معرفة الصفات الإلهية في علم الكلام
معرفة الله عن طريق صفاته
الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله؛ لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان ذاته المقدّسة.
أدلة إمكان معرفة صفات الله تعالى[١]
- جعل الله تعالى «صفاته» سبيلاً ليتعرّف العباد عليه، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود.
- ذكر الله تعالى صفاته في كتابه وسنّة نبيه لكي يتدبّر فيها العباد بعقولهم. فلو كانت معرفة صفات الله أمراً غير ممكن، لكان ذكر هذه الصفات في القرآن والسنّة والتحريض على التدبّر فيها لغواً يتنزّه عنه تعالى.
- ما لا يمكن معرفته هو الذات الإلهية، والنهي الذي ورد في بعض الأحاديث واقع على هذه المعرفة، لا على معرفة الصفات التي هي مفاهيم منتزعة من الذات.[٢]
مدى معرفته تعالى عن طريق معرفة صفاته
القول بأنّ صفات الله هي السبيل لمعرفة الله لا يعني أنّ هذه الصفات قادرة على بيان كنه وحقيقة الذات الإلهية، بل هذه الصفات مفاهيم وُضِعت لترشد العباد ـ بمقدار وسعها المحدود ـ إلى معرفة الله الإجمالية. وما هو «محدود» لا يمكنه الكشف الكامل عما هو «غير محدود».[٣]
أحاديث أهل البيت(ع) في هذا المجال
- قال الإمام محمّد بن علي الجواد(ع): «الأسماء والصفات مخلوقات»[٤].
- قال الإمام علي(ع): «لا وصف يحيط به»[٥].
- قال الإمام علي(ع): «الله أجلّ من أن يدرك الواصفون قدر صفته التي هو موصوف بها، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله عن أن يدرك الواصفون صفته علواً كبيراً»[٦].
- قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليهما السلام): «إنّ الله أعلا وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته»[٧].
ومن هذا المنطلق ذهب بعض علمائنا الأعلام إلى القول بأنّه:
ليس المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم كنه وحقيقة الذات الإلهية؛ لأنّ هذا الفهم غير ممكن.
بل المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم هذه الحقيقة بأنّه تعالى منزّه عن الاتّصاف بضدّ هذه الصفات.
مثال ذلك:
«العلم» صفة من صفات الله، ويفهم الإنسان من هذه الصفة معنى معيّناً، ولكن الإنسان من المستحيل أن يعرف كنه وحقيقة معنى «علم الله».
فإذا قيل: ما هو معنى كنه وحقيقة «العلم» الذي تصفون به الله ؟
فالجواب الصحيح: المقصود من «العلم» في هذا المقام: «نفي الضدّ»، أي: «نفي الجهل».
بعبارة أخرى: ما يكشف لنا مفهوم «العلم» عن كنه ذات الله أنّه منزّه عن الجهل. وإلاّ فمن المستحيل للعقل البشري معرفة كنه وحقيقة علم الله تعالى.[٨]
أقوال العلماء في هذا المجال
- قال الشيخ الصدوق: «كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته، فإنّما نريد بكلّ صفة منها نفي ضدّها عنه عزّ وجلّ»[٩].
- قال المحقّق السيوري: «ليس من المعقول لنا من صفاته إلاّ السلوب...»[١٠].
- قال العلاّمة المجلسي: «[ يجب ] نفي تعقّل كنه ذاته وصفاته تعالى... لمّا كان علمه تعالى غير متصوّر لنا بالكنه، وأنّا لمّا رأينا الجهل فينا نقصاً نفيناه عنه، فكأنّا لم نتصوّر من علمه تعالى إلاّ عدم الجهل، فإثباتنا العلم له تعالى إنّما يرجع إلى نفي الجهل لأنّا لم نتصوّر علمه تعالى إلاّ بهذا الوجه»[١١].
- قال السيّد عبد الله شبر: «المقصود من الصفات الثبوتية نفي أضدادها، إذ صفاته تعالى لا كيفية لها ولا سبيل إلى إدراكها»[١٢].
تنبيه:
القول بنفي الضدّ عند تفسير صفات الله الثبوتية والكمالية لا يعني نفي هذه الصفات عنه تعالى، وإنّما هو ناظر إلى أمر تعقّل وإدراك هذه الصفات الإلهية.[١٣]
توقيفية صفات الله تعالى
لا يجوز توصيف الله إلاّ بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه أو عن طريق حججه من خلفاء نبيّه، وبهذا تطابقت الأخبار عن آل محمّد(ع) وهو مذهب الإمامية[١٤].[١٥]
أحاديث أهل البيت(ع) حول توقيفية صفات الله تعالى
- قال الإمام علي(ع): «ما دلّك القرآن عليه من صفته [ عزّ وجلّ ] فاتّبعه، ليوصل بينك وبين معرفته، وأتمّ به، واستضىء بنور هدايته... وما دلّك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه، ولا في سنّة الرسول وأئمة الهدى أثره، فكِل علمه إلى الله عزّ وجلّ، فإنّ ذلك منتهى حقّ الله عليك»[١٦].
- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «... إنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله جلّ وعزّ... ولا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان»[١٧].
- قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع): «... صفوه [ عزّ وجلّ ] بما وصف به نفسه، وكفّوا عمّا سوى ذلك»[١٨].
- قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع) لأحد أصحابه: «لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى في كتابه فتهلك»[١٩].
- قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع): «إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا وصفه الواصفون، وتعالى عمّا ينعته الناعتون»[٢٠].
- قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع): «سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك... اللهم لا أصفك إلاّ بما وصفت به نفسك»[٢١].
- قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع): لأحد أصحابه حول توصيف الله تعالى: «لا تجاوز ما في القرآن»[٢٢].
- قال الإمام علي بن موسى الرضا(ع): «من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله»[٢٣].[٢٤]
صحّة توصيف الله تعالى بأنّه شيء
- سئل الإمام محمّد بن علي الباقر(ع): أيجوز أن يقال: إنّ الله عزّ وجلّ شيء؟ قال(ع):«نعم يخرجه عن الحدّين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه»[٢٥].
- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع) حول الله تعالى: «هو شيء بخلاف الأشياء، أرجع بقولي: «شيء» إلى إثبات معنى وأنّه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنّه لا جسم ولا صورة...»[٢٦].
- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): «كلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله تعالى فهو مخلوق»[٢٧].[٢٨]
أقسام صفات الله تعالى
- الصفات السلبية (الجلالية) (التنزيهية): وهي الصفات التي يجب سلبها عن الله تعالى؛ لأنّها صفات نقص ولا تليق بالله تعالى، من قبيل: الاحتياج، التركيب، والتجسيم.
- الصفات الثبوتية (الجمالية) (الكمالية): وهي الصفات الثابتة لله تعالى، والمثبتة له كلّ وصف يعدّ كمالاً له تعالى.
وتنقسم صفات الله الثبوتية إلى قسمين[٢٩]
- الصفات الذاتية: وهي الصفات التي يكون ثبوتها لله تعالى من خلال لحاظ الذات الإلهية فقط، ومن دون لحاظ أي شيء آخر. مثال ذلك: الحياة، العلم، القدرة.
- الصفات الفعلية: وهي الصفات التي يكون ثبوتها لله تعالى من خلال لحاظ الأفعال الإلهية. أي: هي الصفات التي يتّصف بها الله من خلال الأفعال الصادرة عنه . مثال ذلك: الخالق، الرازق، الغافر.[٣٠]
وتنقسم صفات الله الذاتية إلى قسمين
- حقيقية محضة: وهي الصفات الذاتية التي لا يعتبر في ثبوتها لله لحاظ أيّ شيء. ومثالها صفة الحياة.
- حقيقية ذات إضافة: وهي الصفات الذاتية التي لا يعتبر في ثبوتها لله لحاظ أيّ شيء، ولكنّها تتطلّب في تأثيرها الخارجي لحاظ أمر إضافي. ومثالها صفة القدرة والعلم حيث لا يتحقّق أثرهما إلاّ بوجود مقدور ومعلوم.[٣١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: مفاهيم القرآن، جعفر سبحاني: 6 / 9.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص52.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص52.
- ↑ الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، كتاب التوحيد، باب معاني الأسماء واشتقاقها، ح 7،ص 116.
- ↑ التوحيد، الشيخ الصدوق، ب 2، ح 26، ص 69.
- ↑ المصدر السابق: باب 34، ح 1، ص 233.
- ↑ الكافي: الشيخ الصدوق: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 1، ص 100.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص53-54.
- ↑ الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ الصدوق: باب الاعتقاد في صفات الذات وصفات الأفعال، ص7 .
- ↑ الباب الحادي عشر، للعلاّمة الحلّي، شرح: مقداد السيورى: الفصل الثالث، ص 49.
- ↑ بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج4، أبواب أسمائه تعالى، باب 1، ذيل ح 1، ص 157.
- ↑ حق اليقين، عبد الله شبر: كتاب التوحيد، الفصل الثالث، ص 41.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص54.
- ↑ انظر: أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول 19: القول في الصفات، ص 53.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص55.
- ↑ التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 2، ح 13، ص 55.
- ↑ الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 1، ص 100.
- ↑ الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 6، ص 102.
- ↑ التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 3، ح 32، ص 74.
- ↑ المصدر السابق: باب 2، ح 18، ص 60.
- ↑ الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 3، ص 101.
- ↑ المصدر السابق، ح 7، ص 102.
- ↑ بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 4، كتاب التوحيد، باب 5، ح 31، ص 53.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص55-56.
- ↑ التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 7، ح 1، ص 101 ـ 102.
- ↑ الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، باب إطلاق القول بأنّه شيء، ح 6، ص 83 .
- ↑ المصدر السابق، ح 5، ص 83 .
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت، ص56-57.
- ↑ انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: صفات الله، فصل في صفات الذات وصفات الأفعال، ص 41.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، ص58.
- ↑ علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت، ص58-59.