لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢٣: | سطر ٢٣: | ||
بعد بيان مميّزات القرآن، ننتقل لنقل بعض اعترافات بلغاء وحكماء العرب الذين أعجبوا بالقرآن رغم أنّهم لم يكونوا مسلمين: | بعد بيان مميّزات القرآن، ننتقل لنقل بعض اعترافات بلغاء وحكماء العرب الذين أعجبوا بالقرآن رغم أنّهم لم يكونوا مسلمين: | ||
فمن هؤلاء [[الوليد بن المغيرة]] المخزومي، حيث جاءه زعماء [[قريش]] وطلبوا منه أن يبدي رأيه في القرآن ليكون حكماً فيه. فذهب للنبي [[محمد]] {{صل}} وهو جالس في حجر [[إسماعيل]] {{ع}}، وطلب منه أن يقرأ شيئاً من «أشعاره»! فأخبره [[النبي]] أنّ ما يتلوه ليس شعراً، بل هو [[وحي]] من [[الله]]. ثمّ بدأ يقرأ له آيات من [[سورة فصّلت]]. وتنقل [[الروايات]] أنّه عندما وصل إلى قوله تعالى: {{نص قرآني|فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وثَمُودَ}}<ref>سورة فصّلت، الآية ۱۳.</ref>، بدأ الوليد يرتعش ويرتجف بشدّة حتّى أصبح كالشجرة المهتزّة ولم يستطع السيطرة على نفسه. ورآه [[الناس]] وهم ينتظرون رأيه في القرآن، وقد تأثّر بشكل عظيم لحدّ لم يستطع منع نفسه من الارتعاش. | فمن هؤلاء [[الوليد بن المغيرة]] المخزومي، حيث جاءه زعماء [[قريش]] وطلبوا منه أن يبدي رأيه في القرآن ليكون حكماً فيه. فذهب للنبي [[محمد]] {{صل}} وهو جالس في حجر [[إسماعيل]] {{ع}}، وطلب منه أن يقرأ شيئاً من «أشعاره»! فأخبره [[النبي]] أنّ ما يتلوه ليس شعراً، بل هو [[وحي]] من [[الله]]. ثمّ بدأ يقرأ له آيات من [[سورة فصّلت]]. وتنقل [[الروايات]] أنّه عندما وصل إلى قوله تعالى: {{نص قرآني|فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وثَمُودَ}}<ref>سورة فصّلت، الآية ۱۳.</ref>، بدأ الوليد يرتعش ويرتجف بشدّة حتّى أصبح كالشجرة المهتزّة ولم يستطع السيطرة على نفسه. ورآه [[الناس]] وهم ينتظرون رأيه في القرآن، وقد تأثّر بشكل عظيم لحدّ لم يستطع منع نفسه من الارتعاش. | ||
وفي مناسبة أخرى، يُروى أنّ [[الرسول]] محمد {{صل}} كان يقرأ [[سورة غافر]] بصوته الجميل، فسمع الوليد بن المغيرة هذه الآيات: {{نص قرآني|حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطول لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}}<ref>سورة غافر، الآية ١ – ٤.</ref>. فأثّرت هذه الآيات في [[روح]] الوليد وفي أعماقه بشدّة، حتّى أنّه قال: | وفي مناسبة أخرى، يُروى أنّ [[الرسول]] محمد {{صل}} كان يقرأ [[سورة غافر]] بصوته الجميل، فسمع الوليد بن المغيرة هذه الآيات: {{نص قرآني|حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطول لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ}}<ref>سورة غافر، الآية ١ – ٤.</ref>. فأثّرت هذه الآيات في [[روح]] الوليد وفي أعماقه بشدّة، حتّى أنّه قال: «وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلَامًا مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ وَلَا مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ، إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى عَلَيْهِ»<ref>الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب ٣٠: ٧٠٦.</ref>. | ||
يقول [[العالم]] | يقول [[العالم]] «[[هبة الدين الحسيني الشهرستاني]]» في كتابه «[[المعجزة الخالدة]]»: هذه الكلمات كانت أوّل إقرار صدر من عالم [[بلاغة]] كبير حول [[القرآن]] وكيف تأثّر ببلاغته المعجزة. | ||
'''أوّلاً:''' إنّه ليس من كلام البشر أو الجن. وهذا معنى عميق جدّاً، فالبلغاء [[العرب]] اعتادوا [[سماع]] النثر من البلغاء والفصحاء وهو كلام البشر. وقد يسمعون [[الشعر]] الموزون المقفى فيظنّونه كلام الجن. فالوليد أراد أن يقول إنّ هذا [[الكلام]] لا يمكن مقارنته بأيّ كلام آخر لعظمته وإعجازه ودقّته. | |||
ثانياً: | '''ثانياً:''' إنّ فيه لحلاوة. والمقصود بالحلاوة ذلك الطعم الجميل الذي يغذّي [[العقول]] والنفوس ويكون أثره مستساغاً لديها كتأثير الحلوى على الذائقة! وهذه الحلاوة لم توجد في غير الأسلوب القرآني. | ||
ثالثاً: | '''ثالثاً:''' إنّ عليه لجمالاً أخّاذاً. والمقصود به المحسنات والجماليات اللفظية والمعنوية الكثيرة التي يمتلئ بها القرآن. | ||
رابعاً: | '''رابعاً:''' إنّ أعلاه لمثمر. شبّه القرآن بشجرة عظيمة لها أغصان كثيرة مليئة بالثمار. | ||
خامساً: | '''خامساً:''' إنّ أسفله لعميق. أي أنّ له أصولاً وجذوراً ومصادر عميقة مستمرّة، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}}<ref> سورة الجن، الآية ١٦.</ref>. | ||
سادساً: | '''سادساً:''' إنّه يعلو ولا يُعلى عليه. أي أنّ القرآن يتميّز ويتفوّق على كلّ الأساليب الأخرى. | ||
فالوليد بن المغيرة عندما | فالوليد بن المغيرة عندما تأثّر بالقرآن [[الكريم]] وببلاغته، أبدى إعجابه واعترافه بهذه الكلمات، ولخّصها في شيء واحد وهو أنّ القرآن لا يُجارى، وأنّ [[التحدي]] الذي جاء به [[الرسول]] {{صل}} لا يمكن مواجهته بأيّ شكل من أشكال [[المعارضة]]. | ||
ومن البلغاء الذين | ومن البلغاء الذين تأثّروا بالأسلوب القرآني أيضاً [[عتبة بن ربيعة]]، أحد كبار شخصيّات [[قريش]]. ذهب يوماً إلى أصدقائه وقال إنّه سيذهب إلى [[محمد]] {{صل}} ويقترح عليه بعض الأمور ولابدّ أن يقبل بإحداها. كان الرسول {{صل}} جالساً في المسجد، فذهب إليه عتبة بمجموعة من المقترحات، وبعد أن انتهى من كلامه، قال له الرسول {{صل}}: «أ فرغت يا أبا وليد؟» فأجاب بنعم، فقال له {{صل}}: «استمع إلى جوابك من آيات [[قرآنية]]». فقرأ له سبعة وثلاثين آية من [[سورة فصلت]]، وعندما وصل إلى آية [[السجدة]] قال: «هل سمعت [[كلام الله]] وما تلوته إليك ...؟» كان عتبة متأثّراً بالأسلوب القرآني لدرجة أنّه بقي مسمراً في مكانه ولم يستطع [[الكلام]]! وبعد أن استعاد قواه، قال: «والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة!» | ||
ويُستفاد من هذا نقطتان: | ويُستفاد من هذا نقطتان: | ||
# إنّ تأثير هذا على السامع كان الإعجاب والانبهار ببلاغة [[القرآن]] وجمال ألفاظه ودقّة معانيه وبلاغته التي لا تُجارى، ممّا جعل القرآن متميّزاً بلا حدود. | |||
وجدنا هذا الاعتراف عند عتبة وعند الوليد، حيث | # وجدنا هذا الاعتراف عند عتبة وعند الوليد، حيث صرّحا بأنّ هذا ليس [[كلام]] [[البشر]] ولا يمكن مجاراته أبداً. | ||
ومثال آخر طفيل بن | ومثال آخر [[طفيل بن عمرو]]، الشاعر الجاهلي الذي أسلم وكان من الصعب على [[قريش]] تقبّل إسلامه. وسواء تقبّلوا ذلك أم لا، فقد تأثّر طفيل ببيان [[الرسول]] {{صل}} لدرجة أنّه لم يستطع المقاومة. وعندما عاتبه أصدقاؤه على قبوله [[الإسلام]]، أسكتهم بقوله: «فوالله ما سمعت قولاً أحسن منه ولا أمراً أعدل منه». وهناك أمثلة أخرى كثيرة<ref>انظر: [[السيد فاضل الميلاني]]، [[العقائد الإسلامية (كتاب)|'''العقائد الإسلامية''']]: ٢٠٨ - ٢١١.</ref>. | ||
الإخبار عن المغيبات | |||
يبدأ القرآن في [[سورة البقرة]] كلامه بالإيمان بالغيب. | ==الإخبار عن المغيبات== | ||
فالله تعالى في [[عالم]] [[التكوين]] له الخلق والأمر، ولكن في عالم [[الولاية المطلقة]] الإلهية له الأمر. وعالم الخلق يعتمد على الأمور التدريجية ويرتبط بالزمان والمكان والمقادير والتقديرات، بعكس عالم الأمر الذي لا يكون | يبدأ القرآن في [[سورة البقرة]] كلامه بالإيمان بالغيب. ولابدّ من الإشارة إلى أنّ [[الرؤية]] [[الفلسفية]] في الإسلام تعتمد على أنّ [[الخلق]] في عالمين: [[عالم الخلق]] وعالم الأمر. | ||
فعالم الخلق | فالله تعالى في [[عالم]] [[التكوين]] له الخلق والأمر، ولكن في عالم [[الولاية المطلقة]] الإلهية له الأمر. وعالم الخلق يعتمد على الأمور التدريجية ويرتبط بالزمان والمكان والمقادير والتقديرات، بعكس عالم الأمر الذي لا يكون إلّا دفعيّاً. | ||
فالإيمان بالغيب شرط أساسي ليكون الشخص متصفاً بتقوى [[الله]] ويكون أهلاً | فعالم الخلق يتكوّن من ظاهر وباطن، من شيء أمام الستار وخلفه. فما نراه أمام الستار هو عالم [[الشهود]]، ولكنّ القرآن والعقيدة [[الإسلامية]] تؤكّد على أنّ وراء هذا الستار عالماً آخر هو [[عالم الغيب]]. ولابدّ للمؤمن حتّى يكمل إيمانه أن يؤمن بالغيب، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|الم * ذَلِكَ الْكِتَبُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ}} <ref>سورة البقرة، الآية ١ – ٤.</ref>. | ||
فالإيمان بالغيب شرط أساسي ليكون الشخص متصفاً بتقوى [[الله]] ويكون أهلاً لتلقّي [[الهداية الإلهية]]. والإيمان بالغيب يعني أنّ هناك حوادث وأموراً تأتي من وراء هذا الستار المادّي الظاهري. والله تعالى [[خالق]] للغيب والشهادة، وعالم بهما، ولا يخفى عليه شيء. فالإيمان بالغيب من مستلزمات [[الإيمان]] بوجود [[الخالق]] وبالحياة [[الآخرة]]. والذي يأتي ويتحدّث عن [[عالم الغيب]] هو [[الرسول]] {{صل}} وكلّ [[نبي]]. والإخبار عن [[الغيب]] نوع آخر من [[الإعجاز]]؛ لأنّ هذا الغيب لا يطّلع عليه إلّا [[الله]]. فمن يُخبر عن أمور غائبة يريد بيان أنّ له اتصالاً بمصدر الغيب وخالق الغيب وعالمه. | |||
===نماذج قرآنية من الإخبار عن الغيب=== | |||
يقول [[الله تعالى]]: | يحدّثنا [[القرآن الكريم]] عن بعض الأمور المستقبلية في بعض آياته، ومن هذه الأمثلة: | ||
هذه [[الآية]] نزلت في زمن كان من الصعب | # '''غلبة [[الروم]] على [[الفرس]]''' | ||
يقول [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}}<ref>سورة الروم، الآية ۱ – ٥</ref>. | |||
يقول الله تعالى: | هذه [[الآية]] نزلت في زمن كان من الصعب جدّاً أن يتصوّر أحد حدوث ما ذكر فيها؛ لأنّ الروم كانوا قد هُزموا هزيمة [[كبيرة]] أمام الفرس. ولكنّ القرآن الكريم أخبر أنّ الروم سينتصرون على الفرس خلال بضع سنين (أقل من ١٠ سنوات). وفي نفس الوقت الذي سينتصر فيه الروم على الفرس، سيفرح [[المسلمون]] أيضاً بنصر من الله. | ||
فالله | '''عدم [[قدرة]] [[الجن]] والإنس على الإتيان بمثل [[القرآن]]''' | ||
يقول الله تعالى: {{نص قرآني|قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٨٨.</ref>. | |||
يقول الله تعالى: إِنَّ | فالله يتحدّى [[الإنس]] والجن بأنّهم لن يستطيعوا الإتيان بمثل القرآن حتّى لو تعاونوا وساعد بعضهم بعضاً. وقد [[عجز]] [[الناس]] فعلاً عن ذلك كما أخبر الله. | ||
فعندما | '''رجوع [[النبي]] {{صل}} إلى [[مكة]] فاتحاً''' | ||
يقول الله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ}}<ref> سورة القصص، الآية ٨٥.</ref>. | |||
يقول الله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ | فعندما اضطرّ الرسول {{صل}} للهجرة من مكة إلى المدينة هرباً من اضطهاد المشركين، نزلت هذه الآية تبشّره بأنّه سيعود إلى مكة فاتحاً منتصراً، رغم أنّ ذلك كان مستبعداً في ذلك الوقت. ولكن تحقّق [[وعد الله]] ورجع النبي إلى مكة بعد سنوات وفتحها. | ||
فقد رأى [[النبي]] في المنام وهو بالمدينة | '''دخول المسلمين [[المسجد الحرام]] آمنين''' | ||
فالقرآن أخبر عن أحداث | يقول الله تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَريباً}}<ref> سورة الفتح، الآية ٢٧.</ref>. | ||
فقد رأى [[النبي]] في المنام وهو بالمدينة أنّه دخل [[المسجد الحرام]] هو والمسلمون آمنين محرمين. فأخبر أصحابه بالرؤيا وتوجّهوا لأداء [[العمرة]]. لكنّ المشركين منعوهم من دخول [[مكة]] وحصل [[صلح الحديبية]] الذي اضطرّ فيه [[المسلمون]] للعودة دون أداء العمرة. فشكّ بعضهم في [[صدق]] [[رؤيا]] النبي. لكنّ [[الله]] أكّد لهم صدق رؤيا نبيّه. وبالفعل، دخل المسلمون في العام التالي المسجد الحرام آمنين كما وعدهم الله، ثمّ فتحوا مكة بعد ذلك بعامين تحقيقاً لوعد الله بالفتح القريب. | |||
يقول [[الله تعالى]] في سورة النصر: | فالقرآن أخبر عن أحداث مستقبليّة لم تكن متوقّعة في حينها ممّا يدلّ على أنّه من عند الله [[العليم]] بالغيب. وتحقّق ما أخبر به [[القرآن]] يثبت صدق [[نبوة محمد]] {{صل}}. | ||
هذه [[الآيات]] تحمل بشارة عظيمة للنبي [[محمد]] {{صل}} | '''[[سورة النصر]]''' | ||
يقول [[الله تعالى]] في سورة النصر: {{نص قرآني|إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}}<ref> سورة النصر، الآية ١ - ٣.</ref>. | |||
في سورة المسد، يخبر الله تعالى عن مصير أبي لهب، | هذه [[الآيات]] تحمل بشارة عظيمة للنبي [[محمد]] {{صل}} بأنّ [[الناس]] سيدخلون في [[دين الإسلام]] بأعداد [[كبيرة]]. وهذا أمر لم يكن متوقّعاً في ذلك الوقت؛ لأنّ المسلمين كانوا يدخلون [[الإسلام]] فرادى أو في مجموعات صغيرة جدّاً وبفترات زمنيّة متباعدة. لكنّ القرآن أخبر عن مستقبل سيأتي فيه الناس إلى الإسلام بأفواج كبيرة، وهو ما تحقّق بالفعل. ولم يكن أحد يستطيع التنبّؤ بهذا الأمر من قبل. | ||
هذه الآيات | '''[[سورة المسد]] (اللهب)''' | ||
في سورة المسد، يخبر الله تعالى عن مصير أبي لهب، عمّ [[النبي محمد]] {{صل}} الذي كان من ألدّ أعدائه. تقول [[السورة]]: {{نص قرآني|تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبِ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}}<ref> سورة المسد، الآية ١ – ٥.</ref>. | |||
يقول [[الله تعالى]] في [[القرآن الكريم]]: | هذه الآيات تتحدّث بوضوح عن أنّ [[أبا لهب]] سيموت على [[الكفر]] وسيدخل [[النار]]، وهو ما حدث بالفعل. فقد استمرّ [[أبو لهب]] في عناده وعدم إيمانه بالإسلام حتّى وفاته. وكان هذا أمراً غيبيّاً أخبر عنه القرآن قبل حدوثه. | ||
وهذا الأمر يختلف | '''حفظ القرآن من [[التحريف]]''' | ||
يقول [[الله تعالى]] في [[القرآن الكريم]]: {{نص قرآني|إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٩.</ref>. هذه [[الآية]] تتضمّن وعداً إلهيّاً بحفظ [[القرآن]] من أيّ [[تحريف]] أو [[تغيير]] أو زيادة أو نقصان. | |||
وهكذا | وهذا الأمر يختلف عمّا حدث مع [[الكتب السماوية]] السابقة مثل [[التوراة]] والإنجيل التي تعرّضت للتحريف. فنجد مثلاً عدّة [[نسخ]] مختلفة للإنجيل - متى، مرقس، لوقا، يوحنا، برنابا - وبينها اختلافات كثيرة. | ||
أمّا القرآن فقد حفظه [[الله]] كما [[وعد]]، حتّى أنّه لا يوجد اختلاف بين نسخه ولو في حرف واحد. وقد حدث خلاف بين [[الصحابة]] حول [[كتابة]] حرف «الواو» في آية معيّنة، وهدّد بعضهم بأنّه ستحدث فتنة إن لم يتمّ وضعه، ممّا يدلّ على حرصهم الشديد على عدم تغيير أيّ شيء في [[كتاب الله]]. فإذا كان الأمر كذلك مع حرف واحد، فكيف بتغييرات أكبر؟ | |||
وهكذا تحقّق [[وعد الله]] بحفظ القرآن من أيّ تحريف أو تبديل، وبقي محفوظاً كما أنزل منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة حتّى يومنا هذا، وسيبقى كذلك إلى [[يوم القيامة]]. | |||