سعة نطاق علم الإمام

تمهيد

بعد الفراغ من إثبات ضرورة تحقّق صفة العلم لإمام المجتمع وقائده، نبحث الآن عن نطاق ذلك العلم وحدوده؛ فهل يجب أن يشتمل منصب الإمامة على كلّ أمر مرتبط بالإنسان والكون، فضلاً عن الإلمام بالأحكام والمعارف الدينية؟ وهل الإمام محيط بجميع العلوم والصنائع والفنون المختلفة في سائر العصور والدهور؟ وهل يتصوّر في الإمام أنّه يعلم الغيب، فيكون عالماً بمستقبل الإنسان والكون والأمور الغيبية؟ وهل إنّ علم الأئمة (ع) علم حضوريّ وفعليّ، أم أنّه حصوليّ واكتسابيّ؟ وهل علمهم مقيّد ومشروط، أم أنّه مطلق وعامّ؟

معنى علم الإمام بالغيب

تعني كلمة «الغيب» و«الغياب» و«الغيبوبة» ومشتقّاتها - بنحو عامّ-: الاختفاء، والبُعد عن النظر[١]. ولهذا، فإنّ «الغيب» يقابل «الشهادة»، ويشمل جميع الأمور الواقعية غير المحسوسة[٢]. ويُطلق «الغيب» في الاصطلاح على الحقائق التي لا سبيل لحواسّ البشر وأعضائه الإدراكية إلى نيلها»[٣].

وبناءً على هذا، فإنّ علم البشر المحدود - لا العلم الأزلي الإلهي - هو السبب من وراء تقسيم الأشياء إلى غيب وشهادة؛ فالله جل وعلا محيط بجميع الموجودات وعالم الوجود إحاطة وجوديّة (١)؛ فلا يوجد شيء يغيب عن الحق تعالى (٢).

قال أمير المؤمنين (ع): «قَدْ عَلِمَ السرائر وخَبَرَ الضمائر، لَهُ الإحاطة بِكُلِّ شَيءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيء»(٣).

ولم يستعرض بعض أهل السنة من أمثال الفخر الرازي كثيراً من البحوث في ما يتعلّق بإحاطة الإمام بعلم الغيب؛ ولكن اعتماداً على اعتقادهم بأنّ مكانة مقام الإمام والخليفة ومنزلتها دنيويّة حكوميّة؛ يمكننا أن ننسب له القول بنفي كلّ أشكال ثبوت علم الغيب وسائر العلوم غير الدينية للإمام. ويكتفي الفخر الرازي في تفسير علم الأنبياء بالغيب بأنّه مجرّد إلمام بالأمور الوحيانية وحسب. فقد قال في تفسير قوله عز وجل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ[٤]:

إشارة إلى أنّ ما عند النبي(ص) من علم الغيب علم بالوحي - أموراً وأسراراً وأحكاماً وأخباراً كثيرة - كلّها هو جازم بها[٥].

وهذا التفسير ناقص؛ فكيف من الممكن أن يحمل لفظ «الغيب» الذي يعني: الشيء المستتر عن الحس - وهو معنى عامّ، يُقابل معنى «الشهادة» - على مصداق واحد فقط؛ وهو «الوحى»؟! [٦].

إن قلت: على الرغم من أنّ مفردة «الغيب» تُستخدم بالمعنى العام، لكنّ «الوحي الإلهي»هو السبيل الوحيد والأوحد لتلقّى العلم بالأمور الغيبية.

قلنا: إنّ الآيات والروايات لم تحصر سبل تحصيل العلم بالأمور والحقائق الغيبية بالوحي، بل ذكرت طرقاً أخرى لاكتساب المعرفة بالأمور الغيبية؛ منها على سبيل المثال الإلهام والرؤيا الصادقة والتعلّم والتلقّي من النبي (ص) .

يقول العلامة الطباطبائي في تفسير قوله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً[٧]: والمعنى هو عالم كلّ غيب علماً يختصّ به؛ فلا يطّلع على الغيب - وهو مختصّ به أحداً من الناس. فالمفاد سلب كلّي؛ وإن أصرّ بعضهم على كونه سلباً جزئياًّ محصّل معناه: لا يُظهر على كلّ غيبه أحداً . ويؤيّد ما قلنا ظاهر ما سيأتي من الآيات. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ[٨] استثناء من قوله: ﴿أَحَداً، و﴿مِنْ رَسُولٍ بيان لقوله: ﴿مَنِ ارْتَضَى، فيُفيد أنّ الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به؛ فالآية إذا انضمّت إلى الآيات التي تخصّ علم الغيب به تعالى؛ كقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ[٩]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[١٠]، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ[١١]، أفاد ذلك معنى الأصالة والتبعيّة؛ فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، وغيره يعلمه بتعليم من الله»[١٢].

وهناك عدد من الروايات التي تؤيّد هذا التفسير[١٣]؛ فأمير المؤمنين (ع) ومن خلال سيره في العوالم الملكوتية كان باستطاعته نيل الحقائق الغيبية؛ ولهذا قال: «لَوْ كُشِفَ الغطاء مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً»[١٤].

هذا، ولم نعثر بين مصنّفات المحقق الطوسي في علم الكلام على بحث موسّع يتناول علم الغيب. نعم؛ تطرّق في كتاب تجريد الاعتقاد إلى أفضلية الإمام عليّ (ع) على جميع الخلفاء؛ لما ظهر منه من تنبّوءات وإخبارات غيبيّة[١٥].[١٦]

المنقولات التاريخية عن إخبار الأئمة (ع) بالغيب

نقل التاريخ لنا أمثلة عديدة من تنبّؤات الأئمة من أهل البيت (ع)، وإخبارهم بالغيب. وهي تدلّ بأسرها على ما خصّهم الله به من علم لدنّيّ؛ منها على سبيل المثال:

  1. الأخبار الغيبية المروية عن الإمام عليّ بن أبي طالب (ع): «أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الحكم أَسِيراً يَوْمَ الجمل، فَاسْتَشْفَعَ الحسن وَالْحُسَيْنَ إِلَى أَمِيرِ المؤمنين، فَكَلَّمَاه فِيهِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَا لَهُ: يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ المؤمنين. قَالَ: أَولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثمانَ؟! لَا حَاجَةَ لي فِي بَيْعَتِهِ؛ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ، أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً كَلَعقَةِ الكلب أَنْفَه، وهُوَ أَبو الأكبش الأربعة، وسَتَلْقَى الأمة مِنْه ومِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحمَرَ»[١٧]. والتاريخ يشهد على وقوع ذلك كلّه؛ فقد ولي مروان الملك بعد أن شاب صدغاه في عمر يناهز الخمس وستّين سنة، واستمرّت مدة ملكه تسعة أشهر فقط، وولي الرياسة أربعة من أولاده وهم: عبدالملك - حيث صار ملكاً - وعبدالعزيز وبشر ومحمد حيث أصبحوا ولاة. وقد قاست الأمة الإسلامية في أيّام ملك مروان وولده عبدالملك ورياسة الثلاثة الباقين من أبناء مروان أيّاماً عصيبّة ودامية[١٨].
  2. أخبر الإمام الحسن (ع) بكيفيّة استشهاده؛ فقال: «إِنِّي أَمُوتُ بِالسَّمَّ كَما مَاتَ رسول الله . قَالُوا: وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: امْرَأَتِي جَعْدَةُ بِنْتُ الأشعث بْنِ قَيْسٍ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَدُسُّ إِلَيْهَا، وَيَأْمُرُهَا بِذَلِكَ»[١٩]. وقال (ع) وهو على فراش الموت لأخيه الحسين (ع): «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله؟ قَالَ: أَبْكِي لِمَا يُصْنَعُ بِكَ. فَقَالَ لَهُ الحسن: إِنَّ الذي يُؤْتَى إِلَيَّ سَمٌ، يُدَسُّ إِلَىَّ، فَأُقتَلُ بِهِ؛ وَلَكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الله يَزْدَلِفَ إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ، يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّنَا مُحَمَّدٍ، وَ يَنتَحِلُونَ دِينَ الإسلام، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِكَ وَسَفْكِ دَمِكَ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّكَ وَنِسَائِكَ»[٢٠].
  3. ورد في الرواية أنّ عمر بن سعد قال للإمام الحسين (ع): «يَا أَبَا عَبْدِ الله! إِنَّ قِبَلَنا نَاساً سُفَهَاءَ يَزْعُمُونَ أَنِّي أقتُلُكَ . فَقَالَ لَهُ الحسين: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِسُفَهَاءَ؛ وَلَكِنَّهُمْ حُلَمَاءُ أَمَا إِنَّهُ يُقِرُّ عَيْنِي أَلَّا تَأْكُلَ بُرَّ العراق بَعْدِي إِلَّا قَلِيلاً»[٢١].
  4. روى أبو بصير عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: «كَانَ فِيمَا أَوْصَى أَبي إِلَيَّ أَنْ قَالَ: يَا بُنَيَّ! إِذَا أَنَا مِتُّ، فَلَا يَلِي غُسْلِي أَحَدٌ غَيْرُكَ؛ فَإِنَّ الإمام لَا يَغْسِلُهُ إِلَّا إِمَامٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَبْدَ الله أَخَاكَ سَيَدْعُو الناس إِلَى نَفْسِهِ، فَدَعْهُ؛ فَإِنَّ عُمُرَهُ قَصِيرٌ. فَلَمَّا مَضَى أَبِي وَ غَسَلتُهُ كَمَا أَمَرَنِي، وَادَّعَى عَبْدُ الله الإمامة مَكَانَهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ أَبي وَمَا لَبِثَ عَبْدُ الله إِلَّا يَسِيراً؛ حَتَّى مَاتَ»[٢٢].
  5. روي عن الإمام الباقر (ع) أنّه: «دَخَلَ المسجد يَوْماً فَرَأَى شَابّاً يَضْحَكُ فِي المسجد، فَقَالَ لَهُ: تَضْحَكُ فِي المسجد، وَأَنْتَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ القبور؟ فَمَاتَ الرجل فِي أَوَّلِ اليوم الثالث، وَدُفِنَ فِي آخِرِه»[٢٣].

وروي أيضاً أنّه (ع) قال لـ أبي بصير: «إذَا رَجَعْتَ إِلَى الكوفة، يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ، وَ تُسَمِّيهِ عِيسَى، وَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ، وَتُسَمِّيهِ مُحَمَّداً؛ وَهُمَا مِنْ شِيعَتِنَا»[٢٤].

وهناك روايات عديدة أُخرى نقلت لنا تنبّؤات الأئمة (ع) وإخبارهم بالغيب[٢٥].[٢٦]

علم الأئمة بكيفية موتهم

من الأسئلة المهمة التي تُطرح في نطاق مبحث علم الإمام بالغيب السؤال عن علمه بكيفيّة موته، واطّلاعه على توقيت ذلك؛ فهل إنّ الأئمة المعصومين - كالإمام عليّ، والإمام الحسن، والإمام الحسين (ع)، كانوا محيطين بأحداث المستقبل؛ ومنها مكان استشهادهم، ووقته، والكيفيّة التي يكون عليها ذلك؟ وهل كانوا يعرفون قاتليهم؟ وفي معرض الرد على هذا السؤال، ذهب علماء الإمامية إلى رأيين مختلفين؛ هما:

  • أولاً: ما أجاب به الشيخ المفيد حينما قال: وما أجمعت الشيعة قطّ على هذا القول؛ وإنّما إجماعهم ثابت على أنّ الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون؛ من دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز. وهذا يُسقِط الأصل الذي بنيت عليه الأسئلة بأجمعها. ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون بإعلام الله تعالى له ذلك. فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون، فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله؛ لدعواه فيه من غير حجّة، ولا بيان والقول بأنّ أمير المؤمنين (ع) كان يعلم قاتله، والوقت الذي يقتل فيه، فقد جاء الخبر متظاهراً أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول. وجاء أيضاً بأنّه كان يعلم قاتله على التفصيل؛ فأمّا علمه في وقت قتله، فلم يأتِ فيه أثر على التفصيل، ولو جاء فيه أثر، لم يلزم ما ظنّه المستضعفون؛ إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده الله بالصبر على الشهادة والاستلام للقتل؛ ليبلّغه الله بذلك من علوّ الدرجة ما لا يبلّغه إلّا به، ولعلمه تعالى بأنّه يطيعه في ذلك طاعةً لو كُلّفها سواه لم يؤدّها، ويكون في المعلوم من اللطف بهذا التكليف لخلق من الناس ما لا يقوم مقامه غيره؛ فلا يكون بذلك أمير المؤمنين (ع) ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا مُعيناً على نفسه معونة مستقبحة في العقول[٢٧].

أما السيد المرتضى فقد استعرض ثورة الإمام الحسين (ع) قائلاً: وسيدنا أبو عبد الله (ع) لم يسر طالباً للكوفة إلّا بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه (ع) طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين . وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها ... ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، ويتّفق بما اتّفق من الأمور الغريبة[٢٨].

وقد تطرّق الشيخ الطوسي أيضاً إلى اختلاف علماء الإمامية في هذه المسألة، مختاراً في الجواب عنها رأي أستاذه السيد المرتضى[٢٩].

وكتب الشيخ الطبرسي في تفسير الآية الكريمة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[٣٠].

فإن عورضنا بأنّ الحسين (ع) قاتل وحده؟ فالجواب: إنّ فعله يحتمل وجهين أحدهما إنّه ظَنّ أنّهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله (ص) والآخر: إنّه غلب على ظنّه: أنّه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبراً، كما فعل بابن عمّه مسلم، فكان القتل مع عزّ النفس والجهاد أهون عليه[٣١].

لكنّ العلامة الطباطبائي ردّ ناقداً هذه الرؤية بالقول: كلّ موجود ما لم يجب لم يوجد ومن ثَمَّ: ليس كلّ فعل واجباً بالنسبة لفاعله، بل يجب بالنسبة إلى علّته التامة (وإرادة الله منها). تحقّق الفعل وانضواؤه تحت راية التكليف لا يتنافى مع كونه واجباً؛ فإنّ أفعال الإنسان الإرادية من هذا النوع؛ أي إنّ أفعاله واجبة الوجود مع أنّه مكلّف بفعلها.

وعلى هذا الأساس، كان الأئمة (ع) يقدمون على العمل رغم معرفتهم بأنّه سوف يستشهد. يذهب أمير المؤمنين (ع) إلى المحراب، ويتناول الإمام الحسن والإمام الرضا شراب الرمان أو العنب المسموم، ويدخل سيّد الشهداء (ع) أرض كربلاء. قد يعلم الإنسان أحياناً علماً قطعيّاً أنّه بفعله الاختياري سوف يشرب السم في الساعة الحادية عشر، وسوف يذهب صريع حادث مروريّ في ساحة كذا وشارع كذا، كما أنّه قد يعلم بالعلم القطعي أنّه بفعله الاختياري والإراديّ سوف يحصل له - مثلاً - حادث مروريّ في الساعة الحادية عشر في ساحة كذا، وشارع كذا، أو أنّه سوف يصاب بطلق ناريّ؛ لكنّ هذه الواقعة مشروطة بوقوع شرط أو شروط. وفي موضوعنا الأمر مشروط بالذهاب؛ بحيث إذا ذهب المرؤ قُتل، وإذا لم يذهب لم يُقتل.

ففي الصورة الأولى لا معنى للعثور على مخرج وحلّ؛ لأنّ الإنسان يرى نفسه واقعاً في الهلاك؛ وليس أنّه يوقع نفسه فيه، فيصدق أنّه ألقى بنفسه في التهلكة. ولهذا، لا يتوجّه إليه الخطاب القائل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[٣٢]، ولا يُعدّ أنّه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة لكن في الصورة الثانية هنالك معنى للتشبّث والتمسّك بالأسباب، والعثور على مخرج وحلّ، والامتناع عن الذهاب صوب الهلاك، ويتوجّه للمرء خطاب ﴿وَلَا تُلْقُوا. وإنّ حركة الأئمة (ع) كان من قبيل الأول؛ فهم كانوا يعلمون أنّ الفعل واقع بالحتم لا محالة - شاؤوا أم أبوا -؛ فانتفى بذلك أيّ معنى للبحث عن طريق خلاص أو للامتناع عن الفعل؛ فكلّ هذا يخالف العلم القطعي المفترض. وفي واقع الأمر، فإنّ الآية الشريفة تنهى عن «الإلقاء» في التهلكة؛ لكنّ قضايا الأئمة (ع) «وقوع» في التهلكة؛ وليس «إيقاعاً» ولا «إلقاءاً» فيها[٣٣].

وقد روي عن الإمام عليّ (ع) في اللة التي قتل في صبيحتها أنّه: «لَمْ يَخْرُجُ إِلَى المسجد لِصَلَاةِ الليل عَلَى عَادَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ ابْتَتُه أُمّ كلثوم رَحْمَةُ الله عَلَيْهَا: مَا هَذَا الذي قَدْ أَسْهَرَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي مَقْتُولٌ لَوْ قَدْ أَصْبَحْتُ. وَأَنَاهُ ابْنُ النباح فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتَهُ أُمُّ كُلْتُوم: مُرْ جَعْدَةَ؛ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَ: نَعَمْ؛ مُرُوا جَعْدَةَ؛ فَلْيُصَلِّ. ثُمَّ قَالَ: لَا مَفَرَّ مِنَ الأجل، فَخَرَجَ إِلَى المسجد»[٣٤].

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشيخ المفيد قد أشار إلى هذا الجواب أيضاً[٣٥].

يقول الشيخ جعفر التستري: ولكنّه (ع) قد علم بأنّه يقتل؛ فقال لأصحابه: أشهد أنّكم تقتلون جميعاً، ولا ينجو أحد منكم إلّا ولدي عليّ[٤٠].

وكتب فضل الله الكمباني يقول: لقد كان الإمام (ع) قبل انطلاقته من مكّة، بل حتّى من حين خروجه من المدينة عالماً بجميع أحداث كربلاء؛ حتى الوقائع التي بعد استشهاده - مثل: وقوع أهل بيته في الأسر - ولأجل ذلك أخذ معه عائلته [٤١].

وأمّا العلامة الطباطبائي فقد أشار إلى هذه النقطة قائلاً: يملك الإمام - حسب ما أفادته أحاديث كثيرة - مقاماً من القرب الإلهي يمكّنه من العلم بأيّ شيء يريده بإذن الله؛ ومن ذلك علمه بملابسات موته واستشهاده بجميع التفاصيل[٤٢].

ومن هنا، نجد أن المشيئة الإلهية اقتضت أن ينماز الأئمة الأطهار عن باقي الخلائق بأن اختصّهم الله تبارك وتعالى بعلم واسع النطاق، وأطلعهم على علوم غيبيّة تلقّوها من رسول الله (ص)، فوصلوا إلى حقائق الكون وأسراره.

وقد عرض الفخر الرازي حديث أمير المؤمنين (ع) الذي قال فيه: «عَلَّمَنِي رَسُولُ الله أَلْفَ بَابٍ مِنَ العلم، فَفَتَحَ (فَانفَتَحَ) لِيْ مِنْ كُلُّ بَابٍ أَلْف بابٍ»[٤٣].

وقال في معرض ردّه على أنّ عليّاً (ع) كان الأعلم بين الصحابة: أمّا الحجة الثالثة - وهي أنّ عليّاً كان أعلم -قلنا: لِمَ لا يجوز أن يُقال: إنّه حصل له هذه العلوم الكثيرة، بعد أبي بكر؛ وذلك لأنّه عاش بعده زماناً طويلاً، فلعلّه حصلها في هذه المدة[٤٤].

وهو بهذا النص يتجاهل حقيقة أنّ أمير المؤمنين (ع) قد تعلّم هذه العلوم في عصر النبوة، ونهلها من شخص النبي (ص)، وقد كان الخلفاء - باعترافهم هم - يلجؤون لحلّ ما يستعصي عليهم إلى أمير المؤمنين (ع) .

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفخر الرازي (٦٠٦ه) روى في كتابه بعض الوقائع التي تؤيّد أعلميّة الإمام عليّ (ع)؛ إذ أورد ما روي عن عمر بأنّه أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فنبّهه علي (ع): وقال له: الآية: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً[٤٥]، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ[٤٦]، على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر. فقال عمر: «لولا علي لهلك عُمر». ورُوي أنّ امرأةً أقرّت بالزنا، وكانت حاملاً، فأمر عمر برجمها. فقال عليّ (ع): «إِنْ كَانَ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا»، فترك عُمر رجمها، وقال: «لولا عليّ، لهلك عُمر»[٤٧].

ثمّ روى بعد ذلك أيضاً: أنّ عُمر قال يوماً على المنبر: «ألا لا تغالوا في مهور النساء، فمن غالى في مهر امرأةٍ، جعلته في بيت المال»، فقامت عجوز وقالت يا أمير المؤمنين! أتمنع عنّا ما أحلّه الله لنا؟ قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا[٤٨]، فقال عمر: كلّ الناس أفقه من عُمر؛ حتى المخدرات في البيوت»[٤٩].[٥٠]

المراجع والمصادر

  1.   عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر

الهوامش

  1. راجع: لسان العرب ج ١،ص ٦٥٤ .تاج العروس، ج ٢، ص ٢٩٥.
  2. ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ٨، ص ٥٣.
  3. ترجمة وتفسير نهج البلاغة (بالفارسيّة)، محمّد تقي الجعفري، ج ١٠، ص ٢٤٣.
  4. سورة الطور، الآية ٤١.
  5. مفاتيح الغيب، ج ١٠، ص ٢٢١.
  6. لسان العرب، ج ١، ص ٦٥٤ .تاج العروس، ج ٢، ص ٢٩٥.
  7. سورة الجن، الآية ٢٦.
  8. سورة الجن، الآية ٢٧.
  9. سورة الأنعام، الآية ٥٩.
  10. سورة هود، الآية ١٢٣.
  11. سورة النمل، الآية ٦٥.
  12. تفسير الميزان،ج ٢٠،ص٥٢- ٥٣.
  13. الكافي، ج ١، ص ٢٥٦ .بحار الانوار، ج ٢٦، ص ١٠١ -٩٩ وص ١٦٥ .بصائر الدرجات، ص ١١٣.
  14. بحار الأنوار، ج ٦٥، ص ٣٨٢؛ ارشاد القلوب الديلمي، ج ١، ص ١٢٤.
  15. تجريد الاعتقاد، ص ٢٨٢؛ كشف المراد، ص ٣٩٠.
  16. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ٩٩-١٠٤.
  17. نهج البلاغة الخطبة،٧٣، وكذا الخطب: ١٣؛ ١٥؛ ٥٧؛ ٥٨؛ ٨٩؛ ١٣٨؛ ١٧٦. ويُراجع أيضاً: الإرشاد، الشيخ المفيد، ج ١، ص ٣٣٢ -٣١٥.
  18. راجع شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٦، ص ١٤٦- ١٤٨.
  19. الخرائج والجرائح، الراوندي، ج ١، ص ٢٤١؛ إثبات الهداة،الحرّ العاملي، ج ٥، ص١٤٧ و١٥٠.
  20. الأمالي الصدوق، ص ١١٦ .
  21. الإرشاد،الشيخ المفيد،ج ٢،ص ١٣٢ .إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج٥، ص ١٩٩.
  22. كشف الغمة، الأربلي، ج ٢،ص ٣٨١ .مناقب آل أبي طالب،ابن شهر آشوب، ج٤، ص ٢٢٤.
  23. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج ٥، ص ٣٠٥؛ بحار الأنوار،المجلسيّ، ج٤٦، ص ٢٧٤.
  24. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج ٥، ص ٣٠٥؛ بحار الأنوار،المجلسيّ، ج٤٦، ص ٢٧٤.
  25. راجع: الاحتجاج،ج ٢،ص ٣٦٦ .الإرشاد،الشيخ المفيد،ج ٢،ص ١٩٨ .بحار الأنوار، ج ٢٣،ص ١٣ .إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج ٥، ص ٣٣٦ و٥٠٨ . وج ٦، ص ٧٧ و١٨١ وص ٢٦٦ و٣٢٢ .عيون أخبار الرضا،الشيخ الصدوق، ج ١، ص ٢٦ وج ٢، ص ٢١٦.
  26. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ١٠٤-١٠٦.
  27. المسائل العكبرية،المسألة ٢٠، ص ٧٠.
  28. تنزيه الانبياء، ص ٢٢٧ و٢٢٨.
  29. تلخيص الشافي، ج ٤، ص ١٨٩و ١٨٢.
  30. سورة البقرة، الآية ١٩٥.
  31. تفسير مجمع البيان، ج ٢، ص ٣٥.
  32. سورة البقرة، الآية ١٩٥.
  33. في حضرة العلامة الطباطائي [بالفارسية در محضر علامه طباطبايي]، ص ٢٠٥ و٢٠٦.
  34. الإرشاد، ج ١، ص ١٦،إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي، ص ١٥٥. المناقب، ج ٣، ص ٣١٠.
  35. المسائل العكبرية، مسألة ٢٠،ص .٧٠
  36. اللهوف في قتلى الطفوف، ص ١١ . والذي تحقّقناه أنّ الحسين (ع) كان عالماً بما انتهت حاله إليه وكان تكليفه ما اعتمد عليه.
  37. جوهر المراد [بالفارسية: گوهر مراد ]، الفياض اللاهيجي، ص ٥٩٤.
  38. مرآة العقول، ج ٣، ص ١٢٤ بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ٩٨.
  39. أحكام القرآن، ج ١، ص ٣١٩ منقولاً عن: مقتل الحسين، عبد الرزاق المقرم، ص٤٤.
  40. الخصائص الحسينية، ص ٣٠ و٤٢.
  41. من الحسين؟ [بالفارسية: حسين كيست؟ ]، فضل الله الكمباني،ص ٣٢٥ .
  42. بحث مقتضب عن علم الإمام [بالفارسية بحثي كوتاه درباره علم امام ]ص٣٤.
  43. الأربعين في أصول الدين،الفخر الرازي،ص ٤٧٥. لاحظ أيضاً: ينابيع المودة القندوزي، ص ٧٢؛ كنز العمال، المتقي الهندي، ج٦، ص٣٩٢. وروى ابن عساكر: قال رسول الله (ص) في مرضه: «ادعوا إليّ أخي، فدعي له عثمان، فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا إليّ أخي، فدعي له عليّ بن أبي طالب فستره بثوب، وأنكبّ عليه، فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال (ص)؟ قال: علّمني ألف باب يفتح كلّ باب ألف باب». تاريخ دمشق، ج ٤٢،ص ٣٨٥ الرقم: ٨٩٩٢ .[م]
  44. الأربعين في أصول الدين،الفخر الرازي، ص ٤٧٧.
  45. سورة الأحقاف، الآية ١٥.
  46. سورة البقرة، الآية ٢٣٣.
  47. الأربعين في أصول الدين الرازي، ص ٤٧٧؛ المناقب، الخوارزمي،ص ٨١.
  48. سورة النساء، الآية ٢٠.
  49. الأربعين في أصول الدين، ص ٤٦٦ و٤٦٧. وقد أذعن الفخر الرازي في كتابه هذا بأعلميّة الإمام عليّ (ع)؛ حيث قال: فثبت بما ذكرنا أنّه رضوان الله عليه كان أستاذ العالمين بعد محمّد (ص) في جميع الخصال المرضية والمقامات الحميدة الشريفة».
  50. عبد الحسين خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج٣، ص ١٠٧-١١٥.