نقاش:معرفة الصفات الإلهية

تمّ تبسیطه

تمهيد

من المسائل الأساسية في هذا الباب هو البحث عن جواب السؤال: هل يُمكن للإنسان أن يعرف صفات الله، أو أن الصفات هي كالذات الإلهية لا يُمكن للإنسان معرفتها أبداً؟ يرى البعض أن الوجه الثاني هو الصحيح ويدعي أن عقل الإنسان لا طريق له لمعرفة الصفات الإلهية، ويقول أن الشيء الوحيد الممكن هو أن نعترف إجمالاً بثبوت الصفات المذكورة في القرآن والروايات لله، ونؤمن بها بلا اطلاع على حقيقة معاني هذه الصفات. يسمى مسلك هذه الجماعة بالتعطيل ويسمى أتباعه بالمعطلة؛ لأنهم حكموا على العقل وإدراك الإنسان في حقل المعرفة بالصفات الإلهية بالتعطيل. وأهم أدلة أتباع هذا المسلك أن الإنسان ينتزع مفاهيم الصفات، كالعلم والقدرة والإرادة من أحواله الباطنية أو من خصوصيات الموجودات المحسوسة المُحيطة به، ولكن لا يحق لنا أن ننسب هذه المفاهيم لله؛ لأن الله لايشبه أي من الموجودات الأخرى، هو واجب الوجود المطلق في حال أن كل الموجودات ممكنة الوجود ومحدودة وناقصة، فلا يجوز لنا أن نسري المفاهيم الصفاتية لله ولأنه لا مفاهيم أخرى لدينا؛ بل إن كل ما لدينا هي تلك المفاهيم المأخوذة من الموجودات الإمكانية، فلا يمكننا إلا السكوت في باب معاني الصفات الإلهية، والاكتفاء بالتصديق الإجمالي لما ورد في القرآن والسنة.

هذه المجموعة أفرطت في تنزيه الله لذلك هي ترى عدم قدرة العقل البشري على معرفة الصفات الإلهية، في نظر بعضهم، فإن الحد الأكثر لدور العقل في توصيف الله تعالى هو أن نسلب عن الذات الإلهية تلك المفاهيم والصفات التي تحكي نقص ومحدودية، معنى ذلك أن قولنا: الله عالم أو الله قادر لا يعني أكثر من أن الله ليس بجاهل ولا عاجز؛ بعبارة أخرى: الحقيقة التي تُبيَّن في قالب صفات ثبوتية ليست إلا سلب بعض المفاهيم العدمية الدالة على نقص وضعف الذات الإلهية، فلا يتمكن العقل أن يثبت وصفاً الله وأن يجد مدخلاً لدرك الحقائق المتعلقة بالذات الإلهية، بل إنه صرفاً يحكم بأن الذات المتعالية منزهة عن كل نقص ومحدودية. من الجدير بالذكر أن أهل التعطيل بالإضافة إلى أنهم يتوسلون بالاستدلالات العقلية لإثبات مذهبهم، فإنهم يرون أيضاً أن هناك قسماً من آيات القرآن الكريم يشهد على صدق مدعاهم. في قبال مذهب التعطيل، نجد أكثر المتكلمين المسلمين يعتقدون بأن العقل الإنساني بإمكانه أن يمس معاني الصفات الثبوتية الإلهية وأن يعرف الله بصفاته وهم ينقسمون إلى جماعتين: الجماعة الأولى لا ترى اختلافاً جدياً وأساسياً بين صفات الله وصفات المخلوقات ويعتقدون أن الصفات التي يُمكن أن تطلق على الله وعلى مخلوقاته، كالإنسان لها معنى واحد مشترك ومتساوي في الإطلاقين. هذه الجماعة لأنها تُشبه صفات الله بمخلوقاته ولا ترى اختلافاً بينهما، لذلك عُرفت باسم (أهل التشبيه أو المشبِّهة)، جماعة منهم وصلوا إلى حد أن قالوا: إن الله موجود جسماني له أعضاء وجوارح، هذه الجماعة تتمسك بالآيات لتأييد مسلكها خاصة تلك الآيات التي تدل أن لله يداً ورجلاً وعيناً حسب ظاهرها.

أما الجماعة الثانية فإنهم يعتقدون بأنه مع إمكانية معرفة صفات الله وتحصيل معانيها لكن هذا الأمر لا يعنى أن صفات الله تستعمل بنفس المعنى المطلق على باقي الموجودات، هذا الرأي يبطل مذهبي التعطيل والتشبيه!، والحق أنه يُمكن أن نفسر الصفات الإلهية تفسيراً معقولاً بدون أن نسقُط في التشبيه؛ بعبارة أخرى: أن نوجِد طريقاً متوسطاً بنحو معقول بين تنزيه الله عن النقائص ومحدوديات مخلوقاته وبين إمكان معرفته عن طريق الصفات وهذان الأصلان يُمكن جعلهما جنباً إلى جنب. في الواقع المعطلة أرادوا حفط تنزيه الله فأنكروا قدرة البشر على معرفته، وأهل التشبيه بدون التوجه إلى أصل التغايُر بين الخالق والمخلوق وبدون اعتبار الخصوصيات الوجودية لله، مثل: وجوب الوجود وعدم المحدودية و... التي تميزه بالكامل عن سائر الموجودات، فقد جعلوه مثل وشبيه مخلوقاته ومن هنا فإن كِلا هاتين الجماعتين على خطأ، فالرأي الصحيح هو أن الإنسان يُمكنه أن يعرف الله عن طريق صفاته الثبوتية! الإنسان وإن لم يكن لديه معرفة بكنه ذات الباري تعالى لكنه قادر من خلال الصفات أن ينال قسماً (و إن كان محدوداً وناقصاً) من خصوصيات تلك الذات المقدسة.[١]

نقد نظريتي التعطيل والتشبيه

قبل إتمام البحث من المناسب أن نسلط الضوء باختصار على إشكالات مسلكيّ التعطيل والتشبيه. كما ألمعنا سابقاً أن كل من أتباع هذين المسلكين يتمسك بآيات من القرآن الكريم تؤيد ادعاءه، سنترك البحث والتحقيق في الآيات المذكورة إلى بحث القرآن وتوصيف الله ونُشير هنا باختصار إلى ضعف المباني غير النقلية لهذين المسلكين، من الواضح أننا إذا استطعنا أن نعرض نظرية في باب الصفات الإلهية بحيث، أولاً: تعطي مفاهيم معقولة للصفات الإلهية تتناسب والفهم العام للناس من هذه الصفات، وثانياً: لا تورد أي خدشة على تنزه وتقدس الله والغيرية المطلقة لله، فإن مسلك التعطيل سوف ينسحب من الساحة تلقائياً، لأن ذهن البشر يأخذون معاني الأوصاف من مصاديق ممكنة الوجود ابتداءً، كما أن أيَّ محاولة لتسرية هذه المعاني الله ونسبتها إلى الذات الإلهية لا يتناسب مع تنزه وتقدس الله، وينتهي إلى نوع من التشبيه. لكن إذا ذكرنا نظرية يُمكنها أن تُفسر بشكل ما معاني صفات الله بحيث لا تخدش تنزّهه ولا تستلزم تشبيه الله بمخلوقاته، فمن الطبيعي أن يبطل مسلك التعطيل. وكما سوف نذكر في الأبحاث الآتية إنه توجد هكذا نظرية وإجمالها أنا يُمكننا ابتداءً أن نجرد معاني صفات موجود من الموجودات من كل القيود والخصوصيات التي توجب نوعاً من النقص والمحدودية ولا تتناسب مع الذات الإلهية، ثم وبعد تجريدها ننسبها الله (سوف يأتي توضيح أكثر لهذه النظرية في بحث تبيين معاني الصفات الإلهية)، بالإضافة إلى هذا، توجد أدلة وشواهد عديدة تنفي مسلك التعطيل، من نُشير هنا إلى بعضها: يأمر القرآن الكريم الإنسان بالتدبر والتأمل في آياته جهة ومن جهة أخرى فإن هناك عدة آيات تتكفل بيان أوصاف وأسماء الله، مثلاً: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٢] فهل أن التدبر في هذه الآيات وفي العشرات من الآيات المشابهة لها يحصل بمجرد الاكتفاء بقراءتها وعدم درك معاني الصفات التي ذُكرت فيها؟ إذا كان كما يعتقد أهل التعطيل أننا نحن البشر لا نفهم أي شيء من كل الصفات الإلهية فما معنى الأمر بالتدبر في هكذا آيات؟ يمكن القول أن أسلوب القرآن في الذكر المتكرر للصفات الإلهية لا يتناسب مع نظرية التعطيل ويشهد على بطلانها.

الهدف النهائي لنظام التكوين والتشريع في الإسلام هو تكامل الناس في مسير عبودية الله والآيات، مثل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٣]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ[٤] وأمثالها، تؤكد ذلك، ومن الواضح أيضاً أنه لا معنى لعبادة موجود لا يُمكن معرفة ذاته وصفاته مطلقاً، بل لا يُمكن تكوين علاقة مع هكذا موجود أبداً أو البحث عن قربه، مثلاً: كيف يُمكن أن نتوكل على من لا ندرك أي معنى لقدرته؟ الحاصل أن إيجاد علاقة العبودية مع الله المتعال بدون معرفة صفاته الكمالية أمر غيرممكن ولا معنى له. في حال أن الهدف النهائي للخلق هو إيجاد هذه العلاقة من جهة الإنسان وتكامله في هذا الطريق، فليس لمسلك التعطيل مبنى عقلي مُحكم ومعقول ولا يتناسب مع الشواهد الدينية المختلفة، فكما أشرنا أنه حسب الظاهر كان الهدف الحقيقي للميل إلى هذا المسلك هو عدم قدرة أتباعه على الجمع بين تنزيه الله والفهم المقبول لصفاته[٥].

أما بطلان مسلك التشبيه فهو أوضح بكثير، فنظرية التشبيه لا تنسجم مع صفات الله السلبية ومن هنا فإن الأدلة المقامة على الصفات السلبية الله كلها تشهد على بطلان هذا المسلك، سوف نُشير إلى بعض هذه الأدلة في بحث الصفات السلبية.[٦]

طرق معرفة الصفات الإلهية

اتضح حتى الآن أن الطريق الوحيد للمعرفة الحصولية للإنسان بمعبوده هو معرفة صفات الذات الإلهية. الآن يجب أن نرى ما هي الطرق الأصلية للحصول على هكذا معرفة، ومن أي طريق يُمكن التعرف على صفات الله.

الطريق العقلي

العقل، كما أنه يساعد في التصديق بأصل وجود الله وإثبات القضية الله موجود، بإمكانه أيضاً أن يُساعد الإنسان في التعرف على صفات الله، وذلك بالاستفادة من المفاهيم والقواعد الخاصة، أن يثبت ابتداءً اتصاف الله بكل الصفات الكمالية بنحو إجمالي، ثم يفصل في تشريح معنى كل صفة ومعانيها التي تنسب الله، لاحظنا في بحث أدلة إثبات الله أنه يُمكن بالاستفادة من بعض الأدلة والبراهين العقلية إثبات وجود الله بعنوان واجب الوجود وعلة العلل، لكن لا تنتهي حركة العقل في هذه النقطة، بل بالتأمل في الصفات الأولية لله مثلاً: عندما نتأمل في حقيقة وجوب الوجود نجد أن واجب الوجود لا يُمكن أن يكون مركباً من أجزاء خارجية؛ لأن كل مركب محتاج إلى أجزائه والحاجة إلى الغير لا تلائم واجب الوجود، فالعقل - بالتأمل في الصفات الأولية ولوازمها - يثبت إحدى الصفات الثانوية للواجب يعني الصفة السلبية (نفي التركيب)[٧]. وسنستعمل نفس هذا الأسلوب في الأبحاث التالية وفي مقام تفصيل بعض صفات الله، كما أن أسلوبنا في إثبات أنحاء التوحيد قد أُحكم على هذا الأساس.

بعبارة أخرى: الأدلة العقلية التي تثبت أقسام التوحيد المختلفة (لأنها ترجع إلى إثبات بعض الصفات – السلبية أو الثبوتية - لله) هي مثال لاستعمال الطريق العقلي لإثبات وتبيين صفات الله.

التأمل في الكون

طريق آخر لمعرفة صفات الله هو التأمل في خصوصيات هذا العالم والتدبر في النظام التكويني للعالم، ومن خلال المشاهدة والتدبر يُمكن للإنسان أن يتعرف على بعض الصفات الإلهية، مثلاً: بالتأمل في النظام العام للعالم والأحكام الحاكمة على الظواهر وغائية كل الوجود يُمكن التعرف على صفات، مثل: الحكمة والعلم الإلهي. كذلك دليل النظم الذي سبق وأن أشرنا إليه في بحث أدلة إثبات الله (من جهة أن يذكر كطريق لإثبات صفة الحكمة كما أنه يُمكن أن يذكر كطريق إثبات توحيد الخالق على أساس التمعن في وحدة نظام العالم) وهو مثال آخر لاستعمالات هذه الطريق. جدير بالذكر أن هذا الطريق في الحقيقة يُثمر باستعمال القواعد العقلية وليس مستقلاً عن العقل بالكامل، والفارق الأساسيبين الطريقين هو أنه في الطريق الأول كل المقدمات قضايا عقلية محضة لكن في الطريق الثاني تؤخذ بعض المقدمات من مشاهدة العالم الخارجي؛ بعبارة أوضح: تسمية الطريق الأول بالطريق العقلي لا يعني أننا لا نحتاج إلى العقل في الطريق الثاني! أبداً، بل المقصود من ذلك أنه في الطريق الثاني خلاف الطريق الأول تستعمل بعض المقدمات غير العقلية أو التجربية. الطريق الثاني، بالإضافة إلى كثرة ذكره في القرآن والروايات كان أيضاً مورد توجه المتكلمين المسلمين.

مراجعة القرآن والروايات المعتبرة: بحث الصفات الإلهية من الأبحاث الكلامية التي يُمكن الاستفادة حين البحث فيها من الطريق النقلي، بالإضافة إلى الطريق العقلي، بعد الاعتقاد بوجود الله وإثبات رسالة الرسول(ص) واصطفائه من قبل الله وإثبات بعض الصفات الإلهية التي يُعتمد عليها لإثبات اعتبار حجية القرآن[٨]، يمكن معرفة الكثير من صفات الله بمراجعة متن الوحي. كما ألمحنا سابقاً أن القرآن وروايات قادة الإسلام وضعوا في اختيار الناس حقائق ومعارف عالية في بحث معرفة الله، المعارف التي حتى العقل البشري إذا خُلِّي وحده لا يُمكنه إدراكها أو أنه لا يدركها إلا بتحمل الصعاب. تعاليم الإسلام كانت منبع إلهام الفلاسفة والمتكلمين لقرون في باب معرفة صفات الله وأفعاله. وحتى الآن في كثير من الطيات العميقة لهذا البحث لم تكشفها العقول الآدمية المحدودة.

المشاهدة القلبية والباطنية

و هو طريق آخر وضع للبشر لمعرفة صفات الله سبحانه، طريق المشاهدة القلبية والكشف والشهود الباطني. الإنسان في استكماله الروحي والمعنوي يصل إلى مرحلة يُمكنه فيها مشاهدة جمال الله وجلاله بعين القلب ويرى مظاهر صفاته الكمالية، هذا الطريق يختلف عن الطرق الأخرى سابقة الذكر من حيث العمومية؛ لأن الشهود القلبي والباطني للأسماء والصفات الإلهية يحتاج إلى روحية خاصة، فلا يحصل إلا في ظل تحقق مراتب عالية من التقوى والإيمان، فإن هذا الطريق يختص بعدد محدود من الناس ولا ينتفع منه عامة الناس أو أن منفعتهم منه قليلة، ولكن الطرق السابقة لها أعم والدخول فيها أسهل ويحتاج إلى مقدمات أقل.[٩]

الله واجد لكل الصفات الكمالية

مرَّ سابقاً أن العقل قبل الإثبات والتبيين التفصيلي لصفات الله، فإنه إجمالاً يحكم بأن الله واجد لكل الصفات الكمالية؛ بعبارة أخرى: يمكن بالاستناد إلى الصفات الأولية لله - مثل وجوب الوجود وعلة العلل (مبدء علة الوجود) - عقلاً إثبات أن كل وصف حاكٍ عن كمال وجود - بنحو غير محدود وخالٍ عن أي شائبة نقص ومحدودية - ثابت لله. هنا نذكر تقريرين لهذا الاستدلال العقلي، تعتمد هذه الأدلة على مجموعة من الأصول والقواعد الفلسفية التي أُثبتت في أبحاث الفلسفة الإسلامية وهنا يُستفاد منها في مقدمات الاستدلال.

الدليل الأول:

يُمكن تقريره كالآتي:

  1. الصفات مثل: العلم، القدرة، الإرادة، الحياة و... من الصفات الكمالية؛ لأن العقل يحكم بوضوح أن العلم مثلاً مقارنة بالجهل فهو كمال والجهل بالمقارنة مع العلم فهو نقص.
  2. الموجود من جهة أنه موجود (بما هو موجود) يُمكن أن يكون واجداً لتلك الصفات؛ بعبارة أخرى من الواضح أن حيثية الموجودية لا تتنافى مع الاتصاف بالأوصاف المذكورة وإذا كان هناك بعض الموجودات التي تفتقد الكمالات فليس ذلك بسبب موجوديتها، بل لخصوصية زائدة على الموجودية كمادية النشأة. على كل تقدير، فإن اتصاف بعض الموجودات بهذه الكمالات دليل على إمكان اتصاف الموجود بهذه الأوصاف من حيث أنه موجود.
  3. الحق تعالى وجود محض، ولا ماهية (بمعنى حد الوجود) له على هذا فإن اتصاف الله (بما أنه موجود) – حيث أنه لا خصوصية زائدة له على الموجودية - بهذه الأوصاف أمر ممكن[١٠].
  4. على أساس القاعدة الفلسفية، كل وصف ممكن (بالإمكان العام) الواجب الوجود فإنه يثبت له بنحو الضرورة[١١] ونتيجة ذلك أن اتصاف واجب الوجود بكل الصفات الكمالية هو أمر ممكن، إذن: هذه الصفات يتصف بها واجب الوجود على نحو الضرورة. وهكذا يثبت اتصاف الله بالضرورة لكل الصفات الكمالية (الصفات التي يعدها العقل من كمالات الموجودات)، في هذا الإستدلال تمّ الاعتماد على صفة (وجوب الوجود) وأحكامه ولوازمه، ويثبت بذلك كل الصفات الكمالية لله سبحانه[١٢].

الدليل الثاني:

يعتمد هذا الدليل على وصف الله ب(علة العلل) وتقريره باختصار:

  1. الله هو العلة الإيجادية لكل الموجودات وكل الموجودات الممكن هي معلولة له.
  2. على أساس القاعدة الفلسفية في باب العلية، العلة الإيجادية تملك كل كمالات معلولها بنحو أتم وأكمل يعني أن كل مرتبة كمالية في المعلول تكون في العلة في مرتبة أكمل وأعلى.
  3. على هذا الأساس الله هو علة العلل للوجود، فهو واجد لكل الكمالات الموجودة في معلولاته بنحو أتم وأكمل.
  4. ولأن الأوصاف الكمالية كالعلم والقدرة والحياة و... موجودة في العالم فتوجد المراتب الأكمل لهذه الصفات في ذات الله، إذن: الله واجد المراتب الأتم والأكمل لكل الأوصاف الكمالية.

و بالتوجه إلى أن الله العلة الإيجادية لكل الموجودات وبالتأمل في بعض أحكام العلية يثبت أن الله واجد كل الصفات الكمالية.[١٣]

معنى الصفات الإلهية

من أهم المسائل المتعلقة بالصفات الإلهية تفسير معاني الأوصاف الثبوتية لله والسؤال الأساسي هو ما المعنى الدقيق لألفاظ مثل (العالم)، (القادر) في العبارة (الله عالم والله قادر)؟ وبعبارة أخرى: ما هو المعنى الدقي للعلم الإلهي والقدرة الإلهية...؟ هل أن المقصود من العلم والقدرة هنا هو نفس المعنى والمفهوم في قولنا: (علي عالم) و(حسن قادر) أم أن هناك معنى آخر؟ الجواب عن هذا السؤال صعب فلو اخترنا المعنى الأول فإننا جعلنا الله في صف المخلوقات وهذا هو التشبيه، والحال أن المقام الربوبي منه من أي مشابهة ومماثلة بالموجودات الأخرى وإذا اخترنا المعنى الثاني فيلزم علينا نتعهد ببيان ذلك المعنى الآخر بشكل معقول يتناسب مع أصول التأويلات ونظرية المعرفة والفلسفة؛ بعبارة أوضح: أي معنى نطرحه في الصفات الإلهية يجب أن يتناسب مع الإستعمالات اللغوية والألفاظ الدالة على الأوصاف من جهة ولا يتعارض مع فهم عموم الناس من الأوصاف المذكورة من جهة أخرى، بالإضافة إلى تأييده من قبل الأصول الفلسفية والكمالية. قد ألمحنا أن هناك من لم يستطع أن يُفسر الأوصاف الثبوتية للواجب تفسيراً مناسباً بحيث لا ينتهي بتشبيه الخالق والمخلوق فقد اعتقد بأن العقل معطل في معرفة الله فسلك مسلك التعطيل. الآن يجب أن نرى هل أنه فعلاً لا يوجد أي طريق للتفسير المعقول للصفات الإلهية؟ طُرح هذا السؤال بين المتكلمين من القِدم وظهرت عدة نظريات مختلفة في هذا الموضوع ونحن هنا سنوضح نظرية واحدة فقط والتي ذكرت في كلمات جماعة من الفلاسفة والمتكلمين المسلمين والتي نراها قابلة للاستعمال.

خلاصة هذه النظرية أننا في البداية نجد في أنفسنا والموجودات من حولنا صفات مثل العالم، القدرة، الحياة، ... بالإضافة إلى ذلك ندرك أن هذه الأوصاف من الكمالات الوجودية بالمقارنة بأمور مثل الجهل، الضعف و... تُعدّ نوع من الكمال. في هذه الحالة يجب أن نتأمل أولاً في المعاني التي نفهمها من هذه الأوصاف الكمالية ونعرف كل القيود واللوازم التي توجب محدوديتها، في المرحلة التالية يلزم إلغاء وحذف القيود المذكورة من معاني هذه الصفات، وبعبارة أخرى: نُجرد المعنى من كل قيد يسبب محدوديته وسوف نحصل على معنى يحكي عن الكمالات الوجودية من جهة ولا طريق للنقص فيه من جهة أخرى.

مثلاً: نحن عن طريق المعرفة الباطنية والتأمل في الأشياء من حولنا نحصل على مفهوم (العلم) والتي يُعبّر عنه بالعلم أو بالمفاهيم المتشابهة[١٤] ولكن هذا العلم محصور محدود مقيد بقيود عديدة، فمن جهة هو حادث - بمعنى أنه لم يكن موجوداً، ومن جهة أخرى هو في معرض الزوال والفناء، بالإضافة إلى ذلك قسم من هذا العلم نتوسل بوسائل وأدوات للوصول إليه وبالتالي يحتمل الوقوع في الخطأ! القيود المذكورة (الحدوث، إمكان الزوال، الحاجة إلى الأدوات والوسائل، إمكانية الخطأ و...) كلها تسبب محدودية العلم، في هذه الصورة - كما أشرنا سابقاً - يلزم أولاً تجريد مفهوم العلم عن كل هذه القيود وبعد ذلك نستعمله للإشارة إلى العلم الإلهي. وهكذا يمكن استعمال الأوصاف الكمالية وإطلاقها على الله تعالى بمعنى معقول ومتناسب مع المقام الإلهي.[١٥]

توقيفية الأسماء والصفات الإلهية

يعتقد جماعة من المتكلمين المسلمين أن الأسماء والصفات الإلهية توقيفية، المقصود من توقيفيتها: في مقام تسمية وتوصيف الله فإنه يجب الإكتفاء بما جاء في القرآن والروايات المعتبرة، وما ذكر بعنوان اسم أو صفة لله ولا حق لنا أبداً أن نستعمل ألفاظاً أخرى. في الواقع مبنى الاعتقاد أن تسمية وتوصيف الله منوط بإذن الشارع ولا يُمكن للعقل أن يبادر بهذا العمل على نحو الاستقلال. في الطرف الآخر يعتقد جماعة بعدم توقيفية الأسماء والصفات الإلهية ولهذا لا إشكال في استعمال اسم أو صفة لم تذكر صريحاً في القرآن والروايات بشرط أن لا يتضمن معناها أي نقص ومحدودية. بالتوجه إلى البحث (تبيين معنى الصفات الإلهية) وبالاعتناء بخصوصيات أوصاف الله والتي منها الخلو من أي نقص ومحدودية يتضح أن العقل يجوز توصيف الله بأي صفة مع مراعاة الخصوصيات المذكورة ولذلك لا يوجد لدينا أي دليل عقلي على توقيفية الصفات الإلهية. وأتباع هذه النظرية لم يتمسكوا بأدلة عقلية لإثبات المدعي، بل عمدة استدلالهم قائم على بعض الآيات القرآنية مثل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[١٦]، قيل في التمسك بهذ الآية أن المقصود من الإلحاد في ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ[١٧] أن الإنسان يُسمي الله بأسماء غير (الأسماء الحسنى) المذكورة في أول الآية، ولأن هذا العمل كان مورد توبيخ شديد فثبت صحة نظرية توقيفية الأسماء الإلهية[١٨]. بالإضافة إلى ذلك نُهي في روايات عديدة عن توصيف الله بغير ما جاء في القرآن، مثلاً: يقول الإمام الكاظم(ع): «إِنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْلَغَ كُنْهُ صِفَتِهِ فَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَ كُفُّوا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ»[١٩]، بالتوجه إلى تعدد هذه الروايات يستنتج عموم المحققين أنه حتى لو لم نقطع بنظرية توقيفية الصفات والأسماء الإلهية، فالاحتياط لا أقل يقتضي اجتناب استعمال الأسماء التي لم تُذكر في القرآن والروايات.[٢٠]

المراجع والمصادر

  1.   محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ١٩٩-٢٠١.
  2. سورة الحشر: ۲۲-۲۴.
  3. سورة الذاريات: ۵۶.
  4. سورة النحل: ۳۶.
  5. يرى بعض العلماء المعاصرين أن خطأ المعطلة الأساسي هو خلطهم بين المفهوم والمصداق وما لا يُمكن للإنسان إدراكه هو مصداق الصفات الإلهية، في حال أن المفاهيم يُمكن إدراكها ومعرفتها بشكل مفصل وكامل، أما أتباع مذهب التعطيل فقد أجروا حكم المصداق إلى المفهوم. يُمكن الرجوع إلى: معارف القرآن، ج۱-۳، ص۹۰-۹۲.
  6. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٢٠١-٢٠٤.
  7. المحقق نصيرالدين الطوسي في كتاب تجريد الاعتقاد استعمل نفس هذا الأسلوب للإثبات التفصيلي لبعض الصفات الإلهيه الثبوتية والسلبية، فيقول (و وجوب الوجود يدل على سرمديته ونفي الزائد والشريك والمثل والتركيب بمعانيه والضد والتحيز والحلول والاتحاد والجهة وحلول الحوادث فيه والحاجة والألم مطلقاً واللذة المزاجية والمعاني والأحوال والصفات الزائدة عيناً والرؤية... وعلى ثبوت الجود والملك والتمام وفوقه والحقية والخيرية والحكمة والتجبر والقهر والقيومية). كشف المراد، ص٣١۴-٣٢۶.
  8. صفة (الصدق) إحدى تلك الصفات، لأنه ما لم يثبت صدق الله في كلامه (الوحي) لا يُمكن الإذعان بحقانية مطلق القرآن.
  9. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٢٠٤-٢٠٧.
  10. المقصود بالإمكان هنا هو الإمكان العام لا الخاص وكما تم بيانه في الأبحاث المنطقية والفلسفية فالإمكان العام ينسجم مع الوجوب والضرورة ولذلك فلا تنافي بين الحكم بإمكان هذه الصفات الله وضرورتها.
  11. على أساس القاعدة الفلسفية: (كل ما ثبت للواجب تعالى بالإمكان العام، ثبت له بالضرورة).
  12. للحصول على تقرير هذا الدليل بالكامل، يُمكن مراجعة: اللاهيجي، سرمايه إيمان، ص۴۹ و۵۰.
  13. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٢٠٧-٢٠٩.
  14. سيأتي في بحث العلم الإلهي أن الحكماء يرون أن حقيقة العلم ليس إلا حضور المعلوم عند العالم
  15. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٢٠٩-٢١١.
  16. سورة الأعراف: ۱۸۰.
  17. سورة الأعراف: ۱۸۰.
  18. خالف العلامة الطباطبائي هذا المعنى، يُمكن الرجوع إلى: الميزان، ج۸، ص۳۷۵.
  19. البحار، ج۳، ص۲۶۶؛ الشيخ الكليني، الكافي، ج۱، ص۱۰۲، جمع الشيخ الكليني عدة أحاديث بهذا الخصوص تحت عنوان (النهي عن الصفة).
  20. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٢١١-٢١٣.
عُد إلى صفحة "معرفة الصفات الإلهية".