حكمة الله في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال سيِّد الحكماء والموحدين (ع): «وأَرَانا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وعَجَائِبِ ما نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِه».[١]

أولاً: تعريف الحكمة وعلاقتها بالرَويَة

الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وهي بذلك مزيد التفكّر والروِيَّة وإمعان النظر، وأما في حق الله فهو حكيم لا يحتاج إلى روِيَّة، وهذا ما سيتجلَّی إن شاء الله تعالى خلال الدرس مستوحًى من نهج البلاغة الذي هو دائرة المعارف الإلهية الكبرى.[٢]

ثانيًا: أسلوب الإمام (ع) في التدليل على الحكمة

يستدل الإمام (ع) على الحكمة في الأمور المحسوسة من خلال آثار الإبداع والإتقان في الخلق المحسوس، ثم يستدل (ع) بذلك على الحكمة في الأمور غیر المحسوسة وغر المدرَكة سواءً كان ذلك في عالم التشريع أو عالم التكوين.

وقد أكَّد أمیر المؤمنین (ع) على هذا النمط من الاستدلال كثیرًا فمن ذلك ما يلي: [٣]

ثالثًا: دلائل الحكمة

١. تحدث الإمام عن دلائل الحكمة في الخلق، فقال (ع)[٤]: «وأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آَثَارُ حِكْمَتِهِ... فَصَارَ كُلُّ ما خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ودَلِيْلاً عَلَيه»: يستدل الإمام (ع) بآثار الصنع وعجيب الإتقان في الخلق على حكمة الخالق.
«وإِنْ كَانَ خَلْقًا صَامتًا فحُجَّتُهُ بالتَّدْبِیرْ نَاطِقَة، ودلالَتُهُ على المُبْدِعِ قَائِمَة»: هذه المخلوقات المتقنَة وإن كانت أرضًا جامدةً أو سماءً أو أي شيءٍ مما يصنَّف أنه جماد، إلاَّ أنه ناطق بلسانٍ آخر معبرِّا دالًّا على آثار الحكمة. هذا شيءٌ، والشيءُ الآخر أن نواحي الإبداع هذه هي فقط ما تقع عليه أعيننا أو تلمسه أيدينا أو تدركه مشاعرنا الخاصة فكيف لو عرفنا كنهها ونفذنا إلى أعماقها واستطلعنا سرَّها واستخبرنا حقيقتها لكان في ذلك من الدلائل ما هو أجلى وأعظم وأهم ولكن في حدود ما ندرك فإنه دلالة كبیرة على الملكوت والقدرة والحكمة ودلالة على المبدع. والمبدع هو من ينشيء الأمر ابتداءً على غیر مثالٍ سابقٍ يحتذيه ويقفوه، وهذا مظهرٌ آخر للإعجاز.
٢. وقال (ع)[٥]: «قدَّرَ ما خلقَ»: تستخدم «ما» غالبًا لغیر العاقل في مقابلة «من» التي تستخدم غالبًا للعاقل، واستخدام الإمام (ع) «ما» هنا من باب التغليب بالنظر إلى أن المخلوقات المرئيةوغیر المرئية التي تصنَّف في قسم غر العاقل هي أكثر من التي تصنَّف في قسم العاقل، فالمعنى إذن قدَّر كل ما خلق لاشتمال «ما» على العاقل وغیر العاقل.
«فأَحْكَمَ تقديرَه»: أي جعل له مقداره الخاص به ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ[٦]، أي لكل شيء مقداره أو تركيبته، وهذا ما يكشف عنه العلم وإن كنا لسنا بحاجة إلى الاقتصار عليه في الاستدلال على الخالق ولكنه من آثار التعرف على الله تعالى،
فنرى عالَم الفضاء وما فيه من الأبعاد وعلاقة الأجرام فيه، كبعد الشمس عن الأرض ودرجة حرارة الشمس وأنه لو اختلف هذا البعد وهذه الحرارة لانعدمت الحياة على الأرض، وكذلك تركيب الثمار وطبقات الأرض من نسبٍ ثابتة من المواد، إلى ما شاء الله من المخلوقات.
«ودبَّرَهُ فأَلْطَفَ تَدْبِيْره»: أي كان في غاية الدقة بحيث لا يتأتَّى لغیر الله الحكيم المطلق هذا التدبیر الدقيق المتقن.
«ووَجَّهَهُ لِوُجْهَتِهِ فلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِه»: وهذه رائعة فكرية تضاف إلى كل روائع أمیر المؤمنین (ع)، والمعنى واضح من سیر الخلق إلى الهدف وعلى الطريق الذي رسمه الله له.
٣. وقال (ع) مستدلًّا ببعض الخلق على حكمة الخالق[٧]: متحدثًا عن الخفَّاش، كما يتحدَّثُ عنهُ مَنْ خَلَقَه، وأمیر المؤمنین (ع) ليس خالقًا ولكنه لسان الخالق، أو كما يحلو للشيخ محمد جواد مغنية أن يعبرِّ بأن الله تعالى هو المؤلِّف وعليٌّ (ع) هو المخرج، وهذا كاشف عن شيء من عظمة أمیرالمؤمنین (ع) في التدليل على إعجاز الله وإبداعه وحكمته، وإن كانت هذه الخطبة قصیرة إلاَّ أنها أحاطت بما يفي بالغرض مما يتعلق بهذا الحيوان الذي يعجز الإنسان «غیر محمد وآله» من أن يحيط بوصفه، فقال (ع):
«الحمدُ للهِ الذي انحَسَرتِ الأوصافُ عن كنهِ معرفتِه...»: روعةٌ في الاستهلال وبراعة، وهو فنٌّ من فنون البلاغة.
«ومن لطائفِ صنعتِه، وعجائبِ خلقتهِ ما أرانا...»: دلائلُ وشواهدُ واضحةٌ جليَّةٌ لنا.
«في هذه الخفافيش التي يقبضُها الضياءُ الباسطُ لكلِّ شيءٍ، ويبسطُها الظلامُ القابضُ لكلِّ حيٍّ»: وهنا ينحو الإمام (ع) منحًى آخر ليقول إن خاصية الضياء أنه يبسط الأشياء، والظلام يقبض الأحياء، وأما الخفافيش هذه فإن الضياءَ يقبضها والظلام يبسطها، وبغض النظر عن النواحي الفنية والبلاغية التي يبرزها الإمام (ع) دونما تكلف وهذه المقابلة وغيرها - فإنه (ع) يأخذ في الوصف مدللاً على إبداع الله وحكمته وأن هذا لا تليق نسبته إلى المصادفة أو العشوائية، ولو أخذ الإنسان عيِّنةً من هذه الخفافيش وشرَّحها وقارنها بما يقول أمیر المؤمنین (ع) وهو الصادق المصدَّق، لرأى مدى الانطباق وجمال الوصف بل قد يقع بصره على ما لايستطيع وصفَه، ولهذا قلنا إن الإمام (ع) هو لسان الله المعبرِّ، ولا يعني هذا أنه خبر هذه المخلوقات ودرسها بل قد يكون رآها كما يراها غیره ولكنه العلم والإحاطة الإلهية.
٤. وأفاض (ع) في صفة خلق من الحيوان مستدلّاً بذلك على بديع الصنع وإتقان الخلق وجليل الحكمة[٨].
٥. وبيَّن عجز الخلق، فقال (ع)[٩]: «ولو اجتمع جميعُ حَيَوانِها... ومتبلِّدةِ أممِها وأكياسِها على إحداثِ بعوضةٍ ما قَدَرَتْ على إحداثِها ولا عرفتْ كيف السبيلُ إلى إيجادِها»: وهذا النوع من التحدي هو على غرار ما تحدَّى به القرآنُ الأممَ أن تأتي بمثل القرآن الكريم.[١٠]

رابعًا: الرَويَة

قلنا إن الحكمة تتازم مع ما تحتاجه من الروِيَّةِ والتأمُّلِ ومزيدِ التفكیر،لكن الله تعالى مع بالغ حكمته وكما يصفه الإمام (ع) بأنه لا يحتاج إلى روية.

  1. وفي هذه الناحية قال (ع)[١١]: «أنشأَ الخلقَ إنشاءً، وابتدأَهُ ابتداءً، بلا روِيَّةٍ أَجَالهَا، ولا تجربةٍ استفادَها»: نعم نحن نفكِّر في الأمور ونتأمل ثم نقرر وقد نخطيء وقد نصيب، وكلما كان الأمر عظيماً احتاج إلى رَوِيَّةٍ وتفكیرٍ أكثر، ولكن الله تعالى مع عظم خلقه وجلال حكمته فإنه لم يحتج إلى رَوِيَّةٍ وتفكیرٍ حین أبدع الخلق ولم يستفِدْ من تجربةٍ سابقة، وما أروعَ قوله (ع): «ولا حَرَكَةٍ أَحْدَثَها، ولا همامةِ نفسٍ اضْطَرَبَ فيها».
  2. وقال (ع) عن الروية[١٢]: «خلقَ الخلقَ من غيرِ روِيَّة»: لماذا؟ لأن هذه المخلوقات لا تحتاج في خلقها إلى تعقلٍ منه، وإن كانت هي عن العقل، ولا تحتاج إلى تعليلٍ من جهته وإن كانت معلَّلَةً بتمام الحكمة.
«إذْ كانتِ الرَّوِيَّاتُ لا تليقُ إلاَّ بذوي الضمائر، وليس بذي ضمیرٍ في نفسِه»: إن إجالةَ الفكر تكون عند من يختلف عليه الحال، عند من يقلب الأمر ظهرًا لبطن مرةً بعد أخرى وقد يستجدُّ له شيءٌ وقد يستفيد من تجربةٍ ويصحح أخطاءه، والله تعالى منزَّهٌ عن كل ذلك، فلا يظهر له علمٌ كان قد جهِله، وهذه أيضًا عقيدتنا في البداء فليس هو علمٌ بعد جهلٍ بل هو إظهار بعد إخفاء، وهذا ينطبق على باقي الصفات كما تحدث (ع) في مواطنَ أخرى من أنه تعالى «متكلمٌ بلا روِيَّة» وغیر ذلك.[١٣]

خاتمة وخلاصة

يجمل الإمام (ع) هذه الأمور بقوله[١٤]: «المقدِّر لجميع الأمور بلا روِيَّةٍ ولا ضمير»:

وذلك في عالم التكوين والتشريع على حدٍّ سواء وقد جاءت هذه الجملة الشريفة نتيجةً منطقيةً حتميةً لما سبقها في هذه الخطبة الجليلة.[١٥]

المراجع والمصادر

  1. ٢٢px محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة

الهوامش

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٥.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٥.
  3. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٥.
  4. خ ٩١، ص ١٢٦ .
  5. خ ٩١، ص ١٢٧ .
  6. سورة الحجر، الآية ١٩.
  7. خ ١٥٥، ص ٢١٦ .
  8. في خ ١٨٥، ص ٢٧٠ .
  9. خ ١٨٦، ص ٢٧٥ .
  10. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٦-١٢٩.
  11. خ ١، ص ٤٠ .
  12. خ ١٠٨، ص ١٥٥ .
  13. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٢٩-١٣٠.
  14. خ ٢١٣، ص ٣٣٠ .
  15. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص١٣١-١٣٢.