اضطراب الخاطر
تمهيد
هذه الرّذيلة بلاء عظيم ونار موقدة تطلع على الأفئدة، فهي كفُلكٍ متلاطمٍ مشرفٍ على الغرق، فضربت عليها الهم والغم المتضمنة للوحشة الشديدة. فلا محالة فاكهة تلك الأفئدة ليست إلّاضعف النّفس وانهيار الإرادة وعدم القدرة على التصميم وفوت القابليات والبدائع فحينئذ لا يكون صاحبها إلّازايداً على مجتمعه، إذ لا نشاط له. هذا قليل من كثير اثار هذه الرّذيلة.
وطريق تهذيب النّفس عن هذه الرّذيلة وتزيينها بضدّها وهو اطمينان الخاطر، فقد مضت الإشارة إليه مفصّلًا فراجع واعمل به. إلّاانّه لابدّ لنا من أن نذكر هنا دقيقة وهي انه يظهر من غير واحد من الآيات ان هذه الرّذيلة تنبت في النفس تحت لواء الكفر والفسق كما مرّ الكلام في فضيلة اطمئنان الخاطر من أنها ليست إلّاتحت لواء الإيمان والتقوى.
فتلك الآيات لو سلم بانّها لا تدل على كون الإيمان والتّقوى علة منحصرة للأطمينان وكذلك لا تدل على كون الكفر والفسق علة منحصرة لاضطراب الخاطر إلّاان دلالتها على كون الإيمان والتّقوى علة في الجملة للطّمأنينة وعلى كون الكفر والفسق علة كذلك لأضطراب الخاطر مما لا يمكن انكاره. توضيح ذلك: ان قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[١] يدلّ بالمنطوق بوضوح على أن الطمأنينة وأمن القلب مرهونة للايمان والتّقوى كما يدلّ بالمفهوم على أنّ اضطراب الخاطر وعدم امنه مرهون للكفر والفسق. وانكار هاتين الدّلالتين مكابرة.
نعم لا دلالة فيها على حصر العلّة في الإيمان والتّقوى من ناحية وفي الكفر والفسق من ناحية أخرى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾[٢] دل بتشبيه المعقول على المحسوس على أن من خرّ من السماء فتخطّفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق كيف غلب عليه الاضطراب والوحشة، وكيف هجم عليه الحزن، وكيف دق ورق واسترق بحسب الجسم والروح. فكذلك من كفر باللَّه العظيم أو اشرك به أو فسق.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾[٣] يدلّ بتشبيه المعقول على المحسوس على أن من يكفر باللَّه العظيم يعيش في اضطراب دائم، كمن تصيبه قارعة أو تصيب تلك القارعة أقربائه على الدوام.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾[٤] يدلّ بتشبيه المعقول على المحسوس على أن الظالم لنفسه أو غيره يغلب عليه الرّيبة والاضطراب حتّى يقطع قلبه كالباني أمره على ما لا أساس له، فكما انه دائماً في الاضطراب الّذي يقطع القلب فكذلك الكافر والفاسق والظالم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾[٥] يدلّ بالتشبيه على أن الكافر حياته وعيشه كسراب لا حقيقة له، فيموت شيئاً فشيئاً في حياته بينما أنّ الجاهلين يخيّلون انّه في راحة وريحان.
ويدلّ على أنه في ظلمة شديدة موحشة فهو كمن يسبح في بحر لجّى يغشيهُ موج من فوقه موج من فوقه سحاب فتغلب حينئذٍ عليه الظلمات، فكذلك الكافر بهجوم الظلمات والوحشة عليه يصير حيارى سكارى فلا يدرك شيئاً ولا يهدى إلى طريق ولا يستطيع حيلة ولا يهتدى إلى سبيلٍ.
هذا التفسير بناءً على كون الاعمال في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾[٦] بمعنى حياتهم وعيشهم. وامّا لو كان بمعنى الطاعات فالمعنى انّ اعمال الكافر يوم القيامة كسرابٍ هباءٌ منثور موحشةٌ، فلادلالة إذاً للكريمة على ما نحن بصدده إلّاعلى القول بدلالتها على تجسّم الأعمال. بتقريب ان الاعمال يوم القيامة هي الاعمال في الدنيا، فمن كان حياته واعماله في الدنيا كسراب موحشة فهي في الآخرة ايضاً كذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾[٧] ولكن الأظهر هو الّذي فسّرنا به الآية الشريفة.[٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨١-٨٢.
- ↑ سورة الحج، الآية ٣١.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣١.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٠.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٩-٤٠.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ١٨.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٧٢.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج١، ص ٤٧١.