الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الأمن عند أهل السنة»
←المراجع والمصادر
| سطر ٢٠٢: | سطر ٢٠٢: | ||
بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/١٦، رقم ٢١٤٠، وحسنه. وصححه الألباني، صحيح الجامع ٢/١٣٢٣، رقم ٧٩٨٧.</ref>. وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٨.</ref>. | بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)<ref>أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن ٤/١٦، رقم ٢١٤٠، وحسنه. وصححه الألباني، صحيح الجامع ٢/١٣٢٣، رقم ٧٩٨٧.</ref>. وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٨.</ref>. | ||
==أنواع الأمن== | |||
ذكر القرآن الكريم أنواعًا للأمن، منه المحمود، ومنه المذموم، نبينها فيما يأتي: | |||
=== الأمن المحمود=== | |||
====أهمية الأمن المحمود==== | |||
إن نعمة الأمن أهم من نعمة الرزق. | |||
قال الله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 126.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 35.</ref>. | |||
فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين: | |||
#لأن استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمن، واستتب ضرب الناس في الأرض، وهذا مما يدر عليهم رزق ربهم، ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فقد الأمن. | |||
#ولأنه لا يطيب طعام، ولا ينتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن. | |||
فمن من الناس أحاط به الخوف من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته، ثم وجد لذة بمشروب أو مطعوم؟! | |||
ولقائل أن يقول: فلماذا قدم الرزق على الأمن في سورة قريش؟ | |||
والجواب: أن هذه السورة خطاب للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير قبل العظيم، ودليل ذلك قوله تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 21.</ref>. | |||
فبدأ بخلقهم قبل خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس، قال تعالى: {{ نص قرآني |لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة غافر، الآية 57.</ref>. | |||
وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:{{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 126.</ref>. | |||
وقال:{{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 35.</ref>. | |||
ويوسف عليه السلام يطلب من والديه دخول مصر مخبرًا باستتباب الأمن بها: {{ نص قرآني | فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }}<ref> سورة يوسف، الآية 99-100.</ref>. | |||
==== أقسام الأمن المحمود==== | |||
=====الأمن للمؤمنين في الدنيا===== | |||
ومن ذلك: | |||
1. الأمن في البيت الحرام، والبلد الحرام: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}}<ref> سورة البقرة، الآية 125-126.</ref>. | |||
فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان، عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه على نفسه، والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها، وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم عليه السلام فجعل البلد آمنًا، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم، فكفروا النعمة، وجعلوا لله أندادًا، وصدوا عن سبيل الله <ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢١٠٩.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 96-97.</ref>. | |||
قال قتادة: ذلك أيضًا من آيات الحرم، وقال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن الناس كانوا يتخطفون من حواليه، ولا يصل إليه جبار، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب، ولم يوصل إلى الحرم، وقال بعض العلماء: صورة الآية خبرٌ ومعناها أمرٌ، تقديرها: ومن دخله فأمنوه <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١١/٢٢٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/١٤٠.</ref>. | |||
فيذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنًا، فهو مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض، وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين. . .، حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره: «كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج» <ref>انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٩٧.</ref>، وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا، حتى والناس من حوله في جاهلية! | |||
وقال سبحانه يمتن على العرب به: {{ نص قرآني |أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 67.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة القصص، الآية 57.</ref>.<ref>انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/٤٣٥.</ref> | |||
2. الأمن في المعارك: وقد قال الله تعالى: {{ نص قرآني |إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية 11.</ref>. | |||
وقال: {{ نص قرآني |ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا}}<ref> سورة آل عمران، الآية 154.</ref>. | |||
وعن أنسٍ، عن [[أبي طلحة]] -رضي الله عنهما- قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه» <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة)، رقم ٤٠٦٨.</ref>. | |||
قال [[ابن القيم]]: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليلٌ على الأمن، وهو من الله. . . »<ref>زاد المعاد ٢/١٨٢.</ref>. | |||
=====الأمن للمؤمنين في الآخرة===== | |||
ومن ذلك: | |||
1. النجاة من أهوال يوم القيامة: قال تعالى: (ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇڍ ڍ ڌ ڌ ڎ) [فصلت: ٤٠]. | |||
يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خيرٌ، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذٍ به كافرًا»48. | |||
وقال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [النمل: ٨٩]. | |||
في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [النمل: ٨٩]. | |||
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله49. | |||
الأمن لأهل الجنة. | |||
قال تعالى: (ۈ ۈ ٷ) [الحجر: ٤٦]. | |||
وقال: (ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې) [سبأ: ٣٧]. | |||
فشمر لدار الخلد فاز مشمرٌ | |||
إليها ونال الأمن في منزل الأمن50 | |||
قال ابن القيم: «قال تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں) [الدخان: ٥١ - ٥٢]. | |||
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد. . .، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ) [الدخان: ٥١]. | |||
وفي قوله تعالى: (ھ ھ ھ ے ے) [الدخان: ٥٥]. | |||
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا»51. | |||
٣. وسائل تحقيقه. | |||
الوسيلة الأولى: الإيمان بالله وحده وعمل الصالحات: | |||
قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: (ڭ ڭڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ېى ى ئا ئا ئە ئەئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى ی ی ی ی ئجئح ئم ئى ئي بجبح بخ بم بى بي ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [الأنعام: ٨٠ - ٨٢]. | |||
وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه52. | |||
فالذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: | |||
أولهما: الإيمان، وهو كمال القوة النظرية. | |||
وثانيهما: (ٻ ٻ ٻ پ) وهو كمال القوة العملية53. | |||
فالظلم ثلاثة أنواعٍ: | |||
فالظلم الذي هو شركٌ لا شفاعة فيه. | |||
وظلم الناس بعضهم بعضًا لا بد فيه من إعطاء المظلوم حقه. | |||
وأما الظلم المقيد، فقد يختص بظلم الإنسان نفسه... | |||
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. | |||
وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنما هو الشرك)54 أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام، ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذابٍ يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة55. | |||
وقال ابن القيم: «فإن الأمن والعافية والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم والغم والبلاء والألم والقلق مع الضلال والحيرة»56. | |||
وقال: ثم رجع الخليل إليهم مقررًا للحجة، فقال: (ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى) يعني في إلهيته (ئى ی ی ی ی ئجئح ئم ئى ئي بجبح بخ بم بى بي ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [الأنعام: ٨١ - ٨٢]. | |||
يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية وهي ليست موضع نفعٍ ولا ضرٍ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل بها حجةً عليكم، والذي أشرك بخالقه وفاطره، فاطر السماوات والأرض، ورب كل شيءٍ ومليكه آلهةً لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وجعلها ندًا له ومثلًا في الإلهية، أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلهًا آخر، وحده وأفرده بالإلهية والربوبية، والقهر والسلطان، والحب والخوف والرجاء (ئم ئى ئي بجبح بخ بم بى) [الأنعام: ٨١]. | |||
فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له القلوب، وأقرت به الفطر، فقال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ) [الأنعام: ٨٢] 57. | |||
وقال تعالى: (ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [: ٥٥]. | |||
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا؛ ذلك وعد الله، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟ | |||
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله، وتوجه النشاط الإنساني كله، فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط، وبناء وإنشاء، موجه كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله، وهي طاعة لله، واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله. | |||
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعًا، ويتوجه بهذا كله إلى الله. | |||
ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض58. | |||
وقوله: (ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [: ٥٥]. | |||
قال القرطبي: « (ڎ) هو في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص»59. | |||
قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعدٌ عامٌ في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحدٍ بقدره وعلى حاله. | |||
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز. | |||
فكان في هذه الآية دلالةٌ على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل أنجز ذلك الوعد60. | |||
والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي: كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله يحكم التوحيد حياتها كاملة كان الأمن على قدر ذلك، والله تعالى أعلم. | |||
ولذلك كان الآمنون في الدنيا هم أهل الإيمان، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوةً قبل نجدٍ، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرةٍ، فعلق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي، يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن رجلًا أتاني وأنا نائمٌ، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالسٌ) ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم 61. | |||
وقال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. | |||
ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: (ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ) [الحديد: ١٣]. | |||
وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. | |||
وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة»62. | |||
إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ | |||
ولا دنيا لمن لم يحي دينا | |||
ومن رضي الحياة بغير دينٍ | |||
فقد جعل الفناء لها قرينا63 | |||
ومن الصالحات التي تؤدي إلى الأمن: | |||
الأخذ بأسباب القوة. | |||
قال تعالى: (ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئەئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى) [الأنفال: ٦٠]. | |||
لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان، وأول ما تصنعه هذه القوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها، والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة، والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها، والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده64. | |||
الدعاء. | |||
قال تعالى: (ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بحبخ بم بى بي تج تح تخ تم تى تي ثجثم ثى ثي) [البقرة: ١٢٦]. | |||
وقال: (ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ) [إبراهيم: ٣٥]. | |||
وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)65. وفي رواية: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان)66. | |||
وعن ابن عمر رضي الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)67. | |||
الوسيلة الثانية: أداء الشكر لله وحده على نعمه: | |||
فالنعم تثبت بالشكر، وتذهب بالجحود، قال تعالى: (ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ) [إبراهيم: ٧]. | |||
وقال في خصوص نعمة الأمن: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پپ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ېى ى ئا ئا ئە ئە) [سبأ: ١٥ - ٢١]. | |||
وقال: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) [النحل: ١١٢]. | |||
وهكذا نجد في هذه الآيات أن استقرار الأمن مربوط بشكر النعمة، وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لابد أن يسبق توفر الغذاء، مما يدل على أن الضرورة إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء؛ لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار؛ ولهذا كان في دعاء الخليل عليه السلام تقديم طلب الأمن على طلب الرزق، كما ذكر الله عنه في قوله: (ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ) [إبراهيم: ٣٥]. | |||
وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين، وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرًا له على ذلك، فقال: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ) [قريش: ١ - ٤]. | |||
الوسيلة الثالثة: الاستقامة، وحسن التعامل، والتكافل الاجتماعي: | |||
إن حسن التعامل من شأنه أن يشيع الأمن بين أفراد المجتمع؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، وسلب حالة الأمن التي يتمتع بها، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: حدثنا أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلمًا)68. | |||
وقد ذكر بعض العلماء أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسيفٍ، أو بأداة قتلٍ، أو بتهديدٍ وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه الإسلام. | |||
الوسيلة الرابعة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: | |||
وهو من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض، قال تعالى: (چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ) [الحج: ٤٠ - ٤١]. | |||
وفيه الأمن من الهلاك، والمحافظة على صلاح المجتمعات، فعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)69. | |||
وفيه دفع العذاب عن العباد، قال تعالى: (ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇڍ ڍ ڌ ڌ ڎ) [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. | |||
وهو مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه، قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ) [الأعراف: ١٦٥]. | |||
الوسيلة الخامسة: إقامة شرع الله: | |||
ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة الغذاء، اهتم الإسلام بتوفير الأسباب الجالبة للأمن، وذلك ببناء الإنسان عقيدة وأخلاقًا وسلوكًا؛ لأن الأمن لا يتوفر بمجرد البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس، وتطهير الأخلاق، وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس الشر رغبة عنه وكراهية له. | |||
كما يقول الشاعر70: | |||
ولا تنتهِ الأنفس عن غَيِها | |||
ما لم يكن لها من نفسها زاجر | |||
فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. | |||
قال الشاعر71: | |||
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت | |||
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا | |||
ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹڤ ڤ ڤ ڤ ڦ) [الحديد: ٢٥]. | |||
ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. | |||
وفي الحديث: عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)72. | |||
ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله)73. | |||
فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية، ومنعًا لتفريق الكلمة، واختلاف الأئمة. | |||
فالقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة، وضمانٌ للأمن بين الناس، قال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ) [البقرة: ١٧٩]. | |||
فإذا عرف من يريد قتل إنسان أنه سيقتل به امتنع عن القتل، فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه كان في هذا ردع للآخرين، فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره، فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم؛ وبذلك يأمن الناس على حياتهم. | |||
ورجم الزاني المحصن (وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح) بمحضر عام من المؤمنين، فيرجم بالحجارة حتى يموت. | |||
وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها؛ وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط، ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: (ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌڌ ڎ ڎ ڈڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ) [: ٣٠ - ٣١]. | |||
وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية، وبتطبيق هذا الحد يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث المجتمع، ويهدد الإنسانية، وينشر الأمراض الخطيرة. | |||
ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زورًا وبهتانًا. | |||
فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة البينة على ما يقول بأن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدًا، وأنه يعتبر فاسقًا ساقط العدالة ما لم يتب من هذه الجريمة. | |||
قال تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [: ٤ - ٥]. | |||
وبهذا الحد الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتوارى من المجتمع نهائيًا. | |||
ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات. | |||
قال تعالى: (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ) [النساء: ٥]. | |||
وقد حرم الله أخذ أموال الناس بغير حق والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في الحرمة، كما تدل عليه الآيات والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من فعل ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروعت المجتمع جزاؤها البتر، قال الله تعالى: (ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹٹ ڤ ڤ ڤ) [المائدة: ٣٨]. | |||
والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة تمكن مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مكر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها الإنسان من مأمنه، وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون، فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها عليه ردعًا له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع، ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة. | |||
ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم؛ لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها، ويروعون المارة. | |||
ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة، وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله: (چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ڳ ڳ ڳڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ) [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. | |||
وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتوفر الأمن في البر والبحر والحاضرة والبادية، وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه صلاح العمران البشري، وتوفر الإنتاج؛ ولهذا وصف الله من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله، وساع في الأرض بالفساد. | |||
ولما كان لابد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها، وتحل مشاكلهم، وتكف الظالم منهم عن ظلمه، وتدفع العدو الخارجي عنهم، وترعى شؤونهم، وتنفذ أحكام الله فيهم. | |||
لما كان الأمر كذلك وأكثر، شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على الخير، قال الله تعالى: (ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى ی ی یی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تج تح تختم تى تي ثج ثم) [النساء: ٥٩]. | |||
وهكذا نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن الأفراد والمجتمعات حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: (ی ی ئجئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم) [المائدة: ٥٠]. | |||
ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في القلوب، وزرع الخشية الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه، وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأجل تعليم الجاهل، وتذكير الغافل، والأخذ على يد السفيه عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تُجْدِ فيه الموعظة، ولم تؤثر فيه النصيحة، ولم يأتمر بالمعروف، وينته عن المنكر، فالعقوبة آخر مرحلة كما يقال7475: | |||
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا | |||
مضر كوضع السيف في موضع الندى | |||
إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بالله عز وجل، واليقين بالآخرة، والجزاء والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة، ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله عز وجل بديلًا، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات؛ لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدب أفرادها بحكم الله عز وجل وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس. | |||
وإذا انحرف الناس عن هذا المنهج ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم»76. | |||
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)77. | |||
ومن إقامة الشرع: إقامة العدل، قال تعالى مخاطبًا جميع عباده: (ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ېى ى ئا ئا ئە ئەئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ) [النساء: ٥٨]. | |||
قال ابن تيمية: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمةٌ، وعاقبة العدل كريمةٌ؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً»78. | |||
والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالًا نرمها به فعل، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، والسلام79. | |||
=== الأمن المذموم ومظاهره=== | |||
الأمن منه محمود ومذموم، وقد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر الله تعالى، والأمن من بطش الأعداء، والتفريط في تحصيل أسباب الأمن المحمود، يوقع ولا شك في الأمن المذموم، وقد ذكر القرآن الكريم مظاهر ذلك الأمن المذموم، ومن ذلك: | |||
١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في الدنيا. | |||
ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، واستغرقوا في أمنهم الباطل، فقال تعالى: (ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. | |||
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون»80. | |||
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر، كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ | |||
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله!81. | |||
٢. الأمن من بطش الأعداء وتسلطهم. | |||
قال تعالى: (ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تج تح تختم تى تي ثج ثم ثى ثي جح ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈڈ ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ) [النساء: ١٠١ - ١٠٢]. | |||
أمرهم الله تعالى بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو، وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف، التطمين والتثبيت، إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان: (ڑ ک ک ک ک گ) [النساء: ١٠٢]. | |||
وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة، والصف المسلم في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم!82. | |||
وقال تعالى: (ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں) [النساء: ٧١]. | |||
يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله83. | |||
٣. الأمن من زوال النعمة. | |||
ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال نعمة الأمن عن أصحابها: | |||
قصة سبأ. | |||
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پپ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ېى ى ئا ئا ئە ئە) [سبأ: ١٥ - ٢١]. | |||
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأٍ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ84. | |||
فهم كفروا بما كانوا فيه من أمن فأبدلهم الله به خوفًا وتشتتًا وتمزيقًا، وقال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم. . .، فبطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، فجعلهم الله حديثًا للناس، وسمرًا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء؟ تفرقوا في البلاد ها هنا وها هنا»85. | |||
القرية الظالمة المضروب بها المثل. | |||
قال تعالى: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) [النحل: ١١٢]. | |||
فكونها آمنةً أي ذات أمنٍ لا يغار عليهم، كما قال: (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ) [العنكبوت: ٦٧]. | |||
والأمر في مكة كان كذلك؛ لأن العرب كان يغير بعضهم على بعضٍ، أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم86. | |||
والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة المثل أمامهم، مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله (ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ) وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون. | |||
ويحسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون87. | |||
وقال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: (چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [العنكبوت: ٦٧]. | |||
يقول تعالى ممتنًا على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ) [قريش: ١ - ٤]. | |||
وقوله: (ڎ ڈ ڈ ژ ژ) [العنكبوت: ٦٧]. | |||
أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، و (ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک) [إبراهيم: ٢٨]. | |||
وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدرٍ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم88. | |||
إن سنة الله ماضية، من أعرض عن شكر الله تعالى، وعن العمل الصالح وعن التصرف الحميد في نعم ربه عليه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعًا، وسلب نعمة الأمن وإبدالها خوفًا. | |||
أصحاب الجنة. | |||
قال تعالى: (ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ) [القلم: ١٧ - ٢٠]. | |||
صاحب الجنتين. | |||
قال تعالى: (ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئېئې ئى ئى ئى ی ی) [الكهف: ٣٤ - ٤٤]. | |||
فقول الظالم: (پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ) اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة89. | |||
تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. | |||
وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى الله ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره. | |||
جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: (ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم). | |||
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا؟! فلابد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ) [الكهف: ٣٥-٣٦]. | |||
إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرًا عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار (ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ) [الكهف: ٣٧ - ٤١]. | |||
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم، وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين. | |||
وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن (ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې) [الكهف: ٤٢]. | |||
وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان90. | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||
# [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|'''موسوعة معارف الكتاب والسنة]]''' | # [[صورة: IM010524.jpg|22px]] [[محمد الريشهري]]، [[موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|'''موسوعة معارف الكتاب والسنة]]''' | ||