انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «المعاد في القرآن»

ط
استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''''
لا ملخص تعديل
ط (استبدال النص - 'مهر]]، دروس في علم الكلام الاسلامي' ب'مهر، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي'''')
سطر ١: سطر ١:
==تمهيد==
==تمهيد==
أشرنا في ما سبق إلى قصور العقل البشري عن إدراك كثير من أحوال الإنسان وعالم الآخرة، فلا طريق له هنا إلا الوحي، ولعل هذا كان سبباً في تصريح القرآن أو تلويحه بالمعاد في مئات الآيات القرآنية، حيث شرح أوضاع القيامة والحياة في الآخرة. ولا شك أنّ البحث في كل تلك الآيات القرآنية والروايات يحتاج إلى عشرات الكتب، لكن من باب (ما لا يُدرك كله لا يترك جله) نستذكر باختصار بعض تلك المنابع الغنيّة بالمعارف القرآنية والروائية المتعلّقة بالمعاد؛ علَّنا ننهل جرعة من ذلك المُحيط اللامتناهي. كما ينبغي التأكيد على أنّ حقيقة عالم الآخرة مجهولة لنا بالرغم من البيانات القرآنية والروائية العميقة وذلك بسبب الاختلافات الأساسية بين نظام عالم الدنيا ونظام عالم الآخرة، فإذا استفدنا من كل إمكانياتنا الذهنية والاستنباطية فإنه يُمكننا إدراك فقط شبح من تلك الحقائق، ومن خلال المفاهيم التي تستأنس بها أذهاننا يُمكن أن نرسم تصوراً إجمالياً عنها.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٥٩٩.</ref>
أشرنا في ما سبق إلى قصور العقل البشري عن إدراك كثير من أحوال الإنسان وعالم الآخرة، فلا طريق له هنا إلا الوحي، ولعل هذا كان سبباً في تصريح القرآن أو تلويحه بالمعاد في مئات الآيات القرآنية، حيث شرح أوضاع القيامة والحياة في الآخرة. ولا شك أنّ البحث في كل تلك الآيات القرآنية والروايات يحتاج إلى عشرات الكتب، لكن من باب (ما لا يُدرك كله لا يترك جله) نستذكر باختصار بعض تلك المنابع الغنيّة بالمعارف القرآنية والروائية المتعلّقة بالمعاد؛ علَّنا ننهل جرعة من ذلك المُحيط اللامتناهي. كما ينبغي التأكيد على أنّ حقيقة عالم الآخرة مجهولة لنا بالرغم من البيانات القرآنية والروائية العميقة وذلك بسبب الاختلافات الأساسية بين نظام عالم الدنيا ونظام عالم الآخرة، فإذا استفدنا من كل إمكانياتنا الذهنية والاستنباطية فإنه يُمكننا إدراك فقط شبح من تلك الحقائق، ومن خلال المفاهيم التي تستأنس بها أذهاننا يُمكن أن نرسم تصوراً إجمالياً عنها.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٥٩٩.</ref>


==أسماء يوم القيامة في القرآن==
==أسماء يوم القيامة في القرآن==
في الرؤية الإسلامية يُذكر أنه عند قيام الساعة تحدث تحولات عظيمة تبدأ بها حياة الإنسان الأخروية، عبّر القرآن عن تلك التحولات بما يُقارب ۷۰ تعبيراً كل منها يُشير إلى بُعد من أبعاد عالم الآخرة، وهذا شاهد آخر على اهتمام القرآن البالغ بأمر المعاد، ومن التعابير المذكورة في عدّة آيات قرآنية: يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الجمع، يوم الفصل ويوم الخلود.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٦٠٠.</ref>
في الرؤية الإسلامية يُذكر أنه عند قيام الساعة تحدث تحولات عظيمة تبدأ بها حياة الإنسان الأخروية، عبّر القرآن عن تلك التحولات بما يُقارب ۷۰ تعبيراً كل منها يُشير إلى بُعد من أبعاد عالم الآخرة، وهذا شاهد آخر على اهتمام القرآن البالغ بأمر المعاد، ومن التعابير المذكورة في عدّة آيات قرآنية: يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الجمع، يوم الفصل ويوم الخلود.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٦٠٠.</ref>


==أبعاد مسألة المعاد في القرآن==
==أبعاد مسألة المعاد في القرآن==
بحثت الآيات القرآنية مسألة المعاد من عدّة جهات، وبالتأمّل فيها يُمكن الحصول على تصور جامع نسبياً عن عالم الآخرة وحياة الإنسان الخالدة.
بحثت الآيات القرآنية مسألة المعاد من عدّة جهات، وبالتأمّل فيها يُمكن الحصول على تصور جامع نسبياً عن عالم الآخرة وحياة الإنسان الخالدة.


فبعض الآيات جاءت لتجيب عن شبهات المنكرين للمعاد، وتؤكّد على إمكانيته وتُبيّن عدم استحالة إحياء الناس من جديد. وبعض الآيات الأخرى تؤكّد على ضرورة وقوع المعاد وتُبيّن أنّ الحياة الأخروية ليست ممكنة فقط وإنما ستقع بالتأكيد، وشرحت الكثير من الآيات خصوصيات عالم الآخرة وأحواله وموقعية الناس فيه. كما أكّد القرآن على لزوم الإيمان بالآخرة وأهميته وعدّد الآثار الحسنة للإيمان به وذكر نتائج إنكار المعاد.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٠.</ref>
فبعض الآيات جاءت لتجيب عن شبهات المنكرين للمعاد، وتؤكّد على إمكانيته وتُبيّن عدم استحالة إحياء الناس من جديد. وبعض الآيات الأخرى تؤكّد على ضرورة وقوع المعاد وتُبيّن أنّ الحياة الأخروية ليست ممكنة فقط وإنما ستقع بالتأكيد، وشرحت الكثير من الآيات خصوصيات عالم الآخرة وأحواله وموقعية الناس فيه. كما أكّد القرآن على لزوم الإيمان بالآخرة وأهميته وعدّد الآثار الحسنة للإيمان به وذكر نتائج إنكار المعاد.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٠.</ref>


==تبيين إمكانية المعاد==
==تبيين إمكانية المعاد==
نقل القرآن ادعاءات المنكرين للمعاد في آيات متعدّدة وأشار إلى أنّ هذا الإنكار يفتقد إلى المباني المعقولة والمنطقية، حيث إنهم كانوا إما أن يكتفوا بطرح الأسئلة التي تفصح عن إستبعاد المعاد: {{نص قرآني|وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدً}}<ref>سورة الاسراء: ۴۹.</ref> أو أنهم يتعجبون من أمر الحياة الأخروية {{نص قرآني|بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}}<ref>سورة ق: ۲-۳.</ref>، كما قد يعدّون فكرة المعاد من الأساطير وخيالات القدماء وكانوا يتهمون النبي{{صل}} عندما يبلّغ للمعاد بالكذب والجنون {{نص قرآني|وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}}<ref>سورة سبأ: ۷-۸.</ref>، {{نص قرآني|وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}}<ref>سورة النمل: ۶۷-۶۸.</ref>. يلاحظ أنه لا مبنى لكلامهم سوى الظن، يقول القرآن الكريم في بيان ذلك: {{نص قرآني|وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}}<ref>سورة الجاثيه: ۲۴.</ref>. من هنا اتبع القرآن أساليب متنوعة في بيان إمكانية المعاد وذلك لكي يقتلع جذور الشبهات والاستبعاد...، منها<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٠-٦٠١.</ref>:
نقل القرآن ادعاءات المنكرين للمعاد في آيات متعدّدة وأشار إلى أنّ هذا الإنكار يفتقد إلى المباني المعقولة والمنطقية، حيث إنهم كانوا إما أن يكتفوا بطرح الأسئلة التي تفصح عن إستبعاد المعاد: {{نص قرآني|وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدً}}<ref>سورة الاسراء: ۴۹.</ref> أو أنهم يتعجبون من أمر الحياة الأخروية {{نص قرآني|بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}}<ref>سورة ق: ۲-۳.</ref>، كما قد يعدّون فكرة المعاد من الأساطير وخيالات القدماء وكانوا يتهمون النبي{{صل}} عندما يبلّغ للمعاد بالكذب والجنون {{نص قرآني|وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}}<ref>سورة سبأ: ۷-۸.</ref>، {{نص قرآني|وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}}<ref>سورة النمل: ۶۷-۶۸.</ref>. يلاحظ أنه لا مبنى لكلامهم سوى الظن، يقول القرآن الكريم في بيان ذلك: {{نص قرآني|وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}}<ref>سورة الجاثيه: ۲۴.</ref>. من هنا اتبع القرآن أساليب متنوعة في بيان إمكانية المعاد وذلك لكي يقتلع جذور الشبهات والاستبعاد...، منها<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٠-٦٠١.</ref>:
===عدم تناهي القدرة والعلم الإلهيين===
===عدم تناهي القدرة والعلم الإلهيين===
من الشبهات المرتبطة بالمعاد هل الله قادر على إحياء الإنسان الذي تبدّل بالموت إلى تراب وعظام؟ في الجواب عن الشبهة يؤكّد القرآن على قدرة الله المطلقة وأنّ إعادة إحياء الموتى ممكنة {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة الاحقاف: ۳۳؛ راجع أيضاً: سورة الإسراء: ۹۹؛ سورة يس: ۸۱؛ سورة العنكبوت: ۲۰.</ref> قد تُطرح شبهة أنّ قيام القيامة يتوقف على قدرة الله على تشخيص كل بدن من الأبدان التي تبدّلت إلى تراب وهي كثيرة لا تُحصى، وعلمه بجزئيات أعمال المليارات من الناس الذين عاشوا على هذه الأرض طوال آلاف السنوات، حتى يُمكن القضاء بينهم بالعدل، الإشكال هو في إمكانية إطلاع الله على هذا المقدار الواسع الذي لا يُمكن تصوره من المعلومات.
من الشبهات المرتبطة بالمعاد هل الله قادر على إحياء الإنسان الذي تبدّل بالموت إلى تراب وعظام؟ في الجواب عن الشبهة يؤكّد القرآن على قدرة الله المطلقة وأنّ إعادة إحياء الموتى ممكنة {{نص قرآني|أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة الاحقاف: ۳۳؛ راجع أيضاً: سورة الإسراء: ۹۹؛ سورة يس: ۸۱؛ سورة العنكبوت: ۲۰.</ref> قد تُطرح شبهة أنّ قيام القيامة يتوقف على قدرة الله على تشخيص كل بدن من الأبدان التي تبدّلت إلى تراب وهي كثيرة لا تُحصى، وعلمه بجزئيات أعمال المليارات من الناس الذين عاشوا على هذه الأرض طوال آلاف السنوات، حتى يُمكن القضاء بينهم بالعدل، الإشكال هو في إمكانية إطلاع الله على هذا المقدار الواسع الذي لا يُمكن تصوره من المعلومات.


يتضح الجواب عن هذه الشبهة بالتأمّل في علم الله اللامتناهي، علم الله مطلق، لاحدّ له ولا يقيّد بقيد، هو عالم بكل الجزئيات ولا يعتريه غفلة أو نسيان، بالتالي فإنّ الله قادر على التمييز بين كل ذرة من ذرات بدن وبدن آخر وهو عالم بأعمال الناس علماً تفصيلياً.
يتضح الجواب عن هذه الشبهة بالتأمّل في علم الله اللامتناهي، علم الله مطلق، لاحدّ له ولا يقيّد بقيد، هو عالم بكل الجزئيات ولا يعتريه غفلة أو نسيان، بالتالي فإنّ الله قادر على التمييز بين كل ذرة من ذرات بدن وبدن آخر وهو عالم بأعمال الناس علماً تفصيلياً.
{{نص قرآني|أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}}<ref>سورة يس: ۸۱.</ref>، الآية تُشير إلى قدرة الله على خلق الناس من جديد، وتصفه بالعليم، في إشارة إلى أنّ الإقرار بعلمه المطلق لا يدع مجالاً للشك في المعاد. وقد ذُكر هذا المعنى في نفس السورة المباركة: {{نص قرآني|وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة يس: ۷۸-۷۹.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٦٠١-٦٠٢.</ref>
{{نص قرآني|أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}}<ref>سورة يس: ۸۱.</ref>، الآية تُشير إلى قدرة الله على خلق الناس من جديد، وتصفه بالعليم، في إشارة إلى أنّ الإقرار بعلمه المطلق لا يدع مجالاً للشك في المعاد. وقد ذُكر هذا المعنى في نفس السورة المباركة: {{نص قرآني|وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}}<ref>سورة يس: ۷۸-۷۹.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٦٠١-٦٠٢.</ref>
===الخلق الأول للإنسان===
===الخلق الأول للإنسان===
المنهج الآخر الذي اتبعه القرآن الكريم للقضاء على شبهات منكري المعاد هو دعوتهم إلى التأمل في الخلق الأول، وتذكيرهم بأنّ الله الذي خلق الإنسان الأوّل من ظلمة العدم إلى عالم الوجود، وهو قادر في الآخرة على إحيائه مرة أخرى وبخلق آخر، بالتالي فإنّ كل من يعتقد أنه مخلوق لله ويعتقد بخلقته الأولى لا يُمكنه التشكيك في المعاد: {{نص قرآني|أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}}<ref>سورة ق: ۱۵.</ref>، الآية تعبّر عن إحياء الناس في الآخرة بالخلق الجديد، وتُبيّن في قالب استفهام استنكاري أنه كما أنّ الله لم يكن عاجزاً في الخلق الأوّل للناس كذلك الحال بالنسبة لخلقهم من جديد. وقد ذُكرت هذه المقارنة في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {{نص قرآني|وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}}<ref>سورة الروم: ۲۷.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٢-٦٠٣.</ref>
المنهج الآخر الذي اتبعه القرآن الكريم للقضاء على شبهات منكري المعاد هو دعوتهم إلى التأمل في الخلق الأول، وتذكيرهم بأنّ الله الذي خلق الإنسان الأوّل من ظلمة العدم إلى عالم الوجود، وهو قادر في الآخرة على إحيائه مرة أخرى وبخلق آخر، بالتالي فإنّ كل من يعتقد أنه مخلوق لله ويعتقد بخلقته الأولى لا يُمكنه التشكيك في المعاد: {{نص قرآني|أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}}<ref>سورة ق: ۱۵.</ref>، الآية تعبّر عن إحياء الناس في الآخرة بالخلق الجديد، وتُبيّن في قالب استفهام استنكاري أنه كما أنّ الله لم يكن عاجزاً في الخلق الأوّل للناس كذلك الحال بالنسبة لخلقهم من جديد. وقد ذُكرت هذه المقارنة في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {{نص قرآني|وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}}<ref>سورة الروم: ۲۷.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٢-٦٠٣.</ref>
=== نماذج عينية للمعاد في عالم الطبيعة===
=== نماذج عينية للمعاد في عالم الطبيعة===
من الطرق الأخرى التي انتهجها القرآن من أجل القضاء على الغفلة أو التشكيك في إمكانية المعاد هي الدعوة إلى التدبّر في عجلة الحياة والموت المستمرة على الأرض، والتي تُعَد تجربة للموت والحياة تحصل بشكل دائم على مرأى من الناس جميعاً، فكل سنة ومع بداية فصل الربيع تنبض الحياة في أعماق الطبيعة وتكتسي الأرض بالحياة من جديد، خصوصاً مع نزول الأمطار تصبح الأرض مليئة بالطراوة ونمو الحياة وتفتح الأزهار بعد أن تجذب تلك الذرات ماء الحياة، أشار القرآن في آيات متعدّدة إلى هذه الظاهرة وعدّها آية واضحة لأحياء الموتى يوم القيامة: {{نص قرآني|وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}}<ref>سورة فصلت: ۳۹.</ref>، {{نص قرآني|وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}}<ref>سورة الفاطر: ۹.</ref>، من هنا يقول النبي الأكرم{{صل}}: {{متن حديث|إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّبِيعَ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ النُّشُورِ}}.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٣.</ref>
من الطرق الأخرى التي انتهجها القرآن من أجل القضاء على الغفلة أو التشكيك في إمكانية المعاد هي الدعوة إلى التدبّر في عجلة الحياة والموت المستمرة على الأرض، والتي تُعَد تجربة للموت والحياة تحصل بشكل دائم على مرأى من الناس جميعاً، فكل سنة ومع بداية فصل الربيع تنبض الحياة في أعماق الطبيعة وتكتسي الأرض بالحياة من جديد، خصوصاً مع نزول الأمطار تصبح الأرض مليئة بالطراوة ونمو الحياة وتفتح الأزهار بعد أن تجذب تلك الذرات ماء الحياة، أشار القرآن في آيات متعدّدة إلى هذه الظاهرة وعدّها آية واضحة لأحياء الموتى يوم القيامة: {{نص قرآني|وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}}<ref>سورة فصلت: ۳۹.</ref>، {{نص قرآني|وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}}<ref>سورة الفاطر: ۹.</ref>، من هنا يقول النبي الأكرم{{صل}}: {{متن حديث|إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّبِيعَ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ النُّشُورِ}}.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٣.</ref>
=== نماذج تاريخية للمعاد===
=== نماذج تاريخية للمعاد===
يذكّر القرآن الكريم ببعض النماذج التاريخية التي تثبت إحياء الموتى ويعدّه رداً على منكري المعاد، لأنّ وقوع الشيء هو أفضل دليل على إمكانه، ينقل القرآن - على سبيل المثال - أحداث وقعت لرجل مرّ على قرية خربة وشاهد أجساد الموتى، فقال في نفسه كيف يقدر الله على إحياء هؤلاء؟ فأماته الله وأحياه بعد مئة سنة: {{نص قرآني|أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة البقره: ۲۵۹.</ref>، يذكر القرآن أحداث قوم من بني إسرائيل، تركوا ديارهم خوفاً من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم: {{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}}<ref>سورة البقرة: ۲۴۳.</ref>، لم تذكر الآية أنّ الهدف من إحيائهم مرة أخرى هو إبراز نموذج من نماذج المعاد في هذه الدنيا، إلا أنّ بعض الروايات أشارت إلى ذلك<ref>الطبرسي، مجمع البيان، ج۱ - ۲، ص۳۴۷.</ref>.
يذكّر القرآن الكريم ببعض النماذج التاريخية التي تثبت إحياء الموتى ويعدّه رداً على منكري المعاد، لأنّ وقوع الشيء هو أفضل دليل على إمكانه، ينقل القرآن - على سبيل المثال - أحداث وقعت لرجل مرّ على قرية خربة وشاهد أجساد الموتى، فقال في نفسه كيف يقدر الله على إحياء هؤلاء؟ فأماته الله وأحياه بعد مئة سنة: {{نص قرآني|أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}<ref>سورة البقره: ۲۵۹.</ref>، يذكر القرآن أحداث قوم من بني إسرائيل، تركوا ديارهم خوفاً من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم: {{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}}<ref>سورة البقرة: ۲۴۳.</ref>، لم تذكر الآية أنّ الهدف من إحيائهم مرة أخرى هو إبراز نموذج من نماذج المعاد في هذه الدنيا، إلا أنّ بعض الروايات أشارت إلى ذلك<ref>الطبرسي، مجمع البيان، ج۱ - ۲، ص۳۴۷.</ref>.


نموذج آخر من النماذج العينية لإحياء الموتى في الدنيا، الأحداث التي وقعت في قوم بني إسرائيل والمتعلّقة بالبقرة التي ضُرب أحد القتلى ببعض أجزائها فعاد إلى الحياة ليكشف عن قاتله، فالقرآن بعد أن ينقل هذه الحادثة يُشير إلى أنّ إحياء الموتى في الآخرة هو من هذا السنخ: {{نص قرآني|كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>سورة البقرة: ۷۳.</ref>، كما أنّ معجزة النبي عيسى{{ع}} في قدرته على إحياء الموتى هي علامة أخرى على إمكان المعاد وإحياء الموتى مرة أخرى.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٤-٦٠٥.</ref>
نموذج آخر من النماذج العينية لإحياء الموتى في الدنيا، الأحداث التي وقعت في قوم بني إسرائيل والمتعلّقة بالبقرة التي ضُرب أحد القتلى ببعض أجزائها فعاد إلى الحياة ليكشف عن قاتله، فالقرآن بعد أن ينقل هذه الحادثة يُشير إلى أنّ إحياء الموتى في الآخرة هو من هذا السنخ: {{نص قرآني|كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>سورة البقرة: ۷۳.</ref>، كما أنّ معجزة النبي عيسى{{ع}} في قدرته على إحياء الموتى هي علامة أخرى على إمكان المعاد وإحياء الموتى مرة أخرى.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٤-٦٠٥.</ref>


==إثبات وقوع المعاد==
==إثبات وقوع المعاد==
سطر ٤٠: سطر ٤٠:
فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون هناك عالم آخر للثواب والعقاب، ذلك العالم هو عالم الآخرة.
فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون هناك عالم آخر للثواب والعقاب، ذلك العالم هو عالم الآخرة.


لقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى البرهان المذكور، منها ما جاء في سورة الجاثية: {{نص قرآني|أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}}<ref>سورة الجاثية: ۲۱-۲۲.</ref>، تُبيّن الآية الأولى في قالب استفهام استنكاري عدم الانسجام بين العدل الإلهي وتجويز المساواة بين المؤمن المُحسن والمُسيء في الحياة والموت وفي الآية الأخرى إشارة إلى أنّ الهدف من قيام الساعة هو رؤية الناس جزاء أعمالهم بالكامل في منتهى العدالة، وبما أنّ هذا الهدف لا يُمكن الوصول إليه في الدنيا فمن الضروري وجود عالم آخر صالح إلى أن يكون ظرف تحقّق العدل الإلهي الكامل {{نص قرآني|أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}}<ref>سورة القلم: ۳۵-۳۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٦٠٥-٦٠٧.</ref>
لقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى البرهان المذكور، منها ما جاء في سورة الجاثية: {{نص قرآني|أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}}<ref>سورة الجاثية: ۲۱-۲۲.</ref>، تُبيّن الآية الأولى في قالب استفهام استنكاري عدم الانسجام بين العدل الإلهي وتجويز المساواة بين المؤمن المُحسن والمُسيء في الحياة والموت وفي الآية الأخرى إشارة إلى أنّ الهدف من قيام الساعة هو رؤية الناس جزاء أعمالهم بالكامل في منتهى العدالة، وبما أنّ هذا الهدف لا يُمكن الوصول إليه في الدنيا فمن الضروري وجود عالم آخر صالح إلى أن يكون ظرف تحقّق العدل الإلهي الكامل {{نص قرآني|أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}}<ref>سورة القلم: ۳۵-۳۶.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص ٦٠٥-٦٠٧.</ref>


==عوامل إنكار المعاد==
==عوامل إنكار المعاد==
نستنتج مما ذكر أنّ هناك أدلّة واضحة كثيرة على إمكان المعاد وكذلك وقوعه الحتمي، وبالرغم من ذلك نجد بعض الناس تنكر المعاد والحياة بعد الموت، لقد أشار القرآن الكريم في آيات متعدّدة إلى آراء المنكرين: {{نص قرآني|وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}}<ref>سورة الجاثية: ۲۴.</ref>، السؤال المهم هو ما العوامل التي جعلت البعض ينكر وجود حياة أخرى بعد الموت، بل يرفض ويجادل في هذا الأصل الديني الأساسي في كل الأديان الإلهية؟، يُمكن تقسيم تلك العوامل إلى قسمين كليين، هما:
نستنتج مما ذكر أنّ هناك أدلّة واضحة كثيرة على إمكان المعاد وكذلك وقوعه الحتمي، وبالرغم من ذلك نجد بعض الناس تنكر المعاد والحياة بعد الموت، لقد أشار القرآن الكريم في آيات متعدّدة إلى آراء المنكرين: {{نص قرآني|وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}}<ref>سورة الجاثية: ۲۴.</ref>، السؤال المهم هو ما العوامل التي جعلت البعض ينكر وجود حياة أخرى بعد الموت، بل يرفض ويجادل في هذا الأصل الديني الأساسي في كل الأديان الإلهية؟، يُمكن تقسيم تلك العوامل إلى قسمين كليين، هما:
#الشبهات النظرية، أشرنا عند البحث في أدلّة إمكان المعاد أنّ بعض الشبهات ناشئة من قلة اطلاع الإنسان وعدم تدبره، مما يؤدّي إلى شكه أو إنكاره للمعاد، وإحدى وظائف المتكلمين المسلمين هي الإجابة عن الشبهات المذكورة من خلال الاستفادة من مضامين الآيات والروايات والاستدلالات العقلية.
#الشبهات النظرية، أشرنا عند البحث في أدلّة إمكان المعاد أنّ بعض الشبهات ناشئة من قلة اطلاع الإنسان وعدم تدبره، مما يؤدّي إلى شكه أو إنكاره للمعاد، وإحدى وظائف المتكلمين المسلمين هي الإجابة عن الشبهات المذكورة من خلال الاستفادة من مضامين الآيات والروايات والاستدلالات العقلية.
#الشهوات العملية، لعل هذا العامل أقوى تأثيراً وأكثر اتساعاً من العامل الأوّل، من البديهي أنّ الإنسان الذي يهدف إلى التلذذ بالدنيا بدون قيد وحد، يرى الاعتقاد بالمعاد مانعاً عن الوصول إلى أهدافه، فينكره فراراً من أي مسؤولية: {{نص قرآني|أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}}<ref>سورة القيامة: ۳-۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٧-٦٠٨.</ref>
#الشهوات العملية، لعل هذا العامل أقوى تأثيراً وأكثر اتساعاً من العامل الأوّل، من البديهي أنّ الإنسان الذي يهدف إلى التلذذ بالدنيا بدون قيد وحد، يرى الاعتقاد بالمعاد مانعاً عن الوصول إلى أهدافه، فينكره فراراً من أي مسؤولية: {{نص قرآني|أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}}<ref>سورة القيامة: ۳-۵.</ref>.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٧-٦٠٨.</ref>


==المعاد الجسماني – الروحاني==
==المعاد الجسماني – الروحاني==
ذكرنا ثلاث نظريات في الفصل السابق تتعلّق بالمعاد، وأشرنا إلى أنّ هناك مدافعين من علماء المسلمين إلى كل نظرية، والآن ينبغي أن ننظر في الآيات والروايات الإسلامية، لنكتشف أيّ نظرية من النظريات الثلاث هي الأقرب إلى مضامينها، في الجواب عن السؤال يُمكن القول أنّ مجموع الآيات والروايات تؤيّد النظرية الثالثة أيّ المعاد الجسماني - الروحاني، لأنّ بعض الآيات والروايات تنسجم مع المعاد الروحاني وبعضها الآخر ينسجم مع المعاد الجسماني، ومقتضى الجمع بينها مع ترك المخالفة غير الضرورية لظواهرها هو القول بأنّ المعاد جسماني وروحاني. أشرنا في بحث حقيقة الإنسان إلى أنّ القرآن قد بيّن أنّ للإنسان بعدين، فعندما يموت تنفصل روحه عن عالم الطبيعة وتنتقل إلى نشأة أخرى، وسوف نُشير في الفصول القادمة إلى أنّ بعض الآيات القرآنية تدلّ على حضور البدن وأعضاء الإنسان وجوارحه في الآخرة، بالإضافة إلى ذلك، بعض الآيات تُبيّن أنّ للنعم والعذاب الأخرويين أبعاد جسمانية وأخرى روحانية. فيتضح من مجموع ما ذكره القرآن عن الموت والحياة الأخروية وأحوال الإنسان بعد الموت أنّ لمعاد الإنسان بُعدين أيضاً جسماني وروحاني.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص٦٠٨-٦٠٩.</ref>
ذكرنا ثلاث نظريات في الفصل السابق تتعلّق بالمعاد، وأشرنا إلى أنّ هناك مدافعين من علماء المسلمين إلى كل نظرية، والآن ينبغي أن ننظر في الآيات والروايات الإسلامية، لنكتشف أيّ نظرية من النظريات الثلاث هي الأقرب إلى مضامينها، في الجواب عن السؤال يُمكن القول أنّ مجموع الآيات والروايات تؤيّد النظرية الثالثة أيّ المعاد الجسماني - الروحاني، لأنّ بعض الآيات والروايات تنسجم مع المعاد الروحاني وبعضها الآخر ينسجم مع المعاد الجسماني، ومقتضى الجمع بينها مع ترك المخالفة غير الضرورية لظواهرها هو القول بأنّ المعاد جسماني وروحاني. أشرنا في بحث حقيقة الإنسان إلى أنّ القرآن قد بيّن أنّ للإنسان بعدين، فعندما يموت تنفصل روحه عن عالم الطبيعة وتنتقل إلى نشأة أخرى، وسوف نُشير في الفصول القادمة إلى أنّ بعض الآيات القرآنية تدلّ على حضور البدن وأعضاء الإنسان وجوارحه في الآخرة، بالإضافة إلى ذلك، بعض الآيات تُبيّن أنّ للنعم والعذاب الأخرويين أبعاد جسمانية وأخرى روحانية. فيتضح من مجموع ما ذكره القرآن عن الموت والحياة الأخروية وأحوال الإنسان بعد الموت أنّ لمعاد الإنسان بُعدين أيضاً جسماني وروحاني.<ref>[[محمد سعيدي مهر]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|'''دروس في علم الكلام الاسلامي''']]، ص٦٠٨-٦٠٩.</ref>


== المراجع ==
== المراجع ==