انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «سعة نطاق علم الإمام»

سطر ٢: سطر ٢:


== تمهيد ==
== تمهيد ==
بعد أن ثبتت لنا ضرورة تحقّق [[العلم]] لإمام المجتمع وقائده، نبحث الآن عن نطاق ذلك العلم وحدوده؛ فهل يجب أن يشتمل منصب [[الإمامة]] على كلّ أمر مرتبط بالإنسان والكون، فضلاً عن الإلمام بالأحكام والمعارف الدينية؟ وهل الإمام محيط بجميع [[العلوم]] والصنائع والفنون المختلفة في سائر العصور والدهور؟ وهل يتصوّر في الإمام أنّه يعلم [[الغيب]]، فيكون عالماً بمستقبل [[الإنسان]] والكون والأمور الغيبية؟ وهل إنّ [[علم الأئمة]] {{عم}} علم حضوريّ وفعليّ، أم أنّه حصوليّ واكتسابيّ؟ وهل علمهم مقيّد ومشروط، أم أنّه [[مطلق]] وعامّ؟
بعد الفراغ من إثبات ضرورة تحقّق صفة [[العلم]] لإمام المجتمع وقائده، نبحث الآن عن نطاق ذلك العلم وحدوده؛ فهل يجب أن يشتمل منصب [[الإمامة]] على كلّ أمر مرتبط بالإنسان والكون، فضلاً عن الإلمام بالأحكام والمعارف الدينية؟ وهل الإمام محيط بجميع [[العلوم]] والصنائع والفنون المختلفة في سائر العصور والدهور؟ وهل يتصوّر في الإمام أنّه يعلم [[الغيب]]، فيكون عالماً بمستقبل [[الإنسان]] والكون والأمور الغيبية؟ وهل إنّ [[علم الأئمة]] {{عم}} علم حضوريّ وفعليّ، أم أنّه حصوليّ واكتسابيّ؟ وهل علمهم مقيّد ومشروط، أم أنّه [[مطلق]] وعامّ؟


===معنى [[علم الإمام بالغيب]] ===
==معنى [[علم الإمام بالغيب]] ==
تعني كلمة «الغيب» و«الغياب» و«الغيبوبة» ومشتقّاتها - بنحو عامّ-: الاختفاء، والبُعد عن [[النظر]]<ref>راجع: لسان العرب ج ١،ص ٦٥٤ .تاج العروس، ج ٢، ص ٢٩٥.</ref>. ولهذا، فإنّ «الغيب» يقابل «[[الشهادة]]»، ويشمل جميع الأمور [[الواقعية]] غير [[المحسوسة]]<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ٨، ص ٥٣.</ref>. ويُطلق «الغيب» في الاصطلاح على [[الحقائق]] التي لا سبيل لحواسّ [[البشر]] وأعضائه الإدراكية إلى نيلها»<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ١٠، ص ٢٤٣.</ref>.
تعني كلمة «الغيب» و«الغياب» و«الغيبوبة» ومشتقّاتها - بنحو عامّ-: الاختفاء، والبُعد عن [[النظر]]<ref>راجع: لسان العرب ج ١،ص ٦٥٤ .تاج العروس، ج ٢، ص ٢٩٥.</ref>. ولهذا، فإنّ «الغيب» يقابل «[[الشهادة]]»، ويشمل جميع الأمور [[الواقعية]] غير [[المحسوسة]]<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ٨، ص ٥٣.</ref>. ويُطلق «الغيب» في الاصطلاح على [[الحقائق]] التي لا سبيل لحواسّ [[البشر]] وأعضائه الإدراكية إلى نيلها»<ref>ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ١٠، ص ٢٤٣.</ref>.


سطر ٢٨: سطر ٢٨:
هذا، ولم نعثر بين مصنّفات [[المحقق الطوسي]] في [[علم الكلام]] على بحث موسّع يتناول [[علم الغيب]]. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد [[الاعتقاد]] إلى [[أفضلية]] [[الإمام عليّ]] {{ع}} على جميع [[الخلفاء]]؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة<ref>تجريد الاعتقاد، ص ٢٨٢؛ كشف المراد، ص ٣٩٠.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٩-١٠٤. </ref>
هذا، ولم نعثر بين مصنّفات [[المحقق الطوسي]] في [[علم الكلام]] على بحث موسّع يتناول [[علم الغيب]]. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد [[الاعتقاد]] إلى [[أفضلية]] [[الإمام عليّ]] {{ع}} على جميع [[الخلفاء]]؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة<ref>تجريد الاعتقاد، ص ٢٨٢؛ كشف المراد، ص ٣٩٠.</ref>.<ref>[[عبد الحسين خسروبناه]]، [[الكلام الإسلامي المعاصر (كتاب)|الكلام الإسلامي المعاصر]]، ج٣، ص ٩٩-١٠٤. </ref>


===المنقولات [[التاريخية]] عن إخبار [[الأئمة]] {{عم}} بالغيب===
==المنقولات [[التاريخية]] عن إخبار [[الأئمة]] {{عم}} بالغيب==
نقل [[التاريخ]] لنا أمثلة عديدة من تنبّؤات الأئمة من [[أهل البيت]] {{عم}}، وإخبارهم بالغيب. وهي تدلّ بأسرها على ما خصّهم [[الله]] به من علم لدنّيّ؛ منها على سبيل المثال:  
نقل [[التاريخ]] لنا أمثلة عديدة من تنبّؤات الأئمة من [[أهل البيت]] {{عم}}، وإخبارهم بالغيب. وهي تدلّ بأسرها على ما خصّهم [[الله]] به من علم لدنّيّ؛ منها على سبيل المثال:  
#الأخبار الغيبية المروية عن [[الإمام]] [[عليّ بن أبي طالب]] {{ع}}: {{نص حديث|أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الحكم أَسِيراً يَوْمَ الجمل، فَاسْتَشْفَعَ الحسن وَالْحُسَيْنَ إِلَى أَمِيرِ المؤمنين، فَكَلَّمَاه فِيهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَا لَهُ: يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ المؤمنين. قَالَ: أَولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ؟! لَا حَاجَةَ لي فِي بَيْعَتِهِ؛ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ، أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً كَلَعقَةِ الكلب أَنْفَه، وهُوَ أَبو الأكبش الأربعة، وسَتَلْقَى [[الأمة]] مِنْه ومِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحمَرَ}}<ref>نهج البلاغة الخطبة،٧٣، وكذا الخطب: ١٣؛ ١٥؛ ٥٧؛ ٥٨؛ ٨٩؛ ١٣٨؛ ١٧٦. ويُراجع أيضاً: الإرشاد، الشيخ المفيد، ج ١، ص ٣٣٢ -٣١٥.</ref>. والتاريخ يشهد على وقوع ذلك كلّه؛ فقد [[ولي]] [[مروان]] [[الملك]] بعد أن شاب صدغاه في [[عمر]] يناهز الخمس وستّين سنة، واستمرّت مدة ملكه تسعة أشهر فقط، وولي الرياسة أربعة من أولاده وهم: عبدالملك - حيث صار ملكاً - وعبدالعزيز وبشر ومحمد حيث أصبحوا ولاة. وقد قاست [[الأمة الإسلامية]] في أيّام [[ملك]] مروان وولده عبدالملك ورياسة الثلاثة الباقين من أبناء مروان أيّاماً عصيبّة ودامية<ref>راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٦، ص ١٤٦- ١٤٨.</ref>.
#الأخبار الغيبية المروية عن [[الإمام]] [[عليّ بن أبي طالب]] {{ع}}: {{نص حديث|أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الحكم أَسِيراً يَوْمَ الجمل، فَاسْتَشْفَعَ الحسن وَالْحُسَيْنَ إِلَى أَمِيرِ المؤمنين، فَكَلَّمَاه فِيهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَا لَهُ: يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ المؤمنين. قَالَ: أَولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ؟! لَا حَاجَةَ لي فِي بَيْعَتِهِ؛ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ، أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً كَلَعقَةِ الكلب أَنْفَه، وهُوَ أَبو الأكبش الأربعة، وسَتَلْقَى [[الأمة]] مِنْه ومِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحمَرَ}}<ref>نهج البلاغة الخطبة،٧٣، وكذا الخطب: ١٣؛ ١٥؛ ٥٧؛ ٥٨؛ ٨٩؛ ١٣٨؛ ١٧٦. ويُراجع أيضاً: الإرشاد، الشيخ المفيد، ج ١، ص ٣٣٢ -٣١٥.</ref>. والتاريخ يشهد على وقوع ذلك كلّه؛ فقد [[ولي]] [[مروان]] [[الملك]] بعد أن شاب صدغاه في [[عمر]] يناهز الخمس وستّين سنة، واستمرّت مدة ملكه تسعة أشهر فقط، وولي الرياسة أربعة من أولاده وهم: عبدالملك - حيث صار ملكاً - وعبدالعزيز وبشر ومحمد حيث أصبحوا ولاة. وقد قاست [[الأمة الإسلامية]] في أيّام [[ملك]] مروان وولده عبدالملك ورياسة الثلاثة الباقين من أبناء مروان أيّاماً عصيبّة ودامية<ref>راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٦، ص ١٤٦- ١٤٨.</ref>.