انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الضلالة في القرآن»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
 
سطر ١: سطر ١:
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الضلالة | عنوان المدخل  = الضلالة| المداخل ذات الصلة = [[الضلالة في القرآن]] -  [[الضلالة في سيرة المعصومين ومعارفهم]] - [[الضلالة في علم الكلام]] - [[الضلالة في الثقافة الإسلامية]] - [[الضلالة عند أهل السنة]]| سؤال ذو صلة  = }}
==التعريف==
==التعريف==
===التعريف اللغوي===
===التعريف اللغوي===
'''الضلالة''' مصدر ثلاثي مجرد من جذر (ض. ل. ل)، وهي نقيض الهداية (التحقيق، ج ٧، ص ٣٨، «ضلّ»؛ لسان العرب، ج ١١، ص ٣٩٠، «ضلل»). وهي بمعنى الضياع والانحراف عن الحق (معجم مقاييس اللغة، ج ٣، ص ٣٥٦، «ضل»)، وتشمل كل انحراف عن الطريق المستقيم، سواء كان عمداً أو سهواً، قليلاً أو كثيراً (المفردات، ص ٥٠٩، «ضل»). وفي الاستعمال القرآني، تأتي لفظة «الضلالة» مقابلة للفظة الهداية في استعمالها اللازم (غير المتعدي)، بمعنى أن يضل الإنسان ولا يجد طريق الهداية، أو أن يسلك طريقاً لا يوصله إلى مطلوبه (رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢؛ التعريفات، ص ٦٠). أما اللفظة المقابلة للهداية في استعمالها المتعدي (الإرشاد، الإيصال إلى المقصد) فهي لفظة الإضلال، بمعنى إيقاع الغير في الضلال وإبعاده عن مقصده (رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢).
'''[[الضلالة]]''' مصدر ثلاثي مجرد من جذر (ض. ل. ل)، وهي نقيض [[الهداية]] <ref>التحقيق، ج ٧، ص ٣٨، «ضلّ»؛ لسان العرب، ج ١١، ص ٣٩٠، «ضلل»</ref>. وهي بمعنى [[الضياع]] والانحراف عن [[الحق]] <ref>معجم مقاييس اللغة، ج ٣، ص ٣٥٦، «ضل»</ref>، وتشمل كل [[انحراف]] عن الطريق المستقيم، سواء كان عمداً أو سهواً، قليلاً أو كثيراً <ref>المفردات، ص ٥٠٩، «ضل»</ref>.


وقد وردت في كلام أمير المؤمنين (ع) ألفاظ أخرى في مقابل الهداية غير الضلالة، منها العمى والردى (الهلاك والدمار). ومن أمثلة ذلك قوله: «إِنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا» (نهج البلاغة، الخطبة ١٤٧)، وقوله: «فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى» (نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦)، وقوله في وصف عصر الجاهلية: «فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ الْعَمَى شَامِلٌ» (نهج البلاغة، الخطبة ٢)، وقوله: «فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَ إِمَامُ الرَّدَى» (نهج البلاغة، الرسالة ٢٧). ومن كلامه أيضاً: «وَ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى» (نهج البلاغة، الخطبة ٢٨)، ويُستفاد من هذه العبارة أن «الردى» هو لازم ونتيجة للضلالة (رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢، ص ١٧٠).
وفي الاستعمال [[القرآني]]، تأتي لفظة «الضلالة» مقابلة للفظة الهداية في استعمالها اللازم (غير المتعدي)، بمعنى أن يضل [[الإنسان]] ولا يجد طريق الهداية، أو أن يسلك طريقاً لا يوصله إلى مطلوبه <ref>رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢؛ التعريفات، ص ٦٠.</ref>. أما اللفظة المقابلة للهداية في استعمالها المتعدي <ref>الإرشاد، الإيصال إلى المقصد</ref> فهي لفظة [[الإضلال]]، بمعنى إيقاع الغير في [[الضلال]] وإبعاده عن مقصده <ref>رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢</ref>.
 
وقد وردت في [[كلام أمير المؤمنين]] (ع) ألفاظ أخرى في مقابل الهداية غير الضلالة، منها [[العمى]] والردى <ref>الهلاك والدمار</ref>. ومن أمثلة ذلك قوله: {{نص حديث|إِنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا}} <ref>نهج البلاغة، الخطبة ١٤٧</ref>، وقوله: {{نص حديث|فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى}} <ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦</ref>، وقوله في وصف عصر [[الجاهلية]]: {{نص حديث|فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ الْعَمَى شَامِلٌ}} <ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢</ref>، وقوله: {{نص حديث|فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَ إِمَامُ الرَّدَى}} <ref>نهج البلاغة، الرسالة ٢٧</ref>. ومن كلامه أيضاً: {{نص حديث|وَ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى}} <ref>نهج البلاغة، الخطبة ٢٨</ref>، ويُستفاد من هذه العبارة أن «الردى» هو لازم ونتيجة للضلالة <ref>رباني الكلبايكاني، علي، مقالة «الهداية والضلالة»، موسوعة الإمام علي، ج٢، ص ١٧٠.</ref>.


===الفرق بين الضلالة والغي والزيغ===
===الفرق بين الضلالة والغي والزيغ===
توجد ألفاظ ذات تقارب معنوي كبير مع لفظة الضلالة، منها الغي والزيغ.
توجد ألفاظ ذات تقارب معنوي كبير مع لفظة الضلالة، منها [[الغي]] والزيغ.
'''الغي''' في اللغة له معانٍ منها الجهل الناشئ عن اعتقاد فاسد (المفردات، ص ٦٢٠، «غوي»)، والضلالة، وعدم بلوغ الهدف والمقصود (لسان العرب، ج ١١، ص ٣٩٠-٣٩١)، والسعي في طريق الباطل (معجم مقاييس اللغة، ج ٤، ص ٣٧٨، «غي»). ويرى البعض أن الغي هو نقيض الرُّشْد (بمعنى الهداية إلى الخير والصلاح)، وعليه، وبقرينة المقابلة، يكون المعنى الأصلي للغي هو الإرشاد إلى الشر والفساد، وتكون المعاني الأخرى من لوازمه. وبناء على ذلك، تكون الضلالة من لوازم الغي (التحقيق، ج ٧، ص ٢٨٦، «غي»). وبحسب العلامة الطباطبائي، فإن الغي والضلالة ليسا بمعنى واحد، ولكنهما ينطبقان على بعضهما في بعض الموارد بعناية خاصة؛ ذلك أن الضلالة تعني الانحراف عن الطريق مع استحضار الهدف والمقصد، أما الغي فيعني الانحراف عن الطريق مع نسيان الهدف، فـ«الغويّ» هو من لا يعرف أصلاً ماذا يريد وما هو مقصده (الميزان، ج ٢، ص ٣٤٢-٣٤٣). وبناءً على هذا، يكون «الغي» أعم من الضلالة، كما أن «الرشد» أعم من الهداية؛ فالرشد ليس مرادفاً للهداية، بل ينطبقان على بعضهما بعناية خاصة (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨).
 
'''١. الغي: ''' في [[اللغة]] له معانٍ منها [[الجهل]] الناشئ عن [[اعتقاد]] [[فاسد]] <ref>المفردات، ص ٦٢٠، «غوي»</ref>، والضلالة، وعدم بلوغ [[الهدف]] والمقصود <ref>لسان العرب، ج ١١، ص ٣٩٠-٣٩١</ref>، والسعي في طريق [[الباطل]] <ref>معجم مقاييس اللغة، ج ٤، ص ٣٧٨، «غي»</ref>.
 
ويرى البعض أن [[الغي]] هو نقيض الرُّشْد <ref>بمعنى الهداية إلى الخير والصلاح</ref>، وعليه، وبقرينة المقابلة، يكون المعنى الأصلي للغي هو [[الإرشاد]] إلى [[الشر]] والفساد، وتكون المعاني الأخرى من لوازمه. وبناء على ذلك، تكون [[الضلالة]] من لوازم الغي <ref>التحقيق، ج ٧، ص ٢٨٦، «غي»</ref>.


'''الزيغ''' أيضاً له تقارب معنوي كبير مع الضلالة، فهو يعني الانحراف عن الاستقامة والصواب (المفردات، ص ٣٨٧؛ معجم الفروق اللغوية، ص ٢٦٩، «زيغ»)، والتردد والإعراض والرجوع عن الحق (مجمع البحرين، ج ٥، ص ١١، «زيغ»).
وبحسب [[العلامة الطباطبائي]]، فإن الغي والضلالة ليسا بمعنى واحد، ولكنهما ينطبقان على بعضهما في بعض الموارد بعناية خاصة؛ ذلك أن الضلالة تعني [[الانحراف]] عن الطريق مع استحضار [[الهدف]] والمقصد، أما الغي فيعني الانحراف عن الطريق مع [[نسيان]] الهدف، فـ «الغويّ» هو من لا يعرف أصلاً ماذا يريد وما هو مقصده <ref>الميزان، ج ٢، ص ٣٤٢-٣٤٣</ref>. وبناءً على هذا، يكون «الغي» أعم من الضلالة، كما أن «[[الرشد]]» أعم من [[الهداية]]؛ فالرشد ليس مرادفاً للهداية، بل ينطبقان على بعضهما بعناية خاصة <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨</ref>.


==الضلالة في استعمالات القرآن الكريم==
'''٢ الزيغ: ''' أيضاً له تقارب معنوي كبير مع الضلالة، فهو يعني الانحراف عن [[الاستقامة]] والصواب <ref>المفردات، ص ٣٨٧؛ معجم الفروق اللغوية، ص ٢٦٩، «زيغ»</ref>، والتردد والإعراض والرجوع عن [[الحق]] <ref>مجمع البحرين، ج ٥، ص ١١، «زيغ»</ref>.
 
==الضلالة في استعمالات [[القرآن الكريم]]==
===المعنى الأصلي: الانحراف عن الحق===
===المعنى الأصلي: الانحراف عن الحق===
ورد جذر (ض - ل - ل) ومشتقاته ١٨٩ مرة في القرآن الكريم، وقد استُخدم في غالب المواضع بمعنى الضلال والانحراف عن الحق وفي مقابل الهداية (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨)، كقوله تعالى: ﴿...فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا...﴾ (يونس: ١٠٨)، وقوله: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦)، وقوله: ﴿...فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ...﴾ (النحل: ٣٦).
ورد جذر (ض - ل - ل) ومشتقاته ١٨٩ مرة في القرآن الكريم، وقد استُخدم في غالب المواضع بمعنى [[الضلال]] والانحراف عن الحق وفي مقابل الهداية <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨</ref>، كقوله تعالى: {{نص قرآني|فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}}<ref> سورة يونس، الآية ١٠٨.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}}<ref> سورة النحل، الآية ٣٦.</ref>.


===معانٍ أخرى===
===معانٍ أخرى===
إلى جانب معنى الضلال والانحراف عن الحق، الذي هو المعنى الأصلي للضلالة في القرآن، استُعملت الضلالة في معانٍ أخرى، منها:
إلى جانب معنى الضلال والانحراف عن الحق، الذي هو المعنى الأصلي للضلالة في [[القرآن]]، استُعملت الضلالة في معانٍ أخرى، منها:  
'''الضياع والتلاشي:''' كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ...﴾ (السجدة: ١٠)، أي إذا تلاشينا في الأرض واختفينا (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨).
#'''[[الضياع]] والتلاشي: ''' كقوله تعالى: {{نص قرآني|وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}}<ref> سورة السجدة، الآية ١٠.</ref>، أي إذا تلاشينا في [[الأرض]] واختفينا <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨</ref>.
'''النسيان:''' كقوله تعالى في آية الدَّين: ﴿...أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ...﴾ (البقرة: ٢٨٢)، أي أن تنسى إحداهما (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨).
#'''[[النسيان]]: ''' كقوله تعالى في [[آية]] الدَّين: {{نص قرآني|أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٨٢.</ref>، أي أن تنسى إحداهما <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨</ref>.
'''الاختفاء والغياب:''' كقوله تعالى: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: ٢٤)، أي غاب عنهم واختفى ما كانوا يفترونه (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨).
#'''الاختفاء والغياب: ''' كقوله تعالى: {{نص قرآني|انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٢٤.</ref>، أي غاب عنهم واختفى ما كانوا يفترونه <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٨</ref>.
 
==مجالات [[الضلالة]] في [[القرآن]]==
بما أن الضلالة تعني [[الانحراف]] عن الطريق المستقيم، فإن هذا الانحراف يمكن أن يظهر في ثلاثة مجالات رئيسية: [[العقيدة]]، والسلوك، والملكات [[الباطنية]]. وعليه يمكن تصنيف موارد استعمال الضلالة في القرآن ضمن هذه المجالات الثلاثة، أو في معنى عام وشامل لها أحياناً <ref>التحقيق، ج ٧، ص ٣٨، «ضلّ»</ref>.
 
===في [[العقائد]]===
من أبرز موارد الضلالة في العقائد [[الكفر]] والشرك وعبادة [[الأوثان]]. لذلك، اعتبر [[القرآن الكريم]] [[الشرك]] وعبادة الأوثان من المصاديق البارزة للضلالة، ووصفها بـ «[[الضلال]] البعيد»، أي الضلال السحيق <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩</ref>،
 
كقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً}}<ref> سورة النساء، الآية ١١٦.</ref>، وقوله: {{نص قرآني|يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}}<ref> سورة الحج، الآية ١٢.</ref>. وقد قيل إن تعبير «الضلال البعيد» استُخدم في [[حق]] [[المشرك]] لأنه قد ابتعد عن الطريق المستقيم لدرجة أنه يرى نفسه تائهاً في [[صحراء]] لا [[معين]] له فيها ولا سند، ولا يُرجى له اهتداء لأنه أضاع المقصد نفسه <ref>تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٤٦٩</ref>. كما عدّ القرآن أي [[كفر]] بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر «ضلالاً بعيداً» <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩</ref>، فقال: {{نص قرآني|وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٣٦.</ref>.
 
وقد وصف [[القرآن]] [[الشرك]] أيضاً بـ «[[الضلال]] [[المبين]]»، أي الضلال الواضح. فقد رأى [[إبراهيم]] (ع) أن عمه آزر وقومه في «[[ضلال]] مبين» لعبادتهم [[الأصنام]] من دون [[الله]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩</ref>، فقال: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٧٤.</ref>. ويُعزى استخدام تعبير «الضلال المبين» إلى أنه لا توجد [[ضلالة]] أوضح من أن يتخذ [[الإنسان]] حجراً أو خشباً نحته بيده، لا يملك أي [[قدرة]] أو [[شعور]]، معبوداً له ويعبده <ref>أطيب البيان، ج ١١، ص ٦٣</ref>.
 
===في [[الصفات]] والملكات [[الباطنية]]===
[[قسوة القلب]] هي مصداق للضلالة في الصفات والملكات الباطنية. فالقرآن [[الكريم]] لا يساوي بين من شرح الله صدره للإسلام فهو على [[نور]] من ربه، وبين من كان قلبه قاسياً لا ينفذ إليه [[الحق]] ولا نور له يهتدي به، ويَعُدّ من قست قلوبهم عن [[ذكر الله]] في ضلال مبين <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٠</ref>، فيقول: {{نص قرآني|أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٢٢.</ref>. وقد استُخدم تعبير {{نص قرآني|أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة الزمر، الآية ٢٢.</ref> في [[حق]] هؤلاء ليكون جواباً عن [[سؤال]] مفاده: كيف يكون ذكر الله، الذي هو سبب [[طمأنينة]] [[قلوب]] المؤمنين، سبباً في كراهية البعض وقسوة قلوبهم؟ والجواب هو أن هؤلاء، بسبب تكبرهم وعنادهم، غارقون في ضلال عميق حتى إن ذكر الله يؤثر فيهم تأثيراً عكسياً؛ وهو ضلال واضح للعيان لا يخفى على أحد <ref>التحرير والتنوير، ج ٢٤، ص ٦٤</ref>.
 
كذلك، يُعد [[النفاق]] والرياء من [[الملكات الباطنية]] التي هي من مصاديق [[الضلالة]]. فالقرآن يصف [[المنافقين]] بأنهم ضالون استبدلوا [[الهداية]] [[الفطرية]] بالضلالة الاختيارية، فكانت تجارتهم خاسرة <ref>تفسير تسنيم، ج ٢، ص ٣٠٩</ref>، فقال: {{نص قرآني|أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦.</ref>.


==مجالات الضلالة في القرآن==
===في [[الأعمال]]===
بما أن الضلالة تعني الانحراف عن الطريق المستقيم، فإن هذا الانحراف يمكن أن يظهر في ثلاثة مجالات رئيسية: العقيدة، والسلوك، والملكات الباطنية. وعليه يمكن تصنيف موارد استعمال الضلالة في القرآن ضمن هذه المجالات الثلاثة، أو في معنى عام وشامل لها أحياناً (التحقيق، ج ٧، ص ٣٨، «ضلّ»).
عدّ [[القرآن الكريم]] مرتكبي بعض الأعمال في عداد الضالين، ووصف فعلهم بالانحراف عن [[سواء السبيل]] أو بالضلال [[المبين]] أو البعيد. ومن هذه الأعمال:
#'''[[موالاة]] [[أعداء الله]] وأعداء المؤمنين: ''' {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}}<ref> سورة الممتحنة، الآية ١.</ref>.
#'''عدم [[التسليم]] لأمر [[الله]] ورسوله: ''' {{نص قرآني|وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٦.</ref>.
#'''تفضيل [[الحياة]] [[الدنيا]] على [[الآخرة]]: ''' {{نص قرآني|الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣.</ref>.
#'''صد [[الناس]] عن [[سبيل الله]] وبغيه عوجاً: ''' {{نص قرآني|وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣.</ref>.


===في العقائد===
==أسباب [[الضلالة]] ودواعيها==
من أبرز موارد الضلالة في العقائد الكفر والشرك وعبادة الأوثان. لذلك، اعتبر القرآن الكريم الشرك وعبادة الأوثان من المصاديق البارزة للضلالة، ووصفها بـ«الضلال البعيد»، أي الضلال السحيق (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١١٦)، وقوله: ﴿يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾ (الحج: ١٢). وقد قيل إن تعبير «الضلال البعيد» استُخدم في حق المشرك لأنه قد ابتعد عن الطريق المستقيم لدرجة أنه يرى نفسه تائهاً في صحراء لا معين له فيها ولا سند، ولا يُرجى له اهتداء لأنه أضاع المقصد نفسه (تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٤٦٩). كما عدّ القرآن أي كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر «ضلالاً بعيداً» (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيداً﴾ (النساء: ١٣٦).
===إهمال [[أدوات المعرفة]]===
يذمّ القرآن الكريم بعض الناس لعدم سماعهم [[كلام]] [[الحق]] وعدم تفكرهم، ويعتبرهم أضل من [[الأنعام]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢١</ref>، فيقول: {{نص قرآني|أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}}<ref> سورة الفرقان، الآية ٤٤.</ref>. فبحسب هذه [[الآية]]، إن طريق الوصول إلى [[السعادة]] هو [[السمع]] أو [[العقل]]؛ فالإنسان إما أن تكون له [[قدرة]] على [[التعقل]] فيصل إلى [[معرفة الحق]] بنفسه ثم يتبعه، أو أن يصغي إلى ناصح عاقل فيعرف الحق عن طريقه ثم يتبعه <ref>الميزان، ج ١٥، ص ٢٢٤</ref>. ولهذا، يذكر [[أهل النار]] أن سبب وقوعهم في [[العذاب]] هو عدم استخدامهم العقل والسمع: {{نص قرآني|وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة الملك، الآية ١٠.</ref>.


وقد وصف القرآن الشرك أيضاً بـ«الضلال المبين»، أي الضلال الواضح. فقد رأى إبراهيم (ع) أن عمه آزر وقومه في «ضلال مبين» لعبادتهم الأصنام من دون الله (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤١٩)، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ (الأنعام: ٧٤). ويُعزى استخدام تعبير «الضلال المبين» إلى أنه لا توجد ضلالة أوضح من أن يتخذ الإنسان حجراً أو خشباً نحته بيده، لا يملك أي قدرة أو شعور، معبوداً له ويعبده (أطيب البيان، ج ١١، ص ٦٣).
وفي [[آية]] أخرى، يعتبر الله الذين لا يستخدمون أدوات المعرفة <ref>القلب والعين والأذن</ref> في سبيل سعادتهم وكمالهم [[الإنساني]]، غافلين كالأنعام بل أضل، ومأواهم [[جهنم]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢١</ref>. وكون هؤلاء أضل من [[الأنعام]] هو لأن [[الضلال]] في الأنعام نسبي وغير حقيقي؛ فالأنعام بحسب قواها الغريزية تصرف كل همتها في [[الأكل]] وسائر المتع الحيوانية، فلا تُعد ضالة في تحصيل [[سعادة]] [[الحياة]] التي هُيئت لها. أما [[الإنسان]] الذي يملك أدوات تحصيل [[السعادة]] [[الإنسانية]] من عين وأذن وقلب، ولكنه لا يستخدمها إلا كما تستخدمها الحيوانات في [[التمتع]] بلذات البطن والشهوة، فهو أضل من الأنعام ويستحق [[الذم]] <ref>الميزان، ج ٨، ص ٣٣٦</ref>.


===في الصفات والملكات الباطنية===
===[[اتباع الهوى]]===
قسوة القلب هي مصداق للضلالة في الصفات والملكات الباطنية. فالقرآن الكريم لا يساوي بين من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، وبين من كان قلبه قاسياً لا ينفذ إليه الحق ولا نور له يهتدي به، ويَعُدّ من قست قلوبهم عن ذكر الله في ضلال مبين (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٠)، فيقول: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢). وقد استُخدم تعبير ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ﴾ في حق هؤلاء ليكون جواباً عن سؤال مفاده: كيف يكون ذكر الله، الذي هو سبب طمأنينة قلوب المؤمنين، سبباً في كراهية البعض وقسوة قلوبهم؟ والجواب هو أن هؤلاء، بسبب تكبرهم وعنادهم، غارقون في ضلال عميق حتى إن ذكر الله يؤثر فيهم تأثيراً عكسياً؛ وهو ضلال واضح للعيان لا يخفى على أحد (التحرير والتنوير، ج ٢٤، ص ٦٤).
تُعدّ آيات كثيرة في [[القرآن]] [[اتباع]] [[هوى النفس]] من الأسباب المهمة لضلال الإنسان. فقد [[أمر الله]] نبيه {{صل}} أن يقول للمشركين الذين دعوه لعبادة آلهتهم إنه قد نُهي عن ذلك؛ لأن عبادتها قائمة على اتباع الهوى لا على [[هداية]] [[العقل]]، ونتيجة اتباع الهوى هي الضلال والبعد عن هداية [[الله]] <ref>الميزان، ج ٧، ص ١١٤</ref>، فقال: {{نص قرآني|قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٥٦.</ref>.


كذلك، يُعد النفاق والرياء من الملكات الباطنية التي هي من مصاديق الضلالة. فالقرآن يصف المنافقين بأنهم ضالون استبدلوا الهداية الفطرية بالضلالة الاختيارية، فكانت تجارتهم خاسرة (تفسير تسنيم، ج ٢، ص ٣٠٩)، فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦).
وفي [[آية]] أخرى، يتعجب القرآن من حال من يتخذ إلهه هواه، فيضلّه الله على علم، ويختم على سمعه وقلبه ويجعل على بصره غشاوة، فيبقى حائراً في وادي [[الضلالة]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٢</ref>، فيقول: {{نص قرآني|أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}}<ref> سورة الجاثية، الآية ٢٣.</ref>. ويفيد قوله {{نص قرآني|وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}}<ref> سورة الجاثية، الآية ٢٣.</ref> أن هذا الشخص قد اتجه إلى [[عبادة]] [[الهوى]] رغم علمه بوجوب [[عبادة الله]] الواحد، وهو يعلم أنه يسلك الطريق [[الخطأ]]. فالعلم لا يلازم [[الهداية]] دائماً، كما أن [[الجهل]] لا يلازم الضلالة دائماً، بل [[العلم]] الذي يهدي هو الذي يلتزم فيه [[العالم]] بمقتضى علمه. أما إذا كان الإنسان عالماً ولكنه لا يلتزم بلوازم علمه لأنه لا يستطيع غض الطرف عن [[هوى]] نفسه، فإن علمه هذا لا يكون سبباً لهدايته، بل هو [[ضلالة]] في عين كونه علماً <ref>الميزان، ج ١٨، ص ١٧٢-١٧٣</ref>.


===في الأعمال===
===[[اتباع الشيطان]]===
عدّ القرآن الكريم مرتكبي بعض الأعمال في عداد الضالين، ووصف فعلهم بالانحراف عن سواء السبيل أو بالضلال المبين أو البعيد. ومن هذه الأعمال:
بحسب [[آيات القرآن]]، يُعد [[الشيطان]] من عوامل [[ضلال]] [[الإنسان]]. ولهذا يطلب [[الكفار]] [[يوم القيامة]] من [[الله]] أن يريهم [[شياطين]] [[الجن]] والإنس الذين أضلوهم ليجعلوهم تحت أقدامهم <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٣</ref>: {{نص قرآني|وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ}}<ref> سورة فصلت، الآية ٢٩.</ref>. وقد أقسم الشيطان بعد طرده من [[رحمة الله]] أن يضلّ [[الناس]] أجمعين إلا [[عباد الله]] المخلَصين {{نص قرآني|قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}}<ref> سورة ص، الآية ٨٢-٨٣.</ref>، وليس له [[هدف]] إلا إضلالهم: {{نص قرآني|وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً}}<ref> سورة النساء، الآية ٦٠.</ref>. ولذلك، حذّر الله الإنسان من [[اتباع]] هذا [[العدو]] الخفي <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٣</ref>، فقال: {{نص قرآني|وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٦٨.</ref>. ويستخدم الشيطان أساليب متنوعة لإضلال الناس، منها التسويل وتزيين [[المعصية]]، وإلقاء [[الأماني]] [[الباطلة]] في نفوسهم: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٢٥.</ref>، وإيقاع [[العداوة]] والبغضاء بينهم بالخمر والميسر، وصدهم عن [[ذكر الله]] والصلاة {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٩١.</ref>.
١. '''موالاة أعداء الله وأعداء المؤمنين:''' ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ...وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: ١).
٢. '''عدم التسليم لأمر الله ورسوله:''' ﴿...وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۭا مُّبِينًۭا﴾ (الأحزاب: ٣٦).
٣.  '''تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة:''' ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ...أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ﴾ (إبراهيم: ٣).
٤. '''صد الناس عن سبيل الله وبغيه عوجاً:''' ﴿...وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ﴾ (إبراهيم: ٣).


==أسباب الضلالة ودواعيها==
===[[صديق السوء]]===
===إهمال أدوات المعرفة===
من عوامل [[الضلال]] الأخرى صديق السوء. فالقرآن يصف حال الإنسان النادم في [[جهنم]] يوم القيامة وهو يعض على يديه قائلاً: {{نص قرآني|يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا}}<ref> سورة الفرقان، الآية ٢٨-٢٩.</ref>. وهذا يدل على أن [[الصداقة]] الحميمية مع صديق السوء يمكن أن تكون سبباً في ضلال الإنسان وندمه يوم القيامة <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥</ref>.
يذمّ القرآن الكريم بعض الناس لعدم سماعهم كلام الحق وعدم تفكرهم، ويعتبرهم أضل من الأنعام (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢١)، فيقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان: ٤٤). فبحسب هذه الآية، إن طريق الوصول إلى السعادة هو السمع أو العقل؛ فالإنسان إما أن تكون له قدرة على التعقل فيصل إلى معرفة الحق بنفسه ثم يتبعه، أو أن يصغي إلى ناصح عاقل فيعرف الحق عن طريقه ثم يتبعه (الميزان، ج ١٥، ص ٢٢٤). ولهذا، يذكر أهل النار أن سبب وقوعهم في العذاب هو عدم استخدامهم العقل والسمع: ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (الملك: ١٠). وفي آية أخرى، يعتبر الله الذين لا يستخدمون أدوات المعرفة (القلب والعين والأذن) في سبيل سعادتهم وكمالهم الإنساني، غافلين كالأنعام بل أضل، ومأواهم جهنم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢١). وكون هؤلاء أضل من الأنعام هو لأن الضلال في الأنعام نسبي وغير حقيقي؛ فالأنعام بحسب قواها الغريزية تصرف كل همتها في الأكل وسائر المتع الحيوانية، فلا تُعد ضالة في تحصيل سعادة الحياة التي هُيئت لها. أما الإنسان الذي يملك أدوات تحصيل السعادة الإنسانية من عين وأذن وقلب، ولكنه لا يستخدمها إلا كما تستخدمها الحيوانات في التمتع بلذات البطن والشهوة، فهو أضل من الأنعام ويستحق الذم (الميزان، ج ٨، ص ٣٣٦).


===اتباع الهوى===
===[[الانغماس في متاع الدنيا]]===
تُعدّ آيات كثيرة في القرآن اتباع هوى النفس من الأسباب المهمة لضلال الإنسان. فقد أمر الله نبيه (ص) أن يقول للمشركين الذين دعوه لعبادة آلهتهم إنه قد نُهي عن ذلك؛ لأن عبادتها قائمة على اتباع الهوى لا على هداية العقل، ونتيجة اتباع الهوى هي الضلال والبعد عن هداية الله (الميزان، ج ٧، ص ١١٤)، فقال: ﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام: ٥٦). وفي آية أخرى، يتعجب القرآن من حال من يتخذ إلهه هواه، فيضلّه الله على علم، ويختم على سمعه وقلبه ويجعل على بصره غشاوة، فيبقى حائراً في وادي الضلالة (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٢)، فيقول: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ...﴾ (الجاثية: ٢٣). ويفيد قوله ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ﴾ أن هذا الشخص قد اتجه إلى عبادة الهوى رغم علمه بوجوب عبادة الله الواحد، وهو يعلم أنه يسلك الطريق الخطأ. فالعلم لا يلازم الهداية دائماً، كما أن الجهل لا يلازم الضلالة دائماً، بل العلم الذي يهدي هو الذي يلتزم فيه العالم بمقتضى علمه. أما إذا كان الإنسان عالماً ولكنه لا يلتزم بلوازم علمه لأنه لا يستطيع غض الطرف عن هوى نفسه، فإن علمه هذا لا يكون سبباً لهدايته، بل هو ضلالة في عين كونه علماً (الميزان، ج ١٨، ص ١٧٢-١٧٣).
من أسباب [[الضلال]] ودواعيه [[الترف]] والانغماس في متع [[الدنيا]] لدرجة [[الغفلة]] عن [[ذكر الله]]. ففي [[يوم القيامة]]، عندما يسأل [[الله]] المعبودين من دونه إن كانوا هم من أضلوا عباده، فإنهم ينفون ذلك ويُرجعون سبب [[ضلال]] أولئك وهلاكهم إلى تمتعهم وآبائهم بنعم الدنيا حتى نسوا [[الذكر]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥</ref>، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً}}<ref> سورة الفرقان، الآية ١٨.</ref>. فإن انهماك [[الإنسان]] في [[التمتع]] باللذات [[المادية]] والدنيوية، حتى لو كانت حلالاً، بحيث تصبح هي كل همه، يؤدي إلى غفلته ونسيانه لذكر الله، وفي النهاية هلاكه <ref>تفسير ابن عربي، ج ٢، ص ٨٣</ref>.


===اتباع الشيطان===
===[[التقليد الأعمى]] للكبراء والآباء===
بحسب آيات القرآن، يُعد الشيطان من عوامل ضلال الإنسان. ولهذا يطلب الكفار يوم القيامة من الله أن يريهم شياطين الجن والإنس الذين أضلوهم ليجعلوهم تحت أقدامهم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٣): ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ﴾ (فصلت: ٢٩). وقد أقسم الشيطان بعد طرده من رحمة الله أن يضلّ الناس أجمعين إلا عباد الله المخلَصين (ص: ٨٢-٨٣)، وليس له هدف إلا إضلالهم: ﴿وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭا﴾ (النساء: ٦٠). ولذلك، حذّر الله الإنسان من اتباع هذا العدو الخفي (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٣)، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ﴾ (البقرة: ١٦٨). ويستخدم الشيطان أساليب متنوعة لإضلال الناس، منها التسويل وتزيين المعصية، وإلقاء الأماني الباطلة في نفوسهم: ﴿...ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: ٢٥)، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالخمر والميسر، وصدهم عن ذكر الله والصلاة (المائدة: ٩١).
يُعد [[الاتباع]] غير [[الواعي]] للسادة والكبراء من عوامل الضلال. فالكفار وهم في [[النار]] يقولون بحسرة: {{نص قرآني|رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٦٧.</ref>. و«[[السادة]]» هم الرؤساء والزعماء، و«الكبراء» هم كبار السن وشيوخ [[القوم]]، ولهاتين الفئتين تأثير كبير في عادات [[الناس]] وسلوكياتهم <ref>تفسير النور، ج ٩، ص ٤٠٧</ref>. كما يرى [[القرآن]] أن الاتباع غير المدروس للآباء والأسلاف سبب للضلال ورفض [[الحق]]. ولهذا، ورغم المكانة العالية للوالدين، فإن طاعتهما مشروطة بألا تؤدي إلى [[الشرك]] والضلال <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥</ref>، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة لقمان، الآية ١٥.</ref>.


===صديق السوء===
==عواقب [[الضلالة]]==
من عوامل الضلال الأخرى صديق السوء. فالقرآن يصف حال الإنسان النادم في جهنم يوم القيامة وهو يعض على يديه قائلاً: ﴿يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلًۭا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي...﴾ (الفرقان: ٢٨-٢٩). وهذا يدل على أن الصداقة الحميمية مع صديق السوء يمكن أن تكون سبباً في ضلال الإنسان وندمه يوم القيامة (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥).
===في الدنيا: [[الإمهال]] وتكذيب [[الآيات]]===
من عواقب الضلالة في الدنيا أن يُمهَل الضالون الغارقون في ضلالهم ليزدادوا فيه، ويكونوا أكثر استحقاقاً للعذاب: {{نص قرآني|قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً}}<ref> سورة مريم، الآية ٧٥.</ref>. وهذا الإمهال ليس خيراً لهم، بل هو ليزدادوا إثماً ولهم [[عذاب]] مهين {{نص قرآني|وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٧٨.</ref>.


===الانغماس في متاع الدنيا===
ومن عواقب [[الضلالة]] أيضاً تكذيب [[آيات الله]]. فأهل [[النار]] عندما يُسألون عن سبب تكذيبهم للآيات، يعترفون بأن شقوتهم وضلالهم هو ما غلب عليهم <ref>(أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٨)</ref>: {{نص قرآني|قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ}}<ref> سورة المؤمنون، الآية ١٠٦.</ref>.
من أسباب الضلال ودواعيه الترف والانغماس في متع الدنيا لدرجة الغفلة عن ذكر الله. ففي يوم القيامة، عندما يسأل الله المعبودين من دونه إن كانوا هم من أضلوا عباده، فإنهم ينفون ذلك ويُرجعون سبب ضلال أولئك وهلاكهم إلى تمتعهم وآبائهم بنعم الدنيا حتى نسوا الذكر (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥)، كما في قوله تعالى: ﴿...وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا﴾ (الفرقان: ١٨). فإن انهماك الإنسان في التمتع باللذات المادية والدنيوية، حتى لو كانت حلالاً، بحيث تصبح هي كل همه، يؤدي إلى غفلته ونسيانه لذكر الله، وفي النهاية هلاكه (تفسير ابن عربي، ج ٢، ص ٨٣).


===التقليد الأعمى للكبراء والآباء===
===في [[الآخرة]]: [[العذاب]] [[الأليم]]===
يُعد الاتباع غير الواعي للسادة والكبراء من عوامل الضلال. فالكفار وهم في النار يقولون بحسرة: ﴿...رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ (الأحزاب: ٦٧). و«السادة» هم الرؤساء والزعماء، و«الكبراء» هم كبار السن وشيوخ القوم، ولهاتين الفئتين تأثير كبير في عادات الناس وسلوكياتهم (تفسير النور، ج ٩، ص ٤٠٧). كما يرى القرآن أن الاتباع غير المدروس للآباء والأسلاف سبب للضلال ورفض الحق. ولهذا، ورغم المكانة العالية للوالدين، فإن طاعتهما مشروطة بألا تؤدي إلى الشرك والضلال (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٥)، قال تعالى: ﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا...﴾ (لقمان: ١٥).
لقد جعل [[القرآن]] [[جهنم]] موعداً للضالين {{نص قرآني|وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}}<ref> سورة الحجر، الآية ٤٣.</ref>، وأخبر عن إلقائهم فيها هم ومعبوداتهم [[الباطلة]] {{نص قرآني|فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٩٤.</ref>. ويكون استقبالهم في جهنم بالماء الحميم وعذابهم هو صليّ [[الجحيم]]: {{نص قرآني|وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٩٢-٩٤.</ref>. ويكون طعامهم من شجر [[الزقوم]] الذي يملؤون منه بطونهم، ثم يشربون عليه من الحميم كشرب الإبل التي لا ترتوي من شدة [[العطش]] <ref>أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٨</ref>، كما قال تعالى: {{نص قرآني|ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ}}<ref> سورة الواقعة، الآية ٥١-٥٥.</ref>.


==عواقب الضلالة==
==[[الإضلال الإلهي]]==
===في الدنيا: الإمهال وتكذيب الآيات===
تدل آيات كثيرة على عدم اهتداء الضالين الذين ألقوا بأنفسهم في [[الضلال]] بسوء اختيارهم، وأصروا على ضلالهم عناداً واستكباراً. فالله تعالى يتركهم وشأنهم ويعاقبهم بحرمانهم من لطفه وعونه، وهذا الحرمان من [[المدد الإلهي]] هو ما يسبب ضلالهم <ref>(أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٦)</ref>. إذن، [[الإضلال]] من [[الله]] هو في حقيقته أمر سلبي بمعنى قطع فيض [[الهداية]]، لا دفع [[الإنسان]] نحو هاوية الضلال <ref>(تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٨٨-٨٩)</ref>. ويذكر القرآن أسباباً متعددة لهذا الحرمان والإضلال، منها [[الفسق]]: {{نص قرآني|وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٦.</ref>، والكفر بعد [[الإيمان]] {{نص قرآني|كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ٨٦.</ref>. ويستمر هذا [[الإضلال]] ما داموا مصرين على كفرهم، فإن تابوا [[توبة]] نصوحاً قبل [[الله]] توبتهم، أما إن أصروا على كفرهم وازدادوا فيه، فلن تُقبل توبتهم، وأولئك هم الضالون حقاً <ref>الميزان، ج ٣، ص ٣٤١.</ref>، كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ٩٠.</ref>.
من عواقب الضلالة في الدنيا أن يُمهَل الضالون الغارقون في ضلالهم ليزدادوا فيه، ويكونوا أكثر استحقاقاً للعذاب: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا...﴾ (مريم: ٧٥). وهذا الإمهال ليس خيراً لهم، بل هو ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين (آل عمران: ١٧٨). ومن عواقب الضلالة أيضاً تكذيب آيات الله. فأهل النار عندما يُسألون عن سبب تكذيبهم للآيات، يعترفون بأن شقوتهم وضلالهم هو ما غلب عليهم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٨): ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ﴾ (المؤمنون: ١٠٦).


===في الآخرة: العذاب الأليم===
==[[الضلالة]] في سياق [[دعوة]] [[النبي محمد]] {{صل}}==
لقد جعل القرآن جهنم موعداً للضالين (الحجر: ٤٣)، وأخبر عن إلقائهم فيها هم ومعبوداتهم الباطلة (الشعراء: ٩٤). ويكون استقبالهم في جهنم بالماء الحميم وعذابهم هو صليّ الجحيم: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (الواقعة: ٩٢-٩٤). ويكون طعامهم من شجر الزقوم الذي يملؤون منه بطونهم، ثم يشربون عليه من الحميم كشرب الإبل التي لا ترتوي من شدة العطش (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٨)، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ * فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ * فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ (الواقعة: ٥١-٥٥).
===محاولات [[إضلال]] [[النبي]] {{صل}}===
لقد كان النبي {{صل}} عرضة لمؤامرات المشركين ومكائدهم لإضلاله، لكن [[فضل الله]] ورحمته كانا مانعين من تأثير تلك [[الدسائس]] <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ١١٣.</ref>. وقد حذّر الله نبيه من [[اتباع]] أهواء [[القوم]] الذين يسعون لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه {{نص قرآني|وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٤٩.</ref>. كما بيّن [[القرآن]] أن اتباع أكثر أهل [[الأرض]] يؤدي إلى [[الضلال]] عن [[سبيل الله]]، لأنهم لا يتبعون إلا [[الظن]] والتخمين {{نص قرآني|وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١١٦.</ref>. وقد نزلت هذه [[الآية]] في [[مكة]] حين كان [[المسلمون]] في قلة، لدفع توهم أن كثرة المشركين [[دليل]] على حقهم <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>. وفي مقابل زعم المشركين أن النبي {{صل}} [[ضال]]، نزّه القرآن ساحته عن أي [[ضلال]] أو غواية: {{نص قرآني|مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٢.</ref>.


==الإضلال الإلهي==
===حدود [[مسؤولية]] [[النبي]] {{صل}} تجاه الضالين===
تدل آيات كثيرة على عدم اهتداء الضالين الذين ألقوا بأنفسهم في الضلال بسوء اختيارهم، وأصروا على ضلالهم عناداً واستكباراً. فالله تعالى يتركهم وشأنهم ويعاقبهم بحرمانهم من لطفه وعونه، وهذا الحرمان من المدد الإلهي هو ما يسبب ضلالهم (أبو طالبي، محمد، مقالة «الضلالة»، دائرة معارف القرآن الكريم، ج١٧، ص ٤٢٦). إذن، الإضلال من الله هو في حقيقته أمر سلبي بمعنى قطع فيض الهداية، لا دفع الإنسان نحو هاوية الضلال (تفسير تسنيم، ج ٢٠، ص ٨٨-٨٩). ويذكر القرآن أسباباً متعددة لهذا الحرمان والإضلال، منها الفسق: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٦)، والكفر بعد الإيمان (آل عمران: ٨٦). ويستمر هذا الإضلال ما داموا مصرين على كفرهم، فإن تابوا توبة نصوحاً قبل الله توبتهم، أما إن أصروا على كفرهم وازدادوا فيه، فلن تُقبل توبتهم، وأولئك هم الضالون حقاً (الميزان، ج ٣، ص ٣٤١)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٠).
تبيّن [[الآيات القرآنية]] أن مسؤولية النبي {{صل}} تقتصر على [[الإنذار]]، وأن من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>، قال تعالى: {{نص قرآني|فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٩٢.</ref>. وقد أوصى [[الله]] نبيه بألا يهلك نفسه حسرات على [[إعراض]] الكافرين وضلالهم: {{نص قرآني|فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}}<ref> سورة فاطر، الآية ٨.</ref>. كما أمره أن يعلن أنه لا يملك للناس ضراً ولا رشداً، وأن [[الهداية]] بيد الله وحده، وأنه هو نفسه {{صل}} لا يجد ملجأ من الله إن خالف أمره <ref>(سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)</ref>، كما في قوله تعالى: {{نص قرآني|قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}}<ref> سورة الجن، الآية ٢١-٢٢.</ref>.


==الضلالة في سياق دعوة النبي محمد (ص)==
===[[فلسفة بعثة النبي]]: الإنقاذ من [[الضلالة]]===
===محاولات إضلال النبي (ص)===
تتمثل فلسفة بعثة النبي {{صل}} في إنقاذ [[الناس]] من الضلالة وهدايتهم. فقد كان [[العرب]] قبل بعثته في [[ضلال]] مبين <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>، قال تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٤.</ref>. وتتمثل رسالته في [[إخراج الناس من الظلمات إلى النور]] بإذن ربهم: {{نص قرآني|الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ١.</ref>.
لقد كان النبي (ص) عرضة لمؤامرات المشركين ومكائدهم لإضلاله، لكن فضل الله ورحمته كانا مانعين من تأثير تلك الدسائس (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ...﴾ (النساء: ١١٣). وقد حذّر الله نبيه من اتباع أهواء القوم الذين يسعون لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه (المائدة: ٤٩). كما بيّن القرآن أن اتباع أكثر أهل الأرض يؤدي إلى الضلال عن سبيل الله، لأنهم لا يتبعون إلا الظن والتخمين (الأنعام: ١١٦). وقد نزلت هذه الآية في مكة حين كان المسلمون في قلة، لدفع توهم أن كثرة المشركين دليل على حقهم (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧). وفي مقابل زعم المشركين أن النبي (ص) ضال، نزّه القرآن ساحته عن أي ضلال أو غواية: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (النجم: ٢).


===حدود مسؤولية النبي (ص) تجاه الضالين===
===[[عجز]] النبي {{صل}} عن [[هداية]] الضالين دون [[مشيئة الله]]===
تبيّن الآيات القرآنية أن مسؤولية النبي (ص) تقتصر على الإنذار، وأن من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، قال تعالى: ﴿...فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (النمل: ٩٢). وقد أوصى الله نبيه بألا يهلك نفسه حسرات على إعراض الكافرين وضلالهم: ﴿...فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...﴾ (فاطر: ٨). كما أمره أن يعلن أنه لا يملك للناس ضراً ولا رشداً، وأن الهداية بيد الله وحده، وأنه هو نفسه (ص) لا يجد ملجأ من الله إن خالف أمره (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (الجن: ٢١-٢٢).
تؤكد [[الآيات]] أن النبي {{صل}} [[عاجز]] عن هداية الضالين دون مشيئة الله، فمهما حرص على هدايتهم فإن الله لا يهدي من يضل <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>، كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٣٧.</ref>. فالهداية بيد [[الله]]، {{نص قرآني|مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً}}<ref> سورة الكهف، الآية ١٧.</ref>. ولذلك، لا تنفع [[هداية]] [[النبي]] {{صل}} أولئك الذين أعرضوا عن [[الحق]] وأصروا على [[الضلال]]، فهم كالموتى والصم والعمي الذين لا يستجيبون للدعوة <ref>سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧</ref>، قال تعالى: {{نص قرآني|فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٥٢-٥٣.</ref>. إنما يُسمع فقط من يؤمن بآيات الله وهم [[مسلمون]] {{نص قرآني|وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٨١.</ref>.


===فلسفة بعثة النبي: الإنقاذ من الضلالة===
==المراجع ==
تتمثل فلسفة بعثة النبي (ص) في إنقاذ الناس من الضلالة وهدايتهم. فقد كان العرب قبل بعثته في ضلال مبين (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ...وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤). وتتمثل رسالته في إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم: ﴿...كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ...﴾ (إبراهيم: ١).


===عجز النبي (ص) عن هداية الضالين دون مشيئة الله===
== الهوامش ==
تؤكد الآيات أن النبي (ص) عاجز عن هداية الضالين دون مشيئة الله، فمهما حرص على هدايتهم فإن الله لا يهدي من يضل (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ...﴾ (النحل: ٣٧). فالهداية بيد الله، ﴿...مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ (الكهف: ١٧). ولذلك، لا تنفع هداية النبي (ص) أولئك الذين أعرضوا عن الحق وأصروا على الضلال، فهم كالموتى والصم والعمي الذين لا يستجيبون للدعوة (سعيديان وإيازي، معجم النبي الأعظم في القرآن الكريم، ج٢، ص ٧٧)، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ...﴾ (الروم: ٥٢-٥٣). إنما يُسمع فقط من يؤمن بآيات الله وهم مسلمون (النمل: ٨١).
{{مراجع}}
٢٦٬٨٦٢

تعديل