قدرة الله في علم الكلام

من إمامةبيديا

تمهيد

القدرة من الصفات الإلهية الثبوتية والذاتية لله وذكرت عدة آيات من القرآن الكريم بأن الله قادر وقدير، القدرة أيضاً من جملة الصفات التي يُمكننا أن ندركها في أنفسنا بمقدارِ ما وفي مرتبة محدودة. من هنا فإن مفهوم القدرة والعجز واضح بشكل كبير، مع هذا يلزم تعريف القدرة حتى يتضح البحث أكثر بحيث يُمكن تطبيقها على قدرة الله.[١]

المراد من القدرة

ذكر المتكلمون المسلمون تعاريف مختلفة للقدرة، من التعاريف الأكثر شهرة، القادر: هو الشخص الذي إذا أراد أن يفعل فعل وإذا أراد أن يترك ترك[٢]. فعندما يُقال: إن فاعلاً خاصاً قادر على عملٍ ما فإن القيام بالعمل أو عدم القيام به تابع إرادته ومشيئته، على هذا ففي كل الموارد التي يفقد فيها الفاعل المشيئة ويتحقق فعله بدون أن يكون مسبوقاً بإرادته ومشيئته، فإن الفاعل المذكور هو فاقد للقدرة في القيام بذلك الفعل!، من هنا يُمكن القول بأن النار غير قادرة على إيجاد الحرارة وفعل الإحراق، لأن فعلها لا ينبع من مشيئة وإرادة ولا يُمكن أن يُقال: إنها لو أرادت الترك لتركت قبل الإحراق. ويمكن استنتاج الأصول التالية من التعريف السابق:

  1. القدرة على الفعل لا يلزم وقوعه، بل من الممكن أن يترك الفاعل القادر على الفعل الإتيان به، وذلك عندما تتعلق مشيئته بترك الفعل بدل القيام به.
  2. الفاعل القادر: قبل القيام بالفعل أيضاً هو يتصف بصفة القدرة! على خلاف من يعتقد أن الفاعل يتصف بالقدرة أثناء القيام بالفعل فقط[٣]، ويظهر صحة هذا المدعى بالتأمل في تعريف القدرة وحالاتنا الباطنية، فالتعريف المذكور يتكون من قضيتين شرطيتين، نجدها حتى قبل القيام بالفعل صادقة في مورد الفاعل القادر، كما أننا في باطننا نجد أننا قادرين على الكثير من الأفعال في حال أننا لم نُقدم بعدُ على القيام بها.
  3. يُقابل القدرة دائماً أمران: تقبل التعلق بالفعل أو تركه، بعبارة أخرى: كلما ذكرت قدرة الفاعل فإنه كما أن المقصود منها القدرة على القيام بالفعل كذلك يقصد منها القدرة على تركه. في المقابل بعض المتكلمين المعتقدين بانحصار اتصاف الفاعل بالقدرة في زمان وقوع الفعل يقولون بأن متعلق القدرة فقط القيام بالفعل[٤].
  4. تقابل المفهومين القدرة والعجز، من سنخ تقابل العدم والملكة، فالفواعل الطبيعية كالنار الفاقدة للمشيئة لا تتصف بالقدرة ولا بالعجز.[٥]

معنى القدرة الإلهية

ما معنى قدرة الله، وهل يُمكن إطلاق المعنى العام للقدرة كما هو، بدون تغيير؟ بالتدقيق في التعريف المذكور يتضح أنه لا مانع من إطلاقه على الله، حيث لا يؤدي إلى النقص أو المحدودية، فإن الله قادر، أي: أنه إذا تعلقت مشيئته بالقيام بالفعل فإنه يفعله وإذا تعلقت مشيئته بتركه فإنه يتركه. ولا ينبغي الغفلة أنه عندما نتأمل في حقيقة قدرتنا نجد أن قيامنا بالفعل أو تركه عادة يكون تابعاً لأغراض خارجية ومن البديهي عدم صدق هذا المعنى على الله، لأنه يستلزم تأثر الحق مما هو خارج ذاته وانفعاله في قبال غيره. وهذه المعاني لا تتناسب مع وجوب الوجود والغني المطلق، وإن كان جماعة من المتكلمين يعتقدون بأن أفعال الله تحدث إثر أغراض ودواعي خارجة عن ذاته. لكن الرأي الصحيح هو أن الله خلاف المخلوقات المختارة - كالإنسان - لا يقوم بأي فعل لأغراض خارجية، بل داعي الله في أفعاله عين ذاته وهو مبدأ صدور الأفعال بمقتضى مشيئته الذاتية.[٦]

إثبات القدرة الإلهية

بالتوجه إلى معاني القدرة يُمكن إثبات القدرة لله وذلك بالاستناد إلى أدلة مختلفة ونكتفي هنا بذكر دليل واحد: على أساس تعريف القدرة فإن عدم قدرة الله تصدق في صورة أن مشيئته تتعلق بوقوع عمل ما وفي عين وجود ذلك التعلق، فإنه لا يقع الفعل أو في صورة تعلق المشيئة بعدم الوقوع يقع ذلك الفعل، فنسأل ما هي علة عدم تحقق ما أراد الله؟ في الجواب عن السؤال نواجه احتمالين:

الاحتمال الأول: أن الذات الإلهية هي علة عدم تحقق ما أرادت، وهذا الاحتمال باطل وغير معقول لأنه لا يعقل أن يريد القيام بفعل ما من جهة وأن يكون سبباً في عدم وقوعه من جهة أخرى، هذا الفرض لا يتناسب مع الحكمة الإلهية.

الاحتمال الثاني: أن موجوداً غير الله يمنع تحقق إرادته، وهذا الاحتمال أيضاً غير معقول وباطل؛ لأنه ثبت في محله أن الله واجب الوجود وكل الموجودات الأخرى مُمكنة الوجود ومخلوقات له وهي متعلقة به في كل شؤونها، فلا يُعقل أن يستطيع الموجود الممكن - الذي لا يملك أي استقلال من نفسه- أن يمنع تحقق المشيئة الإلهية، وهكذا يثبت أن الله قادر، لأنه لا يُمكن تصور مانع عما يريده لما فُرض أن المشيئة قد تعلّقت به.[٧]

دليل العقل

يحكم العقل جزماً - بل الوجدان أيضاً يحكم بداهةً - بقدرة الله تعالى وعدم عجزه إطلاقاً... وذلك بملاحظة الوجوه العقلية الثلاثة التالية:

  1. إنّ العجز نقصٌ لا يليق بالذات الكاملة، ولا يكون الكامل الواجب ناقصاً؛ فإنّ واجب الوجود مستجمعٌ لجميع الصفات الكماليّة، ومنزهٌ عن النقائص والصفات الجلالية وإلا لزم الخُلف وهومحالٌ، فلابدّ وأن يكون قادراً غير عاجز.
  2. إنّ صدور الأفاعيل العجيبة منه، ووجود التدبيرات الحكيمة في خليقته تدلّ على قدرته واقتداره. ولا يمكن أن يكون صاحبها عاجزاً بل هوعليمٌ حكيم قادر. وقد شعّ نور هذا البرهان الواضح من أمير البيان علي بن أبي طالب(ع) في كلامه الشريف الوارد في غرر الحكم: "عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ وهُويَرَى خَلْقَ اللَّهِ"[٨].
  3. استحالة الصانعيّة والخالقيّة بدون القدرة المطلقة. أفاد هذا الدليل الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد بما نصّه:

من الدَّليل على أنَّ الله عزَّوجلَّ قادر: أنَّ العالم لمّا ثبت أنّه صنع الصانع ولم نجد أن يصنع الشيء من ليس بقادر عليه بدلالة أنَّ المُقعَد لا يقع منه المشي والعاجز لا يتأتّى له الفعل صحَّ أنَّ الذي صنعه قادرٌ، ولوجاز غير ذلك لجاز منّا الطيران مع فقد ما يكون به من الآلة، ولصحَّ لنا الإدراك وإن عدمنا الحاسّة، فلمّا كان إجازة هذا خروجاً عن المعقول كان الأوَّل مثله»[٩].

فالله تبارك وتعالى قادرٌ على كل شيء ومتمكن من كلّ أمر... علماً بأنّ قدرته المتعالية جارية مع حكمته وعدله، فلا يفعل القبيح ولا يصدر منه الشرّ، بل فعله الخير وعادته الإحسان وهوقادرٌ على كل شيء.

وبذلك يظهر بطلان قول المعتزلة، بأنّ الله لا يقدر على القبيح والشرّ، بدعوى استلزامه الظلم.

وجه البطلان أنَّ القدرة على القبيح ليست بظلم، وإنّما يكون فعل القبيح ظلماً؛ والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك لكنّه منزّه عنه. دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١٠].

مع التعبير بكلمة (أن) التحقيقية والقدرة التي هي مطلقة فتكون لا متناهية، مع أداة (كل) التعميمية بالإضافة إلى كلمة (شيء) المفيد لأتم العموم، حيث يستفاد من ذلك قدرته على جميع الأشياء بلا استثناء لكنه تعالى لا يظلم أبداً لقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١١].

والمعتزلة بقولهم هذا، فرّوا من الظلم ووقعوا في العجز.

ويظهر أيضاً مما قدمنا بطلان قول الأشاعرة في نسبة الشرّ إلى الله تعالى ووقوعه منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وجه البطلان أنّ إيقاع الشرّ ظلمٌ وهومنافٍ للحكمة والكمالية.

وأفعال الله جلّ جلاله خير لخلقه، ولا يريد الشرَّ لعباده، ومُن فعله مِن عباده فقد فعله باختياره وسوء عمله.

دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[١٢] مع الأحاديث الواردة في تفسير العبادة بالمعرفة والرحمة في كتاب تفسير البرهان[١٣].

فلاحظ تفسيرها وتأمل في غائيّة العبادة والمعرفة والرحمة للخلقة.

والأشاعرة فرّوا من الشرك في خلق الأفعال بزعمهم، ووقعوا في الظلم في هذه النسبة الذي هوكفرٌ كما أفاده في حق اليقين[١٤].[١٥]

القدرة الإلهية المطلقة

من المسائل التي كثر البحث فيها بين المتكلمين، ما يتعلق بسعة القدرة الإلهية، هل أن قدرة الله غير محدودة ومطلقة وتشمل كل شيء أو أن قدرته محدودة وتخرج بعض الأمور عن قدرته؟ في الجواب عن هذا السؤال اختار البعض الرأي الأول واعتقد بأن قدرة الله غير محدودة، ويؤيد هذا الرأي آيات كثيرة تُعرف الله بأنه قادر على كل فعل. في الطرف المقابل توجد آراء مختلفة أخرى كل منها تحُد بشكل أو بآخر القدرة الإلهية وتنكر شمولها لبعض الأمور. وبالتحقيق في الآراء المذكورة فإن الرأي الصحيح هو الرأي الأول، فالقدرة الإلهية - كما هو حال الصفات الذاتية الأخرى - لا متناهية، لإثبات هذا الرأي عقلياً، بالإضافة إلى الأدلة العامة على عدم محدودية الصفات الإلهية، يُمكننا أن نتمسك بنفس الدليل الذي ذكرناه لإثبات أصل القدرة الإلهية، فالدليل السابق بالإضافة إلى أنه يثبت صفة القدرة، كذلك يثبت إطلاق القدرة الإلهية، لأن هذا الأمر يصدق في كل فعل مفروض أنه في حال تعلق المشيئة الإلهية به، فلا مانع من تحققه. زيادة على الأدلة النقلية التي سوف نذكرها إن شاء الله فإن العقل يذعن بالقدرة الإلهية المُطلقة.[١٦]

شبهات في عموم قدرته سبحانه

مع هذا طُرحت شبهات في باب عموم القدرة الإلهية منذ القدم سبب عدم حلها للبعض أن يفتوا بمحدودية قدرته سبحانه!، سوف نطرح باختصار أهم المسائل والشبهات في هذا الباب والإجابة عن كل منها.

هل تدخل الأمور المُحالة في دائرة القدرة الإلهية؟

من الشبهات المطروحة من قديم الأيام في بحث القدرة الإلهية بين علماء الكلام، أن تُفرض موارد يؤدي حسب الظاهر تعلق القدرة بها أو عدمه إلى مُحال، وقد تفنن أصحاب هذه الشبهة في البيان، حيث ذكر لها تقارير مختلفة، وكلها تعود إلى مبنى واحد، ومن التقارير الأكثر شهرة لها ما يأتي: هل الله قادر على خلق شريك ومثيل له؟ فإن أجبنا عن السؤال بالإثبات، يلزم من ذلك القبول بوجود شريك للباري! في حال أن كل المتألهين يرفضون ذلك، وإن أجبنا بالنفي يلزم الإذعان بمحدودية قدرة الله، حيث إنه لا يقدر على الإتيان بهكذا عمل. سؤال آخر يطرح هو: هل الله قادر أن يضع العالم داخل بيضة بدون أن تتغير أبعاد العالم أو أبعاد البيضة؟ جواب كل ذي عقل سليم عن هذا السؤال هو النفي، وبتبع ذلك ينشأ إشكال وهو محدودية قدرة الله وأن هناك أفعالاً خارجة عن مُحيط قدرته. إلا أن الصورة الأكثر تعقيداً لهذه الشبهة أن يُطرح سؤال تؤدي كِلا الإجابتين فيه – الإثبات أو النفي - إلى إنكار القدرة الإلهية، مثلاً: هل الله قادر على خلق حجر لا يقدر على تحريكه؟ أو على خلق موجود لا يقدر على إفنائه؟ بالتأمل في الأسئلة السابقة يتضح أن كل هذه الشبهات وأمثالها قد أُحكمت على مبنى واحد ويُمكن الإجابة عنها بجوابٍ واحد، ولكي يتضح الجواب لابد أن نلقي نظرة موجزة على أقسام المُحال:

المحال الذاتي: الأمر الذي هو في حد نفسه وفي ذاته مُحال بدون أن يدخل في البين أيُّ أمر آخر، ومن أوضح مصاديقه: اجتماع أو ارتفاع النقيضين.

المحال الوقوعي: الأمر الذي هو في حد نفسه وبالنظر إلى ذاته ليس بمُحال لكن وقوعه يستلزم المحال الذاتي، مثلاً: وجود المعلول بدون العلة مُحال وقوعي؛ لأن تحققه يستلزم التناقض – اجتماع النقيضين[١٧] - ويُعرف المُحالان الذاتي والوقوعي بالمُحالات العقلية.

المحال العادي: الأمر غيرممكن بالنظر إلى قوانين الطبيعة المعروفة لكن تحققه ليس بممتنع ذاتاً ولا يستلزم المُحال الذاتي.

بالتدقيق في هذه التعاريف يتضح الجواب عن الشبهة السابقة: أن قدرة الله لا تتعلق بالمُحال الذاتي والوقوعي، وأن كل الموارد التي ذُكرت في التقارير المختلفة لهذه الشبهة من جملة المُحالات الوقوعية، لأن فرض وجود واجب الوجود بعد التحليل يوصلنا إلى التناقض يعني يلزم أن يكون واجبي الوجود المفروضين في حال أنهما واجبان لا يكونان كذلك. ووقوع المورد الثاني - يعني وضع العالم داخل بيضة - أيضاً يستلزم التناقض بشكل آخر، لأن لازم هذا الفرض أن يكون العالم في حال أنه كبير ليس بكبير- لأنه سيوضع داخل بيضة – وكذلك فرض إيجاد حجر لا يقدر الله على تحريكه أو خلق مخلوق لا يقدر على إفنائه! كلها بعد تحليلها نجد أنها ترجع إلى التناقض. ويجب الالتفات إلى أمر مهم وهو أن عدم تعلق قدرة الله بالمُحالات الذاتية والوقوعية في الواقع لا يحد القدرة الإلهية بأي شكل من الأشكال، لأن هذه الأمور ليس لها قابلية الإيجاد أصلاً ولذلك فهي تقع ما دون المرتبة التي تتعلق بها القدرة وبتعبير الحكماء أن فاعلية الفاعل - الله - تامة لكن قابلية القابل - المُحالات الذاتية والوقوعية - لا تملك قابلية قبول الفعل (الإيجاد)، لكي يتضح هذا البحث يُمكن أن نعاين الموارد المشابهة حولنا مع أنها تختلف عن موارد بحثنا اختلافاً جوهرياً إلا أنها تُفيد في التقريب للذهن، فلنحاول الالتفات إلى جانب المشابهة فقط، مثلاً: صانع أوعية الفخار والمعلّم لهذه الصناعة الذي يُمكنه صناعة أجمل الأواني الفخارية من الطين لكن لو طلبنا منه أن يصنع وعاء من الماء بدل الطين فمن الواضح أنه مع هذا الشرط لن يوفّق أدني توفيق في عمله، ومن البديهي أن عدم موفقيته لا تُسند إلى عدم قدرته أو قلة تجربته أو أن يُشك في تعليمه، بل لأن ما وُضع في اختياره - الماء - ليس له قابلية التبديل إلى وعاء!. في بحثنا كذلك المسألة تشبه هذا المثال والنقصان يعود إلى جانب القابل لا إلى جانب الفاعل، بل يُقال: إن مفهوم الشيء لا يصدق على المُحال العقلي حتى تشمله التعابير القرآنية ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فخلاصة الجواب أن هذه الأمور المذكورة في الشبهات من الحالات العقلية وتنتفي قابليتها لتعلق القدرة الإلهية بها، وكما سيأتي في بحث الإعجاز: أن القدرة يُمكن أن تتعلق بالمُحالات العادية، بل أن المعجزات من مصاديق إيجاد هذه النوعية من المُحالات.[١٨]

تعلّق القدرة الإلهية بالأفعال القبيحة

من المسائل الأخرى المتعلقة بالقدرة المطلقة هو أنه هل يقدر الله على فعل القبائح؟

يوجد رأيان في الجواب عن هذا السؤال: الرأي الأول يقول: إن الله فاقد لهكذا قدرة[١٩]، والرأي الثاني يقول: بأن الله قادر على هذه الأفعال لكنه لا يفعلها لحكمته وأوصافه الكمالية الأخرى، فلا يرتكب القبيح مطلقاً. وبتأمل بسيط في المسألة يتضح أن الرأي الصحيح والمعقول هو الرأي الثاني، وقد أُقيمت أدلة تؤيد الرأي الأول سوف نذكرها ونُبين ما فيها من تهافت...، قيل: إنه إذا كان الله قادراً على فعل القبيح فيلزم جهله أو حاجته، لكن الله عالم غني مبرأ عن كل ذلك، فلا يقدر على فعل القبيح[٢٠].

و قيل: في بيان الملازمة أن فرض تعلق قدرة الله بفعل القبيح بمعنى أن صدور هكذا فعل من الله ممكن، فإذا فرضنا صدور القبيح من الله فإذا لم يكن عالماً بقبحه يلزم الجهل على الله، وإذا كان عالما فحتماً قام بذلك الفعل لحاجته له؛ لأن حكمة الله تقتضي ترك القبائح، فلازم فرض قدرة الله على القيام بالقبائح إما جهله أو حاجته وكلاهما باطل، فالملزوم كذلك. في الجواب عن الاستدلال يجب أن يقال: إن اللازمين المذكورين – الجهل والحاجة - من لوازم وقوع الفعل القبيح من الله، وصرف قدرة الله على القيام بالقبائح لا يلزمه هذه اللوازم، لأنه كما مرَّ في تعريف القدرة أن القدرة على العمل لا تلزم القيام به، فإن الله في أنه قادر على هذه الأمور فهو لا يقوم بها أبداً لحكمته. بعبارة أخرى: بالنظر إلى الحكمة الإلهية يمتنع وقوع الفعل القبيح من الله، لكن هذه الامتناع لا ينافي قدرة الله على القيام به.[٢١]

القدرة الإلهية في الآيات والروايات

القرآن الكريم يعرِّف الله بعناوين مثل – قادر، قدير، ومقتدر – وأنه واجد لصفة القدرة، ويؤكد على عموم قدرته سبحانه، ولهذا ذكر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهناك في القرآن الكريم ما يشابه هذا التعبير عشرات المرات. نرى في بعض الآيات بعض التعابير التي يُمكن اعتبارها نوع استدلال على قدرة الله المطلقة؛ مثلاً: نقرأ في سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٢]، ومفاد هذه الآية الشريفة أن خلق العالَم وتدبيره من جملة علامات قدرته المطلقة. جاء في آية أخرى أن خلق السماوات والأرض يحكي عن قدرته على إحياء الموتى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[٢٣]. ذكرت أيضاً بيانات عاليات في باب عموم قدرة الله في روايات أهل البيت(ع)، مثلاً: ما جاء في الحديث عن الإمام الصادق(ع): «مُحيط بما خلق علماً وقدرة وإحاطة وسلطاناً وملكاً وليس علمه بما في الأرض بأقل مما في السماء، لا يبعد منه شيء، والأشياء له سواء علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً وإحاطة»[٢٤].[٢٥]

جواب الروايات عن الشبهات المتعلقة بالقدرة المطلقة

أجيب عن الشبهات المتعلقة بالقدرة المطلقة في بعض احتجاجات الأئمة(ع) ببيان سلس. نقرأ في رواية عن الإمام علي(ع) عندما سئل: «هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا فِي بَيْضَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصْغُرَ الدُّنْيَا أَوْ تَكْبُرَ الْبَيْضَةُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُنْسَبُ إِلَى الْعَجْزِ وَ الَّذِي سَأَلْتَنِي لَا يَكُونُ»[٢٦]. خلاصة جواب الإمام(ع) أن ما طُرح ضمن السؤال - يعني إدخال الدنيا في بيضة بدون تغير أبعادهما - أمر غيرممكن وهذا الأمر لا يعني عجز الله وعدم قدرته، بل هو ناشئ من أن مورد السؤال من المحالات الوقوعية ولا قابلية له للتحقق والموجودية أصلاً[٢٧].[٢٨]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٥.
  2. لذلك قالوا: إن القادر من إن شاء فعل وإن شاء ترك. أو (و إن لم يشأ لم يفعل).
  3. هذا الرأي منسوب إلى الأشاعرة، يمكن الرجوع إلى إرشاد الطالبين، ص۹۵.
  4. هذا الرأي أيضاً منسوب إلى الأشاعرة، يُمكن مراجعة المصدر السابق، ص۹۶.
  5. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٥-٢٣٦.
  6. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٦-٢٣٧.
  7. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٧-٢٣٨.
  8. غرر الحكم ودرر الكلم، ص۴۹۳.
  9. التوحيد، ص۱۳۴.
  10. سورة البقرة: ۲۰.
  11. سورة الفصلت: ۴۶.
  12. سورة الذاريات: ۵۶.
  13. البرهان، ج۲، ص۱۰۵۱.
  14. حق اليقين، ج۱، ص۲۳.
  15. السيد علي الحسيني الصدر، العقائد الحقة، ص: 123-143.
  16. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٨.
  17. لأنه يلزم في آنٍ واحد، أن يحتاج المعلول إلى العلة وأن لا يحتاج واجتماع الحاجة وعدم الحاجة، اجتماع نقيضين.
  18. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٣٩-٢٤١.
  19. نُسب هذا الرأي إلى النظام، يُمكن الرجوع إلى إرشاد الطالبين، ص۱۸۸ وشرح الباب الحادي عشر، ص۱۱.
  20. يُمكن الرجوع إلى: السيوري، إرشاد الطالبين، ص۱۸۸ و۱۸۹.
  21. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٤٢-٢٤٣.
  22. سورة الطلاق: ۱۲.
  23. سورة الاحقاف: ۳۳.
  24. المترجم: جاء في توحيد الصدوق ص۱۳۴: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّازِ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَظُنُّهُ مُحَمَّدَ بْنَ نُعْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ قَالَ كَذَلِكَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ قُلْتُ بِذَاتِهِ؟ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّ الْأَمَاكِنَ أَقْدَارٌ فَإِذَا قُلْتَ فِي مَكَانٍ بِذَاتِهِ لَزِمَكَ أَنْ تَقُولَ فِي أَقْدَارٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ وَ لَكِنْ هُوَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مُحِيطٌ بِمَا خَلَقَ عِلْماً وَ قُدْرَةً وَ إِحَاطَةً وَ سُلْطَاناً وَ مُلْكاً وَ لَيْسَ عِلْمُهُ بِمَا فِي الْأَرْضِ بِأَقَلَّ مِمَّا فِي السَّمَاءِ لَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْءٌ وَ الْأَشْيَاءُ لَهُ سَوَاءٌ عِلْماً وَ قُدْرَةً وَ سُلْطَاناً وَ مُلْكاً وَ إِحَاطَةً».
  25. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٤٣-٢٤٤.
  26. البحار، ج۴، ص۱۴۳.
  27. المترجم: جاء في كتاب القول الشارح: ولا ينافي هذا الجواب منه(ع) ما وقع(ع) منه من الجواب بغير ذلك، ونسبة ذلك إلى الإمكان مثل ما روي في التوحيد عن محمد بن أبي إسحاق، والكليني أيضاً عنه عن عدة من أصحابنا «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ أَتَى هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ أَ لَكَ رَبٌّ فَقَالَ بَلَى قَالَ قَادِرٌ قَالَ بَلَى قَادِرٌ قَاهِرٌ قَالَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي الْبَيْضَةِ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا فَقَالَ هِشَامٌ النَّظِرَةَ فَقَالَ لَهُ قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ عَلَيْكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): عَمَّا ذَا سَأَلَكَ فَقَالَ قَالَ لِي كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَا هِشَامُ كَمْ حَوَاسُّكَ قَالَ خَمْسٌ فَقَالَ أَيُّهَا أَصْغَرُ فَقَالَ النَّاظِرُ قَالَ وَ كَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ قَالَ مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا فَقَالَ يَا هِشَامُ فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَ فَوْقَكَ وَ أَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى فَقَالَ أَرَى سَمَاءً وَ أَرْضاً وَ دُوراً وَ قُصُوراً وَ تُرَاباً وَ جِبَالًا وَ أَنْهَاراً فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ فَانْكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رَأْسَهُ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ غَدَاً عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً وَ لَمْ أَجِئْكَ مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً فَهَاكَ الْجَوَابَ فَخَرَجَ عَنْهُ الدَّيَصَانِيُّ فَأُخْبِرَ أَنَّ هِشَاماً دَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) فَعَلَّمَهُ الْجَوَابَ». و مثلها ما رواه في التوحيد أيضاً عن البزنطي «قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الرِّضَا(ع) فَقَالَ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي بَيْضَةٍ قَالَ نَعَمْ وَ فِي أَصْغَرَ مِنَ الْبَيْضَةِ قَدْ جَعَلَهَا فِي عَيْنِكَ وَ هِيَ أَقَلُّ مِنَ الْبَيْضَةِ لِأَنَّكَ إِذَا فَتَحْتَهَا عَايَنْتَ السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ لَوْ شَاءَ لَأَعْمَاكَ عَنْهَا» لأنا نجيب عن ذلك بأنهما(ع) قد بينا (۲) هذا الاستدلال على وجوه يترتب عليها المخرج من ذلك الإيراد: الأول: أن يكون غرض السائل أنه هل يجوز أن يحصل كبير في صغير بنحو من أنحاء التحقيق فأجاب(ع) بأن له نحواً من التحقيق، وهو دخول الصورة المحسوسة المتقدرة بالمقدار الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة، أيّ مادتها الموصوفة بالمقدار الصغير، والقرينة على أنه كان مراده المعنى الأعم انه قنع بالجواب، ولم يراجع فيه باعتراض. الثاني: أن يكون المراد أن الذي يقدر على أن يدخل ما تراه العدسة فيها لا يصح أن ينسب إلى العجز ولا يتوهم فيه غير قادر على شيء أصلاً، وعدم قدرته على ما ذكرت ليس من تلقاء قدرته القصور فيها، بل إنما ذلك من نقصان ما فرضته، حيث إنه مُحال كما دل عليه الخبر المتقدم فليس له خط من الشيئية والإمكان، فالغرض من ذكر ذلك بيان كمال قدرته تعالى حتى لا يتوهم عجز فيه. الثالث: أن المعنى إنما ذكرت محال، وما يتصور من ذلك أنما هو بحسب الوجود الانطباعي وقد فعله فما كان من السؤال له محمل ممكن فهو تعإلي قادر عليه، وما أردت من ظاهرة، فهو محال لا يصلح التعلق القدرة به.
  28. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٤٣-٢٤٥.