ط
استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''''
ط (استبدال النص - '[[سيد علي الحسيني' ب'[[السيد علي الحسيني') |
ط (استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''') |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الصفات الثبوتية | عنوان المدخل = كلام الله | المداخل ذات الصلة = [[كلام الله في علم الكلام]] | سؤال ذو صلة = }} | {{المدخل ذو الصلة | موضوع ذو صلة = الصفات الثبوتية | عنوان المدخل = كلام الله | المداخل ذات الصلة = [[كلام الله في علم الكلام]] | سؤال ذو صلة = }} | ||
==تمهيد== | ==تمهيد== | ||
الحقيقة أن الأوصاف الفعلية لا يُمكن عدّها وقد ذكر القرآن العديد من الأوصاف الفعلية، مثل: الخالق، الفاطر، المالك، الحاكم، الرب، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الغافر، الهادي، الوكيل، النصير، القاهر، المحيي، المؤمن، الجبار، والشكور وعشرات الأسماء الأخرى المذكورة في القرآن وكلها تحكي أوصافه الفعلية. بالرغم من هذا التعدد والتنوع، إلا أننا نجد المتكلمين المسلمين - بشكل عام - قد حددوا بحوثهم في الأوصاف الفعلية بمجموعة معينة منها، ونحن كذلك رعاية لاختصار البحث لا يسعنا إلا اتباع الطريقة الشائعة وإن كنا نرى أن البحث في كل الصفات الإلهية بمقدار المعرفة البشرية هو من وظائف علم الكلام والمتكلمين.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٩.</ref> | الحقيقة أن الأوصاف الفعلية لا يُمكن عدّها وقد ذكر القرآن العديد من الأوصاف الفعلية، مثل: الخالق، الفاطر، المالك، الحاكم، الرب، الرزاق، الرحمن، الرحيم، الغافر، الهادي، الوكيل، النصير، القاهر، المحيي، المؤمن، الجبار، والشكور وعشرات الأسماء الأخرى المذكورة في القرآن وكلها تحكي أوصافه الفعلية. بالرغم من هذا التعدد والتنوع، إلا أننا نجد المتكلمين المسلمين - بشكل عام - قد حددوا بحوثهم في الأوصاف الفعلية بمجموعة معينة منها، ونحن كذلك رعاية لاختصار البحث لا يسعنا إلا اتباع الطريقة الشائعة وإن كنا نرى أن البحث في كل الصفات الإلهية بمقدار المعرفة البشرية هو من وظائف علم الكلام والمتكلمين.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٩.</ref> | ||
==المراد بالكلام الإلهي== | ==المراد بالكلام الإلهي== | ||
| سطر ٧: | سطر ٧: | ||
#تفسير حقيقة الكلام الإلهي | #تفسير حقيقة الكلام الإلهي | ||
#حدوث الكلام الإلهي أو قدمه | #حدوث الكلام الإلهي أو قدمه | ||
يتضح من خلال التأمل في التاريخ أنَّ اختلاف رأي المسلمين في هذه المسائل، خاصة في مسألة قدم الكلام الإلهي أو حدوثه أدّى إلى فتنة كبيرة وحتى سبَّبَ تكفير البعض مخالفيهم وقتلهم. سوف نذكر أهم الآراء المطروحة وبعد أن يظهر الرأي الصحيح سوف نتتبع هذا البحث في القرآن والسنة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦٩-٢٧٠.</ref> | يتضح من خلال التأمل في التاريخ أنَّ اختلاف رأي المسلمين في هذه المسائل، خاصة في مسألة قدم الكلام الإلهي أو حدوثه أدّى إلى فتنة كبيرة وحتى سبَّبَ تكفير البعض مخالفيهم وقتلهم. سوف نذكر أهم الآراء المطروحة وبعد أن يظهر الرأي الصحيح سوف نتتبع هذا البحث في القرآن والسنة.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٦٩-٢٧٠.</ref> | ||
==ما هي حقيقة الكلام الإلهي؟== | ==ما هي حقيقة الكلام الإلهي؟== | ||
| سطر ١٨: | سطر ١٨: | ||
عند تقييم الآراء المذكورة يُمكن القول بنحو الإجمال ببطلان الرأيين الأولين؛ لأنّ تصور قيام حروف وأصوات مادية في الذات الإلهية المجردة عن المادة والماديات غير معقول سواء قلنا بقِدم الحروف والأصوات أو حدوثها (و إن كان غرابة الرأي الأول - أي: قِدم الحروف والأصوات الحاكية مراد الله - أشد) كما أن رأي الأشاعرة لا يخلو عن إشكال، وأهم إشكال يرد على هذا الرأي هو عدم معقولية كون الكلام النفسي حقيقة مُغايرة للعلم والإرادة الإلهية، وهو معنى غير قابل للتصور!، والتصوير الذي ذكره الأشاعرة له يرجع في النهاية إلى العلم أو الإرادة وفي هذه الحالة لا يمكن عدُّه صفة مستقلة<ref>لقراءة أدلة الأشاعرة على وجود الكلام النفسي، ونقده، يُمكن الرجوع إلى: ابن ميثم البحراني، قواعد المرام في علم الكلام، ص۹۳؛ مناهج اليقين، ص۱۹۳ والمحاضرات في الإلهيات، ص۱۵۸ -۱۶۲.</ref>. | عند تقييم الآراء المذكورة يُمكن القول بنحو الإجمال ببطلان الرأيين الأولين؛ لأنّ تصور قيام حروف وأصوات مادية في الذات الإلهية المجردة عن المادة والماديات غير معقول سواء قلنا بقِدم الحروف والأصوات أو حدوثها (و إن كان غرابة الرأي الأول - أي: قِدم الحروف والأصوات الحاكية مراد الله - أشد) كما أن رأي الأشاعرة لا يخلو عن إشكال، وأهم إشكال يرد على هذا الرأي هو عدم معقولية كون الكلام النفسي حقيقة مُغايرة للعلم والإرادة الإلهية، وهو معنى غير قابل للتصور!، والتصوير الذي ذكره الأشاعرة له يرجع في النهاية إلى العلم أو الإرادة وفي هذه الحالة لا يمكن عدُّه صفة مستقلة<ref>لقراءة أدلة الأشاعرة على وجود الكلام النفسي، ونقده، يُمكن الرجوع إلى: ابن ميثم البحراني، قواعد المرام في علم الكلام، ص۹۳؛ مناهج اليقين، ص۱۹۳ والمحاضرات في الإلهيات، ص۱۵۸ -۱۶۲.</ref>. | ||
فالرأي الصحيح أن كلام الله لا معنى له غير إيجاد وخلق الحروف والأصوات وقد يكون ذلك في شيء مادي كالشجرة أو عن طريق ملك الوحي أو يظهر بصور مختلفة، والمتكلمون الشيعة يوافقون المعتزلة في الرأي، يقول العلامة المجلسي (تعتقد طائفة الإمامية أن كلام الله المُتعال حادث ومركب من الأصوات والحروف وعرضي قائم بغيره تعالى ومعنى كلام الله عندهم أن الله أوجد تلك الحروف والأصوات في جسم) ولا ينبغي الغفلة عن أن تكلم الله خلاف تكلم الإنسان من حيث أنه لا يحتاج إلى أعضاء وجوارح خاصة، لأن وجود هكذا أعضاء من خواص الموجودات المادية، والله منزّه عن المادة والجسمانية. الحاصل أنه إذا كان المقصود من كلام الله هو الألفاظ المكتوبة أو المسموعة الدالة على مراد الله فإنها يقيناً حادثة كسائر الموجودات، مخلوقة له سبحانه؛ وبعبارة أخرى: هي فعله، بالتالي فإنّ حقيقة المتكلم ليس إلا إيجاد الكلمات والحروف المكتوبة أو المسموعة بدون الحاجة إلى أعضاء وجوارح مادية، والمُنتزع منها صفة الكلام التي هي من الصفات الإلهية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٠-٢٧٢.</ref> | فالرأي الصحيح أن كلام الله لا معنى له غير إيجاد وخلق الحروف والأصوات وقد يكون ذلك في شيء مادي كالشجرة أو عن طريق ملك الوحي أو يظهر بصور مختلفة، والمتكلمون الشيعة يوافقون المعتزلة في الرأي، يقول العلامة المجلسي (تعتقد طائفة الإمامية أن كلام الله المُتعال حادث ومركب من الأصوات والحروف وعرضي قائم بغيره تعالى ومعنى كلام الله عندهم أن الله أوجد تلك الحروف والأصوات في جسم) ولا ينبغي الغفلة عن أن تكلم الله خلاف تكلم الإنسان من حيث أنه لا يحتاج إلى أعضاء وجوارح خاصة، لأن وجود هكذا أعضاء من خواص الموجودات المادية، والله منزّه عن المادة والجسمانية. الحاصل أنه إذا كان المقصود من كلام الله هو الألفاظ المكتوبة أو المسموعة الدالة على مراد الله فإنها يقيناً حادثة كسائر الموجودات، مخلوقة له سبحانه؛ وبعبارة أخرى: هي فعله، بالتالي فإنّ حقيقة المتكلم ليس إلا إيجاد الكلمات والحروف المكتوبة أو المسموعة بدون الحاجة إلى أعضاء وجوارح مادية، والمُنتزع منها صفة الكلام التي هي من الصفات الإلهية.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٠-٢٧٢.</ref> | ||
==كل الكائنات كلمات الله== | ==كل الكائنات كلمات الله== | ||
ما يجب ذكره أنّ الكلام الإلهي قد يُطلق ويُراد به معناه الواسع الذي يشمل الحروف والأصوات، يشمل هذا المعنى ل(كلام الله) كل مخلوقاته، حيثُ إنّ كل موجود لا يُعدّ مجرد فعل الله ومخلوق له، بل هو أيضاً كلمة من كلماته. من الممكن أن يتبادر إلى الأذهان السؤال: كيف يُمكن إطلاق كلمة (كلام) على شيء موجود في الخارج، والحال أن الكلام في الاستعمال العرفي من سنخ الألفاظ وله وجود مكتوب أو مسموع؟ | ما يجب ذكره أنّ الكلام الإلهي قد يُطلق ويُراد به معناه الواسع الذي يشمل الحروف والأصوات، يشمل هذا المعنى ل(كلام الله) كل مخلوقاته، حيثُ إنّ كل موجود لا يُعدّ مجرد فعل الله ومخلوق له، بل هو أيضاً كلمة من كلماته. من الممكن أن يتبادر إلى الأذهان السؤال: كيف يُمكن إطلاق كلمة (كلام) على شيء موجود في الخارج، والحال أن الكلام في الاستعمال العرفي من سنخ الألفاظ وله وجود مكتوب أو مسموع؟ | ||
والجواب باختصار: أنه بالتأمل في الاستعمال اللَّفظي يتضح أن شأن الألفاظ هو حكاية المعاني الموجودة في ذهن المتكلم، فحقيقة الكلام ليس إلا الدلالة والحكاية، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن فعل الفاعل بالإضافة إلى دلالته على وجود الفاعل فهو يحكي خصوصيات وجوده أيضاً، والاختلاف الوحيد بينهما أن الدلالة في الألفاظ من سنخ الدلالة الوضعية، أما دلالة الفعل على وجود خصوصيات فاعله من سنخ الدلالة العقلية غير الوضعية، وعلى هذا يُمكن توسعة معنى الكلام المطلق على فعل الله؛ لأنّ كل فعل يحكي خصوصيات فاعله وأهدافه وأغراضه. يؤيد القرآن الكريم وروايات أهل البيت{{ع}} هذه التوسعة في التسمية وتعرف بعض الموجودات العينية والخارجية بعنوان (كلمة الله) وذلك لأنها آية من آيات الله.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٢-٢٧٣.</ref> | والجواب باختصار: أنه بالتأمل في الاستعمال اللَّفظي يتضح أن شأن الألفاظ هو حكاية المعاني الموجودة في ذهن المتكلم، فحقيقة الكلام ليس إلا الدلالة والحكاية، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن فعل الفاعل بالإضافة إلى دلالته على وجود الفاعل فهو يحكي خصوصيات وجوده أيضاً، والاختلاف الوحيد بينهما أن الدلالة في الألفاظ من سنخ الدلالة الوضعية، أما دلالة الفعل على وجود خصوصيات فاعله من سنخ الدلالة العقلية غير الوضعية، وعلى هذا يُمكن توسعة معنى الكلام المطلق على فعل الله؛ لأنّ كل فعل يحكي خصوصيات فاعله وأهدافه وأغراضه. يؤيد القرآن الكريم وروايات أهل البيت{{ع}} هذه التوسعة في التسمية وتعرف بعض الموجودات العينية والخارجية بعنوان (كلمة الله) وذلك لأنها آية من آيات الله.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٢-٢٧٣.</ref> | ||
==استعمالات الكلام الإلهي== | ==استعمالات الكلام الإلهي== | ||
| سطر ٣٤: | سطر ٣٤: | ||
الكلام الفعلي: وهو عبارة عن مخلوقات الله بوصفها فعلاً له تحكي عن وجوده وكمالاته. | الكلام الفعلي: وهو عبارة عن مخلوقات الله بوصفها فعلاً له تحكي عن وجوده وكمالاته. | ||
من بين هذه المعاني الثلاثة يُمكن قبول المعنيين الأول والثالث، أما المعنى الثاني فبالتوجه إلى تفسير الأشاعرة له، لا يُمكن تصوره! وحيث إن التصديق بوجود الشيء فرع إمكان تصوره، فلا يُمكن قبول وجود هكذا معنى للكلام الإلهي.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٣.</ref> | من بين هذه المعاني الثلاثة يُمكن قبول المعنيين الأول والثالث، أما المعنى الثاني فبالتوجه إلى تفسير الأشاعرة له، لا يُمكن تصوره! وحيث إن التصديق بوجود الشيء فرع إمكان تصوره، فلا يُمكن قبول وجود هكذا معنى للكلام الإلهي.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٣.</ref> | ||
==قِدَم الكلام الإلهي وحدوثه== | ==قِدَم الكلام الإلهي وحدوثه== | ||
| سطر ٤١: | سطر ٤١: | ||
يُصرّ أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة على عدم مخلوقية القرآن وأنه أزلي، ويعتقد أحمد بن حنبل والأشعري بكفر من يقول بخلق القرآن. في المقابل دافع المعتزلة عن حدوث القرآن وخالفوا الأشاعرة في هذه المسألة أيضاً. بالتوجه إلى ما قيل في بيان حقيقة الكلام الإلهي وخاصة مع إنكار الكلام النفسي، فلا يبقى مجالاً للقول بقِدم كلام الله، إذا كان كلام الله بمعنى الحروف والأصوات أو الموجودات الخارجية، فهو يقيناً حادث وإذا كان المقصود من ذلك التكلم، فيجب أيضاً الاعتراف بحدوثه؛ لأنّ التكلم - من أوصاف الله الفعلية – ينتزع من إيجاد الحروف والأصوات (أو إيجاد الموجودات الخارجية) ونعلم أن صفات الله الفعلية كلها حادثة؛ لأن منشأ انتزاعها الأفعال الحادثة الله. يتمسك أتباع قِدم الكلام الإلهي بأدلة ضعيفة ولا أساس لها وهي خارجة عن ما يتحمله هذا البحث<ref>لنقد أدلة القائلين بقدم الكلام الإلهي، يُمكن الرجوع إلى: محاضرات في الإلهيات، ص۱۶۷-۱۷۰.</ref>. | يُصرّ أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة على عدم مخلوقية القرآن وأنه أزلي، ويعتقد أحمد بن حنبل والأشعري بكفر من يقول بخلق القرآن. في المقابل دافع المعتزلة عن حدوث القرآن وخالفوا الأشاعرة في هذه المسألة أيضاً. بالتوجه إلى ما قيل في بيان حقيقة الكلام الإلهي وخاصة مع إنكار الكلام النفسي، فلا يبقى مجالاً للقول بقِدم كلام الله، إذا كان كلام الله بمعنى الحروف والأصوات أو الموجودات الخارجية، فهو يقيناً حادث وإذا كان المقصود من ذلك التكلم، فيجب أيضاً الاعتراف بحدوثه؛ لأنّ التكلم - من أوصاف الله الفعلية – ينتزع من إيجاد الحروف والأصوات (أو إيجاد الموجودات الخارجية) ونعلم أن صفات الله الفعلية كلها حادثة؛ لأن منشأ انتزاعها الأفعال الحادثة الله. يتمسك أتباع قِدم الكلام الإلهي بأدلة ضعيفة ولا أساس لها وهي خارجة عن ما يتحمله هذا البحث<ref>لنقد أدلة القائلين بقدم الكلام الإلهي، يُمكن الرجوع إلى: محاضرات في الإلهيات، ص۱۶۷-۱۷۰.</ref>. | ||
فالرأي الصحيح الذي أيده الأئمة المعصومين{{ع}} واتفق متكلموا الشيعة<ref>الحكيم اللاهيجي فسّر الكلام بالقدرة على إيجاد الألفاظ والحروف، ولذلك وصفوه بالقديم. (سرمايه ايمان، ص۴۹) ونرى أن صفة الكلام من الصفات الفعلية لا الذاتية، والحال أن هذا التفسير يرجع صفة الكلام إلى القدرة، فيخدش استقلالها المفهومي، فيبدلها من صفة فعليه إلى صفة ذاتية، فلا يُمكن القول بأن هذه الصفة حادثة قطعاً.</ref> عليه هو أن كلام الله حادث.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٤-٢٧٥.</ref> | فالرأي الصحيح الذي أيده الأئمة المعصومين{{ع}} واتفق متكلموا الشيعة<ref>الحكيم اللاهيجي فسّر الكلام بالقدرة على إيجاد الألفاظ والحروف، ولذلك وصفوه بالقديم. (سرمايه ايمان، ص۴۹) ونرى أن صفة الكلام من الصفات الفعلية لا الذاتية، والحال أن هذا التفسير يرجع صفة الكلام إلى القدرة، فيخدش استقلالها المفهومي، فيبدلها من صفة فعليه إلى صفة ذاتية، فلا يُمكن القول بأن هذه الصفة حادثة قطعاً.</ref> عليه هو أن كلام الله حادث.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٤-٢٧٥.</ref> | ||
==الدليل على تكلم الله== | ==الدليل على تكلم الله== | ||
بعد بيان حقيقة الكلام الإلهي يجب النظر في أدلة اتصاف الله بهذه الصفة، ونُشير إلى أحد أدلة المتكلمين لإثبات هذه الصفة: تَبيّن في بحث القدرة الإلهية أنها تتعلق بكل ممكن ولا شك أن إيجاد ألفاظ مكتوبة أو مسموعة أمر ممكن، فإيجاد الحروف والألفاظ التي هي التكلم الإلهي تقع في دائرة القدرة الإلهية<ref>يثبت هذا الاستدلال القدرة على التكلم، ولا يمكن استنتاج أن الله متكلم بالفعل من خلال هذا الدليل.</ref>. يقول المحقق الطوسي في بيان هذا الاستدلال: (و عمومية قدرته تدل على ثبوت الكلام)<ref>كشف المراد، ص۳۱۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٥.</ref> | بعد بيان حقيقة الكلام الإلهي يجب النظر في أدلة اتصاف الله بهذه الصفة، ونُشير إلى أحد أدلة المتكلمين لإثبات هذه الصفة: تَبيّن في بحث القدرة الإلهية أنها تتعلق بكل ممكن ولا شك أن إيجاد ألفاظ مكتوبة أو مسموعة أمر ممكن، فإيجاد الحروف والألفاظ التي هي التكلم الإلهي تقع في دائرة القدرة الإلهية<ref>يثبت هذا الاستدلال القدرة على التكلم، ولا يمكن استنتاج أن الله متكلم بالفعل من خلال هذا الدليل.</ref>. يقول المحقق الطوسي في بيان هذا الاستدلال: (و عمومية قدرته تدل على ثبوت الكلام)<ref>كشف المراد، ص۳۱۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٥.</ref> | ||
==صفة الكلام في القرآن والروايات== | ==صفة الكلام في القرآن والروايات== | ||
| سطر ٥٤: | سطر ٥٤: | ||
زيادة على الكلام اللفظي يُعرّف القرآن الكريم مخلوقات الله ب (كلماته) ويُعرّف عيسى{{ع}} ب (كلمة الله) {{نص قرآني|إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}}<ref>سورة النساء: ۱۷۱.</ref> وقد يُعبّر عن كل المخلوقات ونعم الله ب (كلمات): {{نص قرآني|وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}<ref>سورة لقمان: ۲۷.</ref>، فجاء الكلام الإلهي في القرآن الكريم بمعنى الكلام المسموع، كما جاء بمعنى الخلق (الكلام الفعلي). بالإضافة إلى ذلك فإن بعض الآيات القرآنية تدل على حدوث كلام الله، وبالتمسك بها يُمكن ردّ نظرية (قِدم كلام الله)، مثلاً: جاء في سورة الأنبياء: {{نص قرآني|مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}}<ref>سورة الأنبياء: ۲.</ref>. بإمعان النظر في آيات أخرى منها الآية ۹ من سورة الحجر التي تُعرف القرآن بالذكر، والمقصود من الذكر في الآية القرآن، وإن توصيفه بالمُحدث - أي: الجديد- يدلّ على حدوث ألفاظ القرآن الكريم. | زيادة على الكلام اللفظي يُعرّف القرآن الكريم مخلوقات الله ب (كلماته) ويُعرّف عيسى{{ع}} ب (كلمة الله) {{نص قرآني|إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}}<ref>سورة النساء: ۱۷۱.</ref> وقد يُعبّر عن كل المخلوقات ونعم الله ب (كلمات): {{نص قرآني|وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}<ref>سورة لقمان: ۲۷.</ref>، فجاء الكلام الإلهي في القرآن الكريم بمعنى الكلام المسموع، كما جاء بمعنى الخلق (الكلام الفعلي). بالإضافة إلى ذلك فإن بعض الآيات القرآنية تدل على حدوث كلام الله، وبالتمسك بها يُمكن ردّ نظرية (قِدم كلام الله)، مثلاً: جاء في سورة الأنبياء: {{نص قرآني|مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}}<ref>سورة الأنبياء: ۲.</ref>. بإمعان النظر في آيات أخرى منها الآية ۹ من سورة الحجر التي تُعرف القرآن بالذكر، والمقصود من الذكر في الآية القرآن، وإن توصيفه بالمُحدث - أي: الجديد- يدلّ على حدوث ألفاظ القرآن الكريم. | ||
كما جاء في بعض روايات أهل البيت{{ع}} بيان مسألة حدوث كلام الله وقدمه، ونجد الأئمة المعصومين أحياناً يحذّرون أصحابهم عن الدخول في بحث ينشأ منه اختلاف؛ لأن هذا البحث قبل أن يكون بحثاً اعتقادياً وللوصول إلى الحقيقة كان له صبغة سياسية، وكل من الطرفين استعمله كحربة ضد خصمه. من هنا نرى الإمام الرضا{{ع}} في الجواب عن أحد أصحابه - الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ - عندما سأله {{نص حديث|مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَتَجَاوَزُوهُ وَ لَا تَطْلُبُوا الْهُدَى فِي غَيْرِهِ فَتَضِلُّوا}}<ref>البحار، ج۸۹، ص۱۱۷؛ توحيد الصدوق، ص۲۲۴.</ref>، وفي روايات أخرى ذكر الأئمة{{ع}} رأيهم في المسألة مثلاً: جاء في رسالة الإمام الهادي{{ع}} إلى بعض شيعته {{نص حديث|وَ لَيْسَ الْخَالِقُ إِلَّا اللَّهُ وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}}<ref>البحار، ج۸۹، ص۱۱۸.</ref> وجاء في رواية أخرى أن أبا بصير سأل الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً فَقَالَ{{ع}}: الْكَلَامُ مُحْدَثٌ، كَانَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ ثُمَّ أَحْدَثَ الْكَلَامَ}}<ref>الأمالي للطوسي، ج۱، ص۱۷۰؛ البحار، ج۴، ص۶۸.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٧٥-٢٧٨.</ref> | كما جاء في بعض روايات أهل البيت{{ع}} بيان مسألة حدوث كلام الله وقدمه، ونجد الأئمة المعصومين أحياناً يحذّرون أصحابهم عن الدخول في بحث ينشأ منه اختلاف؛ لأن هذا البحث قبل أن يكون بحثاً اعتقادياً وللوصول إلى الحقيقة كان له صبغة سياسية، وكل من الطرفين استعمله كحربة ضد خصمه. من هنا نرى الإمام الرضا{{ع}} في الجواب عن أحد أصحابه - الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ - عندما سأله {{نص حديث|مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَتَجَاوَزُوهُ وَ لَا تَطْلُبُوا الْهُدَى فِي غَيْرِهِ فَتَضِلُّوا}}<ref>البحار، ج۸۹، ص۱۱۷؛ توحيد الصدوق، ص۲۲۴.</ref>، وفي روايات أخرى ذكر الأئمة{{ع}} رأيهم في المسألة مثلاً: جاء في رسالة الإمام الهادي{{ع}} إلى بعض شيعته {{نص حديث|وَ لَيْسَ الْخَالِقُ إِلَّا اللَّهُ وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}}<ref>البحار، ج۸۹، ص۱۱۸.</ref> وجاء في رواية أخرى أن أبا بصير سأل الإمام الصادق{{ع}}: {{نص حديث|فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً فَقَالَ{{ع}}: الْكَلَامُ مُحْدَثٌ، كَانَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ ثُمَّ أَحْدَثَ الْكَلَامَ}}<ref>الأمالي للطوسي، ج۱، ص۱۷۰؛ البحار، ج۴، ص۶۸.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٢٧٥-٢٧٨.</ref> | ||
==أنه تعالى متكلّم== | ==أنه تعالى متكلّم== | ||