الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
| سطر ٢٨٣: | سطر ٢٨٣: | ||
وإن هاتين الآيتين وغيرهما التي بينت أن جميع المخلوقات تنزه الله تعالى عن الشرك، إنما ذكرت الخلق المحصور في السماوات السبع والأرضين السبع، والطير الباسطات أجنحتها في الهواء، وهذا يدلل على أن القرآن الكريم يعطي الدلائل المحسوسة للناس أن هذه المخلوقات التي هي بين أيديكم ترونها، ولكن لا تفهمون طريقة تسبيحها لله تعالى، وفي هذه دليل عجزٍ لهم، فليس كل ما يرونه يستطيعون أن يصلوا إلى كل جوانب معرفته، فهم المخلوقون الذين علمهم الله تعالى؛ إذ لا معنى لذكر مخلوقاتٍ لا يستطيعون تصور شيء منها؛ ولذلك بينت آية الإسراء أن كل شيء يسبح بحمد ربه ولكن لا يفقه أحدٌ تسبيحهم، دون ذكر أنواع كل شيء من الخلق مما لا يستشعره الخلق، وهذا من بديع نظم القرآن الكريم <ref>انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣/٢٤٠.</ref>، كما أن الطيور والحيوانات تعلم كل التسابيح وتفقهها بما يرضي بذلك رب العالمين. | وإن هاتين الآيتين وغيرهما التي بينت أن جميع المخلوقات تنزه الله تعالى عن الشرك، إنما ذكرت الخلق المحصور في السماوات السبع والأرضين السبع، والطير الباسطات أجنحتها في الهواء، وهذا يدلل على أن القرآن الكريم يعطي الدلائل المحسوسة للناس أن هذه المخلوقات التي هي بين أيديكم ترونها، ولكن لا تفهمون طريقة تسبيحها لله تعالى، وفي هذه دليل عجزٍ لهم، فليس كل ما يرونه يستطيعون أن يصلوا إلى كل جوانب معرفته، فهم المخلوقون الذين علمهم الله تعالى؛ إذ لا معنى لذكر مخلوقاتٍ لا يستطيعون تصور شيء منها؛ ولذلك بينت آية الإسراء أن كل شيء يسبح بحمد ربه ولكن لا يفقه أحدٌ تسبيحهم، دون ذكر أنواع كل شيء من الخلق مما لا يستشعره الخلق، وهذا من بديع نظم القرآن الكريم <ref>انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣/٢٤٠.</ref>، كما أن الطيور والحيوانات تعلم كل التسابيح وتفقهها بما يرضي بذلك رب العالمين. | ||
==الثناء على أهل العلم== | |||
لقد تعددت الأساليب القرآنية في الثناء على أهل العلم، فمنها: ارتضاء شهاداتهم على أعظم العقائد، وحصر كمال الصفات الطيبة فيهم. | |||
وفيما يلي بيان ذلك في النقاط الآتية: | |||
===ارتضاء شهاداتهم على أعظم عقائد الدين=== | |||
إن أكثر الناس حبًا لله تعالى، ومن ثم عبادةً له هم أهل العلم؛ إذ إنهم الأعلم به جل جلاله، ومن ثم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنهم ورثة الأنبياء، فقال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) <ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ٤/٣٤٥، رقم ٢٦٨٢، وابن ماجه في سننه، افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ١/٨١، رقم ٢٢٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/١٠٧٩، رقم ٦٢٩٧.</ref>. | |||
وعلى هذا فإن الله تعالى قد أكرم أهل العلم بارتضائه جل جلاله لهم أن يشهدوا بتوحيده تعالى، حيث قال: {{ نص قرآني | شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 18.</ref> . | |||
فإن هذه الآية تبين أن أول من شهد أنه تعالى لا إله إلا هو، إنما هو الله جل جلاله، وشهدت الملائكة بعد ذلك، وأولو العلم بعدهم <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٦/٢٦٧.</ref>. | |||
فقد شهد أهل العلم بعد الملائكة وبعد الله تعالى بالوحدانية؛ لبيان أنه جل جلاله قائمٌ بتدبير الخلق بالعدل؛ إذ إن من أراد أن يكون عدلًا في حكمه فإنه يشهد بوحدانية الله تعالى، فكل الآيات المتلوة والكونية تدلل على وحدانيته فضلًا عن أن الإنسان بفطرته يوحد الله تعالى، والعلم يحفظ الفطرة السليمة من التآكل أو الخلط بثقافات شيطانية، ومن ثم فإن الله تعالى وصف أولي الألباب بأنهم من عرف الحق بفطرته، وتفكر في خلقه بعقله وقلبه ومشاعره. | |||
ويدل على هذا قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }}<ref> سورة آل عمران، الآية 190-191.</ref>. | |||
وأما ما جاء في سبب نزول هذه الآية فهو من كون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {{نص حديث| لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةِ آيَةَ وَيْلُ لِمَنْ قَرَأَهَا وَ لَمْ يَتَفَكَّرُ فِيهَا }} وقرأ الآية السابقة <ref>أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق، باب التوبة، ذكر البيان بأن المرء عليه إذا تخلى لزوم البكاء على ما ارتكب من الحوبات وإن كان بائنًا عنها مجدًا في إتيان ضدها ٢/٣٨٦، رقم ٦٢٠. قال الألباني: وهذا إسنادٌ جيد، رجاله كلهم ثقات غير يحيى بن زكريا، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، قال: ليس به بأس، هو صالح الحديث. انظر: السلسلة الصحيحة ١/١٤٧.</ref>. | |||
وقد دلت آيةٌ أخرى أن الله تعالى ارتضى شهادة أهل العلم على القرآن الكريم حيث قال تعالى: {{ نص قرآني |وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}}<ref> سورة الرعد، الآية 43.</ref>. | |||
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن من الذين علموا الكتاب مؤمنو أهل الكتابين أمثال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهم، حيث كانت شهادتهم قاطعة لقول أهل الخصوم <ref>انظر: الوجيز، الواحدي ص٥٧٦.</ref>. | |||
=== حصر كمال الصفات الطيبة فيهم=== | |||
وقد برز ذلك واضحًا في عدة آيات. | |||
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 43.</ref>. | |||
فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى ضرب مثلًا على الذين لا يعلمون، وهو مثل العنكبوت التي اتخذت بيتًا لا يغني عنها شيئًا لا في حرٍ، ولا قرٍ، ولا مطرٍ، وتبين هذه الآية الكريمة أن جميع الأمثال التي ضربت من العنكبوت أو ما قبله مما حدث مع أقوام النبيين من الكافرين إنما كل ذلك يضربه للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفعالهم، ولكن النتيجة هي أنه لا يفهمها ولا يتعقل الأمر الذي ضربناه لأجله إلا العالمون بالله تعالى، الراسخون في العلم، المتدبرون، المتفكرون لما يتلى عليهم <ref>انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤/٢٣٥، ٢٣٦.</ref>. | |||
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الإنسان لا يفقه أمثال الله تعالى إلا إذا علم، ولا ينجو العالم من غضب الله تعالى إلا إذا عمل بما علم، ويدل على هذا قوله تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}}<ref> سورة الروم، الآية 22.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}}<ref> سورة فاطر، الآية 28.</ref>. | |||
فكما بينت الآية السابقة اختلاف الجبال في ألوانها فإن هذه الآيات تبين أن من الناس والدواب والأنعام مختلفًا ألوانه كذلك، ثم قال في هذه الآية بأسلوب الحصر: إنما يكون أكثر الناس خشيةً لله تعالى هم العلماء، الذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير، فإن أعلم الناس بالله هم أشدهم له خشية، وإلا فما فائدة العلم اللساني، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٠/٣١٨٠.</ref>. | |||
ولهذا «قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم، وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا، وقيل لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه عز وجل، وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل، وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق الفقه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادةٍ لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/٣٤٣، ٣٤٤.</ref>. | |||
وحاصل ذلك القول، فإنه كلما كانت المعرفة لله تعالى أتم، والعلم به جل جلاله أكمل كلما كانت الخشية له عز وجل أعظم وأكثر <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٥٤٤.</ref>. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]''' | ||