الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الغدر»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢: | سطر ٢: | ||
== التمهيد == | == التمهيد == | ||
«[[الغدر]]»: هي ضدّ الوفاء معنىً، وهي [[ملكة]] تمنع صاحبها عن أن يشكر من [[المنعم]] عليه ولاأقلّ من أن لا يرى [[نعمة]] المنعم عليه حتّى يشكره لها. | |||
==مراتب الغدر== | ==مراتب الغدر== | ||
وهذه الصفة الرذيلة لها مراتب : | وهذه الصفة [[الرذيلة]] لها مراتب: | ||
#ان لا يرى النّعمة . | #ان لا يرى النّعمة. | ||
#أن يراها ويتوجّه إليها ولكنّه لا يشكرها . | #أن يراها ويتوجّه إليها ولكنّه لا يشكرها. | ||
#أن يستر النّعمة ويكذّبها . | #أن يستر النّعمة ويكذّبها. | ||
#أن يبدل | #أن يبدل النّعمة، فيظهرها نقمة عند النّاس. | ||
#تبديلها بالنّقم عند | #تبديلها بالنّقم عند نفسه، فيظهرها لنفسه كأنّها نقمة. وبعض تلك المراتب سيّما الأخيرة، يسمّى بالفارسيّة: منفى باف. | ||
وهذه | وهذه الرّذيلة، [[رذيلة]] شائعة بين [[الناس]] وكأنّ [[الإنسان]] خلق كفوراً فقلّما أن يوجد [[إنسان]] لا يكون كفوراً مع كون [[الكفران]] من [[الموبقات]]. | ||
والقرآن أشار إلى ذلك كلّه مكرِّراً ومعيداً تلك الإشارة فأشار اوّلًا إلى أنّ نعم | والقرآن أشار إلى ذلك كلّه مكرِّراً ومعيداً تلك الإشارة فأشار اوّلًا إلى أنّ [[نعم الله]] على الناس كثيرةٌ ولكنّهم يكفرونها. | ||
قال | قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٤.</ref>. | ||
وأشار ثانياً إلى انّ الإنسان من حيث هو | وأشار ثانياً إلى انّ الإنسان من حيث هو إنسان كفور ولاأقلّ من أنّ أكثرهم بهذه الصفة. | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٨٩.</ref> | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٦٧.</ref> | ||
وأشار ثالثاً إلى أنّ الإنسان بما يصيبه من المصائب يصير آئساً كفوراً حيث يعدّ تلك المصائب نازلةً من عند | وأشار ثالثاً إلى أنّ الإنسان بما يصيبه من [[المصائب]] يصير آئساً كفوراً حيث يعدّ تلك المصائب نازلةً من عند [[الله]]، فينسى نعمه تعالى بل يعدّها من قبل نفسه، لا منه جلّ وعلا. | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٤٨.</ref> | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}}<ref> سورة هود، الآية ٩-١٠.</ref> | ||
وأشار رابعاً : إلى أنّ من الذنوب العظام ما يترتّب على هذه | وأشار رابعاً: إلى أنّ من [[الذنوب]] العظام ما يترتّب على هذه الموبقة، فأشار إلى بعض تلك الذنوب في ثلّةٍ من [[الآيات]] منها: | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}}<ref> سورة لقمان، الآية ٣٢.</ref>. | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ | وقال تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ١٥-١٧.</ref> | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |وَضَرَبَ | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ}}<ref> سورة فاطر، الآية ٣٦.</ref> | ||
وقال تعالى : {{ نص قرآني |أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ}}<ref> | وقال تعالى: {{نص قرآني|أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ}}<ref> سورة ق، الآية ٢٤-٢٥.</ref>. | ||
وهذه الصّفة الرّذيلة تلازم رذائل أخرى وتترتّب عليها كما أشرنا إليه مفاسد وكبائر موبقة أخرى | وهذه الصّفة الرّذيلة تلازم [[رذائل]] أخرى وتترتّب عليها كما أشرنا إليه مفاسد وكبائر موبقة أخرى ولإثبات المدّعى نكتفي بما ذكره سبحانه وتعالى في [[سورة البقرة]] نقلًا لما جرى على [[بني إسرائيل]] وتلك الحكاية من الوجهة [[الأخلاقية]] تُعدّ من مهامّ حكايات [[القرآن]]، ونظراً إلى هذه الاهميّة البالغة قد فصّل [[الله تعالى]] فيه القول في ما يربو على ستّين [[آية]]، أضف إلى ذلك ذكرها في غير هذا الموضع من القرآن بأنحاء مختلفة حتّى قيل انّ القضيّة هذه اشتغلت ستمأئة آية من آيات [[الكتاب الحكيم]]. | ||
فابتدأ | فابتدأ الله تعالى اولًا بقوله: {{نص قرآني|يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤٠.</ref> | ||
ومن اللافت للنظر ان | ومن اللافت للنظر ان الله تعالى سيبيّن معنى وفاء [[العبد]] والمراد منه في ما يأتي قريباً من [[الآيات]]، فيذكر انّه هو الاتيان بالواجبات سيّما الصّلوة والاجتناب عن المحرّمات سيّما النّفاق. | ||
وفي سورة يس فسّر ذلك بعدم عبادة الشّيطان وهي الشّرك عباديّاً يعنى متابعة غير | وفي [[سورة يس]] فسّر ذلك بعدم [[عبادة]] الشّيطان وهي [[الشّرك]] عباديّاً يعنى متابعة غير [[الله]] وعبادته. | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}}<ref> سورة يس، الآية ٦٠.</ref> | ||
وان أردت كلاماً اشدّ ايجازاً وأحسن بياناً من ذلك كلّه فهو قوله في نفس الآية : {{ نص قرآني |وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}}<ref> | وان أردت كلاماً اشدّ ايجازاً وأحسن بياناً من ذلك كلّه فهو قوله في نفس [[الآية]]: {{نص قرآني|وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤٠.</ref>. | ||
وامّا الوفاء من | وامّا الوفاء من [[الله تعالى]]: فهو اعطاءه [[الإنسان]] [[الحياة]] الطيّبة في الدّارين. | ||
قال : {{ نص قرآني |مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> | قال: {{نص قرآني|مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٩٧.</ref> | ||
ثمّ بيّن | ثمّ بيّن الله تعالى النعم الآتي نعم بها على [[بني إسرائيل]] من غير أن ينعم بها على غيرهم من [[الأمم]] وهي عظيمةٌ جزيلةٌ ولكنّهم كفروا بها، فاذاقهم عذابه بكفرانهم هذا، فاستأصلهم وأشار إلى انّ [[الغدر]] يترتّب عليه [[عذاب]] الدّارين. | ||
وامّا النّعم الآتي نعم | وامّا النّعم الآتي [[نعم الله]] بها عليهم فهي: | ||
#تفضيلهم على العالمين . قال تعالى : {{ نص قرآني |وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}}<ref> | #تفضيلهم على العالمين. قال تعالى: {{نص قرآني|وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤٧.</ref>. والمراد بهذا التّفضيل هو تلك النّعم الآتي نعم بها عليهم وهي الّتي تذكر بعد هذه [[الآية]] الشّريفة، وليس المراد بها سلطتهم على العالمين أو كونهم أشرف مرتبةً من غيرهم حتّى يرد الاشكال فيه ويحتاج إلى جواب سقيمٍ ذكره بعض المفسّرين وهو انّ المراد بالعالمين هم [[أهل مصر]] فقط ومن حولها لا جميع [[الناس]]. | ||
#انجائهم من آل فرعون الّذي يذبّح أبنائهم ويستحيى نسائهم وفي ذلك بلاء عظيم . قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}}<ref> | #انجائهم من [[آل فرعون]] الّذي يذبّح أبنائهم ويستحيى نسائهم وفي ذلك [[بلاء]] عظيم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤٩.</ref>. سيّما إذا ضمّت إلى هذا المعنى الظّاهر الاذي شتهربين المفسّرين قضيّة أخرى وهي انّ آل فرعون كانوا ينسلخون الرجال عن لباس [[الغيرة]] والحميّة، وينسلخون من [[النساء]] [[الحياء]] والعفّة، فيقتلون أرواحهم لا أنفسهم ويسيرون نفسيّاتهنّ لا أجسادهنّ فحسب وهذا بلاء عظيم نجّاهم الله تعالى منه. | ||
#انشقاق البحر لهم وانجائهم من آل فرعون ثم اهلاك ال فرعون في البحر على أعين بني إسرائيل . قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}}<ref> | #انشقاق [[البحر]] لهم وانجائهم من آل فرعون ثم اهلاك ال [[فرعون]] في البحر على أعين بني إسرائيل. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٠.</ref>. وهذه النّعمة، [[نعمة]] عظيمة ومعجزة باهرة لهم ولعدوّهم ولكنّ آل أمر آل فرعون إلى ما آل، لطمعهم في إسر بني إسرائيل، فدخلوا البحر وغرقوا بأجمعهم. وأعجب من ذلك انّ بني إسرائيل بعد [[رؤية]] تلك [[المعجزة]] الباهرة جعلوا تعدّد الطّرق بعدد تعدّد طوائفهم. | ||
#ومن تلك النعم أنّ | #ومن تلك النعم أنّ [[الله]] سبحانه وتعالى قد قبل توبتهم من [[عبادة]] العجل الاذي تّخذه السامري من ذهبهم، كلّ ذلك مع أنّ [[هارون]] {{ع}} قد نهاهم عن ذلك لكنّهم خالفوه فعبدوا العجل، ثمّ تاب الله عليهم وقبلها عنهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٤.</ref>. سيّما ان فسّرنا قوله تعالى: فاقتلوا أنفسكم بالتوبة الحقيقية وهي [[قتل]] [[الهوى]]، لا ما اشتهر بين [[أهل التفسير]] من انّهم أمروا ان يقتل بعضهم بعضاً والانصاف انّ هذا بعيد من ظاهر [[الآية]] مع كونها بصدد بيان امتنانه عليهم ورحمته لهم. | ||
#انبعاثهم من مراقدهم بعد موتهم بالصّاعقة الّتي كانت من غضب | #انبعاثهم من مراقدهم بعد موتهم بالصّاعقة الّتي كانت من [[غضب]] [[الله تعالى]]، لانّهم أرادوا أن يروه جهرةً فغضب الله عليهم، ثمّ أماتهم، ثم بعثهم فقبل توبتهم. قال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٦.</ref> | ||
#ومن تلك النعم الجسام جعلُ | #ومن تلك النعم الجسام جعلُ الله تعالى الغمام ظلّاً لهم وانزاله تعالى [[المائدة]] عليهم وفيها المنّ والسلوى طعاماً واداماً لهم، وذلك حين هجرتهم من [[مصر]] إلى [[بيت المقدس]] في تيه سينا. قال تعالى: {{نص قرآني|وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٧.</ref>. | ||
#انفجار الماء لهم من الحجر وجريان الماء بعدد أممهم وهم الاثنتاعشر . قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ | #انفجار [[الماء]] لهم من [[الحجر]] وجريان الماء بعدد أممهم وهم الاثنتاعشر. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦٠.</ref>. | ||
هذا كلّه بيان ما أنعم | هذا كلّه بيان ما [[أنعم الله]] به عليهم وقد كرّر الله تعالى ذكرها اهتماماً بشأنها ولكنّ [[اليهود]] [[الغدر]] لم يشكروا بل كفروا بتلك الانعم كفراناً مبيناً، وها نحن نذكر اولًا كفرانهم بتلك النّعم ثم نأتى بالنقمات المترتّبة عليه: | ||
#انّهم عبدوا العجل بمجرّد تأخير موسى | #انّهم عبدوا العجل بمجرّد تأخير [[موسى]] {{ع}} في رجوعه عن الميقات فأشركوا إلّا من شذّ منهم. | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}}<ref> | قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥١.</ref>. | ||
#انّهم أرادوا ان يروا | #انّهم أرادوا ان يروا [[الله]] جهرةً وذلك بعد رؤيتهم تلك [[المعجزات]] الباهرات وبعد أن وصف موسى لهم سمات [[الربوبية]] وصفاتها فأصروا عليه أن يأتي بالله جهرةً. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٥.</ref> | ||
#بعد خروجهم عن البحر واعدادهم للدخول في بيت المقدس واخبار سيّدنا موسى | #بعد خروجهم عن [[البحر]] واعدادهم للدخول في [[بيت المقدس]] واخبار سيّدنا موسى {{ع}} ايّاهم بوفور النعم فيها فعليهم أن يدخلوها مستغفرين أبوا عن ذلك، فلم يدخلوها، أضف إلى ذلك طغيانهم عليه واستهزائهم به، فتقوّلوا بما لم يتقوّل به مؤمنٌ أو كافرٌ، حتّى ان الله سبحانه وتعالى لم يحكها عنهم في [[الذكر الحكيم]] وذلك لشناعته ورداءته. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٨.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٢٤.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٩.</ref> | ||
#بعد نزول المنّ والسّلوى كفروا بذلك الغذاء الدّى يُعدّ من أطائب الأطعمة وسألوا موسى البقل والقثّاء والفوم والبصل والعدس ولسؤالهم هذا دلالة واضحة على دنائتهم ولجاجهم وخسّة أنفسهم كما هم عليه | #بعد نزول المنّ والسّلوى كفروا بذلك [[الغذاء]] الدّى يُعدّ من أطائب [[الأطعمة]] وسألوا موسى البقل والقثّاء والفوم والبصل والعدس ولسؤالهم هذا [[دلالة]] واضحة على دنائتهم ولجاجهم وخسّة أنفسهم كما هم عليه الآن، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦١.</ref> | ||
#بعد أن فضّلهم | #بعد أن فضّلهم الله على العالمين وثبّت سلطتهم ووفّر نعمهم، استبدلوا [[الكفر]] بالإيمان والتقوى بالفجور ومقاتلة العدوان بقتل [[الأنبياء]]. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦١.</ref> | ||
#يظهر من هذه الآيات ، انّ بني إسرائيل بعد احراق العجل لم يجعلوه | #يظهر من هذه [[الآيات]]، انّ [[بني إسرائيل]] بعد احراق العجل لم يجعلوه ورائهم، بل كانوا معتقدين بربوبيّتها ولم يقلع هذا [[الاعتقاد]] عن قلوبهم مع رؤيتهم ما أتى به [[موسى]] {{ع}} من [[المعجزات]] الباهرات. قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٣.</ref> فأعطاه [[الله]] [[معجزة]] أخرى عجيبة مهيبة وهي جعل جبل على رئوسهم، فقال موسى {{ع}} خذوا [[الميثاق]] لئلا يسقط الجبل عليكم والميثاق هو [[التوراة]] وما فيها، كما يظهر من الآيات التالية لهذه الكريمة، فهم اخذوها ولكن تولّوا واعرضوا عنه. وقال تعالى: «{{نص قرآني|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦٣-٦٤.</ref>. وقال: {{نص قرآني|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٣.</ref> | ||
#حكى | #حكى الله تعالى في مواضع من [[القرآن]] ما جرى لبنى [[إسرائيل]] في وقعة السبت، حيث كان من المحرّم عليهم صيد السمك في هذا اليوم، لكنهم خادعوا الله واحتالوه، حيث كانوا يسدّون الأنهار في يوم السبت ثمّ يصطادوا السمكات يوم الأحد، فغضب الله عليهم بفعلهم هذا. قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦٥.</ref>. | ||
#ومن تلك النعم وقعة البقرة ، حيث أمرهم | #ومن تلك النعم وقعة [[البقرة]]، حيث أمرهم الله بقتلها وضرب بعضها على الرجل المقتول صيانةً لهم عن المقاتلة والمحاربة، ولكنّهم أبوا عن ذلك، وهذه الحكاية بطولها تدلّ على [[قبح]] المِراء والجدال. | ||
قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ | قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرُونَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦٧-٧٤.</ref>. | ||
#ثمّ أشار | #ثمّ أشار [[الله تعالى]] في هذه [[الآيات]] الشريفة اوّلًا إلى توغّلهم في المادّيات، فكأنّ ذاتهم عُجنت بماء محبّة [[الدنيا]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٦.</ref> وهذه [[المحبّة]] انجرّ بهم إلى مفاسد عظيمة ذُكِر هيهنا بعضها. | ||
#تحريف الكتاب بما لا يرضى | #[[تحريف]] الكتاب بما لا يرضى [[الله]] بل بما لا يرضى عقولهم، فبهذا [[التحريف]] ضلّوا على علم وهذا أقبح أنواع [[الضلال]]. قال تعالى: {{نص قرآني|أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٥.</ref> | ||
#النّفاق الّذي هو أشدّ خبثاً من الكفر والشّرك وهو في الدّرك الأسفل من النّار . قال تعالى : {{ نص قرآني |وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ | #النّفاق الّذي هو أشدّ خبثاً من [[الكفر]] والشّرك وهو في الدّرك الأسفل من النّار. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٦.</ref> | ||
#تحريف الكتاب بالزيادة فيه ناسباً إيّاها إليه تعالى . قال تعالى : {{ نص قرآني |فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ | #تحريف الكتاب بالزيادة فيه ناسباً إيّاها إليه تعالى. قال تعالى: {{نص قرآني|فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٩.</ref> | ||
#خضوعهم لبعض ما جاء في الكتاب وردّهم بعضه | #خضوعهم لبعض ما جاء في الكتاب وردّهم بعضه الآخر، ثمّ عدم خضوعهم لما قاله [[الرسل]] الّذين جاؤوا بعد [[موسى]] إذا كان مخالفاً لهواهم، وبالجملة فما كان يوافق أمانيهم قبلوه وما كان مخالفاً لها ردّوه. ففي حقّهم قال سبحانه: {{نص قرآني|أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}}<ref> سورة النساء، الآية ١٥١.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٨.</ref> وقال تعالى: {{نص قرآني|أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٥.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٧.</ref> | ||
#ادّعائهم انّهم لا يدركون ما جاء به | #ادّعائهم انّهم لا يدركون ما جاء به الرسل، والله سبحانه وتعالى يشهد عليهم انّ هذا ليس افتراءً منهم على أنفسهم حيث لهم [[قلوب]] لا يفقهون لها. قال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٨.</ref>. | ||
#تمكّن رذيلتى التكبر والاعجاب بالنفس في | #تمكّن رذيلتى [[التكبر]] والاعجاب بالنفس في أنفسهم، أدّتهم إلى [[الغدر]] بالنسبة إلى [[الله تعالى]] حيث ادّعوا انّهم أعلى وأفضل من النّاس أجمعين بل ادّعوا انّهم ابناءالله واحبّائه نعوذ بالله من اعجاب المرء بنفسه. قال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}}<ref> سورة المائدة، الآية ١٨.</ref>. ثمّ هذا القول الجزاف الّذي أشبه بكلام المجنونين منه بكلام [[العقلاء]]، أدّاهم إلى دعاوى أُخر أشدّ قبحاً من [[كلام]] السفهاء، وقد جئ ببعضها في هذه [[الآيات]] المباركات. | ||
#انّ الجنّة تختصّ بهم ولا يدخلها | #انّ [[الجنّة]] تختصّ بهم ولا يدخلها إلّا من كان هوداً اونصارى. قال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٤.</ref> | ||
#انّهم مبرّؤون عن دخول [[النار]]، ولو دخلوها لم يكن إلّا ايّاما معدودة. قال تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٠.</ref> | |||
قال تعالى : | #انّ النّبوّة والكتاب يختصّان بهم ولن يرسل [[الله]] رسولًا ولن ينزّل كتاباً إلّا منهم وفيهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩١.</ref> | ||
#هؤلاء المجادلون الغُدَر بعد أن قُلِبوا فصاروا صاغرين، استعذروا بكون [[جبرائيل]] عدوّاً لهم وكونهم عدوّاً له، لأنّه جاء لهم بما فيه حرجٌ لهم، فلهذا لمّا دعاهم النبّى {{صل}} إلى [[الإسلام]]، جهدوه معلّلين باستقرار [[العداوة]] بينهم وبين [[الملك]] المنزَل عليه فلا يؤمنوا حتّى يأتي إليه ميكائيل {{ع}}. قال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٧.</ref>. ومعناه انّكم عدوّ للهو إلّا فليس [[جبريل]] إلّا تابعاً لأمره تعالى فعداوتكم له عداوة لله تعالى. | |||
قال تعالى : | #وتلخيص القول انّ هذه [[الآيات]] الكريمات تشير إلى أنّه ليس لهم خلاقٌ في [[الإيمان بالله]]، وباليوم الآخر، وبالكتب وبالرسل، ولا ينظرون إلى الكتاب إلّا كمجلبٍ للعوائد ومكسبٍ للفوائد الدنياويّة فحقّ فيهم القول أنّهم كافرون. | ||
قال تعالى : | |||
ومعناه انّكم عدوّ | |||
الا ترى أوائل هذه الآيات؟ قال [[الله تعالى]]: {{نص قرآني|وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤١.</ref> | |||
والا ترى أواسطها؟ قال الله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٦.</ref> | |||
والا ترى أواخرها؟ قال تعالى: {{نص قرآني|قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٣.</ref> | |||
وامّا [[عذاب]] الدّارين الّذي ذُكِر في هذه الآيات كنتيجة مترتّبة على سيرتهم الجماعيّة، فكثيرٌ ونحن نذكر ثلّةً منه مستلّةً من [[الذكر الحكيم]]. قال تعالى: {{نص قرآني|يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٤٩.</ref> | |||
يظهر من هذه الآيات انّ [[بني إسرائيل]] كانوا يستحقون ذلك [[البلاء]] قبل بعث [[موسى]] {{ع}} وكان ذلك من باب الاستيصال ولاتظنَّنّ ان هذا كان من باب البلاء للولاء ثمّ الأولى فالأولى، حيث لم يقربوا إلى جنابه تعالى خطوةً حتّى يكونوا من أوليائه. | |||
قال تعالى: {{نص قرآني|فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٥٩.</ref> | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٦٥.</ref> | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}}<ref> سورة البقرة، الآية ٧٤.</ref> | |||
.<ref>[[حسين المظاهري]]، [[دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج۲ (كتاب)|دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية]]، ج۲، ص ٥١٧.</ref> | ولا ريب في أنّ هذه كلّها من باب الاستيصال، ليقفوا عمّا جرت عليه سيرتهم النكدة. | ||
وقال تعالى: {{نص قرآني|وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٥.</ref>. | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٨٦.</ref> | |||
وقال تعالى: {{نص قرآني|فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٩٠.</ref> | |||
الحمدلله الّذي هدانا إلى كتابه [[المبين]] ورزقنا أن نقتبس منه في هذا المبحث، ومن يكون له [[قلب]] يظهر له من هذه [[الآيات]] [[قبح]] هذه الرّذيلة وما يتبعها من [[المفاسد]] والرّذائل والمهالك. | |||
ودلالة [[القرآن]] على أنّ [[الغدر]] من أقبح [[الرذائل]] فيترتّب عليه موبقات كثيرةٌ، فيؤدّى بالمآل إلى موبقاتٍ كثيرةٍ، بحيث يُخرج المتصّف به عن [[نور]] [[الإسلام]] إلى [[ظلمة]] [[الكفر]]، واضحة جليةٌ، كما أشبعنا [[الكلام]] فيها، والحمد للهربّ العالمين.<ref>[[حسين المظاهري]]، [[دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج۲ (كتاب)|دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية]]، ج۲، ص ٥١٧.</ref> | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||