الفرق بين المراجعتين لصفحة: «فاطمة المعصومة»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = فاطمة المعصومة| المداخل ذات الصلة = [[فاطمة المعصومة في القرآن]] - [[فاطمة المعصومة في الحديث]] - [[فاطمة المعصومة في الفقه المقارن]] - [[فاطمة المعصومة عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة = }} | {{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = | عنوان المدخل = فاطمة المعصومة| المداخل ذات الصلة = [[فاطمة المعصومة في القرآن]] - [[فاطمة المعصومة في الحديث]] - [[فاطمة المعصومة في الفقه المقارن]] - [[فاطمة المعصومة عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة = }} | ||
==السيدة المعصومةعلیها السلام في حديث الأئمة المعصومين علیهم السلام== | ==السيدة المعصومةعلیها [[السلام]] في حديث [[الأئمة]] المعصومين علیهم السلام== | ||
==تمهيـد== | ==تمهيـد== | ||
لقد احتلّت شخصيّاتٌ من أبناء الأئمّة المعصومين{{عم}} اهتماماً واسعاً مِنْ قِبَلِ أئمّةِ الدّين والهُدى (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأكّدت الخطابات والأحاديث المعصوميّة على مقاماتهم وشأنهم وما بلغوهُ من السّموّ والرّفعة، والقُرب مِنْ ساحةِ القُدسِ الإلهيّ. | لقد احتلّت شخصيّاتٌ من أبناء الأئمّة المعصومين{{عم}} اهتماماً واسعاً مِنْ قِبَلِ أئمّةِ الدّين والهُدى (صلوات [[الله]] عليهم أجمعين)، وأكّدت الخطابات والأحاديث المعصوميّة على مقاماتهم وشأنهم وما بلغوهُ من السّموّ والرّفعة، والقُرب مِنْ ساحةِ القُدسِ الإلهيّ. | ||
وإنّنا بعدَ إيماننـا واعتقادنا بعصمةِ النبيّ الأعظم محمّد بن عبد الله{{صل}} وعصمةِ الأئمّة من أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين)، نؤمِن أنّ ما يَصدُرُ عنهم إنّما هو حقٌ من عندِ الله تبارك | وإنّنا بعدَ إيماننـا واعتقادنا بعصمةِ النبيّ الأعظم محمّد بن عبد الله{{صل}} وعصمةِ الأئمّة من [[أهل البيت]] (صلوات الله عليهم أجمعين)، نؤمِن أنّ ما يَصدُرُ عنهم إنّما هو حقٌ من عندِ [[الله تبارك وتعالى]]، ولا يَصدرُ عنهم مِنْ دافع [[العاطفة]] أو مِن دافع المجاملة، عندما يؤكّدون{{عم}} على شخصيّة قريبةٍ منهم نسباً أو بعيدةٍ عنهم من جهة الرّابط النّسبيّ، وما يتحدّثون به إلّا من جهةِ كونهِ [[حقيقة]] لا لَبْسَ فيها. | ||
فهذا كتاب الله العظيم القرآن الكريم يؤكّد على ما يصدُرُ من خاتَمِ الأنبياء محمّد بن عبد الله{{صل}} على أنَّهُ وحيٌ من عند اللهِ | فهذا [[كتاب الله]] [[العظيم]] [[القرآن الكريم]] يؤكّد على ما يصدُرُ من خاتَمِ [[الأنبياء]] محمّد بن عبد الله{{صل}} على أنَّهُ وحيٌ من عند اللهِ في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٣-٤.</ref>، وبيانه: أنّ القُرآن [[الكريم]] إذا كانَّ حُجّةً لكونه وحياً إلهيّاً، فيلزم أنّ كلّ ما يقوله النّبيّ{{صل}} حجّة أيضاً؛ لكونه وحياً إلهيّاً. | ||
وكذلك نجدُ أنَّ القُرآن الكريم يؤكّد على الأخذ بكلّ ما جاء به النّبيّ{{صل}}، في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}}<ref> | وكذلك نجدُ أنَّ القُرآن الكريم يؤكّد على الأخذ بكلّ ما جاء به النّبيّ{{صل}}، في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}}<ref> سورة الحشر، الآية ٧.</ref>، فالقرآن الكريم يأمُرُنا بالالتزام بكلّ تعليمٍ يصدُرُ عن الرّسول{{صل}}. | ||
ولذا نقولُ: إنّ ما جاء في الأحاديث النّبويّة الشّريفة من التّأكيد على فضل أمير المؤمنين{{ع}} وإمامته، وفضل الصّدّيقة الزّهراء فاطمة{{ع}}، لم يكن بدافع القُرب النّسبيّ لكون أمير المؤمنين{{ع}} اِبن عمّ رسول الله{{صل}}، بل لأنَّهُ هو المستحقّ للإمامة بأمرِ | ولذا نقولُ: إنّ ما جاء في [[الأحاديث]] النّبويّة الشّريفة من التّأكيد على [[فضل]] [[أمير المؤمنين]]{{ع}} وإمامته، وفضل الصّدّيقة الزّهراء فاطمة{{ع}}، لم يكن بدافع القُرب النّسبيّ لكون أمير المؤمنين{{ع}} اِبن عمّ [[رسول الله]]{{صل}}، بل لأنَّهُ هو المستحقّ للإمامة بأمرِ الله، وليس بدافع كون الصّدّيقة الزّهراء{{ع}} هيَ ابنتُهُ، كما يدّعي ذلك بعض المرجفين والمشكّكين، في كثرة الأحاديث الواردة في فضل الصّدّيقة الزّهراء{{ع}} بأنّ ظاهرة كثرة الأحاديث النّبويّة في فضل الزّهراء{{ع}} بأنّها تمثّل موجاً عاطفيّاً مِن والدٍ إلى ابنته، ومثل هذه الدّعاوى تجعل القائِل بها يُخرج النّبيّ الأعظم{{صل}} عن حدود [[العصمة]] الثّابتة له، بالأدلّة العقليّة والنّقليّة المستفيضة في جميع أبعاد شخصيّته، في كلّ أقواله وأفعاله، فلو لم يكن{{صل}} بعيداً كُلَّ البُعدِ عن [[العاطفة]] في أقواله المباركة وفي كافّة أفعاله لما ألزمنا [[الله]] سبحانه وتعالى باتّباعه بشكلٍ مُطلقٍ {{نص قرآني|وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}}<ref> سورة الحشر، الآية ٧.</ref>، فلذا فإنَّ ما صدر عن رسولِ اللهِ{{صل}} في فضلِ البضعة الزّهراء{{ع}} ليس من جهةِ أنَّهُ والدها ويُحبّها حبّ الأب لابنته، بل لما بلغتهُ من القُربِ للهِ (تبارك وتعالى) حقيقةً، وأنَّ الله هو الّذي أعلى شأنها، ويمكن القول: إنّ هذه [[الأحاديث]] الشّريفة كانت شرحاً لكثيرٍ من [[الآيات]] الّتي نزلت تبياناً لعظمتها ورفعتها وسموّ مقامها، من قبيل قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}}<ref> سورة الشورى، الآية ٢٣.</ref>. | ||
وكذلك أئمّةُ الدّين{{عم}} عندما يصدُر منهم مَدحٌ لشخصيّة مِن الشّخصيّات، لا يكون ذلك من باب العاطفة، لمَا ثبتَ في محلِّه مِنْ أنَّهم معصومون، وأنَّ ما يصدر عنَّهم يجبُ التّسليم لهُ والطّاعة، فقد قال الله تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}}<ref> | وكذلك أئمّةُ الدّين{{عم}} عندما يصدُر منهم مَدحٌ لشخصيّة مِن الشّخصيّات، لا يكون ذلك من باب العاطفة، لمَا ثبتَ في محلِّه مِنْ أنَّهم معصومون، وأنَّ ما يصدر عنَّهم يجبُ التّسليم لهُ والطّاعة، فقد قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٩.</ref>، ولقد وردت نصوصٌ كثيرة عن النّبيّ {{صل}} تثبتُ ذلك، كحديث الثّقلين: عن [[زيد بن أرقم]] قال: ثم قال: قام [[رسول الله]] {{صل}} يوماً خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثمّ قال: {{نص حديث|أمّا بعد ألا أيّها النّاس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي...}} <ref>صحيح مسلم، ج٧، ص١٢٣.</ref>، وهو نصٌّ واضحٌ في [[العصمة]]، وأنَّ [[أهل البيت]] {{عم}} معصومون كما هو شأن [[القرآن]] في العصمة، ومن تلك النّصوص: قوله{{صل}}: {{نص حديث|من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّى، فليوالي عليّاً من بعدي، وليوالي وليّه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزُقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذّبين فيهم من أُمّتي، القاطعين في صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي}}. <ref>أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ج١، ص٦ بإسناد صحيح.</ref> | ||
وقد ورد من طُرقنا نحن الشّيعة الإماميّة عن الأئمّة {{عم}} كما في الكافي الشّريف: عن الإمام الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا}} <ref>الكافي، | وقد ورد من طُرقنا نحن الشّيعة [[الإماميّة]] عن الأئمّة {{عم}} كما في [[الكافي]] الشّريف: عن [[الإمام]] الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا}} <ref>الكافي، ج١، ص٣٦٩، باب في أنّ الأئمّة {{عم}} بمن يشبهون ممّن مضى.</ref>، فهذه الرّواياتُ الشّريفة تُثبتُ لنا أنَّهم {{عم}} عندما يمتدحون شخصيّةً من الشّخصيّات، قريبةً نسباً بهم أم لا، إنّما لِما لها مِن الشّأن عند [[الله]] (عزَّ وجل). | ||
ومن تلك الشّخصيّات الممدوحة على لسان النّبيّ {{صل}} وأئمّة أهل البيت {{عم}}، ممّن ليس لهُ قُربٌ نسبيٌّ معهم، كمثل الصحابيّ الجليل سلمان | ومن تلك الشّخصيّات الممدوحة على لسان النّبيّ {{صل}} وأئمّة [[أهل البيت]] {{عم}}، ممّن ليس لهُ قُربٌ نسبيٌّ معهم، كمثل الصحابيّ [[الجليل]] سلمان المحمّديّ، فقد وردت رواياتٌ عديدة تُبيّن أنّ سلمان قد وصل إلى الدّرجة العالية الرّفيعة بالعلم والمعرفة، فعن أبي جعفر {{ع}}: {{نص حديث|... وقال رسول الله سلمان منّا أهل البيت إنّما عنى بمعرفتنا وإقراره بولايتنا}} <ref>بحار الأنوار، المجلسي، ج٦٥، ص ٥٥.</ref>، فهو مِنْ أهل البيت {{عم}} باتّباعه الخالص الصّادق للنّبيّ المصطفى {{صل}} وأهل البيت{{عم}} وولائه لهم، كما قال [[إبراهيم]] {{ع}} فيما حكاه [[الله تعالى]] من قوله: {{نص قرآني|فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٦.</ref>، وما روي عن [[رسول الله]] {{صل}} أنَّه قال: {{نص حديث|سلمانٌ منّا أهل البيت}}.<ref>الطّبقات الكبرى، ابن سعد، ج٤، ص٦٢.</ref> | ||
وكذلك ما ورد في شأن تلميذ الإمامين الباقر والصّادق | وكذلك ما ورد في شأن تلميذ الإمامين [[الباقر]] والصّادق [[الفقيه]] المتكلّم زرارة بن أعين الّذي هو مِنْ أصحاب [[الإجماع]]، ومن [[رواة الحديث]] في القرن الثّاني الهجريّ، فقد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت {{عم}} في مدحه، فقد ورد في الكشّي في ترجمة زرارة، في صحيحة عبد اللّه بن زرارة، أنّ أبا عبد اللّه {{ع}} قال له: {{نص حديث|أقرئ منّي على والدك السّلام وقل له: إنّي أنا أعيبك دفاعاً منّي عنك، فإنّ النّاس والعدو يسارعون إلى كلّ من قرّبناه وحمدنا مكانه؛ لإدخال الأذى في من نحبّه ونقرّبه، ويرمونه لمحبّتنا له وقربه ودنوّه منّا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كلّ من عبناه نحن، فإنّما أعيبك لأنّك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند النّاس غير محمود الأثر بمودّتك لنا ولميلك إلينا. فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدّين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منّا مدافع شرّهم عنك، يقول اللّه عزّ وجلّ: {{نص قرآني|أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}}<ref> سورة الكهف، الآية ٧٩.</ref>. هذا [[التنزيل]] من عند [[الله]] صالحة، لا والله ما عابها إلّا لكي تسلم من الهلك ولا تعطب على يديه ولقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ والحمد لله. فافهم [[المثل]] يرحمك الله فأنت والله أحبّ النّاس إليّ، وأحبّ أصحاب أبي حيّاً وميّتاً، فإنّك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، وإنّ من ورائك ملكاً ظلوماً غصوباً، يرقب عبور كلّ سفينة صالحة ترد من بحر [[الهدى]]؛ ليأخذها غصباً وأهلها، ورحمة الله عليك حيّاً ورحمته ورضوانه عليك ميّتاً}}<ref>اختيار معرفة الرّجال، ص ١٣٨، الرقم ٢٢١.</ref>، فمثل هذا [[المدح]] والثّناء [[الكبير]] على [[الفقيه]] [[الجليل]] زرارة بن أعين اتّخذه علماء علم الرّجال دليلًا على وثاقته، فقد وثقهُ كلُّ مَنْ ترجم له، ومثل هذا البحث راجعٌ لمحلّه في علم الرّجال في نصِّ أحد المعصومين على وثاقة الرّجل، في باب التّوثيقات الخاصّة، فراجع. | ||
كذلك، فإنَّ هناك شخصيّات عديدة من أبناء الأئمّة المعصومين {{عم}} قد أشارت لشأنهم رواياتٌ كثيرة، كشخصيّة أبي الفضل العبّاس {{ع}}، الّتي احتلتْ اهتماماً واسعاً من قِبَلِ الأئمّة {{عم}}؛ لأهمّيّة القضيّة الحسينيّة المباركة، الّتي كان العبّاس {{ع}} أحد أقطابها المهمّين ورجالاتها العظماء البارزين، وكان الدّور الّذي يتحمّله قمر بني هاشم في هذه القضيّة إحدى الملاحم المهمّة، الّذي حدى بأَئِمَّةَ الهدى {{عم}} أن يجعلوه من أهمّ الشّخصيّات البارزة في سيرتهم ومشروعهم الرّساليّ، لذا أضحت شخصيّة العبّاس {{ع}} من أهمّ دواعي الاعتزاز الّتي يفخر بها المخلصون الأوفياء، الّذين يبحثون على القدوة الصّالحة المُرشدة للالتزام بخطّ الإمام المعصوم {{ع}}، فقد وَرَدَ كثيرٌ في مدحه والثّناء عليه بلسان الأئمّة المعصومين {{عم}}، وقد رويَ عن أبي عبدالله الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|كانَّ عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبدالله {{ع}} وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً}}<ref>مقتل أبي مخنف، | كذلك، فإنَّ هناك شخصيّات عديدة من أبناء الأئمّة المعصومين {{عم}} قد أشارت لشأنهم رواياتٌ كثيرة، كشخصيّة أبي [[الفضل]] العبّاس {{ع}}، الّتي احتلتْ اهتماماً واسعاً من قِبَلِ الأئمّة {{عم}}؛ لأهمّيّة القضيّة الحسينيّة المباركة، الّتي كان العبّاس {{ع}} أحد أقطابها المهمّين ورجالاتها العظماء البارزين، وكان الدّور الّذي يتحمّله قمر بني هاشم في هذه القضيّة إحدى الملاحم المهمّة، الّذي حدى بأَئِمَّةَ الهدى {{عم}} أن يجعلوه من أهمّ الشّخصيّات البارزة في سيرتهم ومشروعهم الرّساليّ، لذا أضحت شخصيّة العبّاس {{ع}} من أهمّ [[دواعي]] الاعتزاز الّتي يفخر بها المخلصون الأوفياء، الّذين يبحثون على [[القدوة]] الصّالحة المُرشدة للالتزام بخطّ [[الإمام]] [[المعصوم]] {{ع}}، فقد وَرَدَ كثيرٌ في مدحه والثّناء عليه بلسان الأئمّة المعصومين {{عم}}، وقد رويَ عن أبي عبدالله الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|كانَّ عمّنا العبّاس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبدالله {{ع}} وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً}}<ref>مقتل أبي مخنف، ص١٣١.</ref>، وللمتأمّل في ما ورد في الزّيارة المعتبرة عن الإمام الصّادق {{ع}} لعمّه أبي [[الفضل]] العبّاس {{ع}} الدّليل الدّامغ على ما بلغه أبي الفضل {{ع}} مِن مقامٍ وشأن عظيم عند [[الله]]، {{[[نص]] حديث|السلام عليك أيّها العبدُ الصّالح المطيعُ للهِ ولِرَسولِهِ ولأميرِ المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليهم <ref>كامل [[الزيارات]]، ص٧٨٦. | ||
</ref> | </ref> | ||
==في رحاب السّيّدة المعصومة {{ع}}== | ==في رحاب السّيّدة المعصومة {{ع}}== | ||
ومن تلك الشّخصيّات المُباركة الّتي اِحتلت مكانةً ساميةً رفيعةً في خطابات الأئمّة الطّاهرين {{عم}} هي: بنتُ الإمامِ وأُختُ الإمامِ وعمّةُ الإمام، بضعةُ الإمام موسى بن جعفر الكاظم {{ع}} السّيّدةُ الجليلة فاطمة المعصومة {{ع}}. | ومن تلك الشّخصيّات المُباركة الّتي اِحتلت مكانةً ساميةً رفيعةً في خطابات الأئمّة الطّاهرين {{عم}} هي: بنتُ الإمامِ وأُختُ الإمامِ وعمّةُ الإمام، بضعةُ [[الإمام موسى بن جعفر الكاظم]] {{ع}} السّيّدةُ الجليلة فاطمة المعصومة {{ع}}. | ||
فإنَّ المُتأمّل في تلك الرّوايات الشّريفة التي وردت عن أئمة أهل البيت {{عم}} في شأنها، يكونُ أمامَ حقيقةٍ واضحة، في بيانِ جلالةِ قدرها، وشموخ مَقامِها | فإنَّ المُتأمّل في تلك الرّوايات الشّريفة التي وردت عن [[أئمة أهل البيت]] {{عم}} في شأنها، يكونُ أمامَ حقيقةٍ واضحة، في بيانِ جلالةِ قدرها، وشموخ مَقامِها [[العظيم]]، وأنَّها {{ع}} قد بلغت درجاتٍ عالية في مدارج [[الكمال]] والفضل، وأنَّها عالمةٌ فاضلة، وكيف لا تكون كذلك وهي نُخبة البيتِ الموسويّ، وقد ذَكَرَ سماحة [[آية الله]] السّيّد عادل العلويّ، في حديثه عن السّيّدة المعصومة{{ع}}: أنَّها "اشتهرت بالعصمة الأفعاليّة كعمّتها زينب الكبرى" <ref>موسوعة رسالات إسلاميّة ج ١٥، ص ٦١، كتاب شَهدُ الأرواح، دراسة مختصرة عن حياة السّيّدة المعصومة (ع) وتاريخ قم المقدّسة، السّيّد عادل العلويّ.</ref> | ||
مِنْ سُلالة النّبوة والإمامة، ومِنْ شخصيّات أهلِ بيتِ العصمة والطّهارة الّذين أذهب اللهُ عنهُمُ الرِّجس وطهّرهم تطهيراً، السّيّدة الجليلة فاطمة المعصومة بنتُ الإمام موسى بن جعفر | مِنْ سُلالة النّبوة والإمامة، ومِنْ شخصيّات أهلِ بيتِ [[العصمة]] والطّهارة الّذين أذهب اللهُ عنهُمُ الرِّجس وطهّرهم تطهيراً، السّيّدة الجليلة فاطمة المعصومة بنتُ الإمام موسى بن جعفر الكاظم، وهي من السّلالة الطّاهرة الزّكيّة، وُلِدَتْ {{ع}} في [[المدينة المنوّرة]] في غرّة شهر ذي القعدة من [[سنة]] ١٧٣هـ.<ref>مستدرك سفينة البحار، ج٨، ص٢٥٧.</ref>، وقد ترعرعت هذه السّيّدة الفاضلة في بيت أبيها الإمام موسى بن جعفر الكاظم {{ع}}، فورثت نور أهل بيت العصمة والطّهارة، وقد أخذتْ مِنْ هديهم وعلومهم. | ||
وإنَّ نسبها الشّامخ أحدُ الأدلّة على طهارتها وعظمتها وعلوّها في سماء المجد، فهي بنتُ الإمامِ الصّابرِ والعبدِ الصّالحِ، الّذي مثلُهُ | وإنَّ نسبها الشّامخ أحدُ الأدلّة على طهارتها وعظمتها وعلوّها في سماء المجد، فهي بنتُ الإمامِ الصّابرِ والعبدِ الصّالحِ، الّذي مثلُهُ كَمَثَلِ الشمسِ في كبدِ السّماء (وصيُّ الأبرار، وإمامُ الأخيار، وعَيْبَةُ الأنوار، ووارث السّكينةِ والوقارِ والحِكَمِ والآثار) <ref>مصباح الزّائر، ص٣٨٢.</ref>، وأخوها هو الإمامُ الثّامن من أئِمَّةِ أهلِ البيتِ {{عم}}، [[الإمام علي]] بن [[موسى]] الرّضا {{ع}}، الّذي قال فيه أبوهُ [[الإمام الكاظم]] {{ع}}: {{نص حديث|هذا أخوكم عليُّ بن موسى عالمُ آل محمّد}} <ref>كشف الغمّة، ج٣، ص١١١.</ref>، وقد كانتْ السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} أُختاً للإمام الرّضا {{ع}} مِنْ أُمّهِ، فأُمُّهُمَا واحدة<ref>دلائل الإمامة، ص٣٠٩.</ref>، وهي: السّيّدة تُكْتَم {{ع}}، ولها أسماء أُخرى، منها: نجمة، أروى، سُمان، سكن أو سُكنى<ref>عيون أخبار الرّضا، ج١، ص١٥.</ref>، وتُكْتَم هو ما استقرّ عليها اسمها حين ملكها الإمام الكاظم {{ع}}، فلمّا وَلَدَتْ [[الإمام]] الرّضا{{ع}} أسماها بالطّاهرة، وكانت تكنّى بـ: أُمّ البنينref>عيون أخبار الرّضا، ج١، ص١٤-١٧.</ref>. | ||
فإنّ نسبَها | فإنّ نسبَها [[الكريم]]، بيانٌ لمّا كانَّتْ فيه مِنْ موقِعِ الشّرف [[العظيم]]، والانتساب للدّوحة الطّاهرةِ من [[أهل البيت]] {{عم}}، وقد ورد في المصادر والنّصوص الدّينيّة أنّه لم يبلغ أحد من أبناء الإمام الكاظم {{ع}} مع كثرتهم – باستثناء الإمام الرّضا {{ع}}- ما بلغته السّيّدة المعصومة {{ع}} مِنْ مَنزِلَةٍ ومَكانَةٍ مرموقةٍ<ref>تواريخ النّبي والآل، للتّستريّ، ص٦٥.</ref>، وقد صرّح المحدّث الشّيخ عبّاس القُمّي بأنَّ: "أفضل بنات الإمام الكاظم {{ع}} السّيّدة الجليلة المعظّمة فاطمة والشّهيرة بالمعصومة"<ref>منتهى الآمال، للقمّيّ، ج٢، ص٣٧٨.</ref> | ||
حيثُ إنَّ بحثنا تحت عنوان "السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في حديث الأئمّة المعصومين {{عم}}"، فإنَّنَا نُريدُ التّعرُّف على هذه السّيّدة الجليلة العظيمة، كما عرَّفها الإمامُ المعصومُ والحُجّةُ الإلهيّةُ على خلقه، ويمكن القول بأنّ الرّوايات الواردة في شأنها على أقسامٍ ثلاثة: | حيثُ إنَّ بحثنا تحت عنوان "السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في حديث الأئمّة المعصومين {{عم}}"، فإنَّنَا نُريدُ التّعرُّف على هذه السّيّدة الجليلة العظيمة، كما عرَّفها الإمامُ المعصومُ والحُجّةُ الإلهيّةُ على خلقه، ويمكن القول بأنّ الرّوايات الواردة في شأنها على أقسامٍ ثلاثة: | ||
#ما وَرَدَ في شأنها قَبْلَ وِلادَتِها {{ع}}. | #ما وَرَدَ في شأنها قَبْلَ وِلادَتِها {{ع}}. | ||
#ما وَرَدَ في شأنها أيّامَ حياتها {{ع}}. | #ما وَرَدَ في شأنها أيّامَ حياتها {{ع}}. | ||
| سطر ٤١: | سطر ٤١: | ||
فإنَّ هذه الأقسام والأنحاء الثّلاثة تعطي مدلولاتٍ عديدة في بيانِ رِفْعَةِ شأنها وعلوّ مَقامها، فأيُّ عظمةٍ بَلَغَتْها سيّدتُنا الطّاهرةُ المعصومة {{ع}}، حتّى أصبَحتْ لها هذِه الحَبوة والرّعاية، والإِلفاتُ مِنَ المعصومين{{ع}} والتّأكيدُ منهُم على فضلِها قَبْلَ أن تُولَدَ، وفي أيّامِ حياتِها، وبعد رحيلها {{ع}}. | فإنَّ هذه الأقسام والأنحاء الثّلاثة تعطي مدلولاتٍ عديدة في بيانِ رِفْعَةِ شأنها وعلوّ مَقامها، فأيُّ عظمةٍ بَلَغَتْها سيّدتُنا الطّاهرةُ المعصومة {{ع}}، حتّى أصبَحتْ لها هذِه الحَبوة والرّعاية، والإِلفاتُ مِنَ المعصومين{{ع}} والتّأكيدُ منهُم على فضلِها قَبْلَ أن تُولَدَ، وفي أيّامِ حياتِها، وبعد رحيلها {{ع}}. | ||
وهذه الأنحاء والأقسام الثّلاثة في الرّواياتِ الشّريفة سوفَ تَتَضِحُ تِبَاعاً، إذ إنَّنَا نريدُ تبيان مقام السّيّدة المعصومة {{ع}} بَحَسَبِ ما وَرَدَ على لسان كلِّ معصوم على حِدَة. فقد تحدّث عن شأنها وخُصَّت {{ع}} بالحديث على لِسان أربعةٍ من المعصومين{{عم}}، فقد وردت الرّوايات في حقّها وفضلها على لسان الإمام جعفر بن محمّد الصّادق {{ع}}، والإمام موسى بن جعفر الكاظم {{ع}}، والإمام علي بن موسى الرّضا {{ع}}، والإمام محمّد بن علي الجواد {{ع}}. | وهذه الأنحاء والأقسام الثّلاثة في الرّواياتِ الشّريفة سوفَ تَتَضِحُ تِبَاعاً، إذ إنَّنَا نريدُ تبيان مقام السّيّدة المعصومة {{ع}} بَحَسَبِ ما وَرَدَ على لسان كلِّ [[معصوم]] على حِدَة. فقد تحدّث عن شأنها وخُصَّت {{ع}} بالحديث على لِسان أربعةٍ من المعصومين{{عم}}، فقد وردت الرّوايات في حقّها وفضلها على لسان [[الإمام]] [[جعفر بن محمّد]] الصّادق {{ع}}، والإمام [[موسى بن جعفر]] الكاظم {{ع}}، والإمام علي بن [[موسى]] الرّضا {{ع}}، والإمام محمّد بن علي [[الجواد]] {{ع}}. | ||
==السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في كلام الإمام الصّادق {{ع}}== | ==السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في [[كلام الإمام]] الصّادق {{ع}}== | ||
خصَّ الإمامُ أبوعبدالله الصّادق{{ع}} حفيدته الطّاهرة السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} بعددٍ من الرّوايات الواردة عنه، والواصلة إلينا، والّتي تبيِّنُ عَظَمَةَ مقامها، ورفعتها، وسموّ مكانتها. ومن تلك الرّوايات: | خصَّ الإمامُ أبوعبدالله الصّادق{{ع}} حفيدته الطّاهرة السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} بعددٍ من الرّوايات الواردة عنه، والواصلة إلينا، والّتي تبيِّنُ عَظَمَةَ مقامها، ورفعتها، وسموّ مكانتها. ومن تلك الرّوايات: | ||
: | : ١. ما رويَّ عن أبي عبد [[الله]] الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|إنّ للهِ حرماً وهو مكّة، وإنّ للرّسول{{صل}} حرماً وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين{{ع}} حرماً وهو الكوفة، وإنّ لنا حرماً، وهو بلدة قم، وستُدفن فيها امرأة من أولادي تُسمّى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنّة}}<ref>ترجمة تاريخ قمّ: ٢١٥، وعنه في بحار الأنوار: ج٥٧ /٢١٦ ح ٤١.</ref> | ||
ومقاربٌ لهذه الرّواية الشّريفة أيضاً ما جاءَ عن تاريخ قم للحسين بن محمّد القمّيّ. | ومقاربٌ لهذه الرّواية الشّريفة أيضاً ما جاءَ عن تاريخ قم للحسين بن محمّد القمّيّ. | ||
: | : ٢. بإسناده عن الإِمام الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|إنّ لله حرماً وهو مكة، ولرسوله حرماً وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ولنا حرماً وهو قم، ستُدفن فيه امرأة من ولدي تسمّى فاطمة، من زارها وجبت له الجنّة. قال {{ع}} ذلك ولم تحمل بموسى أُمُّه}} <ref>تاريخ قمّ على ما في البحار: ١٠٢ / ٢٦٧، و ج ٦٠ / ٢١٦ ضمن ح ٤١. وفي ص ٢٢٨ ح ٥٩ عن مجالس المؤمنين للقاضي نور الله التّستريّ باختلاف يسير.</ref> | ||
وهذه الرّاوية مِنَ الرّوايات الّتي ينبغي التّأمّل فيها، ومعرفة خصوصيّات هذه السّيّدة الجليلة العظيمة {{ع}}، ومِنَ الأمور المهمّة هو الالتفاتُ لحديثِ الإمام الصّادق {{ع}} على أنَّه قَدْ بَشَّرَ وأَخبَرَ بولادةِ حفيدته الميمونة، وهذه من الرّوايات الوارِدَة في حقّها قبل ولادَتها، حيثُ ذَكَرَ الرّاوي: "قال {{ع}} ذلك ولم تحمل بموسى أُمُّه"، وهذا أمرٌ خصَّ اللهُ بِهِ المعصومين {{عم}}، وهذا البحث موكلٌ إلى مَحلهِ في علم الكلام في بابِ علمِ الإمام{{ع}}؛ فإنَّ الإخبارَ مِنَ المعصومِ {{ع}} عنها {{ع}} قَبْلَ ولادتها هو إِلفاتٌ مِنَ المعصوم {{ع}} للنّاسِ بالخصوصيّة والشّأن الّذي إليها. | وهذه الرّاوية مِنَ الرّوايات الّتي ينبغي التّأمّل فيها، ومعرفة خصوصيّات هذه السّيّدة الجليلة العظيمة {{ع}}، ومِنَ الأمور المهمّة هو الالتفاتُ لحديثِ الإمام الصّادق {{ع}} على أنَّه قَدْ بَشَّرَ وأَخبَرَ بولادةِ حفيدته الميمونة، وهذه من الرّوايات الوارِدَة في حقّها قبل ولادَتها، حيثُ ذَكَرَ الرّاوي: "قال {{ع}} ذلك ولم تحمل بموسى أُمُّه"، وهذا أمرٌ خصَّ اللهُ بِهِ المعصومين {{عم}}، وهذا البحث موكلٌ إلى مَحلهِ في [[علم الكلام]] في بابِ علمِ [[الإمام]]{{ع}}؛ فإنَّ الإخبارَ مِنَ المعصومِ {{ع}} عنها {{ع}} قَبْلَ ولادتها هو إِلفاتٌ مِنَ [[المعصوم]] {{ع}} للنّاسِ بالخصوصيّة والشّأن الّذي إليها. | ||
وكذلك إخبارُ الإمامُ {{ع}} عَنْ اسمها الشّريف المُبارك، فإنَّها سَميَّةُ جدَّتها الصّديقة الشّهيدة أُمُّ أبيها وسيّدة نساء العالمين السّيّدة فاطمة الزّهراء {{ع}}، هذا الاسمُ المُبارك الّذي أوحى الله إلى مَلَكٍ مِنَ الملائِكة، فأنطق به لسان النّبيّ المُصطفى محمّد{{صل}}، ففي علل الشّرائِع: حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه رحمه الله قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر {{ع}} قال: {{نص حديث|لمّا وُلِدتْ فاطمة (عليها السلام) أوحى الله | وكذلك إخبارُ الإمامُ {{ع}} عَنْ اسمها الشّريف المُبارك، فإنَّها سَميَّةُ جدَّتها الصّديقة الشّهيدة أُمُّ أبيها وسيّدة نساء العالمين السّيّدة فاطمة الزّهراء {{ع}}، هذا الاسمُ المُبارك الّذي أوحى [[الله]] إلى مَلَكٍ مِنَ الملائِكة، فأنطق به لسان النّبيّ المُصطفى محمّد{{صل}}، ففي علل الشّرائِع: حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه رحمه الله قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن [[صالح]] بن عقبة، عن يزيد بن عبد [[الملك]] عن أبي جعفر {{ع}} قال: {{نص حديث|لمّا وُلِدتْ فاطمة (عليها السلام) أوحى الله إلى ملك فأنطقَ بِهِ لسانَ محمّد فسمّاها فاطمة، ثمّ قال: إنّي فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطّمث، ثمّ قال أبو جعفر{{ع}}: والله لقد فطمها [[الله تبارك وتعالى]] بالعلم وعن الطّمث بالميثاق}} <ref>علل الشّرائع، ج١، ص١٧٩.</ref>، فإنَّ هذا اسمٌ إلهيٌّ أسمى بهِ الله الصّديقة الزّهراء فاطمة {{ع}}، وقد أعطى الأئمّةُ المعصومون {{عم}}خصوصيات لهذا [[الاسم]] المُبارك، ففي الرّواية عن ابن جمهور، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن السّكوني قال: دخلت على أبي عبد الله {{ع}} وأنا مغموم مكروب فقال لي: يا سكوني ما غمّك؟ فقلت: ولدت لي ابنة، فقال: يا سكوني، على [[الأرض]] ثقلها وعلى الله رزقها تعيش في غير أجلك وتأكل من غير رزقك، فسرى والله عني، فقال: ما سمّيتها؟ قلت: فاطمة، قال: آه آه آه، ثم وضع يده على جبهته - إلى أن قال: - ثمّ قال: قال لي: أما إذا سمّيتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها <ref>وسائل الشّيعة، ج٢١، باب ٨٧، باب استحباب إكرام البنت الّتي اسمها فاطمة وترك إهانتها.</ref>، فالرّواية دالّةٌ على أهمّيّة إكرام البنتِ الّتي تسمّى باسمِ (فاطمة)، وتوقيرها، وترك إهانتها، وفي الرّواية عن [[الإمام]] [[أبي الحسن]] {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمّد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النّساء}} <ref>بحار الأنوار، ج١٦، ص١٣٠.</ref> | ||
فالاسمُ الّذي سُمّيتْ بهِ السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} مِنْ جدّها الإمام الصّادق | فالاسمُ الّذي سُمّيتْ بهِ السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} مِنْ جدّها الإمام الصّادق {{ع}} اسمُ خيرٍ ورزقٍ وبركة، يرفعُ الفقرَ عن البيتِ الّذي هيَ فيه، فتسميتها من إِمام [[معصوم]] {{ع}} يمكن القول عنه بأنَّهُ تبيان لخصوصيّة من خصوصيّاتها {{ع}}. | ||
وكذلك أيضاً ممّا أخبرت به الرّواية الشّريفة هو إِخبارُ الإمام الصّادق {{ع}}، وذكرهُ لمكان وموضع مدفن السّيّدة المعصومة {{ع}}، حيث قال: >وإنّ لنا حرماً، وهو بلدة قم<، فقد أشارَ {{ع}} إلى خصوصيّة بلدةِ قُم المُقدّسة، حيث عبّرَ عنها بأنّها حرمٌ لأهلِ البيتِ {{عم}}، وفي رواية أُخرى أشار الإمامُ الصّادق{{ع}} إلى قدسيّة بلدة قُم، فقد رويَ عن الإمام الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|قُم بلدُنا وبلدُ شيعتنا، مُطهّرةٌ مُقدّسةٌ، قَبِلتْ ولايتنا أهل البيت}}<ref>سفينة البحار | وكذلك أيضاً ممّا أخبرت به الرّواية الشّريفة هو إِخبارُ الإمام الصّادق {{ع}}، وذكرهُ لمكان وموضع مدفن السّيّدة المعصومة {{ع}}، حيث قال: >وإنّ لنا حرماً، وهو بلدة قم<، فقد أشارَ {{ع}} إلى خصوصيّة بلدةِ قُم المُقدّسة، حيث عبّرَ عنها بأنّها حرمٌ لأهلِ البيتِ {{عم}}، وفي رواية أُخرى أشار الإمامُ الصّادق{{ع}} إلى قدسيّة بلدة قُم، فقد رويَ عن الإمام الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|قُم بلدُنا وبلدُ شيعتنا، مُطهّرةٌ مُقدّسةٌ، قَبِلتْ ولايتنا أهل البيت}}<ref>سفينة البحار ج٢، ص٤٤٧.</ref>، فإنّ نسبَةَ بلدة قُم إليهم، والإشارة لقُدسيّتها تُشير إلى عدّة أمور، ومن تلك الأمور هو أنَّ هذه [[الأرض]] تتشرّفُ باحتضان الجسد الطّاهر للسّيّدة الجليلة فاطمة المعصومة {{ع}}، ويمكن فهم هذا الوجه من قوله {{ع}}: وستُدفن فيها امرأة من أولادي تُسمّى فاطمة، فتكون بلدة قُم حرمهُم بلحاظ قبر السّيّدة المعصومة {{ع}} وأنّ تلك الأرض مُقدّسة ومُطهّرة، ومما يمكن كذلك الإشارة إليه في نفس هذا اللحاظ ما رويَ عن الإمام الصّادق {{ع}} أنَّهُ قال: إذا عمّت البلدان الفتن فعليكم بقُم وحواليها، فإنّ البلاءَ مدفوعٌ عنها<ref>تاريخ قم، ص٩٧، وبحار الأنوار، ج٦٠، ص٢١٤.</ref>، فيمكنُ القول بأنَّ أحد أسباب دفع البلاءِ عن أرض قُم وجود قبرها الطّاهر، حيث إنَّ مراقد [[أهل البيت]] {{عم}} أمانٌ لمَنْ يجاورها، كما وَرَدَ ذلك في شأن قبري الإمامين العسكريّين، فقد روى الشّيخ الطّوسي في التّهذيب: (عن أبي هاشم الجعفريّ قال: قال لي أبو محمّد [[الحسن]] بن علي {{ع}}: {{نص حديث|قبري بسـرَّ من رأى أمانٌ لأهل الجانبين}}<ref>التّهذيب، ج ٦، ص ٩٣.</ref>، وفسّره في الوافي: "يعني أهل البلاد التي من جانبي [[القبر]])<ref>الوافي، ج١٤، ص ١٥٦٢.</ref>، وفي روضة المتقين: "الخاصّة والعامّة أو عراق [[العرب]] والعجم"<ref>روضة المتّقين، ج٥، ص ٤٠٢.</ref>، وأمّا الأمور الأُخرى في توضيح المفهوم لهذه الرّوايات المادحة لمدينة قُم وأهلها الّتي ذكرناها، والاستدلال بها وبالرّوايات الأُخرى الّتي لم نتطرّق لها الموضّحة لخصوصيات أُخرى نتركُها لمحلّ بحثها في ذكر وجه تسميتها بـ (قم)<ref>يمكن مراجعة موسوعة رسالات إسلامية ج ١٥، ص ١٥ - ٢٩، كتاب شَهدُ الأرواح، دراسة مختصرة عن حياة السّيّدة المعصومة (ع) وتاريخ قم المقدّسة، السّيّد عادل العلويّ.</ref>. | ||
ثُمَّ أشارَ الإمام الصادقُ {{ع}} إلى الحثّ على زيارتها، القصد إلى قبرها الشّريف، حيث قال {{ع}}: {{نص حديث|من زارها وجبت له الجنّة}}، وهذا العطاءُ العظيم دليلٌ من الأدلّة الّتي يؤكّدها الإمام الصّادق {{ع}} على عظمتها ومقامها الرّفيع وسموّ منزلتها. | ثُمَّ أشارَ [[الإمام]] الصادقُ {{ع}} إلى الحثّ على زيارتها، [[القصد]] إلى قبرها الشّريف، حيث قال {{ع}}: {{نص حديث|من زارها وجبت له الجنّة}}، وهذا العطاءُ [[العظيم]] دليلٌ من الأدلّة الّتي يؤكّدها الإمام الصّادق {{ع}} على عظمتها ومقامها الرّفيع وسموّ منزلتها. | ||
وفي قوله: (وجبت له الجنّة)، ذكر سماحة آية الله السّيّد عادل العلويّ : "أقول: ربما معنى (وجبت له الجنّة) هو على نحو الاقتضاء، والعلّة النّاقصة، أي من يزورها يتوفّق لدخول الجنّة، وتكون له الأرضيّة المعدّة لذلك على نحو الاقتضاء، ولكن يبقى مع عدم وجود المانع أي المعاصي والذّنوب، فالعلّة تكون تامّة في دخول الجنّة مع وجود المقتضي كزيارة السّيّدة، وعدم المانع كالمعصية، فمن يذنب فإنَّهُ يحرقُ الزّيارة حينئِذٍ، نعم، لو تاب فإنّ الله هو التّوّاب الغفور الرّحيم"<ref>موسوعة رسالات إسلاميّة ج | وفي قوله: (وجبت له الجنّة)، ذكر سماحة [[آية الله]] السّيّد عادل العلويّ: "أقول: ربما معنى (وجبت له الجنّة) هو على نحو الاقتضاء، والعلّة النّاقصة، أي من يزورها يتوفّق لدخول الجنّة، وتكون له الأرضيّة المعدّة لذلك على نحو الاقتضاء، ولكن يبقى مع عدم وجود [[المانع]] أي المعاصي والذّنوب، فالعلّة تكون تامّة في دخول الجنّة مع وجود المقتضي كزيارة السّيّدة، وعدم المانع كالمعصية، فمن يذنب فإنَّهُ يحرقُ الزّيارة حينئِذٍ، نعم، لو تاب فإنّ [[الله]] هو التّوّاب [[الغفور]] الرّحيم"<ref>موسوعة رسالات إسلاميّة ج ١٥، ص ٦١، كتاب شَهدُ الأرواح، دراسة مختصرة عن حياة السّيّدة المعصومة (ع) وتاريخ قم المقدّسة، السّيّد عادل العلويّ.</ref>. | ||
: | : ٣. ما رويَّ عن الإمام الصّادق {{ع}}: {{نص حديث|أنَّ زيارتها تعدلُ الجنّة}}<ref>ترجمة تاريخ قم: ٢١٥، عنه في بحار الأنوار، ج٩٩، ص٢٦٧، ح٦، وج٥٧، ص٢١٩، وج٤٨، ص ٣١٧.</ref>. | ||
ويمكن التّعليقُ على هذه الرّواية، بما تقدّم ممّا ذكرناه من كلام السّيّد العلويّ | ويمكن التّعليقُ على هذه الرّواية، بما تقدّم ممّا ذكرناه من [[كلام]] السّيّد العلويّ بأنَّ قول الإمام {{ع}}: (زيارتها تعدل الجنّة) على نحو الاقتضاء، ببيان: أنَّهُ لا يستفاد من أنَّ زيارة السّيّدة المعصومة {{ع}} تُوجب دخول الجنّة على نحو العلّةٌ التّامّة والفوز بالجنّة كنتيجةٍ قطعيّة حتميّة، ومصيرٍ نهائي للزّائرين لها {{ع}}، وإنّما هو كون هذه الزّيارة مؤثّرةٌ في النّتيجة المذكورة على نحو الاقتضاء، باعتبار أنّ النّتيجة المذكورة وهي: دخول الجنّة، متوقّفة على أمور وعوامل أخرى أيضاً. | ||
فيكون تأثير الزّيارة في الفوز بالجنّة نظير تأثير النّار في الإحراق، فكما أنّ النّار لا تحرق إلّا مع تحقّق الشّرط وهو اقتراب الجسم المحترق من النّار، وارتفاع المانع وهو الرّطوبة، كذلك أيضاً لا تؤثّر الزّيارة أثرها إلّا مع تحقّق بقيّة الشّروط وارتفاع الموانع، وعلى هذا فلا يمكن التّعويل والاتّكاء على الزّيارة فقط مع اجتناب جميع الواجبات المفروضة مِنَ الله | فيكون تأثير الزّيارة في الفوز بالجنّة نظير تأثير النّار في الإحراق، فكما أنّ النّار لا تحرق إلّا مع تحقّق الشّرط وهو اقتراب [[الجسم]] المحترق من النّار، وارتفاع [[المانع]] وهو الرّطوبة، كذلك أيضاً لا تؤثّر الزّيارة أثرها إلّا مع تحقّق بقيّة الشّروط وارتفاع الموانع، وعلى هذا فلا يمكن التّعويل والاتّكاء على الزّيارة فقط مع اجتناب جميع الواجبات المفروضة مِنَ [[الله]] وارتكاب جميع المحرّمات الّتي نهى الله سبحانه عن فعلها. | ||
: | : ٤. ما رويَّ عن [[الإمام]] الصّادق {{ع}} أنَّه قال: {{نص حديث|ألا إنَّ قم الكوفة الصّغيرة، ألا إنَّ للجنّة ثمانية أبواب، ثلاثة منها إلى قم، تُقْبَضُ فيها امرأةٌ من وُلدي، اسمها فاطمة، بنت موسى، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم}} <ref>بحار الأنوار، المجلسيّ، ج٥٧، ص٢٢٨، ح٥٩، عن كتاب مجالس المؤمنين للقاضي نور الله التّستري.</ref> | ||
وتؤيّدُ هذه الرّواية ما ذكرناه سابقاً، بأنَّ الرّوايات الواردة في مَدح بلدةِ قُم وتبيان قُدسيّتها. إنّ أحد التّوجيهات والأسباب لهذه الرّوايات هو سبَبُ وجود قبرِ السّيّدة المعصومة {{ع}}، فعندما ذكر الإمامُ {{ع}} بأنَّ بلدة قُم هي (الكوفة الصّغيرة) وأنَّ لها ثلاثة أبوابٍ مِن أبوابِ الجنّة الثّمانية، قال {{ع}}: (تُقْبَضُ فيها امرأةٌ من وُلدي)، فأحدُ العوامل الّتي مِنْ أجلها مُدحَتْ بلدةُ قُم، هو تشرّفها باحتضان الجسد الطّاهر لهذه السّيّدة المعظّمة. | وتؤيّدُ هذه الرّواية ما ذكرناه سابقاً، بأنَّ الرّوايات الواردة في مَدح بلدةِ قُم وتبيان قُدسيّتها. إنّ أحد التّوجيهات والأسباب لهذه الرّوايات هو سبَبُ وجود قبرِ السّيّدة المعصومة {{ع}}، فعندما ذكر الإمامُ {{ع}} بأنَّ بلدة قُم هي (الكوفة الصّغيرة) وأنَّ لها ثلاثة أبوابٍ مِن أبوابِ الجنّة الثّمانية، قال {{ع}}: (تُقْبَضُ فيها امرأةٌ من وُلدي)، فأحدُ العوامل الّتي مِنْ أجلها مُدحَتْ بلدةُ قُم، هو تشرّفها باحتضان الجسد الطّاهر لهذه السّيّدة المعظّمة. | ||
ثُمَّ تُشير الرّواية لأحدِّ المقامات الّتي بلغتها هذه السّيّدة الجليلة، في قول الإمام {{ع}}: {{نص حديث|وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم}}، إشارةٌ إلى مقامِ الشّفاعة، حيثُ نجدُ في القُرآن الكريم ما دلَّ على ثبوت الشّفاعة لغيرِ الله بإذنه (تبارك وتعالى)، حيث قال تعالى:{{ نص قرآني |مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}}<ref> | ثُمَّ تُشير الرّواية لأحدِّ المقامات الّتي بلغتها هذه السّيّدة الجليلة، في قول الإمام {{ع}}: {{نص حديث|وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم}}، إشارةٌ إلى مقامِ الشّفاعة، حيثُ نجدُ في القُرآن [[الكريم]] ما دلَّ على [[ثبوت]] الشّفاعة لغيرِ الله بإذنه (تبارك وتعالى)، حيث قال تعالى: {{نص قرآني|مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٥.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ٣.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}}<ref> سورة مريم، الآية ٨٧.</ref>، وقوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}}<ref> سورة سبأ، الآية ٢٣.</ref>، وإنَّ مِنْ مُقتضى فهم عقيدة التّوحيد في الخالقيّة أنّهُ لا يُوجدُ مؤثِّرٌ في [[الكون]] إلّا [[الواحد]] الأحد، وأنَّ التّأثير من قِبَلِ سائِر العلل إنّما هو على وجه التّبعيّة لإرادته . | ||
وأمّا الرّواياتُ في بحث الشفاعة كثيرةٌ جداً، عند العامّة والخاصّة، نذكر منها: | وأمّا الرّواياتُ في بحث [[الشفاعة]] كثيرةٌ جداً، عند العامّة والخاصّة، نذكر منها: | ||
#أخرج أبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|من قضى لأخيه حاجة كنتُ واقفاً عند ميزانه، فإنْ رجَحَ، وإلّا شفعت له}}<ref>الدّرّ المنثور، | #أخرج أبو نعيم عن [[ابن عمر]] قال: قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|من قضى لأخيه حاجة كنتُ واقفاً عند ميزانه، فإنْ رجَحَ، وإلّا شفعت له}}<ref>الدّرّ المنثور، ج٣، ص٧١.</ref>. | ||
#عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|أُعطيت خمساً لم يعطهّن أحدٌ قبلي… وأعطيت الشفاعة ولم يعط نبيٌّ قبلي}} <ref>سنن النّسائي، | #عن جابر بن عبد [[الله]] قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|أُعطيت خمساً لم يعطهّن أحدٌ قبلي… وأعطيت الشفاعة ولم يعط نبيٌّ قبلي}} <ref>سنن النّسائي، ج١، ص٢١١. صحيح البخاريّ، ج١، ص٨٦ ـ ١١٣.</ref> | ||
#عن محمّد بن عمّار عن أبيه قال: قال أبو عبد الله الصّادق{{ع}}: {{نص حديث|مَنْ أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج والمسألةُ في القبر والشّفاعة}}<ref>أمالي الصّدوق، المجلس | #عن محمّد بن عمّار عن أبيه قال: قال أبو عبد الله الصّادق{{ع}}: {{نص حديث|مَنْ أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج والمسألةُ في القبر والشّفاعة}}<ref>أمالي الصّدوق، المجلس ٤٠.</ref>. | ||
#ما وَرَدَ في زيارة الإمام أمير المؤمنين {{ع}}، عن يوسف الكُناسي ومعاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله الصّادق {{ع}}: {{نص حديث|أتَيتُكَ أستَشْفِعُ بِكَ يا مولاي إلى الله ليقضي بك حاجتي، فاشْفَعْ لي يا مولاي}} <ref>المزار الكبير، ص | #ما وَرَدَ في زيارة [[الإمام أمير المؤمنين]] {{ع}}، عن [[يوسف]] الكُناسي ومعاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله الصّادق {{ع}}: {{نص حديث|أتَيتُكَ أستَشْفِعُ بِكَ يا مولاي إلى الله ليقضي بك حاجتي، فاشْفَعْ لي يا مولاي}} <ref>المزار الكبير، ص ٢٩٣ – ٣١٤، وعنه البحار، ج١٠٠، ص٣٣٤، ح٣٢.</ref> | ||
فالشّفاعة مِن الأُمور المسلّمة والثّابتة عند علماء المسلمين، إلّا مَن لم يكن من المنصفين ولم يخضع لمنطق الدّليل وواضح | فالشّفاعة مِن الأُمور المسلّمة والثّابتة عند علماء المسلمين، إلّا مَن لم يكن من المنصفين ولم يخضع لمنطق الدّليل وواضح [[البرهان]]، والبحوث فيها مفصّلةٌ وموسّعة، فراجع. | ||
ومِمّن ثبت لها مقامُ الشّفاعة برواية إمامنا الصّادق{{ع}}، هي حفيدته الطّاهرة الشّافعة السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}}، بقوله: (وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم) ، وقد أشار الفقيه الكبير آية الله الشّيخ الجوادي الآملي | ومِمّن ثبت لها مقامُ الشّفاعة برواية إمامنا الصّادق{{ع}}، هي حفيدته الطّاهرة الشّافعة السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}}، بقوله: (وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم)، وقد أشار [[الفقيه]] [[الكبير]] [[آية الله]] الشّيخ الجوادي الآملي في شرح زيارة الجامعة [[الكبيرة]]، عند قول [[المعصوم]]: >وَشُفعاءُ دارِ البَقاءِ<، عند البحث عن الشّفعاء وخصائصهم وصفات المشفوع لهم، أشار إلى [[شفاعة]] السّيّدة المعصومة {{ع}}: "إنّ السيّدة المعصومة شعاعٌ من الزّهراء، [[سلام الله]] عليها، وقد ألبسها تعالى الهيبة والجلال"<ref>أدب فناء المقرّبين شرح زيارة الجامعة الكبيرة، ج٧، ص٢٣٠.</ref>، ثمّ ذكر هذه الرّواية الشّريفة التي أشرنا لها رابعاً مما ورد في شأنها {{ع}} عن [[الإمام]] الصّادق {{ع}}. | ||
فهذا ما وَرَدَ لنا في شأن سيّدتنا ومولاتنا السّيّدة المعصومة{{ع}} في حديث الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق{{ع}}. | فهذا ما وَرَدَ لنا في شأن سيّدتنا ومولاتنا السّيّدة المعصومة{{ع}} في حديث الإمام أبي عبد [[الله]] [[جعفر بن محمّد]] الصّادق{{ع}}. | ||
==السّيّدة فاطمة المعصومة{{ع}} في كلام الإمام الكاظم {{ع}}== | ==السّيّدة فاطمة المعصومة{{ع}} في [[كلام]] [[الإمام الكاظم]] {{ع}}== | ||
وأمّا ما وَرَدَ في شأن هذه السّيّدة الجليلة في حديث أبيها الإمام موسى بن جعفر {{ع}}، ممّا يبيّن شأنها ومقامها. | وأمّا ما وَرَدَ في شأن هذه السّيّدة الجليلة في حديث أبيها [[الإمام موسى بن جعفر]] {{ع}}، ممّا يبيّن شأنها ومقامها. | ||
: | : ١. ورد عن الإمام الكاظم {{ع}} أنَّهُ قال في شأن ابنته السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}}: ثلاث مرات قال: (فداها أبوها)<ref>كريمة أهل البيت، مهدي بور، ص ٦٣ و ٦٤، نقلا عن كشف اللئالي.</ref> | ||
وقد وردت هذه الرّواية استناداً لما جاء في بعض الوثائق التّاريخيّة من أنَّ جماعة من الشّيعة قصدوا إلى المدينة | وقد وردت هذه الرّواية استناداً لما جاء في بعض الوثائق التّاريخيّة من أنَّ جماعة من الشّيعة قصدوا إلى [[المدينة المنوّرة]]، يريدون الإجابة على بعض الأسئلة الّتي كانت معهم، وكان [[الإمام موسى بن جعفر الكاظم]] {{ع}} مسافراً خارج المدينة، فتصدّت السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} للإجابة، وكتبتْ لَهم جواب أسئلتهم، وفي طريق رجوعهم من المدينة التقوا بالإمام الكاظم {{ع}}، فعرضوا عليه الإجابات، وعندما اطّلعَ الإمام {{ع}} على إجاباتها قال ثلاث مرات «فداها أبوها»<ref>كريمة أهل البيت، مهدي بور، ص ٦٣ و ٦٤، نقلا عن كشف اللئالي.</ref>. | ||
فإنَّ المُتأمِّل في هذه المقولة الموسويّة، يمكن لهُ أن يُدْرِكَ مدى المكانةِ العلميّة الّتي بلغتها هذه السّيّدة الجليلة -حتّى وإن لم يحفظ التّاريخ لنا خصوصيّات ما تلقّته هذه السّيّدة العظيمة من العلم على يدِ أبيها وأخيها-؛ حيثُ تصدّتْ للإجابة على المسائِل الّتي جاءَ بها الشّيعة، قاصدين والدها الإمام باب الحوائج موسى بن جعفر{{ع}}. | فإنَّ المُتأمِّل في هذه المقولة الموسويّة، يمكن لهُ أن يُدْرِكَ مدى المكانةِ العلميّة الّتي بلغتها هذه السّيّدة الجليلة -حتّى وإن لم يحفظ التّاريخ لنا خصوصيّات ما تلقّته هذه السّيّدة العظيمة من [[العلم]] على يدِ أبيها وأخيها-؛ حيثُ تصدّتْ للإجابة على المسائِل الّتي جاءَ بها الشّيعة، قاصدين والدها الإمام باب الحوائج [[موسى بن جعفر]]{{ع}}. | ||
وهذه الرّواية تعتبرُ مما جاءَ في شأنها أيّامَ حياتها {{ع}}، وهيَّ تؤكّد على شهادة الإمام الكاظم {{ع}} بالمكانة العلميّة الّتي بلَغتْها ابنتُهُ السّيّدة المعصومة {{ع}}، وتكشف لنا عما عند هذه السّيّدة العالمة مِنْ علمٍ لدُنّي؛ فإنّ هذا العلم غير المحتاج إلى التّعليم، هو من شأن المعصوم فيكشف علمها عن عصمتها، نظير ما جاء في الإشارة عن علمِ عمّتها السّيّدة زينب الكبرى {{ع}} عن الإمام زين العابدين {{ع}}، وهو يخاطب عمّته العقيلة: «وأنت بحمد الله عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهّمة» <ref>الاحتجاج، الطبسي، | وهذه الرّواية تعتبرُ مما جاءَ في شأنها أيّامَ حياتها {{ع}}، وهيَّ تؤكّد على [[شهادة]] الإمام الكاظم {{ع}} بالمكانة العلميّة الّتي بلَغتْها ابنتُهُ السّيّدة المعصومة {{ع}}، وتكشف لنا عما عند هذه السّيّدة العالمة مِنْ علمٍ لدُنّي؛ فإنّ هذا العلم غير المحتاج إلى التّعليم، هو من شأن [[المعصوم]] فيكشف علمها عن عصمتها، نظير ما جاء في الإشارة عن علمِ عمّتها السّيّدة زينب الكبرى {{ع}} عن الإمام زين العابدين {{ع}}، وهو يخاطب عمّته العقيلة: «وأنت بحمد [[الله]] عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهّمة» <ref>الاحتجاج، الطبسي، ج٢، ص٣١.</ref>، وكيف لا تكون السّيّدة المعصومة {{ع}} كذلك، وهي مَن تربّت في بيت النّبوة والإمامة، وتغذّت من نمير علم والدها الفيّاض والبحر الزّاخر [[الإمام الكاظم]] {{ع}}، وبحرِ أخيها عالمِ [[آل محمّد]] [[الإمام]] الرّضا {{ع}}. | ||
ونظيرُ هذا القول العظيم: (فداها أبوها)، ما جاء في باب فضائل الصّديقة الزّهراء {{ع}} ومناقبها، عن محمّد بن قيس قال: "كان النّبيّ{{صل}} إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة{{ع}} فدخل عليها فأطال عندها المكث، فخرج مرّة في سفر فصنعت فاطمة {{ع}} مسكتين من ورق وقلادة وقرطين<ref>المسكة - بالتحريك - السوار والخلخال والورق: الفضّة، والقلادة - بالكسر - ما يجعل في العنق من الحُلي، والقرط - بالضم - ما يعلق في شحمة الأذن من الجواهر وغيرها.</ref> وستراً لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم رسول الله {{صل}} دخل عليها، فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون؛ لطول مكثه عندها، فخرج عليهم رسول الله {{صل}} وقد عرف الغضب في وجهه، حتّى جلس عند المنبر، فظنّت فاطمة {{ع}} أنّه إنّما فعل ذلك رسول الله {{صل}} لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والسّتر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها: ونزعت السّتر، فبعثت به إلى رسول الله {{صل}} وقالت للرّسول: قل له: | ونظيرُ هذا القول [[العظيم]]: (فداها أبوها)، ما جاء في باب فضائل الصّديقة الزّهراء {{ع}} ومناقبها، عن محمّد بن قيس قال: "كان النّبيّ{{صل}} إذا [[قدم]] من سفر بدأ بفاطمة{{ع}} فدخل عليها فأطال عندها المكث، فخرج مرّة في سفر فصنعت فاطمة {{ع}} مسكتين من ورق وقلادة وقرطين<ref>المسكة - بالتحريك - السوار والخلخال والورق: الفضّة، والقلادة - بالكسر - ما يجعل في العنق من الحُلي، والقرط - بالضم - ما يعلق في شحمة الأذن من الجواهر وغيرها.</ref> وستراً لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم [[رسول الله]] {{صل}} دخل عليها، فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون؛ لطول مكثه عندها، فخرج عليهم رسول الله {{صل}} وقد عرف [[الغضب]] في وجهه، حتّى جلس عند المنبر، فظنّت فاطمة {{ع}} أنّه إنّما [[فعل]] ذلك رسول الله {{صل}} لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والسّتر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها: ونزعت السّتر، فبعثت به إلى رسول الله {{صل}} وقالت للرّسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك [[السلام]] وتقول: اجعل هذا في سبيل الله، فلمّا أتاه قال: فعلت فداها أبوها ثلاث مرات، ليست الدّنيا من محمّد ولا من آل محمّد، ولو كانت الدّنيا تعدل عند الله من [[الخير]] جناح بعوضة، ما أسقى فيها كافراً شربة ماء ثمّ قام فدخل عليها | ||
<ref>بحار الأنوار، المجلسي، | <ref>بحار الأنوار، المجلسي، ج٤٣، ص٢٠.</ref> | ||
فما أروعه من بيانٍ في حقّ السّيّدة المعصومة {{ع}} مِنْ افتداءِ إمامٍ معصوم ذو عصمة مطلقة لابنته، كما افتدى النّبيّ الأعظم محمّد{{صل}} ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة {{ع}}، فهذا يدلُّ على مقامٍ خاصٍّ تَنالهُ المعصومة {{ع}} لعصمتها –ولو أنَّ عصمتها ليست كعصمة أبيها{{صل}} رُتبةً، إلّا أنَّها معصومة-. | فما أروعه من بيانٍ في حقّ السّيّدة المعصومة {{ع}} مِنْ افتداءِ إمامٍ [[معصوم]] ذو [[عصمة]] مطلقة لابنته، كما افتدى النّبيّ الأعظم محمّد{{صل}} ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة {{ع}}، فهذا يدلُّ على مقامٍ خاصٍّ تَنالهُ المعصومة {{ع}} لعصمتها –ولو أنَّ عصمتها ليست كعصمة أبيها{{صل}} رُتبةً، إلّا أنَّها معصومة-. | ||
وقد فُسّر هذا الافتداء، تارة بلحاظ شفقة الأب على ولده، أي: تلك الشّفقة الفطريّة الّتي ترخص دونها النّفس والمال، وتارةً فُسّرت بأنَّ هذه العبارة تدلّ على عظيم منزلتها عند الله (تبارك وتعالى) وعند أبيها الإمام الكاظم {{ع}}، وهذا التّفسير يقوى؛ بالنّظر إلى جميع الرّوايات الّتي وردت في شأنها بلسان الأئمّة{{عم}}. | وقد فُسّر هذا الافتداء، تارة بلحاظ شفقة الأب على ولده، أي: تلك الشّفقة الفطريّة الّتي ترخص دونها النّفس والمال، وتارةً فُسّرت بأنَّ هذه العبارة تدلّ على عظيم منزلتها عند [[الله]] (تبارك وتعالى) وعند أبيها [[الإمام الكاظم]] {{ع}}، وهذا التّفسير يقوى؛ بالنّظر إلى جميع الرّوايات الّتي وردت في شأنها بلسان الأئمّة{{عم}}. | ||
وممّا يجدر بنا ذكره هنا أيضاً، أنَّ سيدتنا الطّاهرة فاطمة المعصومة {{ع}} ممّن روت الأحاديث عن آبائها وأجدادها الطّاهرين، فهي من رواة حديث الغدير[ | وممّا يجدر بنا ذكره هنا أيضاً، أنَّ سيدتنا الطّاهرة فاطمة المعصومة {{ع}} ممّن روت [[الأحاديث]] عن آبائها وأجدادها الطّاهرين، فهي من رواة [[حديث الغدير]]<ref>موسوعة الغدير، الأميني، ج١، ص١٠٧.</ref>، وحديث المنزلة<ref>موسوعة الغدير، الأميني، ج١، ص١٠٧.</ref>، وحديث حبّ [[آل محمّد]] | ||
<ref>العوالم، للبحرانيّ، ج٢١، ص٣٥٤.</ref>، وروت حديث {{نص حديث|شيعة عليّ هُم الفائزون}}<ref>بحار الأنوار، المجلسي، ج٦٨، ص٧٦.</ref>، وغير ذلك. فهذا ما وَرَدَ لنا في شأن سيّدتنا ومولاتنا السّيّدة المعصومة {{ع}} في حديث [[الإمام موسى بن جعفر الكاظم]] {{ع}}. | |||
==السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في [[كلام الإمام]] الرّضا{{ع}}== | |||
وأمّا ما وَرَدَ في شأن هذه السّيّدة الجليلة في حديث أخيها [[الإمام علي]] بن [[موسى]] الرّضا {{ع}}، ممّا يبيّن شأنها وعظمتها {{ع}}. | |||
١. عن [[الإمام]] الرّضا {{ع}}: {{نص حديث|يا سعد! عندكم لنا قبر؟، قال سعد: جعلتُ فداك، قبر فاطمة بنت موسى، قال: نعم، مَنْ زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة}} <ref>بحار الأنوار، المجلسي، ج٩٩ ص٢٦٥ ح٤، ومستدرك الوسائل، النوري، ج١٠، ص ٣٦٨، ح٣.</ref> | |||
، | يُشيرُ الإمام {{ع}} إلى موضِعِ قبر أُخته السّيّدة المعصومة {{ع}}، عندما وجّه سؤالهُ لسعدٍ: (عندكم لنا قبر)، فأقرَّ سعدٌ بأنَّه نعم، لكم قبرٌ عندنا، فذكر سعدٌ قبرٌ مَن الّذي يريد الإمام الرّضا {{ع}} الإشارة إليه، فقال سعد: (قبر فاطمة بنت موسى)، فهذه الرّواية تُشير إلى أنَّ قبر السّيّدة المعصومة {{ع}} في بلدة قُم المقدّسة، ويمكن [[الاستدلال]] من خلال هذه الرواية على أنَّ هذه السّيّدة الجليلة قد فارقت [[الحياة]] قبل [[شهادة]] أخيها الإمام علي بن موسى الرّضا {{ع}}، وأنَّ الإمام أراد التّأكيد على أنَّ قبرها هو في بلدة قم، وهذه الرّواية من القسم الثّالث، أي: ما وَرَدَ في شأنها بَعْدَ رَحِيلها {{ع}}. | ||
ثُمَّ يؤكّدُ الإمام {{ع}} على استحباب زيارة قبرها {{ع}}، بقوله: {{نص حديث|مَنْ زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة}}، وهنا يؤكّد الإمام {{ع}} على أهمّيّة معرفة هذه السّيّدة الفاضلة الطّاهرة الزّكيّة، وما أعظم هذه المقولة!، وما أدراكَ ما معرفتها ومعرفةُ حقِّ [[آل محمّد]] {{عم}}، فقد جاءَ عن [[رسول الله]] {{صل}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|مَنْ مَنَّ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه}}<ref>آمالي الصّدوق، ص٥٦١.</ref>، والحقّ بمعنى الشّيء الثّابت، وحقُّ هذه السّيّدة الجليلة هو ما ثبت لها من [[الله]] ومن [[أهل البيت]] {{عم}}، حيثُ شهِدَ لها الأئمّةُ المعصومون {{عم}} في أحاديث كثيرة، فمعرفةُ حقّها أن نُقِرَّ لها بما أعطاها [[المعصوم]] {{ع}}، من التّأكيد على شأنها وعلوّ مكانتها وما بلغتهُ من الرّفعة والسموّ، وأنَّها من ذلك البيت الطّاهر الّذي قال [[الله تعالى]] عن شأنه في كتابه [[المجيد]]: {{نص قرآني|فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}}<ref> سورة النور، الآية ٣٦.</ref>، وأنَّها شبيهةُ جدتها الصّديقة الزّهراء {{ع}}، وشبيهة عمّتها زينب الكبرى {{ع}}، وأنَّها معصومةٌ طاهرةٌ زكيّة مُطهّرة، والاعتراف لها بأنَّها شافعة مشفّعة بإذن ربّها [[الكريم]]، وغير ذلك ممّا يفهم من كلمات المعصومين {{عم}}) بشأنها {{ع}}. | |||
٢. عن [[الإمام]] الرّضا {{ع}} أنَّه قال: {{نص حديث|مَنْ زارَ المعصومة بقم كمن زارني}}<ref>ناسخ التّواريخ، ج٧، ص٣٣٧.</ref>. | |||
ومن هذه الرّواية يمكن الإشارة إلى أشهر ألقاب السّيّدة فاطمة بنت [[الإمام الكاظم]]، أنَّ من أشهر ألقابها "المعصومة"، وهو أكثرُ لقبٍ عُرِفت بهِ، وقد أطلق الإمامُ الرّضا {{ع}} من خلال هذه الرّواية، هذا اللقب [[العظيم]] على أُخته فاطمة، (مَنْ زارَ المعصومة)، وهذا يدلُّ أيضاً على إِثبات [[العصمة]] –العصمة الأفعاليّة- لها {{ع}} استناداً للقاعدة المعروفة مِنْ أنَّ تعليق [[الحكم]] بالوصف مشعرٌ بالعليّة، وعندما أشارَ في قوله (بقُم) عُرِفَ أنَّهُ {{ع}} يُطلقُ هذا اللقب عليها، لأنَّها هيَّ المدفونة في أرض قُم. | |||
ثُمَّ يشيرُ{{ع}} لخصوصية عظيمة مِنْ خصوصيّاتها، وهي أنَّ زيارتَّها تُعادل زيارته، وكما أسلفنا في أوّل البحث بأنَّ المعصوم{{ع}} لا يُصدر [[الكلام]] مبالغةً، أو جُزافاً –حاشاه ذلك-، فمن زارها كمن زار الرّضا، لأنّها معصومة {{ع}}، فإنْ أردنا معرفة [[فضل]] زيارتها، فينبغي علينا أنْ نعرف فضل زيارة [[الإمام الرضا]] {{ع}} وشأنها العظيم، والرّوايات في هذا الباب كثيرة، نتبرّكُ بذِكر بعض ما وَرَدَ في [[فضل]] زيارته {{ع}}: | |||
#روي عن النّبيّ الأكرم {{صل}} أنَّهُ قال: {{نص حديث|ستدفن بضعة منّي بخراسان ما زارها مؤمن إلّا أوجب الله له الجنّة وحرّم جسده على النّار}}<ref>بحار الأنوار، ج٩٩، ص٣١، باب فضل زيارة إمام الإنس والجن أبي الحسن، ح١.</ref> | |||
# عن [[أبي الحسن]] الرّضا {{ع}} أنَّه قال: {{نص حديث|إن بخراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة، فلا يزال فوج ينزل من السّماء وفوج يصعد، إلى أن ينفخ في الصّور، فقيل له: يا ابن رسول الله وأيّة بقعة هذه؟ قال: هي بأرض طوس وهي والله روضة من رياض الجنّة، من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول الله {{صل}} وكتب [[الله تبارك وتعالى]] له بذلك [[ثواب]] ألف حجّة مبرورة وألف عمرة مقبولة وكنت أنا وآبائي شفعاءه [[يوم القيامة]]}}<ref>بحار الأنوار، ج٩٩، ص٣١، باب فضل زيارة إمام الإنس والجن أبي الحسن، ح٢.</ref>. | |||
#روى الصّقر بن دلف قال: سمعت سيّدي علي بن محمّد بن علي الرّضا {{ع}} يقول: {{نص حديث|من كانت له إلى الله حاجة فليزر قبر جدّي الرّضا {{ع}} بطوس، وهو على غسل وليصل عند رأسه ركعتين، وليسأل [[الله]] حاجته في قنوته، فانّه يستجيب له ما لم يسأل في [[إثم]] أو قطيعة رحم، وإنّ موضع قبره لبقعة من بقاع الجنّة لا يزورها [[مؤمن]] إلّا أعتقه الله من النّار وأحلّه دار القرار}}<ref>عيون أخبار الرّضا، ج٢، ص٢٦٢.</ref> | |||
فطُوبى ثُمَّ طُوبى لِمن زارَ [[الإمام]] الضّامن عليّ بن [[موسى]] الرّضا {{ع}} وزارَ أُخته السّيّدة المعصومة {{ع}}، فمن زارَ المعصومة كمن زار الرّضا. | |||
٣. عن سعد بن سعد، قال: سألتُ أبا [[الحسن]] الرّضا {{ع}} عن زيارة فاطمة بنت موسى {{ع}}، فقال: {{نص حديث|مَنْ زارها فلهُ الجنّة}}<ref>كامل الزّيارات، ص٣٢٤، ح١، ثواب الأعمال، ص٩٨، عيون أخبار الرّضا×، ج٢، ص٢٦٧.</ref>. وهذا تأكيدٌ آخرُ من إِمامٍ معصومٍ وخليفة الله وحُجته على خلقه، على أنَّ الجزاءَ والعطاء لزائِر السّيّدة المعصومة {{ع}} هو الجنّة. | |||
٤. وقال المجلسي في البحار: نقلًا عن بعض كتب الزّيارات: حدّث عليّ بن [[إبراهيم]]، عن أبيه، عن سعد، عن علي بن [[موسى]] الرّضا {{ع}}، قال: قال: {{نص حديث|يا سعد، عندكم لنا قبر، قلت: جعلتُ فداك، قبر فاطمة بنت موسى؟ قال: نعم، مَنْ زارها عارفاً بحقّها فله الجنّة، فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبّر أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبّح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمد الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، ثمّ قل: السَّلامُ عَلى آدَمَ صَفوَةِ اللهِ، السَّلامُ عَلى نُوحٍ نَبِيِّ اللهِ، السَّلامُ عَلى إبراهِيمَ خَلِيلِ اللهِ، السَّلامُ عَلى مُوسى كَلِيمِ اللهِ، السَّلامُ عَلى عِيسى رُوحِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا رَسُولَ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا خَيرَ خَلقِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا صَفِيَّ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا مُحَمَّدَ بنَ عَبدِاللهِ، خاتَمَ النَّبِيِّينَ.. إلى آخر الزيارة}}<ref>بحار الأنوار، المجلسي، ج١٠٢، ص٢٦٥، ح٤.</ref>. وهذه الرّواية أولها قد أشرنا له في الرّواية الأولى، الّتي ذكرناها عن [[الإمام]] الرّضا {{ع}} وهنا بزيادة ذكر كيفيّة الزّيارة، وقد ذكر العلّامة المجلسيّ في تحفة الزّائر: "أنّ من المحتمل أنّ تكون هذه الزّيارة من مؤلّفات [[العلماء]]، لا مِن تتمّة الحديث." <ref>تحفة الزّائر، ص٥٣٥.</ref> | |||
==السّيّدة فاطمة المعصومة {{ع}} في [[كلام الإمام]] [[الجواد]]{{ع}}== | |||
وأمّا ما وَرَدَ في شأن هذه السّيّدة المعظّمة في حديث ابن أخيها الإمام محمّد بن عليٍّ الجواد {{ع}}، ممّا يبيّن المكانة الرّفيعة والفضل [[الكبير]] لزيارةِ عمّته المعصومة {{ع}}. ورواياتُهُ {{ع}} تعتبر أيضاً مِن القسم الثّالث، فيما وَرَدَ في حقّها بعد رحيها {{ع}}. | |||
١. عن الإمام الجواد {{ع}} أنّه قال: {{نص حديث|مَنْ زارَ عمّتي بقم فله الجنّة}} <ref>كامل الزّيارات، ابن قولويه، ص٣٢٤، ح٢.</ref> | |||
وهنُا نُشير إلى أنَّ ثلاثةً من أئِمَّةِ الدِّينِ والهدى {{عم}} قد أشادوا بفضلها ومقامها، وفضل زيارتها {{ع}} تعدل أو تعادل الجنّة، فقد أشارَ الإمامُ الصّادقُ {{ع}}، والإمام الرّضا {{ع}}، وكذلك إمامنا [[محمّد الجواد]] {{ع}}يؤكّدُ على ما أكّد عليه آباؤهُ {{عم}} بأنَّ لزائرها الجنّة، فما أعظمها من سيّدةٍ مباركةٍ، ميمونةٍ، معظمةٍ، يشيدُ بفضل زيارتها ثلاثةُ مِنَ الأَئِمّة الطّاهرين{{عم}}. | |||
وإشارةً إلى "الزيارة"، فقد ذكر سماحة [[آية الله]] السّيّد عادل العلوي: "إلّا أنّ الزّيارة مِن الكُلّيّ التشكيكيّ فله مراتب طوليّة وعرضيّة، وإنّ آثارها تختلف باختلاف مراتبها وزائريها، فمنهم مَن ينالُ بزيارتها الجنّة وسعادة الدّارين، ومنهم مَن يتوفّق للتّوبة والإنابة إلى [[الله]]، فالقلوبُ أوعية، خيرها أوعاها، وينال الزّائر [[الكريم]] بزيارتها وقدسيّة حرمها الشّريف وروحانيّة حضرتها القدسيّة بمقدار معرفته، وما يحمل من خلفيّة ثقافيّة دينيّة وورع وتقوى" <ref>موسوعة رسالات إسلاميّة، ج ١٥، ص ٨٥، كتاب شَهدُ الأرواح، دراسة مختصرة عن حياة السّيّدة المعصومة (ع) وتاريخ قم المقدّسة، السّيّد عادل العلوي.</ref> | |||
٢. وعن كتاب النّقض، أنّهُ قال: (وكان ملوك [[العالم]] وأُمَراؤه من [[الحنفيّة]] والشافعيّة يتقرّبون إلى الله بزيارة قبر بنت [[موسى بن جعفر]]) <ref>عن كتاب: (بعض مثالب النّواصب) المعروف بكتاب (النّقض)، ص ٦٤٣ لمؤلفه: عبد الجليل القزوينيّ الرّازي، وقد ألفّه في عام ٦٥٠ هـ.</ref> | |||
فيمكن من خلال هذه الرّواية [[إثبات]] السّيرة بأنَّها قائمةٌ على [[تعظيم]] مرقد بضعة [[الإمام الكاظم]] من زَمَنِ مُلوك العالم وأُمراؤه من الحنفيّة والشّافعيّة، وكذلك يمكن القول بأنَّ سيرة علمائنا وفقهائنا العظام قائِمةُ على تعظيم مرقدها، ويتقرّبون إلى الله بها وبجاهها [[العظيم]] عنده، ولقد ذكر شيخنا [[آية الله]] [[الشيخ]] [[محمد]] السّند البحرانيّ في كتابه الدّائرة الاصطفائيّة الثّانية، تحت عنوان: تعظيم مرقد السّيّدة فاطمة المعصومة في قم المقدّسة، ما نصّه: "تمجيد علماء [[الإمامية]] للسّيّدة فاطمة بنت موسى بن جعفر، منذ شهادتها إلى يومنا هذا يداً بيدٍ وجيلاً بعد جيل مع تشدّد علماء قم، فقد كان علماء قم في زمن [[الإمام]] الرّضا {{ع}} متشدّدين في دقّة كلّ طقس من طقوس الدّين ومع ذلك سيرتهم على تعظيم فاطمة بنت [[الإمام موسى بن جعفر]] ليس اعتباطاً؟ بل إنّ سيرة [[العلماء]] على تعظيم السّيّدة فاطمة{{ع}} لها [[أصول]] وجذور. ونفس هذه الآثار تشغل حيّزاً كبيراً في سيرة المسلمين، وليس فقط في سيرة [[الإماميّة]] الاثني عشريّة" <ref>الدائرة الاصطفائيّة الثّانية لأهل البيت {{عم}}، أبوالفضل العبّاس أنموذجاً، الشيخ محمد سند، ج٢، ص٥٥.</ref> | |||
ومن خلال ما تقدَّم كلّه، تبيّن لنا عظمة هذه السّيّدة الجليلة الطّاهرة فاطمة المعصومة{{ع}}، وما لها من شأنٍّ عظيم قد أكّدت عليه خطاباتُ الأئمّة المعصومين {{عم}}، وما لزيارتها من فضلٍ وشأنّ كبيرين، ولا أدّعي أنّني تتبّعتُ كلَّ ما وَرَدَ في حقّها بلسان الأئمّة {{عم}}، فرُبّما هنالك رواياتٌ أُخر لم أطّلع عليها، ومع بضاعتي القليلة في هذه السّطور، أسأل [[الله]] أن يرزقني في الدّنيا زيارتها ومجاورتها، وفي [[الآخرة]] شفاعتها. | |||