الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأجل عند أهل السنة»

سطر ٣٤٨: سطر ٣٤٨:


وروي عن [[عبد الله بن مسعود]] أنه قال: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الجعلان في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو». ثم قال: {{نص قرآني| فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ }} أي: أجل العذاب {{نص قرآني| لَا يَسْتَأْخِرُونَ }} أي: لا يتأخرون عن الوقت {{نص قرآني| سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}} أي: لا يتقدمون قبل الوقت <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٢٧٩٩.</ref>.
وروي عن [[عبد الله بن مسعود]] أنه قال: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الجعلان في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو». ثم قال: {{نص قرآني| فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ }} أي: أجل العذاب {{نص قرآني| لَا يَسْتَأْخِرُونَ }} أي: لا يتأخرون عن الوقت {{نص قرآني| سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}} أي: لا يتقدمون قبل الوقت <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٢٧٩٩.</ref>.
==أجل الكون==
أبدع الله سبحانه وتعالى هذا الكون بعلمه وقدرته، وبدأه بأمره وإرادته، وقدر له أجلًا تكون فيه نهايته، وقضى فيه سننه ونواميسه وقوانينه التي بها يكون حفظه واستمراريته، وقد حظي هذا الكون بعناية خاصة في آيات كتاب الله تعالى توجيهًا للنظر فيه وتدبر إتقان صنعته لإدراك عظمة الباري وتمام حكمته، وقد برزت حكمة الله تعالى وتجلت في تلك الدقة المتناهية في هذه الصنعة المنسجمة على عظم حجمها وارتفاع سمائها وانبساط أرضها، فجعل لهذا الكون برمته قدرًا وأجلًا دقيقًا دقةً ما زال البشر يطلعون على جانب ضئيل منها ويكتشفون في كل يوم جديدًا عنها.
===أجل الأجرام السماوية===
أجل السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣/٨١.</ref>.
وقد بين سبحانه هيمنته على هذه العوالم وتسخيرها إلى أجلٍ مسمى حيث يقول: {{ نص قرآني |وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>  سورة الرعد، الآية  2.</ref> والتسخير حقيقته تذليل ذي عملٍ شاقٍ أو شاغلٍ بقهرٍ وتخويفٍ أو بتعليمٍ وسياسةٍ بدون عوضٍ، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجز. ويستعمل مجازًا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في عملٍ عجيبٍ أو عظيمٍ من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلةٍ أو إلهامٍ تصريفًا يصيره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفلك للمخر في البحر بالريح أو بالجذف، وتسخير السحاب للأمطار، وتسخير النهار للعمل، والليل للسكون، وتسخير الليل للسير في الصيف، والشمس للدفء في الشتاء، والظل للتبرد في الصيف، وتسخير الشجر للأكل من ثماره حيث خلق مجردًا عن موانع تمنع من اجتنائه مثل الشوك الشديد.
وقد أطلق التسخير في السماوات والأرض والشمس والقمر مجازًا على جعلها خاضعةً للنظام الذي خلقها الله عليه بدون تغييرٍ، مع أن شأن عظمها أن لا يستطيع غيره تعالى وضعها على نظامٍ محدودٍ منضبطٍ... والجري: المشي السريع استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض، تشبيهًا بالمشي السريع لأجل شسوع المسافات التي تقطع في خلال ذلك.
وزيادة قوله: {{ نص قرآني |إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}}؛ للإشارة إلى أن لهذا النظام الشمسي أمدًا يعلمه الله، فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض العالم، فهذا تذكيرٌ بوقت البعث.
فيجوز أن يكون {{ نص قرآني |إِلَى أَجَلٍ}} ظرفًا لغوًا متعلقًا بفعل {{ نص قرآني |يَجْرِي}}، أي: ينتهي جريه، أي: سيره عند أجلٍ معينٍ عند الله لانتهاء سيرهما، ويجوز أن يكون {{ نص قرآني |إِلَى أَجَلٍ}} متعلقًا بفعل {{ نص قرآني |وَسَخَّرَ}} أي: جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهيًا عند أجلٍ مقدرٍ <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨/١٦٩، ٢١/١٨٦.</ref>.
'''لطيفة لغوية:'''
ورد جري الأجرام السماوية متعديًا بحرف (اللام) ثلاث مرات في كتاب الله تعالى: {{ نص قرآني |كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}}<ref>  سورة الرعد، الآية  2.</ref>
وورد مرة واحدة متعديًا بـ(إلى) وذلك في {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}}<ref>  سورة لقمان، الآية  29.</ref>.
وقد نحا كثير من اللغويين إلى تعاقب الحروف فقالوا: إن (اللام) بمعنى (إلى) والعكس.
ولكن هناك فرق تعبيري تصويري لطيف يشير إليه النيسابوري في تفسيره حيث يقول: وقوله هاهنا - أي: في موضع سورة لقمان-: {{نص قرآني|يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}} ، وقوله في فاطر والزمر {{ نص قرآني |لِأَجَلٍ مُسَمًّى}} يؤول إلى معنًى واحد، وإن كان الطريق مغايرًا؛ لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم، وهو للشمس آخر السنة، وللقمر آخر الشهر...
والثاني: معناه: اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا. ووجه اختصاص هذا المقام بـ(إلى) وغيره بـ(اللام): أن هذه الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل <ref>غرائب القرآن، النيسابوري، ٥/٤٣٠.</ref>.
وقد وضح الشيخ الشعراوي هذا المعنى بقوله: وفي هذه الآية ورد التعبير بلفظ {{نص قرآني|إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}}، وفي مواضع أخرى ورد بلفظ: {{ نص قرآني |لِأَجَلٍ مُسَمًّى}} بـ(اللام) بدلًا من (إلى)، وكذلك في سورتي فاطر والزمر.
ولكل من الحرفين معنى:
{{نص قرآني| إِلَى أَجَلٍ }} تعطينا الصورة لمشية الشمس والقمر قبل وصولهما الأجل.
إنما {{ نص قرآني |لِأَجَلٍ مُسَمًّى}} أي: الوصول المباشر للأجل  <ref>تفسير الشعراوي، ١٩/١١٧٤١.</ref>.
وكأن هذا الحرف (إلى) يدعو الإنسان إلى أن ينظر ويتفكر في سير هذه الأجرام الباهرة العظيمة؛ كي يدرس جريانها ومسارتها، ويقف على عظمة خالقها أكثر فأكثر.
===الإعجاز العلمي وتحديد أجل الكون===
مما لا ريب فيه أن هذا الكون قائمٌ على نظام دقيق بديع ينبئ عن خالق عليم حكيم، ومما بات معلومًا لدى العلماء تضمن هذا الكتاب العزيز إشارات بينة على حقائق كونية باهرة يكتشف العلم في كل يوم منها قدرًا يزيد اليقين بصدق هذا الكتاب الحكيم، وقد ذكر القرآن الكريم كما مر أعلاه أن الله تعالى جعل لهذا الكون بأجرامه وسمواته وأرضه قدرًا معلومًا وأجلًا محتومًا يسير في كنفه هذا الكون العظيم إلى أن يبلغ أجلًا مسمًى تنقضي عنده الدنيا بأجرامها.
وقد أشارت النظريات العلمية الحديثة التي تفسر نشوء الكون إلى هذه الحقيقة؛ إذ إن البراهين كلها تشير إلى أن هذا الكون كله في حركة تمدد دؤوب مستمرة، وقطعًا فإن هذا التمدد سيصل إلى نقطة يتلاشى عندها الكون، وتنبئ الأجهزة التي يستخدمها علماء الفلك بأن المجرات والنجوم والكواكب جميعًا في حركة دائبة، وأن هذه الحركة تؤدي إلى تمدد مستمر...
ومن هذه الحسابات، أن سرعة تمدد الجزء الذي تدركه حواسنا من هذا الكون هي ٢٣٥ مليون ميل في الدقيقة، وأن هذا التمدد قد نشط من ١٨ ألف مليون سنة من السنين التي نعرفها على الأرض، وأنه بدأ بانفجار هائل تعارف العلماء على تسميته: (بج بانج/ Big Bang)، وكل المجرات وما تضمنه من أجرام تتحرك في نظام وتوقيت رباني محكم، بما يؤكد التوزان المطلق الذي شاء الرحمن أن يكون في كل مخلوقاته، كبيرها وصغيرها، فهناك تجاذب بين الأجرام السماوية والأرض، كالتجاذب بين الأرض والأجسام الواقعة على سطحها، وهناك توازن بين قوى التجاذب بحيث لا تختل حركة الأجرام في دورانها في أفلاكها64.
يقول الدكتور محمد دودح: عرض القرآن الكريم لأهوال نهاية العالم في صور بيانية تعكس الحقيقة بتلطف؛ والتي بالكاد أوشكت أن تدركها الفيزياء الفلكية اليوم، وفي قوله تعالى: {{ نص قرآني |فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}}<ref>  سورة الرحمن، الآية  37.</ref>.
المعنى المتبادر: أن يفسح جو الأرض والمعهود بالزرقة حين يبدأ في التفسخ والتلاشي عن كتلة حمراء ضخمة ملتهبة تتأجج وتغطي معظم السماء، بدلا عن الشمس؛ أشبه في اللون والتضخم بوردة حمراء تتفتح، وفي الالتهاب والسيولة واللمعان والتموج بزيت الدهان وهو يتأجج على النار، ونطالع في التصورات العلمية المتوقعة لمصير الشمس؛ أنها ليست من الضخامة بحيث تنتهي إلى ما يسمى فيزيائيًا ثقب أسود Black Hole، أو إلى ما يسمى نجم نيوتروني Neutron Star؛ وإنما تنتفخ وتتحول إلى عملاق أحمر Red Giant من شدة الحرارة، يبلغ قطره من ١٥ إلى ٤٥ مرة مثل قطر الشمس حاليًا، ويعادل لمعانه حوالي مائة مرة أو أكثر مثل لمعان الشمس، ويبتلع في طريقه ما يجاوره، والحد الذي يحدد مصير النجم بعد انفجاره قيمته ١.٤ قدر كتلة الشمس (حد تشاندراسيخار)، يتحول النجم دونه لقزم أبيض؛ وهذا هو حال الشمس.
وفي المقابل يعرض القرآن الكريم لمشاهد تكمل الصورة؛ كإبادة الكواكب وجمع الشمس والقمر وانشقاق الجو لينفتح المشهد على عملاق أحمر ينتفخ من شدة الانفجار ويدفع بألسنة النار في كل صوب مثل وردة حمراء تتفتح أوراقها؛ وكزيت الدهان يتأجج ناثرًا قطرات حارقة، وتقترب الشمس فتطال الأرض وتصهر كل ما عليها، وتصبح عملاقًا أحمر ووردة حمراء في الأسفل.
وتنفجر الأرض وتطرح ما فيها من أثقال وتتخلى عن كل ما عليها؛ وتمحى كل مظاهر الحياة، ولا وجود حينئذ لبشر يشاهد فخلى الوصف من المشاهد؛ وفي الختام تنكمش الشمس وتطوى كلفافة وتكور لتصبح قزمًا أبيض White Dwarf ثم تموت، ويمنح السياق فسحة كبيرة لتتصور المخيلة ما لم تصرح به الكلمات من مشاهد القدرة المفزعة؛ التي أحالت كل العالم خراب <ref>القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح عافية، ص٢٧.</ref>.
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
#
#
٢٦٬٨٢١

تعديل