حكمة الله

من إمامةبيديا

تمهيد

من المسائل العامة في الأفعال الإلهية هو أنه: هل لأعمال الله غاية وغرض أو أنه يعمل بلا غاية معينة؟ هذا البحث يتعلق ببحث الحكمة الإلهية؛ لأن أحد معاني الحكمة أن يمتنع الفاعل عن القيام بفعل لغواً وبدون هدف، وأن تكون لأعماله أغراض معقولة وموجهة، فهذه المسألة ترجع إلى إثبات أو نفي الحكمة الإلهية (بالمعنى المذكور أعلاه). هناك اختلاف بين العدلية والأشاعرة في الجواب عن السؤال، فيرى العدلية أن للأفعال الإلهية غايات وأغراضاً خاصة ويرى الأشاعرة خلوها من أي غاية، ومن المناسب توضيح رأي العدلية قبل ذكر أدلة الطرفين.[١]

معاني الحكمة

للحكمة معانٍ عديدة منها:

  1. معرفة حقائق الأشياء: بالتوجه إلى العلم المطلق فإن هذا المعنى يصدق على الله المُتعال، لكن هذه الصفة ستعود إلى صفة العلم؛ بعبارة أخرى تُعدّ الحكمة بهذا المعنى من شُعب العلم الإلهي.
  2. المعنى الآخر للحكمة هو أن الفاعل يفعل لغاية وغرض معقول ومستحسن وإطلاق هذا المعنى للحكمة على الله محل خلاف، فيخالف متكلموا الأشاعرة ذلك -كما سيأتي -، إلا أننا نرى جواز إطلاق هذا المعنى على الله، فأفعاله في غاية الإتقان والكمال.[٢]

الدليل على الحكمة

و لإثبات ذلك فإنه بالإضافة إلى الاستشهاد بالظواهر المنظمة والعجيبة في عالم الطبيعة وكمال وجمال مخلوقات الله، يُمكن التمسك أيضاً بالأدلة العقلية، ونُشير إلى استدلالين:

الدليل الأول: نقص الفعل وعدم إتقانه، إما أن يكون ناشئاً عن جهل الفاعل بالفعل المتقن أو عن عدم قدرته أو أنه معلول عبثية العمل وميله إلى القيام بأعمال لغوية، وكل هذه العوامل منتفية عن الله لأنه العالم المطلق والقادر المطلق، وكما سيأتي فإنه يمتنع عليه فعل العبث واللغو، فكل العلل المفروضة لنقص الفعل الإلهي منتفية، بالنتيجة أن كل أفعاله في غاية الكمال.

الدليل الثاني: هناك مسانخة بين كل فاعل وفعله، لأن فعل الفاعل في الواقع تجلي وجود الفاعل وتجليات ذاته، فالفاعل الذي تكون ذاته كاملة من كل الجهات (أي: الله سبحانه) يكون فعله أيضاً كاملاً من كل الجهات.[٣]

الحكمة الإلهية في الآيات والروايات

ذُكرت الحكمة الإلهية بهذا المعنى في بعض الآيات والروايات أيضاً كما جاء في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[٤]. ويقول أميرالمؤمنين(ع): «قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ»[٥][٦] «مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئهم بحكمه بلا اقتداء ولا تعليم ولاحتذاء لمثال صانع حكيم»[٧].[٨]

ثمار الحكمة

من نتائج الحكمة الإلهية بالمعنى المذكور:

  1. الاعتقاد بأن نظام الوجود هو النظام الأحسن؛ لأن العالم بسعته اللامتناهية فعل الله والحكمة الإلهية تقتضي أن يقوم بفعله بأكمل وأفضل وجه.
  2. الابتعاد عن فعل القبيح، فالحكيم هو الذي لا يرتكب القبيح[٩].
  3. بالتأمل في هذا المعنى يتضح أن صفة العدل بمعنى اجتناب الظلم والجور هو أحد ثمار الحكمة بمعناها الأخير، فهذا المعنى للحكمة واسع يشمل العدل كذلك؛ لأن معناها أن الله لا يرتكب أي فعل قبيح، كالكذب وخلف الوعد و... ومن جملتها الظلم، وهناك خلاف في هذا المعنى بين الفِرق الإسلامية.

و الدليل على هذا المعنى هو أن حكمة الله بالمعنى الأخير تبني على أصل الحسن والقبح العقليين، وكما أسلفنا أن الأشاعرة تنكر هذا الأصل، أما المعتزلة والإمامية المعروفون بالعدلية فهم يدافعون عنه وينزهون الله عن ارتكاب ما يستقبحه عقل عموم الناس، فالحق أن الله قادر على ارتكاب القبيح لكن كماله الوجودي يمنع تعلق قدرته بهكذا أفعال، أي: أن ذاته اللامتناهية تقتضي أن لا يصدر منه إلا ما هو حسن.[١٠]

غاية الفاعل وغاية الفعل

بالتأمل في الأفعال الاختيارية وهدفيتها نجد أننا في البدء نتصور غاية للفعل وبالوصول إلى تلك الغاية نرفع حاجاتنا. تصور هذه الغاية في أذهاننا قبل القيام بالفعل بحيث يحثنا على الإقدام على الفعل ومن هذا الطريق نصل إلى المنفعة، ففي أفعالنا لا أقل خصوصيتان: الخصوصية الأولى: هي أن غاية الفعل رفع حاجات ونقائص الفاعل والفاعل يستكمل بالقيام بالفعل. الخصوصية الثانية: هي أن تصور الغاية قبل القيام بالفعل يؤثر على القيام به ويحث الفاعل على ارتكاب الفعل[١١]. وما ينبغي التوجه إليه هو أنه عندما نتحدث عن غائية الأفعال الإلهية فلا نقصد مشابهتها إلى أفعال الإنسان؛ بعبارة أخرى: لا توجد هاتان الخصوصيتان في فعل الله أبداً. أولاً غاية أفعال الله ليس هو الوصول للكمال، لأن الفاعل - الله - كمال مطلق ولا نقص فيه حتى يُريد رفعه بفعله، بل إن غاية الأفعال الإلهية ترجع إلى المخلوقات ولاستكمالها، كما أن تصور غاية الفعل لا يُسبب القيام به، لأن علم الله ليس من سنخ العلم الحصولي الملازم لتصور المفاهيم، بل إن الله هو ذات الكمال المطلق، وذلك يقتضي إيصال مخلوقاته إلى كمالاتها المطلوبة، فالمقصود من غائية فعل الله أن فعله يشتمل على مصالح ومنافع تعود إلى مخلوقاته والقيام بها أو تركها بلحاظ منافع المخلوقات ليس على السوية، فغاية الفعل الإلهي هي غاية الفعل لا غاية الفاعل، لغنى الفاعل فلا يتصور له غاية. وبعد بيان رأي العدلية في غائية الأفعال الإلهية نذكر أدلة الفريقين.[١٢]

الدليل على الحكمة الإلهية (غائية أفعال الله)

أُقيمت عدة أدلة على هذا المدعى أن لأفعال الله غاية وغرضاً وذكر هنا استدلال واحد، أن الفعل الفاقد للغاية يصبح عبثاً ولغواً ويقبح فعل العبث عقلاً وارتكاب القبيح من الله مُحال، فلا يُمكن أن تكون أفعاله عبثاً، بل لكل من أفعاله غاية وغرض.

هذا الاستدلال يعتمد على الحسن والقبح العقليين حيث مبناه أن العقل يُمكنه إدراك قبح القيام بالفعل عبثاً، وبناء على هذا الإدراك يستنتج اجتناب الله عن هكذا فعل[١٣]

دليل الأشاعرة على نفي الغاية عن فعل الله تعالى

ذكر الأشاعرة أدلة على صحة مدعاهم ومنها: أن القيام بالفعل لتحصيل غاية ما علامة على أن حصول تلك الغاية للفاعل أولى من عدم حصولها وبعبارة أخرى: حصول الغاية كمال للفاعل، هذا الفاعل - بالقيام بالفعل المذكور - يحصل على كمال خاص، فغائية أفعال الله تستلزم استكمال الله عن طريق أفعاله وهذا لا يتلائم مع مقام الإلهية.

الجواب عن هذا الاستدلال يتضح بما ذكرناه عن غائية أفعال الله؛ لأن الغاية منها غاية الفعل وتوجب كمال المخلوقات لا غاية الفاعل، فالخطأ في استدلال الأشاعرة يكمن في عدم تصورهم إمكان رجوع غاية الفعل إلى غير الفاعل وتصوروا أنه إذا كان للفعل غرض فالغرض حتماً يعود للفاعل، فنستنتج أن الأفعال الإلهية ليست لغواً وعبثاً، بل لها أغراض وغايات حكيمة وكلها بهدف رفع حاجات مخلوقاته ونيلها كمالاتها المطلوبة.[١٤]

الحكمة الإلهية في القرآن والروايات

يؤكد القرآن الكريم في آيات متعددة على حكمة أفعال الله وعدم عبثيتها. مثلاً: نُشير إلى الآيات ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[١٥] في هذه الآية إشارة إلى خلق الإنسان كفعل إلهي، وأنه لم يكن عملاً عبثاً وبلا فائدة، بل له غاية حكيمة، من المُمكن أن تكون هناك إشارة في القسم الثاني من الآية إلى تلك الغاية يعني أن الله خلق الإنسان حتى يستفيد الناس من إمكانات تحصيل الكمال والسعادة في حياتهم الدنيوية ويحصلوا في الختام على نتائج أعمالهم في العالم الأخروي، كما جاء في آية أخرى عن الحكمة من خلق السماوات والأرض والموجودات فيما بينها (و التي يُمكن أن تكون كناية عن خلقة العالم): ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ[١٦]، وفي بعض الروايات ذكرت غائية الأفعال الإلهية وعدم عبثيتها وعودة غاية الأفعال الإلهية إلى المخلوقات، مثلاً: نقرأ في رواية عن الإمام الرضا(ع): «إِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَ الْحَكِيمُ عَبْدَهُ فِعْلًا مِنَ الْأَفَاعِيلِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ ولَا مَعْنِيٍّ قِيلَ لَهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَكِيمٌ غَيْرُ عَابِثٍ ولَا جَاهِلٍ»[١٧]، ويقول الإمام الصادق(ع) أيضاً في الجواب عن السؤال: «لماذا خلق الله المخلوقات؟: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى بَلْ خَلَقَهُمْ لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ ولِيُكَلِّفَهُمْ طَاعَتَهُ فَيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ رِضْوَانَهُ ومَا خَلَقَهُمْ لِيَجْلِبَ مِنْهُمْ مَنْفَعَةً ولَا لِيَدْفَعَ بِهِمْ مَضَرَّةً بَلْ خَلَقَهُمْ لِيَنْفَعَهُمْ ويُوصِلَهُمْ إِلَى نَعِيمِ الْأَبَدِ»[١٨].[١٩]

الحكمة الإلهية والشرور

اتضح حتى الآن أن كل أفعال الله حكيمة ولها غايات معقولة تعود إلى مخلوقاته. من جهة أخرى، الحقيقة التي لا تقبل الإنكار أن هناك من حولنا أموراً نراها شر. الابتلاءات والمصائب الناشئة من ظواهر طبيعية كالسيل، الطوفان، الزلزلة، الأمراض، الألم، الموت، وغيرها من الصعوبات، تظهر شرور كثيرة يتعرض لها الإنسان من قريب أو بعيد. ويُمكن أن نفهم من النظرة الأولى أن وجود هكذا أمور لا ينسجم مع الحكمة الإلهية وغائية خلق الإنسان؛ لأن غرض الله من خلق الناس، هو تأمين مصالحهم ومنافعهم، والأمور المذكورة كلها خلاف المصالح الإنسانية ومن هنا فهي تعارض غاية خلق البشر. إذا كان هدف الخلقة إيصال النفع إلى المخلوقات، فلماذا يوجد الله أموراً تضر الإنسان؟، بعبارة أخرى: قد يظن أن الله نقض الغرض بتجويزه للشرور وعدم منعه لها، ونقض الغرض لا ينسجم وحكمة الفاعل.

من البديهي أن في الإجابة عن هذا الادعاء أن نُشير إلى أن وجود البلاء والمصائب والألم والصعوبات و... في الدنيا لا يخلو من غاية، بل وُضعت هذه الأمور لمصالح الفرد حقيقةً أو الناس نوعاً، من هنا لا يُمكن اعتبار وجودها لغواً أو مخالفاً للأغراض العامة للخلقة. [٢٠]

محدودية علم الإنسان

لاشك أن معلومات الإنسان بالقياس إلى مجهولاته، كالقطرة بالقياس إلى المحيط اللامتناهي ليس فقط بالنسبة للعالم الخارجي، بل حتى في وجود نفس الإنسان توجد الكثير من الأسرار غير المعروفة والتي لم يصل إليها الذهن البشري حتى الآن؛ لذلك يعترف كبار العلماء المفكرين بتواضع أنه بعد سنوات من التحقيق والمطالعة أنهم لا يعرفون شيء! والقرآن كذلك يؤكد على ذلك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[٢١] ومع محدودية العلم البشري فلا يُمكن الادعاء أننا نعلم كل الأسرار ورموز الظواهر التي نعتبرها شر، بل هناك الكثير من المصالح والمنافع توجد في هذه الأمور لا علم لنا بها وعدم العلم لا يدل على عدم الوجود، فالعقل يقتضي الإحتياط أكثر في الحكم على عدم وجود حكمة من الشرور، لأنه يحتمل بقوة أن نتصور ما هو خير شراً، كما جاء في القرآن ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[٢٢].[٢٣].[٢٤]

الغاية النهائية من خلق الإنسان

الأصل الأخير هو أن الهدف النهائي من خلق الإنسان ليس هو اشتغاله بالاستفادة من النعم المادية في هذه الدنيا لتحقيق راحته فيها بقدر ما يستطيع؛ بل غايته الأساسية والنهائية هو وصوله إلى السعادة والفلاح الحقيقي الذي لا يتحقق إلا في ظل عبادة الله وقربه[٢٥]. فصرف معارضة أمر ما لراحة الانسان ورفاهه المادي والشخصي، لا ينبغي أن نعتبره لا ينسجم مع غاية خلق الإنسان؛ لأن سعادته وفلاحه تتحقق بتحمله الصعوبات والمشاكل. وبهذا فإن التأمل في الغاية الحقيقية من خلق الإنسان له دور أساسي في تقييم العلاقة بين الشرور والحكمة الإلهية.[٢٦]

تقدم المصالح العامة على المصالح الفردية

الأن عالم المادة عالم تزاحم، فقد تتعارض المصلحة الفردية مع المنافع النوعية والجماعية بشكل لا يُمكن معه إلا ترجيح أحدهما على الآخر، في هذه الموارد يحكم العقل السليم بتقدم المنافع الجماعية على المصلحة الفردية، فتجويز وجود ظواهر لا تنسجم مع مصلحة الفرد لكنها تؤمِّن المصالح الجماعية المجموعة من الناس لا يُعد عملاً غير حكيم، الحقيقة أننا في التقييم غالباً ما نتوجه إلى قسم صغير من الحقيقة في حال أننا لو وسّعنا الرؤية سوف نرى كثير من الأمور التي هي حسب الظاهر شر فإننا سنجد - بلحاظ المصالح العامة للناس ومع الانبساط الزماني والمكاني الواسع - لها غاية حكيمة، كما سيأتي في بحث العدل الإلهي، يقتضي عدل الله أن تجبر تلك المجموعة من المصالح الفردية التي تفني في سبيل المصالح العامة.[٢٧]

دور الإنسان في إيجاد ظواهر الشر

من النقاط المهمة التي لا ينبغي الغفلة عنها، هي تأثير أعمال الإنسان على ظهور بعض ظواهر الشر، لأن الإنسان موجود مختار قد يخلق الشر له أو لغيره؛ ولكن لعدم العلم بالعلاقة التي هي بين عمله وآثاره يجعل النتائج غير المطلوبة لأعماله علة اعتراضه على حكمة الله (و عدالته ورحمته).

يذكر القرآن الكريم في بيان تأثير أعمال الإنسان في ظهور الأحداث والظواهر غير المرغوب فيها في عدة آيات منها سورة النساء ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ[٢٨] وفي آية أخرى جاء أن عموم المصائب والبلايا نتيجة أعمال الإنسان ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[٢٩]. بالالتفات إلى غاية خلق الإنسان ولزوم الاختيار لنيل تلك الغايات، خلق الإنسان مختاراً وعلى أساس أصل العلة العام، فإن جزء من أعماله الاختيارية (التي تنتج من سوء اختياره) تكون منشأ لبروز البلايا والمصائب، ولكن مجموعة هذه الأمور - خاصة بالأخذ بعين الاعتبار بعض فوائد والآثار البلايا المذكورة - لا تخرج عن دائرة الحكمة الإلهية.

بالالتفات إلى الأصول السابقة، سوف نعرض بعض الفوائد والنتائج المثبتة للشرور في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية حتى يتضح أن وجود هكذا ظواهر لا ينافي الحكمة الإلهية وسوف نذكر في كل مورد أمثلة من الآيات القرآنية، ولكن قبل ذلك من المهم تذكر أمرين:

  1. نحن لا ندعي أننا سوف نعدد كل فوائد الشرور - خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار الأصل الأول، أي: محدودية علم الإنسان، بل نعلم جيداً أن هناك أسراراً كثيرة أخرى يُمكن معرفتها بالتدبر العميق وبالتدريج.
  2. بسبب قصور علمنا، لا يُمكننا أن نجد كل الفوائد والحكم التي سنذكرها لتوجيه الشرور في كل الشرور التي نواجهها؛ لكن هذا الأمر لا يخدش مطلوبنا، لأنه لو ثبتت حكمة واحدة من الحكم في مورد كل شر يكفي ذلك لرفع الشبهة والإجابة عن اعتراض المعترضين.[٣٠]

فلسفة الشرور

تفتح الاستعدادات

خلق الإنسان وهندس الوضع العام لعالم الطبيعة بحيث إن كثيراً من استعدادات الإنسان لا تنمو إلا في ظل مكابدة الابتلاءات والمشاكل في فضاء مادي، كما أن عضلات بدن الرياضي تقوي في ظل التمارين الصعبة والمستهلكة للطاقة، أيضاً فإن جزء من القابليات الروحية والمعنوية للانسان تصل إلى الفعلية في الابتلاءات والمصائب، مثلاً: نلاحظ أن كثيراً من الاكتشافات والاختراعات العلمية تحدث تحت تأثير الحاجة الجدية للإنسان في مواجهة مشاكل الحياة الفردية والاجتماعية. يبيّن القرآن في إشارة إلى هذه الحقيقة أن مع كل مصيبة هناك يسر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[٣١].

الاختبار الإلهي

من السنن الإلهية العامة (سنة الامتحان والإبتلاء) يختبر الله الإنسان، على أساس الغاية من خلقته وخصوصياته الوجودية - يختبره - في مواطن مختلفة من حياته، وامتحانه سبحانه ليس لكشف حقيقة مجهولة كامتحان البشر، بل الغاية من الامتحان هنا تعود للإنسان، فالغرض ليس إلا تربية وتنمية الاستعداد الموجود في الإنسان وظهور مكنوناته الباطنية. الإنسان في ظل الامتحان الإلهي يكون كالحجر المعدني الموضوع داخل النار حتى تفصل عنه الشوائب ويظهر جوهره الخالص، الله الكريم قد يبتلي الإنسان بالرفاه والراحة وقد يبتليه بوضعه في مواقع صعبة ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[٣٢]، فقوله الشر والخير في هذه الآية لها معنى واسع جداً ويشمل كل أنواع المصائب، الأمراض، المشاكل، الكسور، الفقر، الألم وكل أنواع الراحة كذلك، الثروة، النصر،... وكل هذه الأمور لها جنبة امتحان طبق هذه الآية، فهي بالإضافة إلى تكامل روح الإنسان وبدنه تظهر واقعيته الباطنية أيضاً. لهذا يؤكد القرآن الكريم في آيات عديدة أخرى على امتحان الإنسان عن طريق الابتلاء، جاء في سورة البقرة بعض أهم موارد الامتحان الإلهي في الحياة الدنيوية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ[٣٣]، يتضح من جملة ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ أن ثواباً عظيماً في انتظار من يخرج من الامتحان منتصراً وهذا الثواب لا يشمل كل العباد، بل أن البعض يسقط في الامتحان ويعاتب الله بدلاً من السعي والمقاومة: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ[٣٤].

التنبيه والإيقاظ

من فوائد المصائب المهمة هي ايقاظ الإنسان من الغفلة إثر انغماسه في النعم الدنيوية وتذكيره بمسؤولياته الخطيرة أمام إلهه، فيتبدل استكباره إلى تواضع وخضوع ويتهيأ للعودة إلى مسير الحق، يُشير القرآن الكريم إلى هذه الفلسفة الأساسية في عدة آيات: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ[٣٥]، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[٣٦].

كما أنه يُبين في مورد آل فرعون أن الغرض من نزول الابتلاءات والمصائب عليهم هو التذكرة بما غفلوا عنه من حقائق ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[٣٧]، كثير من الناس أمام الابتلاءات لا يظهرون ردة فعل مناسبة وبدلاً من التذكرة والهداية يبقون على الغفلة والاستكبار ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ[٣٨].

معرفة عظم النِّعم الإلهية

ولذلك قيل: إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى والقرآن في عدة آيات يذكر بالنعم الإلهية التي أعطيت للإنسان وكان يفتقدها ومحروم منها وكأن سلب النعمة يقتضي معرفة قدرها وقيمتها: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[٣٩].[٤٠]

بيان فلسفة المشاكل والابتلاءات في الروايات

يُمكن الحصول على دقائق قيمة في بيان فوائد وآثار الشرور في الروايات الإسلامية، يبيّن الأمير(ع) تأثير المشاكل والبلايا في رشد الاستعداد الإنساني «أَلَا وإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً والرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً والنَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وأَبْطَأُ خُمُوداً»، وتُشير روايات متعددة أخرى إلى أن هدف بعض الشرور هو الامتحان الإلهي، مثلاً: يقول الأمير(ع) في إحدى خطبه: «وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ ويَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ ويَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ»[٤١].

ونقرأ عن غرض الله من ابتلاء عباده: «إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وحَبْسِ الْبَرَكَاتِ وإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ ويُقْلِعَ مُقْلِعٌ ويَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ ويَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ»[٤٢].

كما جاء في حديث عن الإمام الصادق(ع) بأن البلايا توجب التذكير بالنعم الإلهية: «إِنَّ هَذِهِ الْآفَاتِ وإِنْ كَانَتْ تَنَالُ الصَّالِحَ والطَّالِحَ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ ذَلِكَ صَلَاحاً لِلصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا أَمَّا الصَّالِحُونَ فَإِنَّ الَّذِي يُصِيبُهُمْ مِنْ هَذَا يَرُدُّهُمْ نِعَمَ رَبِّهِمْ عِنْدَهُمْ فِي سَالِفِ أَيَّامِهِمْ فَيَحْدُوهُمْ ذَلِكَ عَلَى الشُّكْرِ والصَّبْرِ»[٤٣].[٤٤]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٠٩.
  2. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨٢.
  3. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨٢-٢٨٣.
  4. سورة هود: ۱.
  5. أي: جعل لكل شيء مقداراً مخصوصاً بحسب الحكمة، أو هيأ كل شيء لما أراد منه من الخصائص والأفعال، أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم (فأحكم) أي: أتقن، والتدبير في الأمر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. نقلاً عن البحار، ج۵۴، ص۱۲۵.
  6. البحار، ج۴، ص۲۷۶.
  7. ميزان الحكمة، ج۳، ص۵۲.
  8. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨٣.
  9. يُعبر أحياناً عن هذا المعني بالقول: (الحكيم من لا يفعل القبيح ولا يخل بواجب).
  10. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٢٨٣-٢٨٤.
  11. يطلق الحكماء على تصور الفعل قبل إتيانه اسم (العلة الغائية). للاطلاع أكثر، يُمكن الرجوع إلى: مصباح اليزدي، المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، ج۲، ص۱۰۶-۱۰۸؛ والعلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة، ص۱۶۰-١۶٢.
  12. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٠٩-٣١٠.
  13. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٠.
  14. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١١.
  15. سورة المؤمنون: ۱۱۵.
  16. سورة الدخان: ۳۸.
  17. البحار، ج۶، ص۵۸.
  18. البحار، ج۳، ص۳۱۳.
  19. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١١-٣١٢.
  20. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٢-٣١٣.
  21. سورة الاسراء: ۸۵.
  22. سورة البقرة: ۲۱۶.
  23. قصة النبي موسى(ع) والعبد الصالح، وأيضاً مصير قارون المذكورة في القرآن، هي أمثلة تعلمنا أن الإنسان قد يخطئ في الحكم على الأمور هل أنها خير أو شر.
  24. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٣-٣١٤.
  25. يقول القرآن عن هدف خلق الإنسان: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات: ۵۶.
  26. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٤.
  27. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٥.
  28. سورة الروم: ۴۱.
  29. سورة الشورى: ۳۰.
  30. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٥-٣١٦.
  31. سورة الانشراح: ۵-۶.
  32. سورة الانبياء: ۳۵.
  33. سورة البقرة: ۱۵۵.
  34. سورة الفجر: ۱۶.
  35. سورة الأعراف: ۹۴.
  36. سورة السجدة: ۲۱.
  37. سورة الأعراف: ۱۳۰.
  38. سورة المؤمنون: ۷۶.
  39. سورة آل عمران: ۱۰۳.
  40. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٧-٣١٩.
  41. ميزان الحكمة، ج۱، ص۲۸۹؛ البحار، ج۶، ص۱۱۴.
  42. البحار، ج۸۸، ص۳۳۶.
  43. توحيد المفضل، ۸۶؛ البحار، ج۳، ص۱۳۹.
  44. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣١٩-٣٢٠.