انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقيدة»

أُزيل ٧٧٥ بايت ،  ٢٥ يوليو ٢٠٢٤
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ٨٧: سطر ٨٧:
وعلى سبيل المثال لا [[الحصر]]، أنّه اشتهر عن العلّامة الحِلِّي<ref>هو أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهَّر الحلّي (المتوفّى عام ٧٢٦ ه).</ref> عندما أراد أن يُفتي فيما إذا كان ماء البئر قد أصبح نجسا هل يمكن تطهيره أو لا؟ أمر بردم بئر منزله أولاً، ثمّ بدأ بمطالعة النصوص الفقهية في هذا الصدد، ثُمَّ أفتى بعد ذلك بأنه لو أصبح ماء البئر نجسا أمكن تطهيره طبقا لما جاء في الكتب الفقهية.
وعلى سبيل المثال لا [[الحصر]]، أنّه اشتهر عن العلّامة الحِلِّي<ref>هو أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهَّر الحلّي (المتوفّى عام ٧٢٦ ه).</ref> عندما أراد أن يُفتي فيما إذا كان ماء البئر قد أصبح نجسا هل يمكن تطهيره أو لا؟ أمر بردم بئر منزله أولاً، ثمّ بدأ بمطالعة النصوص الفقهية في هذا الصدد، ثُمَّ أفتى بعد ذلك بأنه لو أصبح ماء البئر نجسا أمكن تطهيره طبقا لما جاء في الكتب الفقهية.


فالعلّامة الحلّي كان يعلم أنّه لو لم تردم بئر منزله لأثّر وجودها في رأيه وفتواه بصورة لا إرادية، وهذه [[حقيقة]] لا تُنكر، فالإنسان لا يمكنه أن يدرك [[الحقائق]] العقلية حقَّ [[الإدراك]] أو يبدي رأيا صائبا فيها إلّا إذا ردمت بئر ميوله ورغباته النفسية وتحرّر ذهنه من قيد هواها، وعليه، فكلّما تحرّر [[ذهن]] المحقّق أو الباحث من الميول والرغبات النفسية اقترب من [[الصواب]]، كما قال [[الإمام علي]] {{ع}}: أقرَبُ الآراءِ مِنَ النُّهى أبعَدُها مِنَ الهَوى<ref>غرر الحكم: ح ٣٠٢٢، عيون الحكم والمواعظ: ص١١٩ ح ٢٦٨٢.</ref> وقال أيضا: خَيرُ الآراءِ أَبعَدُها مِنَ الهَوى وأَقرَبُها مِنَ السَّدادِ<ref>غرر الحكم: ح ٥٠١١، عيون الحكم والمواعظ: ص ٢٣٨ ح ٤٥٣٠.</ref> ويروى أيضا: أنّ أحد [[أصحاب أمير المؤمنين]] عليّ {{ع}} وهو زيد بن صوحان العبدي سأل [[الإمام]] {{ع}} قال: أيُّ النَّاسِ أثبت رأيا؟ فأجابه {{ع}}: مَن لَم يَغُرَّهُ النّاسُ مِن نَفسِهِ، ولَم تَغُرَّهُ الدُّنيا بِتَشَوُّفِها<ref>الأمالي للصدوق: ص ٤٧٩ ح ٦٤٤، بحار الأنوار: ج ٧٧ ص ٣٧٨.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٧٨-٧٩.</ref>
فالعلّامة الحلّي كان يعلم أنّه لو لم تردم بئر منزله لأثّر وجودها في رأيه وفتواه بصورة لا إرادية، وهذه [[حقيقة]] لا تُنكر، فالإنسان لا يمكنه أن يدرك [[الحقائق]] العقلية حقَّ [[الإدراك]] أو يبدي رأيا صائبا فيها إلّا إذا ردمت بئر ميوله ورغباته النفسية وتحرّر ذهنه من قيد هواها، وعليه، فكلّما تحرّر [[ذهن]] المحقّق أو الباحث من الميول والرغبات النفسية اقترب من [[الصواب]]، كما قال [[الإمام علي]] {{ع}}: أقرَبُ الآراءِ مِنَ النُّهى أبعَدُها مِنَ الهَوى<ref>غرر الحكم: ح ٣٠٢٢، عيون الحكم والمواعظ: ص١١٩ ح ٢٦٨٢.</ref> وقال أيضا: خَيرُ الآراءِ أَبعَدُها مِنَ الهَوى وأَقرَبُها مِنَ السَّدادِ<ref>غرر الحكم: ح ٥٠١١، عيون الحكم والمواعظ: ص ٢٣٨ ح ٤٥٣٠.</ref> ويروى أيضا: أنّ أحد [[أصحاب أمير المؤمنين]] عليّ {{ع}} وهو [[زيد بن صوحان العبدي]] سأل [[الإمام]] {{ع}} قال: أيُّ النَّاسِ أثبت رأيا؟ فأجابه {{ع}}: {{نص حديث|مَن لَم يَغُرَّهُ النّاسُ مِن نَفسِهِ، ولَم تَغُرَّهُ الدُّنيا بِتَشَوُّفِها}}<ref>الأمالي للصدوق: ص ٤٧٩ ح ٦٤٤، بحار الأنوار: ج ٧٧ ص ٣٧٨.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٧٨-٧٩.</ref>


== التَّعَصُّب===
=== التَّعَصُّب===
مانعٌ آخر في سلسلة الموانع التي تحول دون الوصول إلى الآراء الصائبة المطابقة للواقع هو التعصّب، ٣ وهو عبارة عن قمَّة التبعية للميول النفسية فيما يخصّ [[نصرة]] الفرد أو الجماعة أو شيئا آخر دون مراعاة الحقّ.
مانعٌ آخر في سلسلة الموانع التي تحول دون الوصول إلى الآراء الصائبة المطابقة للواقع هو التعصّب، ٣ وهو عبارة عن قمَّة التبعية للميول النفسية فيما يخصّ [[نصرة]] الفرد أو الجماعة أو شيئا آخر دون مراعاة الحقّ.


فمحاباة القريب والقوم والقبيلة، وموالاة [[الحزب]] والفئة والمنظّمة، والانتصار للثقافة والعادات والتقاليد، ونصرة [[الدين]] والمذهب، والتحيّز للعرق واللّغة... وما إلى ذلك، تغدوا تعصُّبا فيما لو بُنيت على أساس الميول والرغبات [[النفسية]]، دون مراعاة الحقّ والعدالة وعلى حسابهما..<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٧٩.</ref>
فمحاباة القريب والقوم والقبيلة، وموالاة [[الحزب]] والفئة والمنظّمة، والانتصار للثقافة والعادات والتقاليد، ونصرة [[الدين]] والمذهب، والتحيّز للعرق واللّغة... وما إلى ذلك، تغدوا تعصُّبا فيما لو بُنيت على أساس الميول والرغبات [[النفسية]]، دون مراعاة الحقّ والعدالة وعلى حسابهما..<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٧٩.</ref>


== [[التقليد]]===
=== [[التقليد]]===
إنّ التقليد في [[العقائد]] يعني قبول رأي شخص أو أشخاص آخرين دون المطالبة بالدليل والبرهان، وهو من نتائج التعصّب والموانع التي تحول دون [[التحقيق]] والتوصّل إلى آراء ومعتقدات علميّة صحيحة مطابقة للواقع والحقيقة.
إنّ التقليد في [[العقائد]] يعني قبول رأي شخص أو أشخاص آخرين دون المطالبة بالدليل والبرهان، وهو من نتائج التعصّب والموانع التي تحول دون [[التحقيق]] والتوصّل إلى آراء ومعتقدات علميّة صحيحة مطابقة للواقع والحقيقة.


سطر ١٢٣: سطر ١٢٣:
ولو أبدى اللجوج رأيا في قضيّة ما أو قضايا معيّنة وكان صائبا، فإن تعصّبه ولجاجته في إبداء رأيه يُفقدانه شأنه و وثاقته، كما قال [[الإمام]] أميرالمؤمنين {{ع}}: {{نص حديث|اللَّجاجُ يُفسِدُ الرَّأيَ}}<ref>غرر الحكم، ج١، ص٥٨.</ref>
ولو أبدى اللجوج رأيا في قضيّة ما أو قضايا معيّنة وكان صائبا، فإن تعصّبه ولجاجته في إبداء رأيه يُفقدانه شأنه و وثاقته، كما قال [[الإمام]] أميرالمؤمنين {{ع}}: {{نص حديث|اللَّجاجُ يُفسِدُ الرَّأيَ}}<ref>غرر الحكم، ج١، ص٥٨.</ref>


وأخيراً، فاللجاجة كما قال [[رسول اللّه]] صلى [[الله]] عليه و آله: {{نص حديث|إيّاكَ وَاللَّجاجَةَ؛ فَإِنَّ أوَّلَها جَهلٌ وآخِرَها نَدامَةٌ.}} <ref>بحار الأنوار، ج٧٤، ص٦٦</ref>  
وأخيراً، فاللجاجة كما قال [[رسول اللّه]] {{صل}}: {{نص حديث|إيّاكَ وَاللَّجاجَةَ؛ فَإِنَّ أوَّلَها جَهلٌ وآخِرَها نَدامَةٌ.}} <ref>بحار الأنوار، ج٧٤، ص٦٦</ref>  


ومن الحريّ بالذكر إنّ ما جاء تحت عنوان «موانع تصحيح العقيدة» ـ كما اُشير ـ هي أهمّ الموانع، وسوف يأتي ذكر كلّ الموانع في القسم السابع تحت عنوان «موانع [[المعرفة]]».<ref>محمد الريشهري ، موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية'''، ج١، ص ٨٤.</ref>
ومن الحريّ بالذكر إنّ ما جاء تحت عنوان «موانع تصحيح العقيدة» ـ كما اُشير ـ هي أهمّ الموانع، وسوف يأتي ذكر كلّ الموانع في القسم السابع تحت عنوان «موانع [[المعرفة]]».<ref>محمد الريشهري ، موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية'''، ج١، ص ٨٤.</ref>
سطر ١٣٦: سطر ١٣٦:
ونقيض التأنّي هو [[العجلة]]، ونظراً لأنها تحرم الباحث من فرصة الدراسة الضافية والتحقيق الكامل والاستقصاء المستوفى فهي تستدعي زلل [[الفكر]] والخطأ في [[التحليل]]، مصداقا لقول [[أميرالمؤمنين]] {{ع}}: {{نص حديث|العَجَلُ يوجِبُ العِثارَ}}<ref>غرر الحكم: ح ٤٣٢، عيون الحكم والمواعظ: ص ٣٩ ح ٨٤٨.</ref>
ونقيض التأنّي هو [[العجلة]]، ونظراً لأنها تحرم الباحث من فرصة الدراسة الضافية والتحقيق الكامل والاستقصاء المستوفى فهي تستدعي زلل [[الفكر]] والخطأ في [[التحليل]]، مصداقا لقول [[أميرالمؤمنين]] {{ع}}: {{نص حديث|العَجَلُ يوجِبُ العِثارَ}}<ref>غرر الحكم: ح ٤٣٢، عيون الحكم والمواعظ: ص ٣٩ ح ٨٤٨.</ref>


وروي عن نبيّ [[الإسلام]] صلى [[الله]] عليه و آله أنّه قال: {{نص حديث|مَن تَأَنّى أصَابَ أو كادَ، ومَن عَجِلَ أخطَأَ أو كَادَ}}<ref>المعجم الكبير: ج ١٧ ص ٣١٠ ح ٨٥٨، المعجم الأوسط: ج ٣ ص ٢٥٩ ح ٣٠٨٢، مسند الشهاب: ج ١ ص٢٣٢ ح ٣٦٣، كنز العمّال: ج ٣ ص ٩٩ ح ٥٦٧٨.</ref>.
وروي عن نبيّ [[الإسلام]] {{صل}} أنّه قال: {{نص حديث|مَن تَأَنّى أصَابَ أو كادَ، ومَن عَجِلَ أخطَأَ أو كَادَ}}<ref>المعجم الكبير: ج ١٧ ص ٣١٠ ح ٨٥٨، المعجم الأوسط: ج ٣ ص ٢٥٩ ح ٣٠٨٢، مسند الشهاب: ج ١ ص٢٣٢ ح ٣٦٣، كنز العمّال: ج ٣ ص ٩٩ ح ٥٦٧٨.</ref>.


فالتأنّي يقرّب الباحث من الرأي الصائب. فإذا ما توفّرت له الشروط اللازمة لتصحيح [[العقيدة]] أيضا أصاب الواقع، وإلَا فلا أقَلَّ أصبح قريبا منه. وبالعكس، فإنّ العجلة تُدني الباحث من [[الخطأ]]، وحتّى لو أنّ العجول قد أصاب في تحليلاته فذلك من قبيل المصادفة، ولهذا أوصى الإمام علي {{ع}} ابنه [[الحسن المجتبى]] {{ع}} قائلاً: {{نص حديث|أَنهاكَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالقَولِ وَالفِعلِ}}<ref>الأمالي للمفيد: ص ٢٢١ ح ١، الأمالي للطوسي: ج ٧ ص ٨، بحار الأنوار: ج ٧١ ص ٣٣٩ ح ٥ و ج ٧٨ ص ٩٨.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٨٥-٨٦.</ref>
فالتأنّي يقرّب الباحث من الرأي الصائب. فإذا ما توفّرت له الشروط اللازمة لتصحيح [[العقيدة]] أيضا أصاب الواقع، وإلَا فلا أقَلَّ أصبح قريبا منه. وبالعكس، فإنّ العجلة تُدني الباحث من [[الخطأ]]، وحتّى لو أنّ العجول قد أصاب في تحليلاته فذلك من قبيل المصادفة، ولهذا أوصى الإمام علي {{ع}} ابنه [[الحسن المجتبى]] {{ع}} قائلاً: {{نص حديث|أَنهاكَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالقَولِ وَالفِعلِ}}<ref>الأمالي للمفيد: ص ٢٢١ ح ١، الأمالي للطوسي: ج ٧ ص ٨، بحار الأنوار: ج ٧١ ص ٣٣٩ ح ٥ و ج ٧٨ ص ٩٨.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٨٥-٨٦.</ref>
سطر ١٩٧: سطر ١٩٧:
وللإمام علي {{ع}} بخصوص علائم العقائد العلمية وغير العلمية بيانٌ جامعٌ مبسوط إلى حدٍّ مّا، جديرٌ بدقّة النظر لما هو عليه من قيمة.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٩٣.</ref>
وللإمام علي {{ع}} بخصوص علائم العقائد العلمية وغير العلمية بيانٌ جامعٌ مبسوط إلى حدٍّ مّا، جديرٌ بدقّة النظر لما هو عليه من قيمة.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٩٣.</ref>


=علائم العقائد العلمية==
==علائم العقائد العلمية==
نستهلّ بذكر [[كلام الإمام]] عن آثار العقائد العلمية وعلائمها، وعن خصائص [[العلماء]] الحقّ، ثمّ نتناول ما ورد في كلامه {{ع}} من العلائم واحدةً واحدة بالدرس والبيان. قال [[أميرالمؤمنين]] {{ع}}:  
نستهلّ بذكر [[كلام الإمام]] عن آثار العقائد العلمية وعلائمها، وعن خصائص [[العلماء]] الحقّ، ثمّ نتناول ما ورد في كلامه {{ع}} من العلائم واحدةً واحدة بالدرس والبيان. قال [[أميرالمؤمنين]] {{ع}}:  


سطر ٢٤٠: سطر ٢٤٠:
إنّ هذا العالم العظيم، مع علمه الغزير هذا الّذييستهلك الأسماع دون وفاء الاستماع، يعتبر ما يعلمه بالنّسبة لِما يجهل، لا يُعدّ شيئا، وعندما يتضرّع بالدّعاء إلى ربّه، يقارن علمه بالعلم الّذي لا [[حصر]] له، علمِ اللّه سبحانه، فيُقرّ أمامه ويعترف بجهله.
إنّ هذا العالم العظيم، مع علمه الغزير هذا الّذييستهلك الأسماع دون وفاء الاستماع، يعتبر ما يعلمه بالنّسبة لِما يجهل، لا يُعدّ شيئا، وعندما يتضرّع بالدّعاء إلى ربّه، يقارن علمه بالعلم الّذي لا [[حصر]] له، علمِ اللّه سبحانه، فيُقرّ أمامه ويعترف بجهله.


ففي [[دعاء]] «يستشير» الذي ذكر {{ع}} بأنّ النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله علَّمه اِيّاهُ وأوصاه أن يعلّمه للخليفة من بعده وأن يردّد في العشيّ والإبكار، نشاهده يخاطب اللّه عز و جل متضرعا: {{نص حديث|أنتَ العالِمُ وأَنَا الجاهِلُ}} <ref>بحار الأنوار، ج٩٤، ص٢١٨.</ref>  
ففي [[دعاء]] «يستشير» الذي ذكر {{ع}} بأنّ النبيّ {{صل}} علَّمه اِيّاهُ وأوصاه أن يعلّمه للخليفة من بعده وأن يردّد في العشيّ والإبكار، نشاهده يخاطب اللّه عز و جل متضرعا: {{نص حديث|أنتَ العالِمُ وأَنَا الجاهِلُ}} <ref>بحار الأنوار، ج٩٤، ص٢١٨.</ref>  


وأنها لحقيقة واقعية علميّة دقيقة!! إنّ الإمام {{ع}} لم يكن ليجامل أو ليبالغ أوليحيد عن إطار [[الحقيقة]] قيد شعرة، وكلّ ما يصدر عنه عين الحقيقة لا ذرّة من زيادة أو ذرّة من نقصان. {{نص حديث|العالِمُ مَن عَرَفَ قَدرَهُ}} <ref>بحار الأنوار، ج ٢، ص ٥٨.</ref>  
وأنها لحقيقة واقعية علميّة دقيقة!! إنّ الإمام {{ع}} لم يكن ليجامل أو ليبالغ أوليحيد عن إطار [[الحقيقة]] قيد شعرة، وكلّ ما يصدر عنه عين الحقيقة لا ذرّة من زيادة أو ذرّة من نقصان. {{نص حديث|العالِمُ مَن عَرَفَ قَدرَهُ}} <ref>بحار الأنوار، ج ٢، ص ٥٨.</ref>  
سطر ٣٨١: سطر ٣٨١:
وعندما يحكم العقل ـ بناءً على ما ذكر من الأدلّة ـ بوجوب كفاح العقائد الموهومة فقد انتفى الشكّ في عدم [[الجواز]] للتبليغ بصورة مطلقة، وإلّا فكيف يسيغ العقل أو يسمح بالترويج لعقائد وهمية عارية عن كلّ تحقيق، تكبّل الفكر وتشلّ نبوغ [[المجتمع]] وتتخلّف به عن سيرة التقدّم وتصيبه بالضرر؟! إنّ العقائد الباطلة الضارّة نوع من [[الأمراض]] [[النفسية]]، والأمراض [[العقائدية]] أشدّ خَطراً وتفاقما من الأمراض الجسمية، فاذا كان العقل لا يسمح لمريض أن يتنقّل بمرضه الجسماني بين المجتمع حذر تفشّي العدوى فيكف يسمح بحرّية تنقّل الأمراض النفسية؟!<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٢٠-١٢٣.</ref>
وعندما يحكم العقل ـ بناءً على ما ذكر من الأدلّة ـ بوجوب كفاح العقائد الموهومة فقد انتفى الشكّ في عدم [[الجواز]] للتبليغ بصورة مطلقة، وإلّا فكيف يسيغ العقل أو يسمح بالترويج لعقائد وهمية عارية عن كلّ تحقيق، تكبّل الفكر وتشلّ نبوغ [[المجتمع]] وتتخلّف به عن سيرة التقدّم وتصيبه بالضرر؟! إنّ العقائد الباطلة الضارّة نوع من [[الأمراض]] [[النفسية]]، والأمراض [[العقائدية]] أشدّ خَطراً وتفاقما من الأمراض الجسمية، فاذا كان العقل لا يسمح لمريض أن يتنقّل بمرضه الجسماني بين المجتمع حذر تفشّي العدوى فيكف يسمح بحرّية تنقّل الأمراض النفسية؟!<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٢٠-١٢٣.</ref>


==[[الإسلام]] وحرّية العقيدة
==[[الإسلام]] وحرّية العقيدة==
كنا نتحدّث حتّى الآن عن حرّية العقيدة في نظر العقل، وقد وصلنا بالإجمال إلى أنَّ حرّية العقيدة بمعنى حرّية [[الإنسان]] في [[اختيار]] العقيدة لا يتّفق مع العقل، وأنها بمعنى حرّيته في التظاهر بعقيدته ونشرها، فذلك حقّ طبيعي، وأمّا بمعنى حرّية [[الإنسان]] في [[الترويج]] للمعتقدات الوهمية الضارّة وتبليغها للمجتمع فهذا ما يؤكّد [[العقل]] منعه بتاتا.
كنا نتحدّث حتّى الآن عن حرّية العقيدة في نظر العقل، وقد وصلنا بالإجمال إلى أنَّ حرّية العقيدة بمعنى حرّية [[الإنسان]] في [[اختيار]] العقيدة لا يتّفق مع العقل، وأنها بمعنى حرّيته في التظاهر بعقيدته ونشرها، فذلك حقّ طبيعي، وأمّا بمعنى حرّية [[الإنسان]] في [[الترويج]] للمعتقدات الوهمية الضارّة وتبليغها للمجتمع فهذا ما يؤكّد [[العقل]] منعه بتاتا.


سطر ٣٩١: سطر ٣٩١:
سبق أن قلنا لدى بيان رأي العقل في حرّية اختيار العقيدة: إنَّ معتقدات الإنسان ليست خاضعةً لإرادته حتّى يعتقد بشيء أو لايعتقد به، وقلنا أيضا: إنَّ العقيدة ليست كاللباس للإنسان خياره في انتقائه، ومتى ماشاء بدّله، أو يُضطَرّ على غير [[هوى]] منه إلى تبديله، وإنّما العقيدة كالحبّ، لا تتغيّر إلّا إذا تغيّر منشأها.
سبق أن قلنا لدى بيان رأي العقل في حرّية اختيار العقيدة: إنَّ معتقدات الإنسان ليست خاضعةً لإرادته حتّى يعتقد بشيء أو لايعتقد به، وقلنا أيضا: إنَّ العقيدة ليست كاللباس للإنسان خياره في انتقائه، ومتى ماشاء بدّله، أو يُضطَرّ على غير [[هوى]] منه إلى تبديله، وإنّما العقيدة كالحبّ، لا تتغيّر إلّا إذا تغيّر منشأها.


فالعقيدة اذاً ليست أمراً اختياريا حتى يتمّ البحث عن حرّية [[الاختيار]] في الإسلام، ومن ثَمَّ حينما جاءت طائفة من [[الأعراب]] من بني أسد إلى النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله في موسم الجفاف وأعلنت إسلامها غير مؤمنين بالعقيدة [[الإسلامية]] بل لدوافع مادّية ألجأتها إلى هذا الاختيار<ref>راجع: مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٠٧.</ref> نزلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}}<ref> سورة الحجرات، الآية ١٤.</ref>
فالعقيدة اذاً ليست أمراً اختياريا حتى يتمّ البحث عن حرّية [[الاختيار]] في الإسلام، ومن ثَمَّ حينما جاءت طائفة من [[الأعراب]] من بني أسد إلى النبيّ {{صل}} في موسم الجفاف وأعلنت إسلامها غير مؤمنين بالعقيدة [[الإسلامية]] بل لدوافع مادّية ألجأتها إلى هذا الاختيار<ref>راجع: مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٠٧.</ref> نزلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}}<ref> سورة الحجرات، الآية ١٤.</ref>


والإسلام هو الإفصاح عن [[الإيمان]] بالمعتقدات الإسلامية، والإيمان هو [[اعتقاد]] [[القلب]] بتلك [[العقائد]] وأمّا الإفصاح عن الرأي فيخضع لإرادة الإنسان، ولكن اعتقاد القلب ليس كذلك. وعليه، يمكن للإنسان أن يتظاهر بعقيدةٍ مّا لدوافع مختلفة، أمّا [[الاعتقاد]] المؤمِن فهو من شأن القلب، وهناك فقط عندما تَخْتَمِرُ [[الروح]] بالعقائد الإسلامية يمكن للإنسان أن يدّعي الإيمان.<ref>محمد الريشهري ، موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية'''، ج١، ص ١٢٦.</ref>
والإسلام هو الإفصاح عن [[الإيمان]] بالمعتقدات الإسلامية، والإيمان هو [[اعتقاد]] [[القلب]] بتلك [[العقائد]] وأمّا الإفصاح عن الرأي فيخضع لإرادة الإنسان، ولكن اعتقاد القلب ليس كذلك. وعليه، يمكن للإنسان أن يتظاهر بعقيدةٍ مّا لدوافع مختلفة، أمّا [[الاعتقاد]] المؤمِن فهو من شأن القلب، وهناك فقط عندما تَخْتَمِرُ [[الروح]] بالعقائد الإسلامية يمكن للإنسان أن يدّعي الإيمان.<ref>محمد الريشهري ، موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية'''، ج١، ص ١٢٦.</ref>
سطر ٤٠٢: سطر ٤٠٢:
إنّ الحرّية في الإسلام لا تقتصر على إظهار العقيدة، فالإنسان حرٌّ في إبداء الرأي حتّى وإن كان مخالفا لما يعتقده ويؤمن به، وعلى الرغم من أنّ الإسلام يستهجن هذا [[العمل]] ويستوجب له العقوبة الاُخروية، إلّا أنّه لا يجبره بالقوّة مطلقا على الاعتراف بالحقّ الذي يعرفه.
إنّ الحرّية في الإسلام لا تقتصر على إظهار العقيدة، فالإنسان حرٌّ في إبداء الرأي حتّى وإن كان مخالفا لما يعتقده ويؤمن به، وعلى الرغم من أنّ الإسلام يستهجن هذا [[العمل]] ويستوجب له العقوبة الاُخروية، إلّا أنّه لا يجبره بالقوّة مطلقا على الاعتراف بالحقّ الذي يعرفه.


وفي القرآن آيات عديدة تنصُّ صراحةً على أنّه لا إكراه في [[الإيمان]]، وأنّ النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله ليس مكلّفا بإرغام الناس على الإيمان عنوةً.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٢٧.</ref>
وفي القرآن آيات عديدة تنصُّ صراحةً على أنّه لا إكراه في [[الإيمان]]، وأنّ النبيّ {{صل}} ليس مكلّفا بإرغام الناس على الإيمان عنوةً.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٢٧.</ref>


==مكافحة العقائد الموهومة في الإسلام==
==مكافحة العقائد الموهومة في الإسلام==
سطر ٤٢٨: سطر ٤٢٨:
طريقة الإسلام ومنهاجه في مكافحة العقائد الباطلة والقضاء على المعتقدات الفاسدة في أذهان الناس ودعوتهم كافّةً لاعتناق العقائد الصحيحة المطابقة للحقيقة هي [[الاعتماد]] أولاً وقبل كلّ شيء على الدليل والبرهان والنصيحة والموعظة والمناظرة والنقاش الحرّ، وبتعبير آخر: الكفاح الإعلامي أو التبليغ.
طريقة الإسلام ومنهاجه في مكافحة العقائد الباطلة والقضاء على المعتقدات الفاسدة في أذهان الناس ودعوتهم كافّةً لاعتناق العقائد الصحيحة المطابقة للحقيقة هي [[الاعتماد]] أولاً وقبل كلّ شيء على الدليل والبرهان والنصيحة والموعظة والمناظرة والنقاش الحرّ، وبتعبير آخر: الكفاح الإعلامي أو التبليغ.


والآية الآتية توضّح هذه الطريقة أو الاُسلوب بصورة واضحة، حيث يوجّه اللّه سبحانه وتعالى تعليماته في هذا الصدد إلى النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله بقوله: {{نص قرآني|ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}}<ref> سورة النحل، الآية ١٢٥.</ref>
والآية الآتية توضّح هذه الطريقة أو الاُسلوب بصورة واضحة، حيث يوجّه اللّه سبحانه وتعالى تعليماته في هذا الصدد إلى النبيّ {{صل}} بقوله: {{نص قرآني|ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}}<ref> سورة النحل، الآية ١٢٥.</ref>


فالقرآن الكريم ينصّ في هذه الآية على الأساليب المنطقية لتطهير أذهان [[الناس]] من [[العقائد]] الباطلة، ويأمر النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله أن يوظّف هذه الأساليب في [[دعوة]] الناس إلى [[الإسلام]] وعقائده، وهذه الأساليب هي:  
فالقرآن الكريم ينصّ في هذه الآية على الأساليب المنطقية لتطهير أذهان [[الناس]] من [[العقائد]] الباطلة، ويأمر النبيّ {{صل}} أن يوظّف هذه الأساليب في [[دعوة]] الناس إلى [[الإسلام]] وعقائده، وهذه الأساليب هي:  
#[[الحكمة]]: إنّ أول الأساليب العملية لمكافحة المعتقدات الباطلة في الاسلام هو [[إقامة الدليل]] والبرهان والاستدلالات العقلية أو كما عبَّر [[القرآن]] «الحكمة». ومعنى «الحكمة» كما جاء في مفردات الراغب ـ هو إصابة الحقِّ بالعِلْمِ والعقل، وبعبارة اُخرى: الحكمة عبارة عن كشف [[الحقائق]] بواسطة [[الاستدلال]] العلمي والعقلي، والإسلام يقدّم دائما [[الدليل]] والبرهان لإثبات دعاويه، ويطالب المخالفين ببرهانهم. <ref>قال تعالى: {{نص قرآني|هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}} (سورة البقرة، الآية ١١١)، الأنبياء: ٢٤، النمل: ٦٤، القصص: ٧٥.</ref>
#[[الحكمة]]: إنّ أول الأساليب العملية لمكافحة المعتقدات الباطلة في الاسلام هو [[إقامة الدليل]] والبرهان والاستدلالات العقلية أو كما عبَّر [[القرآن]] «الحكمة». ومعنى «الحكمة» كما جاء في مفردات الراغب ـ هو إصابة الحقِّ بالعِلْمِ والعقل، وبعبارة اُخرى: الحكمة عبارة عن كشف [[الحقائق]] بواسطة [[الاستدلال]] العلمي والعقلي، والإسلام يقدّم دائما [[الدليل]] والبرهان لإثبات دعاويه، ويطالب المخالفين ببرهانهم. <ref>قال تعالى: {{نص قرآني|هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}} (سورة البقرة، الآية ١١١)، الأنبياء: ٢٤، النمل: ٦٤، القصص: ٧٥.</ref>
#الموعظة: وهي الأُسلوب العمليّ الثاني الّذي يتوسّل به الإسلام في مكافحة العقائد الباطلة إلى جوار الدليل والبرهان. وهي عبارة عن أقوال تعليمية تثير [[الاعتبار]] وتحرّك عواطف السامع وتحفزها على قبول الحقّ، وعليه، فالحكمة عن طريق [[العقل]]، والموعظة عن طريق [[العاطفة]] والمشاعر [[الباطنية]] تدعوان [[الإنسان]] إلى تحطيم قيود المعتقدات الباطلة. وممّا يلفت النظر في الآية الكريمة أنّ «الموعظة» قد قيّدت بوصفها «الحسنة»، وهذا إشارة إلى أنّ الموعظة أو النصيحة لها أثرها في تحريك العواطف والمشاعر الباطنية لقبول الحقّ إذا كانت خالية من أيّ نوع من [[الكراهة]] ـ كالفظاظه والتعالي والإهانة ـ وكانت موائمة لليسر والجمال، فالجمال كيسر الحديث وحسن اللقاء وجمال الدافع وحتّى ملاحة القائل وما إلى ذلك جميعا لها أثرها الفعّال في نفاذ الموعظة إلى مكامن [[النفس]]، على أنّ الأهمّ من هذا كلّه أن يكون الواعظ متّعظا بما يقول عاملاً به فأقبح العظات عظة الواعظ غير المتّعظ. وعليه، فكلّما ازدادت الموعظة حُسنا ازداد أثرها في نفس السامع، وما أكثر ما كانت العظات الحسنة أبلغ أثراً ـ في نفوس عامّة الناس وجذبهم إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة ـ من الدليل والبرهان.أمّا المواعظ القبيحة فإنها لا تقتصر على كونها عديمة التأثير بل لها ردّ فعلٍ عكسي يؤدّي بالإنسان إلى إنكار ما آمن به بالدليل والبرهان.
#الموعظة: وهي الأُسلوب العمليّ الثاني الّذي يتوسّل به الإسلام في مكافحة العقائد الباطلة إلى جوار الدليل والبرهان. وهي عبارة عن أقوال تعليمية تثير [[الاعتبار]] وتحرّك عواطف السامع وتحفزها على قبول الحقّ، وعليه، فالحكمة عن طريق [[العقل]]، والموعظة عن طريق [[العاطفة]] والمشاعر [[الباطنية]] تدعوان [[الإنسان]] إلى تحطيم قيود المعتقدات الباطلة. وممّا يلفت النظر في الآية الكريمة أنّ «الموعظة» قد قيّدت بوصفها «الحسنة»، وهذا إشارة إلى أنّ الموعظة أو النصيحة لها أثرها في تحريك العواطف والمشاعر الباطنية لقبول الحقّ إذا كانت خالية من أيّ نوع من [[الكراهة]] ـ كالفظاظه والتعالي والإهانة ـ وكانت موائمة لليسر والجمال، فالجمال كيسر الحديث وحسن اللقاء وجمال الدافع وحتّى ملاحة القائل وما إلى ذلك جميعا لها أثرها الفعّال في نفاذ الموعظة إلى مكامن [[النفس]]، على أنّ الأهمّ من هذا كلّه أن يكون الواعظ متّعظا بما يقول عاملاً به فأقبح العظات عظة الواعظ غير المتّعظ. وعليه، فكلّما ازدادت الموعظة حُسنا ازداد أثرها في نفس السامع، وما أكثر ما كانت العظات الحسنة أبلغ أثراً ـ في نفوس عامّة الناس وجذبهم إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة ـ من الدليل والبرهان.أمّا المواعظ القبيحة فإنها لا تقتصر على كونها عديمة التأثير بل لها ردّ فعلٍ عكسي يؤدّي بالإنسان إلى إنكار ما آمن به بالدليل والبرهان.
سطر ٤٣٨: سطر ٤٣٨:
فـ «الجدال بالتي هي أحسن» يعني ممارسة أسلم الطرق وأليق الأساليب في المناظرة، حتّى يتجلى الحقّ، و«المراء الظاهر» هو الإفادة من الأدلّة التي ثبت حجّيتها وظهرت قاطعيتها وأيقن بها الجميع، والتي من شأنها أن تُفحم الطرف المقابل وتلقمه حجراً.
فـ «الجدال بالتي هي أحسن» يعني ممارسة أسلم الطرق وأليق الأساليب في المناظرة، حتّى يتجلى الحقّ، و«المراء الظاهر» هو الإفادة من الأدلّة التي ثبت حجّيتها وظهرت قاطعيتها وأيقن بها الجميع، والتي من شأنها أن تُفحم الطرف المقابل وتلقمه حجراً.


والإسلام ـ وهو [[رسالة]] [[أنبياء]] اللّه جميعا ـ هو الواضع الأول لمنهاج النقاش الحرّ والمناظرة، والنبيّ صلى [[الله]] عليه و آله ـ وهو أعظم [[رسول]] إلهي ـ هو الذي أعلن لأول مرّة منهاج النقاش الحرّ والمناظرة وتلاقي الأفكار السليمة في [[مجتمع]] عصر كانت الغلبة فيه للقوّة والمال، وعلى هذا الغرار كان هو وعلماء أهل بيته هم الطليعة البارزة في هذا المجال، ومن ثَمّ اختصّ قسم ملحوظ من كتب الحديث بمناظرات النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمه من أهل بيته {{عم}}.<ref>راجع: الحوار بين الحضارات في الكتاب والسنة.</ref>
والإسلام ـ وهو [[رسالة]] [[أنبياء]] اللّه جميعا ـ هو الواضع الأول لمنهاج النقاش الحرّ والمناظرة، والنبيّ {{صل}} ـ وهو أعظم [[رسول]] إلهي ـ هو الذي أعلن لأول مرّة منهاج النقاش الحرّ والمناظرة وتلاقي الأفكار السليمة في [[مجتمع]] عصر كانت الغلبة فيه للقوّة والمال، وعلى هذا الغرار كان هو وعلماء أهل بيته هم الطليعة البارزة في هذا المجال، ومن ثَمّ اختصّ قسم ملحوظ من كتب الحديث بمناظرات النبيّ {{صل}} والأئمه من أهل بيته {{عم}}.<ref>راجع: الحوار بين الحضارات في الكتاب والسنة.</ref>


والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ اُسلوب الإسلام للقضاء على المعتقدات غير العلميّة اُسلوبٌ علميٌّ منطقيٌّ تماما، فلم يلجأ ولا يلجأ إلى السيف لهذا الفرض بتاتا، فكان اُسلوب [[الرسول]] صلى الله عليه و آله في [[الدعوة]] ـ بناءً على تعليمات القرآن ـ مبتنيا على إقامة الأدلّة والبراهين وبذل المواعظ والنصائح والمناظرة بالتي هي أحسن، وكان صلى الله عليه و آله يُعلن صراحةً بأنّ اُسلوبه واُسلوب من اتّبعه لدعوة [[الناس]] إلى [[الإيمان]] باللّه واعتناق [[الإسلام]] يستند إلى [[العلم]] والبصيرة: {{نص قرآني|قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٠٨.</ref>
والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ اُسلوب الإسلام للقضاء على المعتقدات غير العلميّة اُسلوبٌ علميٌّ منطقيٌّ تماما، فلم يلجأ ولا يلجأ إلى السيف لهذا الفرض بتاتا، فكان اُسلوب [[الرسول]] {{صل}} في [[الدعوة]] ـ بناءً على تعليمات القرآن ـ مبتنيا على إقامة الأدلّة والبراهين وبذل المواعظ والنصائح والمناظرة بالتي هي أحسن، وكان {{صل}} يُعلن صراحةً بأنّ اُسلوبه واُسلوب من اتّبعه لدعوة [[الناس]] إلى [[الإيمان]] باللّه واعتناق [[الإسلام]] يستند إلى [[العلم]] والبصيرة: {{نص قرآني|قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}}<ref> سورة يوسف، الآية ١٠٨.</ref>


وعليه، فإنّه غاية من عدم الإنصاف أن يقال: إنّ الإسلام قد فُرِضَ على الناس بالقوّة، ولا سيَما إذا كان هذا الافتراء قد صدر من جانب اُناسٍ قد سوّدت جرائمهم وجه [[التاريخ]] في محاكم التفتيش.
وعليه، فإنّه غاية من عدم الإنصاف أن يقال: إنّ الإسلام قد فُرِضَ على الناس بالقوّة، ولا سيَما إذا كان هذا الافتراء قد صدر من جانب اُناسٍ قد سوّدت جرائمهم وجه [[التاريخ]] في محاكم التفتيش.
سطر ٤٥٤: سطر ٤٥٤:
فالإسلام بعد أن يُتمّ [[الحجّة]] على هذه النُظُم يواجهها بالقوّة، حتّى يزيل العقبات المانعة لحرّية الفكر، ويفسح الطريق للوعي ونماء العقائد الصحيحة.
فالإسلام بعد أن يُتمّ [[الحجّة]] على هذه النُظُم يواجهها بالقوّة، حتّى يزيل العقبات المانعة لحرّية الفكر، ويفسح الطريق للوعي ونماء العقائد الصحيحة.


وسوف نشاهد بعد ـ في مبحث «النبوّة الخاصّة» فيما يختصّ بمعرفة النبيّ صلى [[الله]] عليه و آله واُسلوبه في مقابلة المخالفين ـ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله في مواجهته للقُدرات المناوئة كان يتوسّل بالدليل والبرهان كخطوة اُولى في مناظرته، ثمّ المباهلة كخطوة ثانية وهي تحكيم اللّه والاحتكام إليه، فإذا لم تفلح [[المناظرة]] أو المباهلة فالحرب والقتال في ميادين الوغى هي الخطوة الأخيرة لإزالة السدود عن طريق [[الوعي]] وحرّية الفكر. وما المناظرة والمباهلة إلّا إتمام الحجّة على المعاندين.
وسوف نشاهد بعد ـ في مبحث «النبوّة الخاصّة» فيما يختصّ بمعرفة النبيّ {{صل}} واُسلوبه في مقابلة المخالفين ـ أنّ النبيّ {{صل}} في مواجهته للقُدرات المناوئة كان يتوسّل بالدليل والبرهان كخطوة اُولى في مناظرته، ثمّ المباهلة كخطوة ثانية وهي تحكيم اللّه والاحتكام إليه، فإذا لم تفلح [[المناظرة]] أو المباهلة فالحرب والقتال في ميادين الوغى هي الخطوة الأخيرة لإزالة السدود عن طريق [[الوعي]] وحرّية الفكر. وما المناظرة والمباهلة إلّا إتمام الحجّة على المعاندين.


مضافا إلى النُظُم المتعفّنة قد تقوم السُنن والتقاليد المهيمنة على [[مجتمع]] من المجتمعات أحيانا بمثابة السدّ في طريق حرّية [[الفكر]]، مثل: [[عبادة]] الأوثان وعبادة البقر وعبادة [[النار]]، والعشرات بل المئات من [[العقائد]] الاُخرى المنافية للعقل، التي لو تأمّلها [[الإنسان]] بفكر حرّ لم يلبث حتّى يُدرك أنها عقائد وهمية دونما أدنى شكّ، إلّا أنّ السُنن والعادات الموروثة العمياء التي تطوّق [[أرواح]] المعتقدين وكأنها الأغلال استبدّت بالفكر، لا تتيح للإنسان فرصة التفكّر والتعقّل، وعلى حدّ قول الاُستاذ [[الشهيد]] العلّامة المطهّري: في البداية يظهر أصحاب المصالح الاستغلاليون، ويحاولون تأسيس [[نظام]]، وهذا [[النظام]] يحتاج بدون شكّ إلى مرتكز عقائدي، فالمؤسّس يعلم ذاتيا ما هو [[صانع]]، يعلم أنّه يخون ويعرف خيانته، فهو يروّج بين [[الناس]] لفكرة أو صنم أو بقرة أو ثعبان، فينخدع به جمعٌ منهم دون أن تتعلّق قلوبهم به، وتمضي عدّة أعوام، فيولد لهذه الجماعة أطفال يتربّون في أحضانهم يشاهدون أعمالهم ثمّ يبدؤون بالسير على خُطى الآباء.
مضافا إلى النُظُم المتعفّنة قد تقوم السُنن والتقاليد المهيمنة على [[مجتمع]] من المجتمعات أحيانا بمثابة السدّ في طريق حرّية [[الفكر]]، مثل: [[عبادة]] الأوثان وعبادة البقر وعبادة [[النار]]، والعشرات بل المئات من [[العقائد]] الاُخرى المنافية للعقل، التي لو تأمّلها [[الإنسان]] بفكر حرّ لم يلبث حتّى يُدرك أنها عقائد وهمية دونما أدنى شكّ، إلّا أنّ السُنن والعادات الموروثة العمياء التي تطوّق [[أرواح]] المعتقدين وكأنها الأغلال استبدّت بالفكر، لا تتيح للإنسان فرصة التفكّر والتعقّل، وعلى حدّ قول الاُستاذ [[الشهيد]] العلّامة المطهّري: في البداية يظهر أصحاب المصالح الاستغلاليون، ويحاولون تأسيس [[نظام]]، وهذا [[النظام]] يحتاج بدون شكّ إلى مرتكز عقائدي، فالمؤسّس يعلم ذاتيا ما هو [[صانع]]، يعلم أنّه يخون ويعرف خيانته، فهو يروّج بين [[الناس]] لفكرة أو صنم أو بقرة أو ثعبان، فينخدع به جمعٌ منهم دون أن تتعلّق قلوبهم به، وتمضي عدّة أعوام، فيولد لهذه الجماعة أطفال يتربّون في أحضانهم يشاهدون أعمالهم ثمّ يبدؤون بالسير على خُطى الآباء.
سطر ٤٧٤: سطر ٤٧٤:
بعد أن فُتحت مكّة وانصرف [[الناس]] عن [[عبادة]] [[الأصنام]] واُعلن [[العفو]] العامّ دخل أهل الحجاز في [[دين]] اللّه أفواجا، إلّا زعماء المشركين الذين كانوا يخلقون المشاكل للمسلمين، فقد باتوا يشعرون بالخطر، ممّا حداهم إلى الهرب من مكّة المكرّمة. وكان صفوان بن اُميّه أحد الهاربين إلى جدّة.
بعد أن فُتحت مكّة وانصرف [[الناس]] عن [[عبادة]] [[الأصنام]] واُعلن [[العفو]] العامّ دخل أهل الحجاز في [[دين]] اللّه أفواجا، إلّا زعماء المشركين الذين كانوا يخلقون المشاكل للمسلمين، فقد باتوا يشعرون بالخطر، ممّا حداهم إلى الهرب من مكّة المكرّمة. وكان صفوان بن اُميّه أحد الهاربين إلى جدّة.


فإنّه فضلاً عن جرائمه الفادحة ـ كان قد [[قتل]] مسلما انتقاما لأبيه اُمية بن خلف الذي قُتِل على أيدي المسلمين في [[بدر]]، وذلك عندما صلَبَهُ أمامَ حشد كبير من أهل مكّة في وضح النهار، ولهذا أهدر [[رسول اللّه]] صلى [[الله]] عليه و آله دمَه، فعزم على أن يخرج من الحجاز عن طريق البحر فراراً من [[القتل]]، وبخاصّة عندما علم بأنه من جملة العشرة الذين أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقتلهم وإهدار دمِهم.
فإنّه فضلاً عن جرائمه الفادحة ـ كان قد [[قتل]] مسلما انتقاما لأبيه اُمية بن خلف الذي قُتِل على أيدي المسلمين في [[بدر]]، وذلك عندما صلَبَهُ أمامَ حشد كبير من أهل مكّة في وضح النهار، ولهذا أهدر [[رسول اللّه]] {{صل}} دمَه، فعزم على أن يخرج من الحجاز عن طريق البحر فراراً من [[القتل]]، وبخاصّة عندما علم بأنه من جملة العشرة الذين أمر رسول اللّه {{صل}} بقتلهم وإهدار دمِهم.


فطَلبَ عُمير بن وهب من رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يعفو عنه، فقبِلَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله شفاعته، وأعطاه عمامته ليدخلَ بها مكّة كعلامة أمان من رسول اللّه صلى الله عليه و آله، ويصطحب معه إلى مكّة صفوان بن اُمية، فذهب عُمير إلى جدّة وأخبر صفوان بذلك، وقدِمَ به مكّة على [[رسول اللّه]] صلى [[الله]] عليه و آله، فلمّا وقعت عينا رسول اللّه على كبير المجرمين بل أكبرهم يومئذ قال له ردّاً عليه لما سأله قائلاً «إنّ عُمير يزعم أنك أمتّني»: صدقت، إنزل أبا وهب.
فطَلبَ عُمير بن وهب من رسول اللّه {{صل}} أن يعفو عنه، فقبِلَ رسول اللّه {{صل}} شفاعته، وأعطاه عمامته ليدخلَ بها مكّة كعلامة أمان من رسول اللّه {{صل}}، ويصطحب معه إلى مكّة صفوان بن اُمية، فذهب عُمير إلى جدّة وأخبر صفوان بذلك، وقدِمَ به مكّة على [[رسول اللّه]] {{صل}}، فلمّا وقعت عينا رسول اللّه على كبير المجرمين بل أكبرهم يومئذ قال له ردّاً عليه لما سأله قائلاً «إنّ عُمير يزعم أنك أمتّني»: صدقت، إنزل أبا وهب.


ثمّ دعاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى [[الإسلام]]، فقال: اجعلني بالخيار شهرين، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أنت بالخيار في أربعة أشهر، وبهذا أمهله رسول اللّه صلى الله عليه و آله أربعة أشهر كفرصة يفكّر فيها في الإسلام ودعوة النبيّ.<ref>سيّد المرسلين: ج ٢ ص ٥٠٥، وراجع كنز العمّال: ج ١٠ ص ٥٠٤ ح ٣٠١٧٠.</ref>
ثمّ دعاه رسول اللّه {{صل}} إلى [[الإسلام]]، فقال: اجعلني بالخيار شهرين، فقال رسول اللّه {{صل}}: أنت بالخيار في أربعة أشهر، وبهذا أمهله رسول اللّه {{صل}} أربعة أشهر كفرصة يفكّر فيها في الإسلام ودعوة النبيّ.<ref>سيّد المرسلين: ج ٢ ص ٥٠٥، وراجع كنز العمّال: ج ١٠ ص ٥٠٤ ح ٣٠١٧٠.</ref>


ولعل الألطف من هذه القصّة قصة دخول سهيل بن عمر الإسلام، قال: لمّا دخلَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله مكّة وظَهَرَ، انقحمتُ بيتي وأغلقتُ عليَّ بابي، وأرسلتُ إلى ابني عبداللّه بن سهيل أن اُطلب لي جواراً من محمّد، وإنّي لا آمن أن اُقتَل، وجعلت أتذكّر أثري عند محمّد وأصحابه؛ فليس أحدٌ أسوأ أثرا منّي.... فذهب عبداللّه بن سهيل إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فقال: يا رسول اللّه، تُؤَمِّنُهُ؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان اللّه، فليَظْهر، ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمن حوله: من لقيَ سُهيلَ بنَ عمروٍ فلا يشدُّ النظر إليه، فليخرج؛ فلعمري إنَّ سهيلاً له [[عقل]] وشرف، وما مثلُ سهيل جهِلَ الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنّه لم يكن له بنافع ! فخرج عبداللّه إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول اللّه صلى الله عليه و آله؛ فقال سهيل: كان واللّه بَرّاً؛ صغيراً وكبيراً. فكان سهيل يُقبل ويُدبر، وخرج إلى [[حنين]] مع النبيّ صلى الله عليه و آله وهو على شركه، حتّى أسْلَمَ بالجِعِرّانة. <ref>المغازي للواقدي: ج ٢ ص ٨٤٦، المستدرك على الصحيحين: ج ٣ ص ٣١٧ ح ٥٢٢٥، شرح نهج البلاغة: ج١٧ ص ٢٨٤، كنز العمّال: ج ١٠ ص ٥٠٣ ح ٣٠١٦٨.</ref>
ولعل الألطف من هذه القصّة قصة دخول سهيل بن عمر الإسلام، قال: لمّا دخلَ رسول اللّه {{صل}} مكّة وظَهَرَ، انقحمتُ بيتي وأغلقتُ عليَّ بابي، وأرسلتُ إلى ابني عبداللّه بن سهيل أن اُطلب لي جواراً من محمّد، وإنّي لا آمن أن اُقتَل، وجعلت أتذكّر أثري عند محمّد وأصحابه؛ فليس أحدٌ أسوأ أثرا منّي.... فذهب عبداللّه بن سهيل إلى رسول اللّه {{صل}}، فقال: يا رسول اللّه، تُؤَمِّنُهُ؟ فقال: نعم، هو آمن بأمان اللّه، فليَظْهر، ثمّ قال رسول اللّه {{صل}} لمن حوله: من لقيَ سُهيلَ بنَ عمروٍ فلا يشدُّ النظر إليه، فليخرج؛ فلعمري إنَّ سهيلاً له [[عقل]] وشرف، وما مثلُ سهيل جهِلَ الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنّه لم يكن له بنافع ! فخرج عبداللّه إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول اللّه {{صل}}؛ فقال سهيل: كان واللّه بَرّاً؛ صغيراً وكبيراً. فكان سهيل يُقبل ويُدبر، وخرج إلى [[حنين]] مع النبيّ {{صل}} وهو على شركه، حتّى أسْلَمَ بالجِعِرّانة. <ref>المغازي للواقدي: ج ٢ ص ٨٤٦، المستدرك على الصحيحين: ج ٣ ص ٣١٧ ح ٥٢٢٥، شرح نهج البلاغة: ج١٧ ص ٢٨٤، كنز العمّال: ج ١٠ ص ٥٠٣ ح ٣٠١٦٨.</ref>


هاتان القصّتان نموذجان واضحان للسيرة العمليّة لنبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله في معاملة المناوئين للعقيدة [[الإسلامية]]، وهما تبرهنان عكس المزاعم التي يبثّها بعض المستشرقين للنيل من [[الإسلام]] والنبيّ الأكرم صلى [[الله]] عليه و آله، وعليه، فإنّ المعارك والغزوات الإسلامية بناءً على تعاليم [[القرآن]] لم تكن إلّا إقداما على تحطيم الموانع دون حرّية [[الفكر]] ونماء المعتقدات الصحيحة.<ref>لمزيد من المعلومات بهذا الخصوص راجع مقالة «ملفّ الإسلام» من كتاب محمّد خاتم پيامبران (بالفارسية): ج ٢ ص ٥٩ ـ ٧١.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٣٩-١٤٤.</ref>
هاتان القصّتان نموذجان واضحان للسيرة العمليّة لنبيّ الإسلام {{صل}} في معاملة المناوئين للعقيدة [[الإسلامية]]، وهما تبرهنان عكس المزاعم التي يبثّها بعض المستشرقين للنيل من [[الإسلام]] والنبيّ الأكرم {{صل}}، وعليه، فإنّ المعارك والغزوات الإسلامية بناءً على تعاليم [[القرآن]] لم تكن إلّا إقداما على تحطيم الموانع دون حرّية [[الفكر]] ونماء المعتقدات الصحيحة.<ref>لمزيد من المعلومات بهذا الخصوص راجع مقالة «ملفّ الإسلام» من كتاب محمّد خاتم پيامبران (بالفارسية): ج ٢ ص ٥٩ ـ ٧١.</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ١٣٩-١٤٤.</ref>


==حرّية تبليغ [[العقيدة]] في الإسلام==
==حرّية تبليغ [[العقيدة]] في الإسلام==
٢٦٬٨٢١

تعديل