نقاش:قدرة الله في علم الكلام
قدرة الله في علم الکلام
تعريفها
عرفت القدرة بأنها الصفة التي يتمكن الحي معها من الفعل والترك بالإرادة. وإضافة قيد (بالإرادة) إلى التعريف تعني ان القدرة من صفات الفاعل المريد أو الفاعل المختار كما يسمونه أيضا.
وتسمية الفاعل بالمريد والمختار معا لأنه لا فرق بين الإرادة والاختيار الا في الاعتبار، ذلك ان المختار يطلق على الفاعل باعتبار أنه ينظر إلى الطرفين (الفعل والترك) ويختار أحدهما، والمريد يطلق عليه باعتبار أنه ينظر إلى الطرف الذي يريده أي يرجحه.
ويقال القدرة: الايجاب.
والايجاب: هو وجوب صدور الفعل عن الفاعل بحيث لا اختيار ولا حرية له في تركه.. كالشمس في اشراقها، والنار في احراقها[١].
إثباتها
والدليل على أن الذات الإلهية متصفة بالقدرة، أو أن الله تعالى قادر مختار، يتألف من قياس استثنائي هو: كلما كان العالم محدثا، كان المؤثر فيه قادرا مختارا.
ويتم الاستدلال بهذا القياس باثبات كلتا قضيتيه، فنقول:
- تقدمت البرهنة على اثبات القضية الأولى في موضع (اثبات الذات الإلهية) بما لا مزيد عليه هنا.
- وبرهان اثبات القضية الثانية يتلخص في: أن المحدث - وهو العالم - تتصف ماهيته بالعدم تارة وبالوجود أخرى، فيقال: (العالم معدوم) و (العالم موجود)، وهذا يدل على امكانه.
وإذا ثبت امكانه لزم افتقاره إلى المؤثر.
والمؤثر إما ان يكون مختارا أو موجبا.
فإن كان مختارا فهو المطلوب.
وإن كان موجبا لزمه أن لا يتخلف أثره عنه في الوجود.
وهذا يلزم منه إما قدم الأثر وإما حدوث المؤثر، وذلك للتلازم بين الفاعل الموجب وأثره.
وكلا الأمرين (قدم الأثر الذي هو العالم) و (حدوث المؤثر الذي هو الله تعالى) محال.
وفي ضوئه ننتهي إلي الخلاصة التالية: لو كان الله تعالى موجبا لزم اما قدم العالم أو حدوث الله تعالى، وهما باطلان، فثبت أنه تعالى قادر مختار وهو المطلوب[٢].[٣].
عموم قدرته تعالى
يراد بذلك أن قدرته تعالى تتعلق بجميع المقدورات من غير استثناء.
والدليل على ذلك: انه لا مانع يمنع من تعلق قدرته بجميع المقدورات بالنسبة إلى ذاته، وبالنسبة إلى المقدورات.
أما انتفاء المانع بالنسبة إلى ذاته فهو أن المقتضي لكونه تعالى قادرا هو ذاته، ونسبتها إلى الجميع متساوية لتجردها، فيكون مقتضاها أيضا متساوي النسبة وهو المطلوب.
وانتفاء المانع بالنسبة إلى المقدور فلأن المقتضي لكون الشئ مقدورا هو امكانه، والامكان مشترك بين الكل فتكون صفة المقدورية مشتركة بين الممكنات وهو المطلوب.
والنتيجة:
إذا انتفى المانع بالنسبة إلى القادر وبالنسبة إلى المقدور وجب التعلق العام، وهو المطلوب[٤].
ولكن ذهب الحكماء - كما مر علينا في مبحث الوحدانية - إلى أن المبدأ الأول بما أنه واحد لا يمكن أن يصدر عنه من جهة واحدة إلا واحد.
وذكرنا هناك أنه أشكل عليهم بأن في هذا تحديدا للقدرة الإلهية ونسبة العجز إلى الذات المقدسة.
وذكر انهم أجابوا - بما اختصرناه به هناك - بأن العجز في القابل وليس في الفاعل.
كما ذكرنا هناك الأقوال الأخرى في مسألة الصدور ومستمسكاتها. فراجع.
وذهب النظام - من أئمة المعتزلة - إلى أن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المعاصي والشرور لأنها من القبيح، وفعل القبيح ليس بمقدور له تعالى.
واستدل بان القبح صفة ذاتية للقبيح، وهو المانع من إفاضة الوجود عليه، ومن فعله.
وإذا كان هكذا ففي تجويز وقوع القبيح منه تعالى قبح أيضا.
فيجب ان يكون هذا مانعا من أن يوصف بالقدرة على القبيح.
والنظام بهذا متأثر بقدماء الفلاسفة الذين قالوا بان الجواد الذي لا بخل في ساحته لا يجوز عليه أن يدخر شيئا.
وعليه: فما أبدعه وأوجده هو المقدور. ولو كان في علمه تعالى ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وتركيبا وصلاحا لفعله[٥].
وهذا - كما ترى - مغالطة منه، ذلك أن القدرة على فعل القبيح ليست من القبيح.
والمسألة فيما أرى - لا تحتاج إلى مزيد مناقشة بأكثر من هذا الرد المختصر[٦].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 119.
- ↑ المقداد السيوري، النافع يوم الحشر، ص 20.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 119 - 120.
- ↑ المقداد السيوري، النافع يوم الحشر، ص 20.
- ↑ الملل والنحل، ج 1، ص 54.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الکلام، ج 1، ص 120 - 122.