الفرق بين المراجعتين لصفحة: «فتح مكة»
لا يوجد ملخص تحرير
ط (استبدال النص - '== التمهيد ==' ب'== تمهيد ==') |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢: | سطر ٢: | ||
== تمهيد == | == تمهيد == | ||
أخلّت [[قريش]] باتفاقية [[الحديبية]] ونقضتها، حينما زودت [[قبيلة]] [[بني بكر]] بالأسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة المتحالفين مع [[المسلمين]] فيغيروا عليهم ليلاً، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. وأُبلغ [[النبي]] بما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم [[النصرة]]. ولكن قريشاً ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على [[خزاعة]]، واشتراكهم معها في العدوان، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى [[المدينة]] لتطييب [[خاطر]] النبي {{صل}} وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة [[الصلح]]، إلاّ أنّه عندما وصل إلى [[بيت]] ابنته [[أم حبيبة]] [[زوجة]] [[الرسول]] {{صل}}، لم يجد [[التقدير]] والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه [[مشرك]] نجس، فتوجه إلى الرسول {{صل}} وكلّمه حول إمكانية تجديد [[العهد]]، فلم يرد عليه وهو ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند الرسول {{صل}} وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون جدوى. فذهب إلى منزل [[الإمام علي]] {{ع}} والسيدة [[فاطمة الزهراء]]{{ع}} فرد عليه [[الإمام]] {{ع}}: {{نص حديث|لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى أَمْرٍ لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ}}. فالتفت إلى [[السيدة الزهراء]] {{ع}} وهو يطلب شفاعتها أو [[شفاعة]] الحسنين لدى النبي {{صل}}: يا ابنة [[محمد]]، هل لك أن تأمري وبُنَيّك هذا فيجير بين [[الناس]] فيكون [[سيد العرب]] إلى آخر [[الدهر]]؟ فقالت{{ع}} وهي تعلم بنواياه الشريرة: {{نص حديث|ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ وَإنَّهُمَا صِبيانٌ وَلَيسَ مِثلُهُما يُجيرُ}}.<ref>إمتاع الأسماع: ١ | أخلّت [[قريش]] باتفاقية [[الحديبية]] ونقضتها، حينما زودت [[قبيلة]] [[بني بكر]] بالأسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة المتحالفين مع [[المسلمين]] فيغيروا عليهم ليلاً، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. وأُبلغ [[النبي]] بما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم [[النصرة]]. ولكن قريشاً ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على [[خزاعة]]، واشتراكهم معها في العدوان، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى [[المدينة]] لتطييب [[خاطر]] النبي {{صل}} وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة [[الصلح]]، إلاّ أنّه عندما وصل إلى [[بيت]] ابنته [[أم حبيبة]] [[زوجة]] [[الرسول]] {{صل}}، لم يجد [[التقدير]] والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه [[مشرك]] نجس، فتوجه إلى الرسول {{صل}} وكلّمه حول إمكانية تجديد [[العهد]]، فلم يرد عليه وهو ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند الرسول {{صل}} وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون جدوى. فذهب إلى منزل [[الإمام علي]] {{ع}} والسيدة [[فاطمة الزهراء]]{{ع}} فرد عليه [[الإمام]] {{ع}}: {{نص حديث|لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى أَمْرٍ لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ}}. فالتفت إلى [[السيدة الزهراء]] {{ع}} وهو يطلب شفاعتها أو [[شفاعة]] الحسنين لدى النبي {{صل}}: يا ابنة [[محمد]]، هل لك أن تأمري وبُنَيّك هذا فيجير بين [[الناس]] فيكون [[سيد العرب]] إلى آخر [[الدهر]]؟ فقالت{{ع}} وهي تعلم بنواياه الشريرة: {{نص حديث|ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ وَإنَّهُمَا صِبيانٌ وَلَيسَ مِثلُهُما يُجيرُ}}.<ref>إمتاع الأسماع: ١/ ٣٥٩.</ref> فطلب [[النصيحة]] من الإمام {{ع}} فقال له: {{نص حديث|مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً أَمْثَلَ مِنْ أَنْ تَقُومَ فَتُجِيرَ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَيْ تُعْطِي الْأَمَانَ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إِلْحَقْ بِأَرْضِك}}. فأدّى ما طلبه منه، ورجع إلى [[مكّة]] وأخبر [[سادة قريش]] بما صنع، فاجتمعوا للتشاور فيما يطفىَ غضب المسلمين ويثني الرسول {{صل}} عن عزمه.<ref>المغازي: ٢/ ٧٨٠؛ السيرة النبوية: ٢/ ٣٨٩؛ بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٢.</ref> | ||
أمّا [[النبيّ]] الأكرم {{صل}} فقد أعلن [[التعبئة]] العامة بهدف [[فتح مكة]]، وتحطيم أقوى قلعة من قلاع [[الوثنية]]، وإزالة [[حكومة]] [[قريش]] الظالمة، التي كانت أقوى الموانع والعقبات في طريق تقدم [[الدعوة الإسلامية]] وانتشار [[الإسلام]]. | أمّا [[النبيّ]] الأكرم {{صل}} فقد أعلن [[التعبئة]] العامة بهدف [[فتح مكة]]، وتحطيم أقوى قلعة من قلاع [[الوثنية]]، وإزالة [[حكومة]] [[قريش]] الظالمة، التي كانت أقوى الموانع والعقبات في طريق تقدم [[الدعوة الإسلامية]] وانتشار [[الإسلام]]. | ||
وطلب من [[الله سبحانه وتعالى]] في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة [[المسلمين]] وهدفهم: {{نص حديث|اللهُمَّ خُذْ عَلَى قُرَيشٍ أبْصارَهُم فَلا يَرَوْنِي إِلاَّ بَغْتَةً ولا يَسْمَعُونَ بِي إِلاَّ فَجْأةً}}.<ref>المغازي: ٢ | وطلب من [[الله سبحانه وتعالى]] في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة [[المسلمين]] وهدفهم: {{نص حديث|اللهُمَّ خُذْ عَلَى قُرَيشٍ أبْصارَهُم فَلا يَرَوْنِي إِلاَّ بَغْتَةً ولا يَسْمَعُونَ بِي إِلاَّ فَجْأةً}}.<ref>المغازي: ٢/ ٧٩٦.</ref> | ||
واجتمع في مطلع [[شهر رمضان]] الكثيرون، فقد شاركت [[قبائل]] وطوائف مختلفة في هذا [[الفتح]] [[العظيم]]، اشتهر منهم: | واجتمع في مطلع [[شهر رمضان]] الكثيرون، فقد شاركت [[قبائل]] وطوائف مختلفة في هذا [[الفتح]] [[العظيم]]، اشتهر منهم: | ||
| سطر ١٥: | سطر ١٥: | ||
#قبيلة بني كعب: ٥٠٠ مع ثلاثة ألوية. | #قبيلة بني كعب: ٥٠٠ مع ثلاثة ألوية. | ||
هذا بالإضافة إلى [[اشتراك]] عدد آخر من قبائل غفار وأشجع و[[بني سليم]].<ref>المغازي: ٢ | هذا بالإضافة إلى [[اشتراك]] عدد آخر من قبائل غفار وأشجع و[[بني سليم]].<ref>المغازي: ٢/ ٨٠٠؛ إمتاع الإسماع: ١/ ٣٦٤.</ref> | ||
ويذكر ابن هشام، أنّ جميع من شهد [[فتح مكّة]] من المسلمين بلغوا عشرة آلاف، من بني سليم ٧٠٠، ويقول بعضهم ألف، ومن [[بني غفار]] ٤٠٠، ومن أسلم ٤٠٠، ومن مزينة ألف و٣٠٠ نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف [[العرب]] من [[تميم]] وقيس وأسد.<ref>السيرة النبوية: ٤ | ويذكر ابن هشام، أنّ جميع من شهد [[فتح مكّة]] من المسلمين بلغوا عشرة آلاف، من بني سليم ٧٠٠، ويقول بعضهم ألف، ومن [[بني غفار]] ٤٠٠، ومن أسلم ٤٠٠، ومن مزينة ألف و٣٠٠ نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف [[العرب]] من [[تميم]] وقيس وأسد.<ref>السيرة النبوية: ٤/ ٦٣.</ref> | ||
إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة [[الكبيرة]] وصلت إلى قريش، فقد أخبر [[جبرائيل]] {{ع}} [[النبي]] {{صل}} أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى [[مكة]]، وأنّ [[امرأة]] تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال. وقد ساعد النبي {{صل}} والمسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى [[المدينة]]، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش. ممّا جعل النبي {{صل}} يطلب من [[الإمام علي]] {{ع}} والمقداد والزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ [[الخليقة]] ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها [[الإمام]] {{ع}}: لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.<ref>بيّن القرآن الكريم ذلك في عدّة آيات من سورة الممتحنة.</ref> | إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة [[الكبيرة]] وصلت إلى قريش، فقد أخبر [[جبرائيل]] {{ع}} [[النبي]] {{صل}} أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى [[مكة]]، وأنّ [[امرأة]] تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال. وقد ساعد النبي {{صل}} والمسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى [[المدينة]]، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش. ممّا جعل النبي {{صل}} يطلب من [[الإمام علي]] {{ع}} والمقداد والزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ [[الخليقة]] ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها [[الإمام]] {{ع}}: لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.<ref>بيّن القرآن الكريم ذلك في عدّة آيات من سورة الممتحنة.</ref> | ||
وهكذا أعد [[النبي]] {{صل}} للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم ١٠ [[رمضان]]. وفي الطريق أفطر على [[الماء]] وأمر جنده بالاقتداء به: «إنّكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم». إلاّ أنّ البعض منهم أمسك عن الإفطار ظناً منهم أنّ [[الجهاد]] أفضل في حالة [[الصوم]]، فغضب النبي {{صل}} لذلك وقال عنهم: «أُولئك [[العصاة]]».<ref>وسائل الشيعة: ٧ | وهكذا أعد [[النبي]] {{صل}} للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم ١٠ [[رمضان]]. وفي الطريق أفطر على [[الماء]] وأمر جنده بالاقتداء به: «إنّكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم». إلاّ أنّ البعض منهم أمسك عن الإفطار ظناً منهم أنّ [[الجهاد]] أفضل في حالة [[الصوم]]، فغضب النبي {{صل}} لذلك وقال عنهم: «أُولئك [[العصاة]]».<ref>وسائل الشيعة: ٧/ ١٢٤؛ السيرة الحلبية: ٣/ ٩٠؛ المغازي: ٢/ ٨٠٢.</ref> | ||
وفي هذا [[الوقت]]، خرج [[العباس بن عبد المطلب]] من [[مكة]] متوجهاً إلى [[المدينة]] ليلتحق بالرسول {{صل}} خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية [[الفتح]] [[العظيم]]. كما التحق به عدوّان له أحجما عن [[الإيمان]] برسول [[الله]] والاستجابة لدعوته وهما: [[أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب]] و[[عبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة]]، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول {{صل}} والمؤذين له، بالرغم من أنّ أبا سفيان هذا كان ابن [[عمّ الرسول]]{{صل}} وأخاه من الرضاعة، وعبد الله هو أخو [[أم سلمة]] ابنة عاتكة عمّة [[الرسول]] {{صل}} . وحاولا مقابلة النبي {{صل}} إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّ ما ذكره لهما [[الإمام علي]] {{ع}}، بأن يقولا للنبي {{صل}}: {{نص قرآني|قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٩١.</ref> فسوف يعفو عنهما كما [[فعل]] [[يوسف]] {{ع}} مع إخوته. وقد حدث ما اقترحه [[الإمام]] {{ع}} فقبل إسلامهما. | وفي هذا [[الوقت]]، خرج [[العباس بن عبد المطلب]] من [[مكة]] متوجهاً إلى [[المدينة]] ليلتحق بالرسول {{صل}} خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية [[الفتح]] [[العظيم]]. كما التحق به عدوّان له أحجما عن [[الإيمان]] برسول [[الله]] والاستجابة لدعوته وهما: [[أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب]] و[[عبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة]]، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول {{صل}} والمؤذين له، بالرغم من أنّ أبا سفيان هذا كان ابن [[عمّ الرسول]]{{صل}} وأخاه من الرضاعة، وعبد الله هو أخو [[أم سلمة]] ابنة عاتكة عمّة [[الرسول]] {{صل}} . وحاولا مقابلة النبي {{صل}} إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّ ما ذكره لهما [[الإمام علي]] {{ع}}، بأن يقولا للنبي {{صل}}: {{نص قرآني|قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٩١.</ref> فسوف يعفو عنهما كما [[فعل]] [[يوسف]] {{ع}} مع إخوته. وقد حدث ما اقترحه [[الإمام]] {{ع}} فقبل إسلامهما. | ||
| سطر ٥١: | سطر ٥١: | ||
# [[عبد الله بن خطل]] | # [[عبد الله بن خطل]] | ||
وأربعة [[نساء]].<ref>السيرة النبوية: ٢ | وأربعة [[نساء]].<ref>السيرة النبوية: ٢/ ٤١٠؛ تاريخ الخميس: ٢/ ٩٠.</ref> | ||
وكان كلّ واحد من هؤلاء إمّا [[قتل]] أحداً، أو ارتكب جناية أو شارك في [[مؤامرة]] أوحرب ضدّ [[الإسلام]] والمسلمين. | وكان كلّ واحد من هؤلاء إمّا [[قتل]] أحداً، أو ارتكب جناية أو شارك في [[مؤامرة]] أوحرب ضدّ [[الإسلام]] والمسلمين. | ||
| سطر ٦٣: | سطر ٦٣: | ||
ولمّا كانت جدران الكعبة من الداخل مغطاة بصور [[الأنبياء]] والملائكة وغيرهم، فإنّ النبيص أمر بمحوها جميعاً وغسلها بماء زمزم. | ولمّا كانت جدران الكعبة من الداخل مغطاة بصور [[الأنبياء]] والملائكة وغيرهم، فإنّ النبيص أمر بمحوها جميعاً وغسلها بماء زمزم. | ||
وقد اشترك [[الإمام علي]] {{ع}} في كسر بعض الأصنام الموضوعة في الكعبة، وحاول النبي {{صل}} أن يصعد على كتفيه، إلاّ أنّ [[ضعف]] [[الإمام]] {{ع}} لم يساعده في ذلك، فطلب منه النبي {{صل}} أن يصعد ـ عليٌ ـ على كتفه قائلاً: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ اِصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي}}، فصعد على منكبه، فألقى صنم [[قريش]] الأكبر وأصنام أُخرى محطمة إلى [[الأرض]].<ref>مسند أحمد بن حنبل: ١ | وقد اشترك [[الإمام علي]] {{ع}} في كسر بعض الأصنام الموضوعة في الكعبة، وحاول النبي {{صل}} أن يصعد على كتفيه، إلاّ أنّ [[ضعف]] [[الإمام]] {{ع}} لم يساعده في ذلك، فطلب منه النبي {{صل}} أن يصعد ـ عليٌ ـ على كتفه قائلاً: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ اِصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي}}، فصعد على منكبه، فألقى صنم [[قريش]] الأكبر وأصنام أُخرى محطمة إلى [[الأرض]].<ref>مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٨٤؛ السيرة الحلبية: ٣/ ٨٦؛ تاريخ الخميس: ٢/ ٨٦.</ref> ثمّ وقف النبي {{صل}} على باب الكعبة وقال: {{نص حديث|اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ وَهَزَمَ الأحزابَ وَحدَهُ}}. ثمّ اتجه إلى الناس الذين يشاهدون [[الرسول]] {{صل}} وهو يكسر الأصنام ويحمد [[الله]]، فسألهم: «ماذا تقولون وماذا تظنون؟» فقالوا: نقول خيراً ونظن خيراً. أخ [[كريم]] وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال {{صل}}: {{نص حديث|فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ {{نص قرآني|لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}}<ref> سورة يوسف، الآية ٩٢.</ref>}}. | ||
وبهذا أعلن {{صل}} [[العفو]] العام والشامل عن [[أهل مكة]] بقوله: {{نص حديث|ألا لَبِئْسَ جِيرَانُ النَّبِيِّ كُنتُم لَقَدْ كَذَبْتُمْ وطَرَدْتُمْ وأَخْرَجْتُمْ وَآذَيْتُمْ ثُمَّ مَا رَضِيتُمْ حَتَّى جِئْتُمُونِي فِي بِلاَدِي تقاتلونني اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ اَلطُّلَقَاءُ}}<ref>بحار الأنوار: ٢١ | وبهذا أعلن {{صل}} [[العفو]] العام والشامل عن [[أهل مكة]] بقوله: {{نص حديث|ألا لَبِئْسَ جِيرَانُ النَّبِيِّ كُنتُم لَقَدْ كَذَبْتُمْ وطَرَدْتُمْ وأَخْرَجْتُمْ وَآذَيْتُمْ ثُمَّ مَا رَضِيتُمْ حَتَّى جِئْتُمُونِي فِي بِلاَدِي تقاتلونني اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ اَلطُّلَقَاءُ}}<ref>بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٦؛ السيرة الحلبية: ٢/ ٤١٢.</ref> | ||
وكان [[الوقت]] ظهراً فحان [[وقت الصلاة]]، فصعد بلال سطح [[الكعبة]] ورفع نداء [[التوحيد]] والرسالة ـ [[الأذان]] ـ وبعدها ردّ مفتاح الكعبة على [[عثمان بن طلحة]] وقال له: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء». فالنبي {{صل}} هو أوّل من يلتزم بالتعليم [[الإلهي]] في أداء [[الأمانة]] إلى أهلها، فيعيد مثل تلك الأمانة الكبرى إلى صاحبها. ثمّ ألغى جميع [[مناصب]] الكعبة السائدة في [[الجاهلية]]، إلاّ ما كان نافعاً للناس، كالسدانة، والحجابة ـ وهي القيام بشؤون أستار الكعبة ـ وسقاية الحجيج.<ref>بحار الأنوار: ٢١ | وكان [[الوقت]] ظهراً فحان [[وقت الصلاة]]، فصعد بلال سطح [[الكعبة]] ورفع نداء [[التوحيد]] والرسالة ـ [[الأذان]] ـ وبعدها ردّ مفتاح الكعبة على [[عثمان بن طلحة]] وقال له: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء». فالنبي {{صل}} هو أوّل من يلتزم بالتعليم [[الإلهي]] في أداء [[الأمانة]] إلى أهلها، فيعيد مثل تلك الأمانة الكبرى إلى صاحبها. ثمّ ألغى جميع [[مناصب]] الكعبة السائدة في [[الجاهلية]]، إلاّ ما كان نافعاً للناس، كالسدانة، والحجابة ـ وهي القيام بشؤون أستار الكعبة ـ وسقاية الحجيج.<ref>بحار الأنوار: ٢١/ ١٣٢.</ref> | ||
وفي حديث له {{صل}} إلى أقاربه، في اجتماع ضم [[بني هاشم]] و[[بني عبد المطلب]]، أوضح لهم أنّ صلة [[القربى]] التي تربطهم به {{صل}} لا تبرر لأحد منهم أن يتجاهل قوانين [[الحكومة الإسلامية]]، فيتخذ من انتسابه إلى زعيمها ذريعة وغطاء لارتكاب ما لا يحل للآخرين. | وفي حديث له {{صل}} إلى أقاربه، في اجتماع ضم [[بني هاشم]] و[[بني عبد المطلب]]، أوضح لهم أنّ صلة [[القربى]] التي تربطهم به {{صل}} لا تبرر لأحد منهم أن يتجاهل قوانين [[الحكومة الإسلامية]]، فيتخذ من انتسابه إلى زعيمها ذريعة وغطاء لارتكاب ما لا يحل للآخرين. | ||
وهو {{صل}} بهذا قد شجب كلّ [[تمييز]] وتفضيل غير صحيح وسليم، داعياً إلى لزوم [[العدل]] ومراعاة [[المساواة]] بين جميع [[الطبقات]]: {{نص حديث|يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ وَ إِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ لاَ تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا فَوَ اَللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْ غَيْرِكُمْ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ أَلاَ فَلاَ أَعْرِفُكُمْ تَأْتُونِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ تَحْمِلُونَ اَلدُّنْيَا عَلَى رِقَابِكُمْ وَ يَأْتِي اَلنَّاسُ يَحْمِلُونَ اَلْآخِرَةَ أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ فِيمَا بَيْنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَيْنَكُمْ وَ إِنَّ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلَكُمْ}}.<ref>بحار الأنوار: ٢١ | وهو {{صل}} بهذا قد شجب كلّ [[تمييز]] وتفضيل غير صحيح وسليم، داعياً إلى لزوم [[العدل]] ومراعاة [[المساواة]] بين جميع [[الطبقات]]: {{نص حديث|يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ وَ إِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ لاَ تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا فَوَ اَللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْ غَيْرِكُمْ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ أَلاَ فَلاَ أَعْرِفُكُمْ تَأْتُونِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ تَحْمِلُونَ اَلدُّنْيَا عَلَى رِقَابِكُمْ وَ يَأْتِي اَلنَّاسُ يَحْمِلُونَ اَلْآخِرَةَ أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ فِيمَا بَيْنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَيْنَكُمْ وَ إِنَّ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلَكُمْ}}.<ref>بحار الأنوار: ٢١/ ١١١.</ref> | ||
ثمّ دعا إلى اجتماع [[تاريخي]] كبير عند [[بيت الله الحرام]]، حضره حشد كبير من أهالي [[مكة]]، وألقى فيهم خطاباً تاريخياً عالج [[الأمراض]] [[الاجتماعية]] الخاصة بالمجتمع [[العربي]] في ذلك العصر وحتى عصرنا الحالي، ومن أهمّما ورد وتناوله {{صل}} في هذا [[الخطاب]]: | ثمّ دعا إلى اجتماع [[تاريخي]] كبير عند [[بيت الله الحرام]]، حضره حشد كبير من أهالي [[مكة]]، وألقى فيهم خطاباً تاريخياً عالج [[الأمراض]] [[الاجتماعية]] الخاصة بالمجتمع [[العربي]] في ذلك العصر وحتى عصرنا الحالي، ومن أهمّما ورد وتناوله {{صل}} في هذا [[الخطاب]]: | ||
| سطر ٧٨: | سطر ٧٨: | ||
#'''[[المساواة]] بين أفراد [[البشر]]: ''' فقد دعا إلى دعم المساواة بين الأفراد والجماعات: {{نص حديث|إِنَّ اَلنَّاسَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِثْلُ أَسْنَانِ اَلْمُشْطِ لاَ فَضْلَ لِلْعَرَبِيِّ عَلَى اَلْعَجَمِيِّ وَ لاَ لِلْأَحْمَرِ عَلَى اَلْأَسْوَدِ إِلاَّ بِالتَّقْوَى}}. وبذلك ألغى [[التمييز]] العنصري مؤسساً بذلك ميثاق [[حقوق الإنسان]] قبل أيّ جهة عالمية. | #'''[[المساواة]] بين أفراد [[البشر]]: ''' فقد دعا إلى دعم المساواة بين الأفراد والجماعات: {{نص حديث|إِنَّ اَلنَّاسَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِثْلُ أَسْنَانِ اَلْمُشْطِ لاَ فَضْلَ لِلْعَرَبِيِّ عَلَى اَلْعَجَمِيِّ وَ لاَ لِلْأَحْمَرِ عَلَى اَلْأَسْوَدِ إِلاَّ بِالتَّقْوَى}}. وبذلك ألغى [[التمييز]] العنصري مؤسساً بذلك ميثاق [[حقوق الإنسان]] قبل أيّ جهة عالمية. | ||
#'''[[الأحقاد]] والحروب الطويلة: ''' إذ أنّ [[الحروب]] المتلاحقة بين [[القبائل العربية]] أدت إلى نشأة [[الحقد]] والضغينة، فلم يجد طريقاً للقضاء عليها إلاّ بالطلب من [[الناس]] أن يتنازلوا عمّا لهم من دماء في أعناق الآخرين، سفكت في عهد [[الجاهلية]]، فتعتبر ملفات [[العهد القديم]] باطلة. وقال في ذلك {{نص حديث|أَلاَ وَ كُلُّ مَأْثُرَةٍ أَوْ بِدَعٍ كَانَتْ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ}}. | #'''[[الأحقاد]] والحروب الطويلة: ''' إذ أنّ [[الحروب]] المتلاحقة بين [[القبائل العربية]] أدت إلى نشأة [[الحقد]] والضغينة، فلم يجد طريقاً للقضاء عليها إلاّ بالطلب من [[الناس]] أن يتنازلوا عمّا لهم من دماء في أعناق الآخرين، سفكت في عهد [[الجاهلية]]، فتعتبر ملفات [[العهد القديم]] باطلة. وقال في ذلك {{نص حديث|أَلاَ وَ كُلُّ مَأْثُرَةٍ أَوْ بِدَعٍ كَانَتْ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ}}. | ||
#'''الأُخوة [[الإسلامية]]: ''' حيث دعا إلى اتّحاد [[المسلمين]] ووحدة كلمتهم وحقّ [[المسلم]] على أخيه المسلم، فهو من أهمّ مميزات [[الدين الإسلامي]]، وهو بهذا يرغّب غير المسلم في اعتناق [[الإسلام]] إذا سمع ورأى مثل هذه [[الحقوق]] والعلاقات المتبادلة بين المسلمين: {{نص حديث|الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ وَ الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ وهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ على مَن سِواهُم تَتَكافو دِماوهُم لِيسعى بِذِمتِهِم أدناهُم}}.<ref>روضة الكافي: ٢٤٦؛ السيرة النبوية: ٢ | #'''الأُخوة [[الإسلامية]]: ''' حيث دعا إلى اتّحاد [[المسلمين]] ووحدة كلمتهم وحقّ [[المسلم]] على أخيه المسلم، فهو من أهمّ مميزات [[الدين الإسلامي]]، وهو بهذا يرغّب غير المسلم في اعتناق [[الإسلام]] إذا سمع ورأى مثل هذه [[الحقوق]] والعلاقات المتبادلة بين المسلمين: {{نص حديث|الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ وَ الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ وهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ على مَن سِواهُم تَتَكافو دِماوهُم لِيسعى بِذِمتِهِم أدناهُم}}.<ref>روضة الكافي: ٢٤٦؛ السيرة النبوية: ٢/ ٤١٢؛ مغازي الواقدي: ٢/ ٨٣٦؛ بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٥.</ref> | ||
وبعد ذلك تفرّغ [[النبي]] {{صل}} للحكم على بعض المجرمين والمؤذين،حيث كان هناك عدد من المجرمين المكيّين، كان لابدّ من عقابهم على ما فعلوا من [[أعمال]] سيئة، وذلك بالرغم من إصدار [[العفو]] العام، وقد طارد [[الإمام علي]] {{ع}} اثنين منهم لجآ إلى [[بيت]] [[أم هانئ]] أُخت [[الإمام]] {{ع}} التي أجارتهما، ولكن الإمام {{ع}} طلب منها أن يعلم [[النبي]] {{صل}} بأمانها ليعطي رأيه في جوارها وأمانها كمرأة، فقبل {{صل}} ذلك وقال: {{نص حديث|قَد أجَرْنا مَن آجَرْتَ وَأَمنا مَنْ أَمَّنْتَ فَلاَ يَقْتُلُهُمَا}}. <ref>الإرشاد: ٧٢</ref> | وبعد ذلك تفرّغ [[النبي]] {{صل}} للحكم على بعض المجرمين والمؤذين،حيث كان هناك عدد من المجرمين المكيّين، كان لابدّ من عقابهم على ما فعلوا من [[أعمال]] سيئة، وذلك بالرغم من إصدار [[العفو]] العام، وقد طارد [[الإمام علي]] {{ع}} اثنين منهم لجآ إلى [[بيت]] [[أم هانئ]] أُخت [[الإمام]] {{ع}} التي أجارتهما، ولكن الإمام {{ع}} طلب منها أن يعلم [[النبي]] {{صل}} بأمانها ليعطي رأيه في جوارها وأمانها كمرأة، فقبل {{صل}} ذلك وقال: {{نص حديث|قَد أجَرْنا مَن آجَرْتَ وَأَمنا مَنْ أَمَّنْتَ فَلاَ يَقْتُلُهُمَا}}. <ref>الإرشاد: ٧٢</ref> | ||