِمَسَائِلَ فِيهَا أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوصَفُ بِالصُّورَةِ وَ بِالتَّخْطِيطِ فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنَ التَّوْحِيدِ. فَكَتَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ: سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ التَّوْحِيدِ وَ مَا ذَهَبَ فِيهِ مَنْ قِبَلَكَ فَتَعَالَى اللَّهُ الَّذِي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[١٣] تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ. وَ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ فِي التَّوْحِيدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَانْفِ عَنِ اللَّهِ الْبُطْلَانَ وَ التَّشْبِيهَ فَلَا نَفْيَ وَ لَا تَشْبِيهَ هُوَ اللَّهُ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَ لَا تَعْدُ الْقُرْآنَ فَتَضِلَّ بَعْدَ الْبَيَانِ"[١٤].
  3. "ما روي عَنِ الْعَالِمِ [الْإِمَامُ الْكَاظِمُ(ع)] وَ سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ فَقَالَ: لَا تَتَجَاوَزْ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ"[١٥].
  4. "حَدِيث جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ ابْنُ سَالِمٍ وَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَ جَمِيلُ بْنُ دَرَّاجٍ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَجَّاجِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ وَ سَعِيدُ بْنُ غَزْوَانَ وَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَسَأَلُوا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ أَنْ يُنَاظِرَ هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَقْوَى حُجَّةً فَرَضِيَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ رَضِيَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ فَتَكَالَمَا وَ سَاقَا مَا جَرَى بَيْنَهُمَا وَ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَجَّاجٍ لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ كَفَرْتَ وَ اللَّهِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَ أَلْحَدْتَ فِيهِ وَيْحَكَ مَا قَدَرْتَ أَنْ تُشَبِّهَ بِكَلَامِ رَبِّكَ إِلَّا الْعُودَ يُضْرَبُ بِهِ. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع) يَحْكِي لَهُ مُخَاطَبَتَهُمْ وَ كَلَامَهُمْ وَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا الْقَوْلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَدِينَ اللَّهَ بِهِ مِنْ صِفَةِ الْجَبَّارِ فَأَجَابَهُ فِي عَرْضِ كِتَابِهِ: فَهِمْتُ رَحِمَكَ اللَّهُ وَ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَ أَعْلَى وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْلَغَ كُنْهُ صِفَتِهِ فَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ كُفُّوا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ"[١٦].
  5. "حَدِيث مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَن الامام باقر(ع) قَالَ: إِيَّاكُمْ وَ التَّفَكُّرَ فِي اللَّهِ وَ لَكِنْ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى عَظَمَتِهِ فَانْظُرُوا إِلَى عَظِيمِ خَلْقِهِ"[١٧].
  6. "ما روي عن الامام الباقر(ع) أنه قال: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ أَكَلَ قَلْبَكَ طَائِرٌ لَمْ يُشْبِعْهُ وَ بَصَرُكَ لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ ِ خَرْتُ[١٨] إِبْرَةٍ لَغَطَّاهُ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ بِهِمَا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَهَذِهِ الشَّمْسُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَمْلَأَ عَيْنَيْكَ مِنْهَا فَهُوَ كَمَا تَقُولُ"

وأما اتساع المعرفة وتعاليها فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته، وبها تتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفة الله عز وجل...»[١٩].

ولاحظ لمعرفة صفاته القدسية الألف، دعاء الجوشن الكبير المروي عن سيد الساجدين، عن أبيه، عن جده رسول الله(ص) كما في البلد الأمين[٢٠]، المشتمل على ألف صفة واسم من صفاته وأسمائه المقدسة التي بينها نبيه الأكرم(ص) في ذلك الدعاء.

ولاحظ لمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا حديث الرسول الأعظم(ص) الذي رواه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده "عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلَّا وَاحِداً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَ هِيَ اللَّهُ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْقَدِيرُ الْقَاهِرُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى الْبَاقِي الْبَدِيعُ الْبَارِئُ الْأَكْرَمُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْحَيُّ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ الْحَفِيظُ الْحَقُّ الْحَسِيبُ الْحَمِيدُ الْحَفِيُّ الرَّبُّ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الذَّارِئُ الرَّزَّاقُ الرَّقِيبُ الرَّءُوفُ الرَّائِي- السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ السَّيِّدُ السُّبُّوحُ الشَّهِيدُ الصَّادِقُ الصَّانِعُ الطَّاهِرُ الْعَدْلُ الْعَفُوُّ الْغَفُورُ الْغَنِيُّ الْغِيَاثُ الْفَاطِرُ الْفَرْدُ الْفَتَّاحُ الْفَالِقُ الْقَدِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْقَوِيُّ الْقَرِيبُ الْقَيُّومُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ قَاضِي الْحَاجَاتِ الْمَجِيدُ الْمَوْلَى الْمَنَّانُ الْمُحِيطُ الْمُبِينُ الْمُقِيتُ الْمُصَوِّرُ الْكَرِيمُ الْكَبِيرُ الْكَافِي كَاشِفُ الضُّرِّ الْوَتْرُ النُّورُ الْوَهَّابُ النَّاصِرُ الْوَاسِعُ الْوَدُودُ الْهَادِي الْوَفِيُّ الْوَكِيلُ الْوَارِثُ الْبَرُّ الْبَاعِثُ التَّوَّابُ الْجَلِيلُ الْجَوَادُ الْخَبِيرُ الْخَالِقُ خَيْرُ النَّاصِرِينَ الدَّيَّانُ الشَّكُورُ الْعَظِيمُ اللَّطِيفُ الشَّافِي"[٢١]. وتلاحظ شرح هذه الأسماء الحسنى بعد نقل حديثها في نفس كتاب التوحيد.

فلنبدأ بذكر شمة منها وبيان جملة من أعرفها للإغتراف من منهلها العذب، والاستفادة من أريجها الطيب... .

بعد تقديم مقدمة موجزة تفيدنا زيادة المعرفة والبصيرة في الموضوع.

ومنه نستمدّ العون ونطلب العصمة وهو وليّ التوفيق.

فنقول: إعلم: أن الذات الإلهية المقدسة واجدة لجميع صفات الكمال؛ لأن الخلوعن الكمال نقض، والنقص منفي عن الواجب تعالی.

كما وأن هذه الذات الكريمة منزهة عن جميع صفات النقصان، لأن النقص عجز أيضاً، والعجز لا يليق بالذات الكاملة. ويسمى القسم الأول من الصفات بالصفات الثبوتية، وصفات الكمال والجمال. كما يسمى القسم الثاني بالصفات السلبية، وصفات التنزيه والجلال.

فهو تعالی واجد لجميع صفات الكمال، ونزية عن جميع صفات الجلال، ومن الواضح أن ذاته الكاملة واجبة في الوجود، وهي فوق كل موجود، فتكون مستجمعةً لجميع الصفات الثبوتية، ومنزه عن جميع الصفات السلبية.

هذا... ولعدم إمكان معرفة ذاته المتعالية - كما قلنا- لا يمكننا معرفة كنه صفاته ولا نتمكن من الوصول إلى اللامتناهي من كمالاته خصوصاً وإن بعض صفاته عين ذاته - كما عرفت - لذلك نكتفي في التشرف بذكر أشهر صفاته الشريفة ونعوته المباركة.

ويلزم التنبيه في البدء على أن صفاته المقدسة تنقسم إلى ضربين:

  1. الصفات الذات، كالوجود والعلم والقدرة والحياة والسرمدية ونحوها مما هي عين ذاته المقدسة.
  2. صفات الفعل، كالخالقية والرازقية والأحياء والإماتة ونحوها التي انتزعت باعتبار المخلوق والمرزوق والمحيي والممات، فهذه صفات أفعاله لا ذاته، والكمال في هذه الصفات الأخيرة هي قدرته عليها... وتلك القدرة هي عين ذاته.

ثم الضابط في الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل كما أفاده الأعاظم مثل السيد الشبر في كتابه حق اليقين هو: «إن صفات الذات هي ما اتصف الله تعالى بها وامتنع اتصافه بضدها، كالعلم والقدرة والحياة ونحوها، فإنه لا يجوز أن يقال ان الله عالم بكذا غير عالم بكذا، أوقادر على كذا وغير قادرٍ على كذا، وسميع وبصير بكذا وغير سميع وبصير بكذا ونحوذلك.

وأما صفات الفعل فهي ما يتصف الله تعالى بها وبضدها، كالخالقية والرازقية فإنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى خلق زيداً ولم يخلق ابنه، وأحيي زيداً وأمات عمراً وأفقر بكراً وأغني خالداً ونحوذلك...»[٢٢]. وقد استفيدت هذه الضابطة من ثقة الإسلام الكليني قدس سره في كتابه الشريف الكافي تحت عنوان «جملة القول في صفات الذات وصفات الفعل»، ذكر هذه الضابطة وأفاد فيها أحاديث شريفة كأحاديث الإرادة[٢٣].

ثم إنه إذا عرفت أقسام هذه الصفات المقدسة، وحصلت على الميزة بين الضربين من صفاته - يعني الذاتية والفعلية - ولم يحصل الاشتباه بينهما، نرجع إلى ذكر القسمين من أوصافه الثبوتية والسلبية.

فنذكر أولاً جملة من الصفات الثبوتية الكمالية، ثم نبين ثانياً نبذةً من الصفات السلبية الجلالية.[٢٤]

الاسم، الفعل، والصفة

تستعمل ثلاث اصطلاحات بكثرة في الأبحاث المتعلقة بمعرفة الله وهي: أسماء الله، صفات الله، وأفعال الله. ولا بد من الالتفات إلى أن هذه الاصطلاحات قد تُستعمل في علوم مختلفة بمعاني مختلفة، فليس لها معنى واحد ثابت. وبما أن بحثنا في دائرة علم الكلام فما يهمنا هو الذي يريده المتكلمون من هذه الاصطلاحات، ففي منابعنا الكلامية، يعتبر الاصطلاح الأكثر رواجاً هو اصطلاح (الصفات الإلهية) قد يستعمل هذا التعبير مرادفاً للأسماء وفي هذا الاستعمال يدخل في دائرة الصفات والأسماء الإلهية، العالم، العليم، القادر، الحي، المريد... وقد يكون هناك اختلافاً بين معنى هذين الاصطلاحين والتي على أساسها تكون المفاهيم، كالعلم القدرة والحياة من صفات الله، وتُعدّ المفاهيم كالعالم والعليم والقادر والحي و... من أسماء الله سبحانه.

من الجدير بالذكر أن هناك اصطلاحاً آخر للاسم ويُراد به الكلمة الدالة على الله بعنوان اسم خاص (اسم عَلَم) والصفة لفظ يحكي الصفات الإلهية، على أساس هذا الاصطلاح يصبح عدد أسماء الله قليل جداً ويشمل فقط ألفاظ مثل الله في اللغة العربية وخدا في اللغة الفارسية. أما صفات الله فهي كثيرة مثل: العالم الحي المريد القادر و...، على كل تقدير، المقصود من الصفة في بحثنا هو المفهوم الذي يُنسب إلى الله ويُحمل على الذات الإلهية.[٢٥]

اتساع بحث الصفات الإلهية في علم الكلام

بالتوجه إلى أهمية بحث الصفات الإلهية فقد أصبحت هذه المسألة في المباحث والمصادر الكلامية مورد تحقيق موسَّع ولها أبعاد مختلفة بحيث قد لا تفكك أجزاؤها بدقة وهذا الأمر يسبب صعوبة في البحث. ونحن هنا سوف نسعى بقدر الإمكان أن نفصل محاور وأبعاد البحث المختلفة عن بعضها البعض وهكذا نطرح بحثاً أكثر انسجاماً. ويمكن أن نبحث الأبحاث المتعلقة بصفات الله في مرحلتين كليتين:

الأبحاث العامة للصفات: في هذه المرحلة نبحث الأحكام والمسائل المشتركة والعامة للصفات، بدون الأخذ في عين الاعتبار صفة خاصة، هذه المرحلة قد تُدرس تحت عنوان (كليات الصفات الإلهية).

الأبحاث الخاصة بكل صفة من الصفات: في هذه المرحلة وبعد الإنتهاء من بحث الأحكام المشتركة للصفات الإلهية، نبحث في المسائل الخاصة لبعض الصفات المهمة، كالعلم والقدرة والحياة و...

ولابد من الالتفات إلى أن الأبحاث التي يُمكن طرحها في كل من هاتين المرحلتين تندرج تحت أحد القسمين التاليين: الأولى هي إثبات الصفات، والبحث هنا يكون في إثبات اتصاف الذات الإلهية ببعض الصفات، هذا البحث في المرحلة الأولى المذكورة أعلاه يكون في قالب الإثبات الإجمالي لاتصاف الباري جل وعلا بكل صفة كمالية وفي المرحلة الثانية: يكون في قالب البرهان على اتصاف الله بكل صفة من هذه الصفات؛ مثلاً: في المرحلة الأخيرة تقام أدلة على أن الله عالم، قادر، حي و...، تذكر حقيقة الصفات الإلهية وخصوصياتها، ويُبين في هذا القسم معنى وحقيقة كل صفة من الصفات الإلهية وخصوصياتها التي تميزها عن صفات الممكنات.

ومن المناسب ذكر فهرس للمحاور الأساسية في الأبحاث الكلامية في الصفات الإلهية ومن أهم محاور البحث في المرحلة الأولى (الأبحاث العامة والمشتركة للصفات) هي:

  1. أقسام الصفات: في هذا البحث يذكر التقسيم المشهور للمتكلمين في بحث الصفات الإلهية وتُعرَّف الاصطلاحات المتعلقة بها. إمكانية معرفة الصفات الإلهية: في هذا القسم يجاب عن السؤال الأساسي: هل هناك طريق لمعرفة الصفات الإلهية أم لا؟ كما يشار إلى بعض الآراء الكلامية المهمة في إمكان أو عدم إمكان معرفة صفات الله.
  2. طرق معرفة الصفات: بعد بيان إمكان معرفة الصفات، يبحث في طرق ووسائل هذه المعرفة والموجودة تحت اختيار الإنسان.
  3. تبيين معنى الصفات: يتضح في هذا البحث ما هو المقصود من الصفات المشتركة بين الله ومخلوقاته، والتي تطلق على الله وما الفرق بينهما وبين أوصاف المخلوقات بلحاظ المعنى. إثبات عام للصفات الكمالية لله، هذا البحث يتكفل بعرض الأدلة العامة على اتصاف الله بكل الصفات الكمالية المتصورة.
  4. العلاقة الخارجية بين الذات والصفات: يتضح في هذا القسم أن الصفات الإلهية عين الذات ولا تغاير وجودي بينهما، هذا البحث عادة ما يبحث تحت عنوان (التوحيد الصفاتي).
  5. توقيفية الأسماء والصفات الإلهية: السؤال الأصلي هو هل يُكتفي في توصيف الله بما ذُكر في القرآن والروايات من أسماء وصفات أو أنه يمكن أن نصفه بأي وصف حاكٍ عن الكمال؟.

في المرحلة الثانية، أي: الأبحاث المختصة للصفات أيضاً يبحث أهم الصفات الإلهية في عدة محاور وهي:

  1. التبيين التفصيلي إلى معنى كل صفة من الصفات.
  2. ذكر الأدلة الخاصة على اتصاف الله بكل صفة على الخصوص.
  3. النظر في الشبهات والأسئلة المتعلقة ببعض الصفات.

الآن نحاول التدقيق في كل محور من المحاور المذكورة باختصار.[٢٦]

أقسام الصفات الالهية

تُقسم الصفات الإلهية في الأبحاث الكلامية من عدة جهات ولكل تقسيم منها اسم خاص، فمن المناسب الإشارة إلى هذه التقسيمات والاصطلاحات الخاصة بها، قبل البدء في البحث:

الصفات الثبوتية و الصفات السلبية

أحد التقسيمات الشائعة في الصفات الإلهية، تقسيمها إلى صفات ثبوتية وسلبية، الصفة الثبوتية تحكي بُعداً من الأبعاد الكمالية لله وعن ثبوت واقعية في الذات الإلهية، في الطرف المقابل تحكي الصفة السلبية عن سلب النقص والمفاهيم العدمية عن الذات المقدسة، ولأن النقص في ذاته سلب كمال فحقيقة الصفة السلبية عبارة عن: (سلب سلب الكمال) ولأن نفي النفي نوع إثبات، فالصفات السلبية كذلك تكشف عن كمال الذات الإلهية، وعليه فإن العلم والقدرة والإرادة والحياة هي من جملة الصفات الثبوتية، كما أن نفي الجسمانية ونفي الحركة تُعد من الصفات السلبية. ويتضح مما سبق أن الصفات السلبية لا تعني أبداً وجود نقص في ذات الباري تعالى، بل إنها كالصفات الثبوتية تحكي عن كمال الذات. لأنه في الصفات السلبية لا يوجد مفاهيم تتناسب والمقام الإلهي وتستلزم نوعاً من نقص وعجز موصوفها، لذلك تسلب من ذات الله، مثلاً: تحرك الموجود يحكي عن نقصه، لأن الحركة بمعنى أن الشيء المتحرك ابتداءً هو فاقد لكمال خاص يحصل عليه بعد الحركة، من البديهي أن هكذا معنى لا يتناسب مع وجوب الوجود والكمال المطلق لله، ولذلك يجب أن يسلب من الذات الإلهية لكن هذا السلب - يعني نفي الحركة - في النهاية يرجع إلى إثبات نوع كمال لله، لأن نفي النقص ليس إلا إثبات الكمال. وهكذا يمكن أن نعد (عدم التحرك) إحدى الصفات السلبية لله. قد يُتصور أن الجسمانية، التحرك، المادية وأمثالها من الصفات السلبية لله، لأن هذه الأمور تُسلَب من الله. ولكن هذا التصور لا يخلو من مسامحة؛ فالرأي الدقيق أن (عدم الجسمية، عدم التحرك، عدم المادية و...) تُعد من الصفات السلبية ليس هو سلب الصفات عن الله، بل المقصود أن مفهوم هذه الصفات متضمن سلب نوع من النقص عن الله سبحانه، وبالتدقيق يتضح أن هذا الاختلاف الظريف جداً قلما يلتفت إليه العلماء عند شرحهم للصفات السلبية وحقيقتها...

قد يُسأل هنا أنه إذا كان مفاد الصفات السلبية ينتهي إلى إثبات نوع من الكمال فلماذا لا يظهر هذا الكمال المذكور في قالب صفات ثبوتية مباشرة وبذلك يصبح الطريق أقصر وأقل صعوبة من أن تأخذ مفهوم حاكي عن نقص، ثم نسلب ذلك المفهوم عنه؟

في الجواب عن هذا السؤال يُمكن أن يقال: إن الحق هو أنه دائماً كل صفة سلبية تلازمها صفة ثبوتية لكن أحياناً يكون المفهوم السلبي الخاص بالقياس إلى المفهوم الثبوتي الملازم له هو أكثر أُنساً للأذهان وأكثر استعمالاً في ألسنة الناس، مثلاً: سلب الجسمانية أو المادية يُلازم وصف التجرد: لكن معرفة الناس بمفهوم عدم الجسمانية أو عدم المادية أشد وأقوى من مفهوم التجرد!، وهناك ملاحظة أخرى توجد في طريقة بيان الصفات السلبية وهي أنه بهذا الدليل أن هذه الصفات تسلب بشكل مباشر وصريح نقصاً عن الذات الإلهية، فيظهر التغايُر والتمايُز بين الله ومخلوقاته أكثر وضوحاً. عندما يُقال: إن الله غير جسماني أو أن الله لا مكان ولا زمان له، فإنه يؤكد بوضوح على تمايُز الواجب تعالى عن مخلوقاته الجسمانية والتي لا مكان لها أو زمان، في حال أن الصفات الثبوتية ليس لها هكذا دلالة صريحة على تمايُز وتغايُر الخالق والمخلوق.[٢٧]

الصفات الذاتية و الصفات الفعلية

تقسم الصفات الإلهية إلى مجموعتين في تقسيم آخر هي صفات الذات و صفات الفعل.

الصفة الذاتية، بلحاظ أحد الكمالات الإلهية تُنتزع من الذات وتُحمل عليها، مثلاً: من صفاته الكمالية أنه قادر على القيام بكل عمل، الذهن بالتوجه إلى هذا الكمال الوجودي ينتزع مفهوم القدرة وينسبه للذات الإلهية، من جهة أخرى الصفة الفعلية هي مفهوم أخذ من وجود علاقة خاصة بين الذات الإلهية وموجود آخر، مثلاً: لله علاقة إيجادية خاصة مع الموجودات الأخرى، فيخرجهم من حالة المعدومية ويهبهم الوجود؛ بالتوجه إلى هذه العلاقة الخاصة ننسب مفهوم الخلق لله ونسميه خالق.

يتضح مما سبق أنه لتوصيف الله بالصفات الذاتية يكفي أخذ الذات الإلهية بعين الاعتبار ولا حاجة لتصور أمر خارج عن الذات؛ ولكن لاستعمال الصفات الفعلية بالإضافة إلى ذات الله، يجب أن يُلاحظ شيء آخر، مثلاً إذا أردنا أن نصف الله بالخالقية يجب أولاً أن نتصور موجود آخر أوجده الله، ثم بتصور العلاقة بين الله وذلك الموجود ننسب صفة الخلق لله، بعبارة أخرى: منشأ انتزاع الصفات الذاتية نفس الذات الإلهية لكن الصفات الفعلية لله تُنتزع من مقام الفعل! بمعنى أن الذات بملاحظة فعلها تتصف بهذه الصفة. وبذلك تُعدّ بعض الصفات كالعلم والقدرة والحياة من الصفات الذاتية وبعضها الآخر كالخلق والرزق والرحمة والهداية و... من صفاته الفعلية. وكما سوف نذكر في الأبحاث التالية إن بعض هذه الصفات كالعلم والإرادة يمكن أن تُعتبر صفة ذاتية من جهة وصفة فعلية من جهة أخرى.[٢٨]

الصفات النفسية و الصفات الإضافية

الصفات النفسية: هي الصفات التي لا تشتمل مفاهيمها على إضافة ونسبة إلى الغير. أما الصفة الإضافية: باللحاظ المفهومي تشمل نوع من الإضافة إلى الغير، مثلاً: الحياة تُعدّ صفة نفسية، أما العلم والقدرة والإرادة فهي صفات إضافية، لأن مفهوم العلم يشتمل على إضافة إلى شيء آخر يعني المعلوم، وفي مفاهيم القدرة والإرادة أيضاً تضاف إلى المقدور والمراد[٢٩].[٣٠]

الصفات الذاتية و الصفات الخبرية

هذا التقسيم مختص بأهل الحديث والمقصود من الصفات الذاتية هي تلك التي تدل على كمالات ذات الواجب تعالى. في المقابل الصفة الخبرية هي التي تُنسب لله في المتون الدينية (القرآن والروايات) والتي لو اعتبرت بمعناها الظاهري، فإنها تستلزم تجسم الله وتشبيهه بمخلوقاته المادية، مثلاً: يوجد في القرآن آيات يظهر منها أن الله أعضاء وجوارح، كالوجه واليد والعين! طبق هذا التقسيم، فإن هذه الأوصاف من الصفات الخبرية؛ لأن قبولها بمعناها الظاهري، بمعنى قبول الجسمانية لله.[٣١]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٨٩-١٩٠.
  2. سورة طه: ۱۱۰.
  3. مصباح الكفعمي، ص۲۶۰.
  4. مفاتيح الجنان المعرب، ص۱۲۷، مناجات العارفين.
  5. اصول الكافي، ج۱، ص۹۷، باب إبطال الرؤية، ح۴.
  6. أصول الكافي، ج۱، ص۹۹، باب إبطال الرؤية، ح۱۲.
  7. أصول الكافي، ج۱، ص۸۰، باب أنه لا يعرف إلا به، ح۱.
  8. الاحتجاج للطبرسي، ج۱، ص۲۰۱، احتجاجات أميرالمؤمنين(ع) في التوحيد.
  9. أي في ذات الله تعالى.
  10. التيه هوالتحير والضلالة.
  11. سورة الأنعام: ۱۰۳.
  12. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۵۹، الباب ۹، ح۴.
  13. سورة الشورى: ۱۱.
  14. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۶۱، الباب ۹، ح۱۲.
  15. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۶۲، الباب ۹، ح۱۶.
  16. بحار الأنوار، ج۳، ص۲۵۹، الباب ۹، ح۴.
  17. حق اليقين، ج۱، ص۴۹.
  18. الخُرت: بضم الخاء هوثقب الأبرة.
  19. حق اليقين، ج۱، ص۴۹.
  20. البلد الامين، ص۴۰۲.
  21. توحيد الصدوق، ص۱۹۴، الباب ۲۹، ح۸.
  22. حق اليقين، ج۱، ص۴۱.
  23. أصول الكافي، ج۱، ص۱۱۱.
  24. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 55-66.
  25. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٠-١٩١.
  26. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩١-١٩٣.
  27. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٣-١٩٧.
  28. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٣-١٩٧.
  29. أي: وجد هنا اصطلاحات أخرى لا تُستعمل بكثرة في الأبحاث الكلامية، مثلاً على أساس أحد التقسيمات، تُقسم الصفات الإلهية إلى (صفات حقيقية) مثل الحي والعالم و(الصفات الإضافية) مثل الخالقية والقادرية وتنقسم الصفات الحقيقية كذلك إلى قسمين (الصفات الحقيقية المحضة) مثل الحي، و(الصفات الحقيقية ذات الإضافة) مثل العالم والقادر.
  30. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٣-١٩٧.
  31. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ١٩٣-١٩٧.